داخل مختبر برج السحر…
نظر "زود" إلى "ديزير" بتعبيرٍ ملأه الذهول والتساؤل.
«كنتُ على وشك التوسل إليك للتراجع للمرة الأخيرة، لكن لا يبدو أنك ستغير رأيك.»
«للأسف الشديد، لن أفعل.»
حدق "ديزير" في "زود" بنظرةٍ ثابتة ومصممة؛ واستطاع "زود" استشعار إرادته الصلبة بمجرد النظر إلى عينيه.
(ظننتُ أنه اتخذ قراره بدافع الاندفاع…)
ولهذا السبب منح "زود" مهلة أسبوعٍ لـ "ديزير" ليفكر في الأمر بهدوء.
(لم أكن أتوقع قط أنه سيتدرب لـ أسبوعٍ كامل بلا انقطاع من أجل هذه العملية).
لم يعُد بمقدوره ثنيه عن عزمه بعد الآن؛ فقرر "زود" احترام إرادته القاطعة.
«فقط انتظر هنا لبرهةٍ واجلس ظهراً لظهر مع الهومونكولوس.»
توجه "ديزير" إلى حيث تقبع الهومونكولوس، والتي حدقت فيه بحدة وهي جائثية ومقيدة: «إذاً لقد اخترتَ جلب الكارثة لنفسك بمحض إرادتك.»
لم تكن تبدو ببشاعة هيئتها السابقة؛ فقد اختفت الأجهزة التي كانت تبقيها على قيد الحياة، واستعاد جسدها قوامة بنيته، ناهيك عن جمالها الفائق. لم يسمح لها أحدٌ بالتلاعب بالسببية، ولم يُستخدم أي دواء؛ بل كانت المرونة الطبيعية للهومونكولوس هي ما أتاح لها التعافي. وجعلهم ذلك يدركون مرةً أخرى أنها ليست بشراً، بل هومونكولوس؛ فلا يمكن لأي بشر أن يتعافى بهذه السرعة.
ورغم استعادة جسدها، إلا أن الهومونكولوس لم تكن تشكل أية خطورة؛ فقد منعتها الاختتامات والتقييدات القوية تماماً من التحكم بالمانا. كما أن جسدها الاستثنائي كان مقيداً بسلاسل صُنعت بأسلوب خاص، بحيث عجزت عن إبداء أدنى حركة.
تلك الفتاة العاجزة تماماً عن الحركة لم تكن تشبه بأي حالٍ من الأحوال ذلك الوحش الذي حصد أعداداً لا تُحصى من الأرواح خلال الحرب.
ومع ذلك، كانت المظاهر خداعة؛ فقد كانت أعتى عدوٍ يمكن تصوره، مدعومةً بتلك القدرة السماوية على التلاعب بمبدأ السببية. وتلك الهومونكولوس نفسها هي من وضعت "ديزير" ورفاقه في فرقة "ستارلينغ" في خطرٍ مميت.
ودون أدنى تردد، اختار "ديزير" تطوير نفسه على حساب عدوه، دون أن يخالج قلبه أي شعورٍ بالذنب جراء فعل ذلك.
اهتزاز!
جلس "ديزير" ظهراً لظهر مع الهومونكولوس.
وحين فعل ذلك، استطاع استشعار العديد من دوائر المانا داخل جسدها؛ ومع ذلك، لم يسبر أي أثرٍ للمانا داخل تلك الدوائر الخاوية.
درس "ديزير" تحركات "زود" الذي كان يتجهز لعملية زراعة الدائرة السحرية، يتحرك في أرجاء المختبر لإعداد المعدات والمواد اللازمة. وبعد فترةٍ وجيزة، اقترب منه "زود"، موضحاً أنه مستعدٌ للبدء.
ألقى "ديزير" نظرة على الغرض الذي يحمله "زود": «ما هذا؟»
«إنه حزام حماية ومحاذاة يبقيك أنت والهومونكولوس متراصين أثناء النقل، حتى لا تتفتت دائرة المانا. كما أعددت جهازاً مساعداً ليعينك على التناغم مع دائرة المانا… لقد صنعتُ هذه خصيصاً لك.»
سرد "زود" قائمةً بمختلف الأمور التي يجب مراعاتها وتجنبها وهو يربط "ديزير" والهومونكولوس معاً بإحكام باستخدام نطاقٍ ضخم من نوعٍ خاص.
«لا يمكنك الانفصال عن الهومونكولوس، مهما بلغ حجم الألم. وإذا نزفت، فما عليك سوى الفظ بنزيفك؛ فلا يمكنك التخلي عن تركيزك. وللأسف، سحر الشلل ليس خياراً متاحاً.»
أومأ "ديزير" رأسه تفهماً.
فسحر الشلل قد يكون ضاراً للغاية عندما يتعلق الأمر بالتحكم السريع والدقيق بالمانا.
«الأمر الأكثر أهمية هو أن كل شيء يتوجب أن يُنجز بسرعة؛ فبالرغم من أننا قد ننجح في زراعة دائرة المانا، إلا أنها قد تتضرر وتنكسر إذا لم تقم بمزامنتها وتكييفها فوراً.»
«سأضع ذلك في اعتباري.»
ربطهما "زود" معاً، معلناً بذلك اكتمال استعداداته، ثم أومأ برأسه نحو "ديزير": «لنبدأ عند العد لثلاثة: واحد… اثنان… ثلاثة!»
بدأ "زود" في تدوير المانا الخاصة به بينما وضع يديه على صدري "ديزير" والهومونكولوس. وفي الوقت نفسه، بدأ الجهاز الضخم الشبيه بالنطاق بالإشعاع.
استطاع "ديزير" استشعار دوائر المانا الخاصة بالهومونكولوس بكثافةٍ أشد من ذي قبل؛ وبات يراها بوضوحٍ شديد يتيح له تحديد موقع كل دائرة مانا بدقة والتردد الذي تقف عنده حالياً…
ومن بين كل دوائر المانا المتواجدة داخل جسد الهومونكولوس، لاحظ "زود" دائرةً معينة قريبة من قلبها؛ فقد كانت الأكثر قرباً في ترددها من دوائر "ديزير" الخاصة، ولهذا بدأ "زود" بـ استحثاثها استعداداً للزراعة.
ومع ذلك، كانت هذه الدائرة هي "الدائرة السادسة".
ولم يكن بمقدور "زود" زراعة الدائرة السادسة بمستواه الحالي، كما أن "ديزير" لن يملك أية فرصة للتعامل معها.
بدأ "زود" بـ ضخ المانا لمهاجمة دوائر الهومونكولوس مباشرةً وتفكيكها:
من الدائرة السادسة إلى الدائرة الخامسة… ومن الدائرة الخامسة إلى الدائرة الرابعة…
كانت الهومونكولوس ترتجف ألماً بينما كانت دائرة المانا الخاصة بها تتمزق، إلا أن جسدها بدا صامداً خلاف ذلك.
ولحسن حظ الهومونكولوس، لم يكن "زود" يعمل بدقةٍ فائقة الاستثنائية فحسب، بل إن بنيتها الجسدية كانت تتجاوز بنية البشر بكثير؛ فلا يوجد ساحرٌ عادي يستطيع تحمل هذا الضغط المسلط على شبكة المانا.
وأخيراً، أضحت الدائرة السادسة عبارة عن "دائرة رابعة"؛ وكان هذا كافياً لنقلها، وشهياً يستطيع "ديزير" التعامل معه.
ومع ذلك، لم يتوقف "زود" عن تفكيكها عند هذا الحد؛ بل قسّم الدائرة إلى أربعة أجزاء منفصلة. وبفعله هذا، جعل "زود" زراعة الدائرة في جسد "ديزير" أسهل بكثير، إلا أنه اختصر الوقت المتاح أمام "ديزير" لدمجها وتكييفها بحدة.
تحكم "زود" بـ المانا الخاصة به ببراعة ودقة أشد ارتفاعاً وهو يقسمها إلى أربعة أجزاء.
«استعد!»
بدأت أجزاء دائرة المانا المفككة تنتقل من الهومونكولوس إلى "ديزير" واحداً تلو الآخر؛ ومع نقل جزءين، بدت العملية وتسير بسلاسة. ومع ذلك، بدأ جسد "ديزير" يبدي رد فعلٍ عكسياً فور وصول الجزء الثالث.
(قيود توافق المانا لديه…)
كانت قوة التنافر هائلة؛ ولو اهتز تركيز "زود" ولو لبرهةٍ واحدة، لتطايرت بعيداً في غضون ثانية.
وحتى بدون وجود دليل عملي أو ممارسة سابقة لمثل هذه الجراحة، فقد عرف بديهياً ما يتوجب عليه فعله.
غلف "زود" القطعة بـ المانا الخاصة به من الدائرة السابعة الضاربة بالوفرة، وضاغطاً عليها بقوة داخل جسد "ديزير".
وفعل ذلك بأسلوبٍ واثق لا يتأتى إلا لـ "زود إكساريون"—الساحر الوحيد من الدائرة السابعة في القارة.
وسرعان ما نُقلت كل أجزاء دائرة المانا إلى داخل "ديزير".
انتفاضة!
شعر "ديزير" بـ ألمٍ هائل كاد أن يوقف قلبه عن النبض… وكأن شيئاً ما قد أقبض على قلبه ويحاول خنقه؛ فقد أدخلت دائرة المانا الغريبة جسده في حالة صدمة عارمة. ورغم ذلك، انتهى الألم عند ذلك الحد بفضل استعداده الشامل طوال الأسبوع الماضي؛ فلم يسمح—ولم يكن بقدوره أن يسمح—للألم بتشتيت تركيزه أكثر من ذلك.
استفراغ!
وفي النهاية، سعل كميةً من الدم.
رفع "زود"—الذي كان يراقبه بوجل—حاجبيه بديهياً بقلق، لكنه واصل عمله في صمت.
بدأت أجزاء دائرة المانا التي قسمها "زود" تتجمع لتشكل دائرة واحدة فوق دائرة "ديزير" الثالثة الحالية.
اندجمت القطع معاً، لتشكل قريباً دائرة رابعة، مزروعة بطريقة لا تختلف عن إضافةٍ طبيعية لجسده.
وبعد إنهاء الجزء الخاص به من الإجراء، جمع "زود" المانا الخاصة به مجدداً: «البقية تعتمد عليك الآن.»
درس "زود" حالة "ديزير" بعناية.
وفور أن تضاءلت مانا "زود"—القوة التي كانت تكبح التنافر—وتلاشت تماماً، بدأت الدائرة الرابعة المزروعة بالتمرد؛ وسرعان ما أضحت دائرة المانا جامحة، تدفع وتسحب المانا بفوضوية في أرجاء جسد "ديزير".
ورغم أن الألم كان محتملًا في تلك اللحظة، إلا أنه سيزداد بسرعة ليغدو أقوى من أن يُطاق إذا لم ينهِ مهمته بعجلة.
بدأت دائرة المانا بـ امتصاص المانا من بيئتها المحيطة لملء نفسها، بعد أن لم تعد مكبوحةً بـ أجهزة كبح المانا التي تؤثر على الهومونكولوس.
سارع "ديزير" بقراءة ترددها، مدركاً أنه سيتغير بسرعة إذا استغرق وقتاً أطول. ونظر إليه "زود" بإعجابٍ وانبهار: (إنه سريع!)
تذكر "زود" رؤيته لـ "ديزير" وهو يتحكم بالترددات المتميزة بضع مرات في الماضي…
لكن "ديزير" اليوم كان مختلفاً تماماً؛ فقد كان يفعل ذلك أسرع بكثير مما يتذكره "زود".
لم يستغرق الأمر سوى ثانية واحدة لـ "ديزير" ليقرأ التردد الجديد ويجبر المانا الخاصة به على البدء بالرنين مع الدائرة المزروعة…
تردد صوتُ طنين متنافر.
صليل!
وكان هذا الجزء من العملية أسرع مما افترض "زود" أنه سيستغرقه.
وبدت حركة دائرة المانا—التي كانت تشبه حصاناً برياً يركض من على التل بسرعة جنونية—تهدأ وتتلاشى، وإن كان ذلك بدرجةٍ ضئيلة فقط.
ومع ذلك، لم يكن الأمر يسير بسلاسةٍ تامة: (ترددها يتغير باكرًا جداً!)
تلاشى اللون من وجه "زود".
فبما أن دائرة المانا المزروعة قد امتصت كميةً ضئيلة من مانا "زود"، فقد تغير التردد أسرع مما كان متوقعاً.
لقد كانت خطوةً لازمة لزراعة الدائرة وكانوا مستعدين لها، إلا أن أحداً حتى "زود" لم يتوقع مدى تأثير ذلك على مجريات العملية.
لقد كانوا عاثري الحظ فحسب.
وبعد محاولة استعادة السيطرة، استسلم "ديزير" في النهاية وأعاد العملية مرةً أخرى؛ بدئاً من الصفر، ومجدداً عند مرحلة قراءة التردد.
«… تباً!»
عَرِقت كفا "زود".
وعلى عكس "زود" الذي كان يزداد توتراً وجزعاً، كان "ديزير" هادئاً وغير مضطرب تماماً؛ ورغم أن النجاح كان يتوقف عليه وحده، ورغم علمه بثمن الفشل، إلا أنه ظل ثابتاً ومصمماً بالكامل.
وعاد بـ هدوء لقراءة التردد مرةً أخرى والتحكم بـ المانا لديه. ومع ذلك، تغير تردد الدائرة مرةً أخرى!
وكان "ديزير" على وشك قراءة التردد مجدداً دون استسلام: «كح!»
سعل "ديزير" كميةً من الدم؛ فقد أثرت الدائرة التي كانت في طور الانهيار على جسده والحقت به إصابةً داخلية حادة.
(التغير الكبير في البداية كان ذا تأثيرٍ جسيم).
كانت المانا تعربد بأسلوبٍ أشد فوضوية مما تخيلوا. والجزء العلوي من الدائرة الرابعة—والذي كان من الصعب على "زود" إعادة ربطه—بات يحتوي على شقٍ صَغِير الآن. ورغم أنه مجرد شقٍ طفيف في الوقت الحالي، إلا أنه لا يمكن لأحدٍ التنبؤ بمتى سيتسع ذلك الشق الصغير ويدمر الدائرة كلياً.
أراد "زود" مساعدة "ديزير"، إلا أنه لم يستطع التصرف كما يحلو له هنا؛ فتدخل شخصٍ آخر في هذه العملية لن يؤدي سوى لتعقيد المشاكل لـ "ديزير".
كان يتوجب على "ديزير" حل هذه المعضلة بمفرده: (… إذا لم يستطع ديزير حلها، فإن…)
جمع "زود" المانا الخاصة به بحذر؛ فإذا أصبح الوضع أشد خطورة، وإذا أضحت حياة "ديزير" في خطرٍ حقيقي، فقد وطن نفسه على التدخل وتدمير دائرة المانا الخاصة بـ "ديزير" بيديه! فعندما تتنكس الدائرة جراء فيضان المانا، يموت الساحر في تسع حالات من أصل عشر؛ وقبل الوصول إلى تلك النقطة، لو قام بتحطيم دائرة مانا "ديزير" تحت سيطرته الدقيقة، فسيكون احتمال بقائه على قيد الحياة أعلى بكثير.
وكان هذا مصيراً أفضل من الموت على أية حال.
وكان "زود" على وشك الاقتراب من "ديزير" للجوء إلى الملاذ الأخير…
وفجأة، رفع "ديزير" يده نحوه!
(كيف يكون هادئاً ومرتاحاً إلى هذا الحد…؟)
تفاجأ لـ لحظة، ثم أدرك أن تعبير "ديزير" قد انقشع واسترخى بوضوح.
في الوقت نفسه، شعر "زود" أن حركة المانا داخل جسد "ديزير"—والتي كانت تتدفق بجنون قبل لحظات فقط—قد هدأت واضمحلت بالتأكيد. وسرعان ما اكتشف السبب:
لقد نجح "ديزير" منتصف الطريق في التناغم مع دائرة المانا؛ ولكي يشتري لنفسه المزيد من الوقت، قام بكبح الدائرة الجامحة باستخدام المانا الخاصة به، بـ الطريقة نفسها التي استخدمها "زود" أثناء زراعتها!
وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير
لا حول و لا قوة الى أقسم له النعمة وله الفضل و له الثناء الحسن مخلصين له الدين و لو كره الكافرون
لا تدعو الوايات و ملذات الحيات تلهيكم عن الصلاة و العبادات و سائر مسؤولياتكم في الحياة يا اخوان و السلام عليكم