رحلة الأسود والأحمر الفصل 59 — الملكة الأولى

اقرأ رحلة الأسود والأحمر الفصل 59 — الملكة الأولى باللغة العربية على مانجا تايم.

أعبر الدائرة وأشعر بالقوة تحت قدمي لأدرك ما يجرى حقاً. السحرة غير المتدربين في الخارج ليسوا سوى وقود. توجّه سميراميس تعويذة غير آبهة ستغير وجه العالم وهي جالسة على كرسي وثير بينما ينفذ مائة بشري أمرها دون علم منهم. لا أملك أدنى فكرة عما فعلته لتدير الأمر هكذا، ولكني أعلم أن المهارة اللازمة لهذا الفعل ينبغي ألا توجد قط. ينبض الرمز بطاقة تفوق طاقة الهيرالد بمراحل. أشعر كأنما أقف على سطح الشمس ولا يفصلني عن الهلاك المحتوم سوى حاجز بشعر ورضا المضيفة عني. عندما تدعوني للجلوس، ألبي الطلب. تميل الملكة العتيقة إلى الأمام بحركة توحي بالكثير وتكشف عن لمحة من نحرها، وأكاد أجزم أن من يقدّرون هذه الأمور لكانوا قد جنّوا بحلول هذه اللحظة. تبدو الحركة مثيرة دون ابتذال، والوضعية سهلة ورشيقة لدرجة تستحق الخلود في لوحة. أحاول نقشها في ذاكرتي رغم المأزق الخطير الذي أجد نفسي فيه. لغريب العجب، تصبّ لي كُوباً من مستحضرها. السائل ذو حمرة غريبة ورائحة ترابية تحوم فيها نفحات بهارات. "تذوقيه." أتردد ثم أدرك أنه لا ينبغي لي ردّ وفادتها. تظاهرت بشرب الشاي في مناسبات لا تحصى. هذه واحدة أخرى فقط. أبلل شفتي بالسائل فيغمر عبقه لساني. كما توقعت، ترابي وبهارات. يسري الدفء في حلقي وأبتلعه. يترك طعماً منعشاً وغريباً يشبه النعناع في الفم. تمهلي. لقد تناولت الشاي لتوّي، وبصفتي مصاصة دماء. مستحيل! تتسع عيناي رغم محاولتي الحفاظ على رباطة جأشي، وتبتسم مضيفتي بخفة. تشرب هي الأخرى ثم تحدق بي بنظرة صقرية مركزة. أشعر كأنني ظبية أمام قطيع ذئاب. يتحول نبرتها إلى صقيع مشحون بالتهديد. "قبل أن نمضي أبعد، أيعلم ابني بوجودك هنا؟" "لا... أعني، أظن أنه لا يعلم؟" "متى كانت آخر مرة رأيتيه فيها؟" "في الأحلام أم وجهاً لوجه؟" أدرك تماماً أن إجابتي تفاجئها، لكن التحقيق يستأنف قريباً. "مثير للاهتمام... أجيبي عن الحالتين." "في عام ألف وثلاث وثمانين ومائة وجهاً لوجه، وفي عام ألف وثلاث ومائة واثنتي عشرة في الأحلام." "آه. كنتِ إحدى النسلات المنبوذة. يا حظك السعيد. حسناً، لستِ تشكلين تهديداً وأنا أعلم من وضعنا في مسار تصادمي." "من؟" ترفع يداً جميلة وتشير إلى الأعلى. أدرك ما تقصده قبل أن أرفع عينيّ. "ظننته يكتفي بالمراقبة؟" "غالباً نعم، لكنه يشد خيوط القدر أحياناً. أجيبيني عن سؤال آخر. ماذا تفعلين هنا؟" "نحن بالقرب من مدينتي. ظننت ربما أن التعويذة تهديد يهدف إلى القضاء عليّ وأنا أقترب من غايتي." "أهكذا؟ وما هذه الغاية التي تتحدثين عنها؟" "يجب أن أبقى مسيطرة على مدينة لعشرين عاماً لأعترف رسمياً بصفتي سيدة مدينة. سيتيح لي هذا استغلال ثغرة في المعاهدات للالتفاف على حكم الإعدام الصادر بحقي." "آه، أرى ذلك." تتلاشى نظرة الملكة المسيطرة الحاكمة فأعود مرة أخرى ضيفة مقدرة في حفل الشاي الأكثر روعة في العالم. ترتشف رشفة وتتابع: "إن لم تكوني هنا نيابة عن سيدك، فلسنا أعداءً. تجدينني في وقت عجيب حقاً أيتها الصسغيرة. ما اسمك؟" "أريان." "أريان، ممم. اسم قديم. على أي حال، أجد نفسي مشغولة بهذه المهمة الكئيبة حتى نهاية الانقلاب الصيفي، ولدي رغبة في التسلية. لقد مضى وقت طويل منذ أن أجريت محادثة لذات المحادثة. أفترض أن لديك أسئلة؟" "نعم!" أنطق بها مقاطعة، "الكثير منها!" يتحول تعبيرها إلى الصبر والتفهم، كمعلم مع طالب مهتم. "اسألي إذن." "ما نحن؟" تبدو سميراميس مذهولة للحظة، ثم تضحك بمرح. الصوت يشبه رنين الأجراس في الرياح، أثيري ومحبب. "آآه نعم، أستطيع أن أرى لم استطعتِ مقاومتي هكذا. حقاً، لديك عقلية غريبة أيتها الصغيرة. حسناً إذن، دعيني أروِ لك قصة. ستشبع فضولك أنا متأكدة، ولا توجد طريقة أفضل لتضييع الوقت. أحم." تعتدل الملكة في جلست شيئاً فشيئاً وتأسرني بعينيها الداكنتين. يبهت العالم من حولي تدريجياً حتى أستطيع الشعور بالرمل الدافئ تحت قدمي، ورائحة الحجارة المسخنة والبهارات، وضجيج بشر كانوا يعيشون في فجر التاريخ، قبل أن يجعل العقل والتنوير الإنسان مركز الكون. "قبل ثلاثة آلاف عام تقريباً، كانت هناك أرض بين نهرين حيث نمت دويلات المدن كورود الصحراء. ازدهرت لتصبح إمبراطوريات أو تعرضت للنهب والهيمنة، لكنها في النهاية كانت تتبدد جميعاً لتترك الساحه لغيرها. لقد ولدت في إمبراطورية من هذا النوع." "كان وقتاً لا يخفي فيه السحر. لقد كان أداة أخرى في ترسانة العظمة التي يتوق إليها جميع الحكام، إذ لم يكن بمقدور سوى من تحظى برعاية الملوك ممارسة تلك النعم. وعندما بلغت الثانية عشرة، تجلى هذا السحر مني، واستخدمته لقتل أبي." "وبدل إعدامي، زُوّجتُ للملك نينوس كزوجة ثالثة له. كان في الثامنة عشرة ويحتاج إلى دعم ذوي المواهب لتأمين حكمه ونسله. وبعد ثلاث سنوات، أنجبت نيراري، ابني. إنه ولدي الذكر الوحيد الذي بلغ الرشد. أما الباقون فقد اغتيلوا." "وعندما بلغ الخامسة عشرة، قاد جيوشنا ضد البرابرة من الغرب وخرج منتصراً. كانت سهامه الأولى في قتل عدو وعربته الأولى التي تقتحم خطوطهم. سارت بمهارته وشراسته الرنسان آنذاك، وحين قتل الحيثيون زوجي، صرت ملكة بدعمه. وبحلول ذلك الوقت، كنت قد تخلصت من الزوجات الأخريات وذريتهن بينما صدرت عشرات محاولات اغتيال حياتنا. صببنا ذهباً مصهوراً في أفواه المرتزقة المشترين لقتلنا ودهنا أعضاء ومؤخرات القتلة بالعسل قبل دفنهم في أعشاش النمل الأحمر. أرسلت لعنات مرعبة على أعدائنا لتتعفن أصابعهم وتخرج الديدان من رؤوسهم وهم ما زالوا واعين." أوه. واو. وظننت أنا وأخي أخيل أننا خضنا معارك طاحنة. "في السنوات التالية، أصبحت بابل لا تُضاهى. كانت القبائل والمدن ترسل لنا الجزى وقرابين العبيد والذهب. وكانوا يرسلون أميراتهم ليمنحبن أبنائي ذرية من دمائهن، لكن ذلك لم يكن كافياً." "كنت أعظم ساحرة عرفها التاريخ ومع ذلك، كنت أعلم أنني لا أملك سوى شتات مما يمكن إنجازه. وجدت انعكاسات لعوالم غريبة وأشخاصاً غرائب، حضارات كنا أمامها مجرد أطفال يتصارعون في التراب. احتجت إلى وقت يتجاوز ما يمنحه الجسد البشري، وقتاً أطول بكثير. وهكذا، بحثت في كل مكان عن شيء يمكنه خرق حجاب واقعنا، واقع قاوم السحر أكثر من غيره. كان لا بد أن يكون قوياً بالقدر الذي يمنحني ما أبتغيه، وشريفاً أو صبوراً بما يكفي لعدم تدميرنا. وفي أكثر الأماكن روعة، وجدته." "ماذا؟ ماذا وجدتِ؟" ترفع إصبعها مرة أخرى. أنا أذهل من أن أقبل هذه الإجابة. "مستحيل!" "ممكن للغاية. كان المراقِب كل ذلك وأكثر. يمكنك اعتباره كائناً قديرًا وطفلاً صغيراً في آن واحد. الوصف الأدق الذي أستطيع تقديمه هو شظية من ملك صانع. سيموت ذات يوم ويلد عالماً جديداً." "لا هذا... لا يمكنك معرفة كل ذلك. إنه مستحيل." يعتصر الرعب الحقيقي صدري ويجمد عقلي. أيمكنها فهم ما لا يُعقل؟ سيعجل هذا عقلها كعقل ملك وأنا أرفض... أرفض قطعاً تقبل هذا. لا ينبغي لعقل بشري استيعاب هذا. هذا ليس صحيحاً! حتماً... "ثقي بي، لقد أتيح لي وقت طويل جداً لدراسة شريكي. كان التواصل متعذراً في البداية، ولكني لم أستسلم. حين أخبرتك أنني أعظم ساحرة ظهرت، لم يكن ذلك غروراً. كنت حقاً، وما زلت." أجبر نفسي على الهدوء قليلاً، متفاجئة بغياب السيطرة مني. أتأمل قوة التعويذة تحتنا ومائة شخص في الخارج، يعملون بلا كلل نحو غاية ربما لا يدركونها حتى. يمكنها التلاعب بهم جميعاً، وتنويمي، وإلقاء هذا العمل الخارق دفعة واحدة، بينما تجلس إلى مائدة تشرب الشاي. نعم، أستطيع تصديقها، وهذا يثير رعبى. بعد توقف، تستأنف حكايتها الغريبة. "عقدت صفقة معه. احتجت إلى الخلود، واهتاج هو للمعرفة. كان، على ما أظن، فضوياً، وشعر ببعض الملل. ومقابل جائزتي، طلب السماح له بالدخول. لم أستطيع تحقيق ذلك. فهو لا يستطيع القدوع إلى هذا الكوكب، تماماً كما لا يستطيع رجل بالغ دخول إبهام قفاز. لذا عوضاً عن ذلك عرضت عليه فتحة يطل منها وربما يتفاعل ولو بأضيق الحدود. أوعية تحمل جوهره. أنتِ." "أتقولين لي... إننا أدوات لكي يتجسس المراقب على هذا العالم؟!" "ليس تجسساً. التجسس يوحي بنية خبيثة. إنه يتعلم وربما يُسلّي نفسه. تلقيت القدرة على تحويل جوهري إلى جوهر كائن خالد وبالمقابل، صنعت الإكسسوارات المملوءة بجوهره لأشاركها وأنشرها بين البشر الذين يثيرون اهتمامه عبر العصور. حولت الإمكانات الفضائية المطلقة أولئك إلى السلفين، الأوائل، الذين عكست قوى سلالاتهم طبيعتهم ذاتها. كل مصاصي الدماء يحملون هذه العلامة الغريبة. ولهذا ينكر منقي الشمس وجودك، ولهذا لا تستطيعين خلق الحياة وتحتاجين لسرقتها من غيرهم، ولهذا تنكر نداءات الملك الصانع وجودك وتدفعك بعيداً، ولهذا يحتاج روح الشخص الذي كنته للمغادرة قبل أن تنهضي مجدداً. لا يستطيع المراقب الخلق هنا، بل التغيير فحسب، وطبيعتك تنعكس عبر ذلك." "انتظري، تمهلي، انتظري. لا زلت أمتلك روحي. ما زلت... أنا! لقد تغيرت فحسب! أليست كذلك؟" تُظهر سميراميس شيئاً لا أستطيع تقبله: الشفقة. "تظنين أنكِ نفس الشخص؟ أوه، أيتها المسكينة. ذكرياتها وروحها ملكك الآن، لكن روحها ذهبت حيث تذهب الأرواح، واستُبدلت بجوهر مصاصي الدماء." "أنا... ماذا؟ لا، أنتِ مخطئة. أنا أنا! ما زلت أنا! أريان بياتريس لوسيل رينو! هذه كذبة، مسخرة. أبي، هو... لا أستطيع تقبل هذا." "ما زلت أنتِ، نعم، لكن الفتاة البشرية ماتت. أنا آسفة جداً." ألا أملك روحاً؟ ألا أمتلك روحاً على الإطلاق؟ أنا... لست هي؟ إذن، حين استيقظت في ذلك القلعة، أكانت تلك لحظاتي الأولى؟ إذن... ماتت أريان البشرية تحت رعاية السيد الرقيقة، وأقضت أيامها الثلاثة الأخيرة مكسرة وملطخة بالدماء. معذبة. مدنسة. فقط لمجرد مخاطبة رجل في حفلة؟ أنظر إلى الملكة، متوقعة لمحة من الازدراء أو القسوة المسلية، لكن لا أثر لذلك. وعندما ترى شكي، تضيف بصوت ناعم: "أنا أقول الحقيقة، بشرفي أقسم." هذا هراء. ظننت أنني ما زلت أنا، ابنة وأختاً وصديقة. ظننت أنني أكرم نفسي بالصمود رغم ما رمته علي الحياة. والآن يتضح أن ذلك كله لم يكن لشيء؟ كنت أتقمص امرأة ميتة بعد سرقة جسدها المنتهك؟ هل كان هذا بلا جدوى؟ أكانت كذبة كلها؟ أهذا ما يدور حوله هذا العالم حقاً؟ قسوة وخبث بلا نهاية؟ دمار لا نهائي بلا معنى؟ فجأة، يتدفق كل ما شهدته بداخلي، غير مقيد بطبيعتي الباردة المعتادة. أتذكر أولئك الأطفال الذين ماتوا في يأسهم بينما اجتاح الكوليرا أمعاءهم الهزيلة، وأولئك البشر الذين قُقتلوا وسُلخت فروة رؤوسهم لوجودهم في المكان الخطأ، أو أولئك الآخرين الذين أُعدموا بإجراءات موجزة للونهم الخاطئ. حين وصلت إلى ماركيت، كانت هناك مومسات طُعن في صدورهن وتُكرن ليغرقن في دمائهن، ورجال ببطون ممزقة ماتوا ببطء، وتسممت دماؤهم ببرازهم، مقابل حفنة معدنية لا أكثر. أكان هناك سبب لذلك؟ الفتيات البالغات للتو اللاتي كن يظهرن في الحلم حوامل من أقاربن، أولئك المساكين المبتوري الأطراف المتروكون للموت على جانب المناجم، أأدوا غاية؟ كل أولئك، تجاهلتهم لأنهم بشر، والمعاناة والموت هما ما يفعله البشر. والآن، يعود كل ذلك، دفعة واحدة. كل البأس العبثي والمعاناة اللا عقلانية. كل الرعب الذي لا يمكن لوم سواه سوى القدر. أكان هناك مغزى لوجود أريان، لتُطفأ هكذا بقسوة؟ ولم تكن هي الوحيدة. ماذا عن بينيلوب التي تقاعدت قبل سبع سنوات، لتفقد زوجها وأطفالها في فيضان وتشنق نفسها بعدها؟ عائلة ستيفنسون التي مات طفلها الوحيد بمرض غريب ومؤلم؟ أهناك مغزى؟ على الإطلاق؟ لا يوجد ملك. وإن وجد، فهو بلا رحمة بلا قياس. أنا أكرهه. أكره كل شيء. أكره الخداع من القدر. أكره عدم امتلاك روح خالدة. أكره الأكاذيب التي قلتها لأبي ولنفسي. هل أملك حتى الحق في مناداته بأبي؟ أنا مجرد طفيل سرق الهيكل الخالي الذي تبقى من ابنته بعد أن استمتع السيد. اللعنة. "أريان، انظري إلى يدي، سأجعل كل ذلك يزول." "إياكِ أن تفعلي أيها اللعنة." عاهرة مزعجة. هل طلبت منك شيئاً؟ "أيتها الصغيرة، ليس ضعفاً طلب المساعدة في الأوقات الصعبة." "أكنتِ لتمحين أفكارك الخاصة لأنها غير ملائمة؟" "لقد فعلت." أرفع رأسي بدهشة لهذا الاعتراف. وجهها صريح ومكشوف، ورغم شكي في كون ذلك تصنعاً، إلا أنني أقدر الجهد. وعندما ترى أنني أنتبه، تستأنف. "بعض المعرفة تدمر العقل. لكن حسبنا مني، أأنا محقة في افتراض أن لديك أزمة هوية صغيرة؟" "وأزمة إيمان أيضاً، نعم." "لو رفضتِ سحري، أكنتِ تأخذين بنصيحتي؟" "لا، شكراً لك." ومضة غضب، تزول في ثانية. أتحتارين؟ حقاً؟ من يلعن بالاهتمام؟ لست أنا ولا أريان الأصلية، لأنها ميتة. يا لها من نكتة ملعونة. أبي، لا، أبو أريان، لقد كذبت عليه. أنا حقاً وحش يرتدي وجه طفلته. مجرد لص وُلِد من فضول ملك فضائي منحرف. إذن، أيها المراقب، أتمتع بمشاهدة مخلوقك الأليف يمارس الجنس والشراب والقتل، ها؟ أيها الوغد المريض. تباً للجحيم. حسناً، يكفي، أحتاج للهدوء. ليس الوقت مناسباً للذعر. أقرص جذر أنفي وأقاوم الرغبة في إلقاء نظرة على نجمة مصاصي الدماء. عادة، تملأ قلبي بالهدوء، كالعودة إلى البيت. والآن، أود فقط أن يحصل ذلك الوغد المتسامي على مذنب في مؤخرته الكونية أو شيء من هذا القبيل. وبما أنني ما زلت أواجه ثاني أخطر كيان واجهته قط، أغلق عينيّ وأفعل الخيار الأفضل التالي. في ومضة، تظهر حصني العقلي أمامي وأغادر غرفة النوم في قلبه لأتجول في أروقتها الداخلية. تبهت الممرات الملتوية والغرف الوهمية في الخلفية بينما أمشي نحو المدخل. لن أضيع هنا أبداً، هذا البيت ملكي. أعرف موقع كل تذكار، وكل تمثال، وكل شجرة. وحين أبلغ المدخل الكبير، تنفتح الباب المزدوجان بانفجار كعكس لمزاجي وترحب بي الحديقة بكل مجدها. تبدو المحاليق البنفسجية أكثر هدوءاً اليوم، شبه خاملة. لا أستطيع المقاومة. أرفع نظري نحو النجمة الداكنة التي طالما اعتبرتها حليفاً. تنظر إلى الأسفل ومرة أخرى إلى بؤبؤ العين المنشق المألوف والصلبة الحمراء. قبولها غير المشروط يملأ قلبي بالسلام. والحزن. لقد متّ. لقد ماتت. والآن أنا هنا. سأتعامل مع الأمر. أحتاج فقط للحظة. أستعد للاستحمام في النور الغريب لكن شيئاً ما يجذبني. تشير عدة محاليق بإصرار إلى اتجاه ما. أتبعها وتقع عيناي على جدار بعيد. هناك شيء يحدث هناك. أقترب وأنظر إلى حدود عقلي. كالعادة، تحجب غابة من الجذور والأغصان الشائكة بلا نهاية أي شخص قادم، أو هكذا يفترض بها أن تفعل. هناك شيء لا ينتمي إلى هنا، يتحرك بهدوء عبر الجدار الذي كان منيعاً لولا ذلك. أركز وأرى الشيء الغريب. هذا المكان أنا، وهذا الشيء ليس أنا. أصبح أكثر وعياً بذلك الجزء من عقلي، أستعرضه وأقيمه. أشعر بالخلل، لكن لا يمكنني تعريفه بدقة. أحدّ إرادتي لتصبح كالنصل وأتفحص الجدار خيطاً بخيط. هذا أنا، هذا أنا، هذا أنا... تتراجع الشذوذة، محاولة الهرب. هذا ليس أنا. تلك ليست ملكي! شخص ما يحاول... أفتح عينيّ لأرى يد سميراميس تتراجع بنسبة جزء من البوصة. تلتقي عيناي بعينيها. تتألق قطرة عرق واحدة على صدغها الجليل. ضعف. حاولت تلك اللبوة المنكوبة الملعونة ثلاثاً شيئاً ما، ربما نوعاً من السحر العقلي. الطريقة التي جعلتني بها أظن أن هذا جزء مني هي نفس الخدعة التي أستخدمها لسحر شخص ما عبر حماية سحرية. اقتل. لثانية طويلة واحدة، يبلغ التوتر ذروته. إنها ضعيفة. أنا متأكدة تماماً من ذلك. لقد كانت تلقي تعويذة ليوم كامل ربما دون توقف، دون نوم، تعويذة بقوة لا تصدق. حاولت اختراق دفاعاتي العقلية سابقاً بهجوم غاشم ثم استخدمت مقاربة غير مباشرة لأن السيطرة علي كانت مكلفة للغاية. إنها في نهاية حبلها. أعتقد ذلك. يمكنني القضاء عليها. أو يمكنها إلغاء التعويذة وتوجيه تلك القوة ضدي لإبادة شكلي في جزء من الثانية. أيمكنني قتلها قبل أن تلقي تعويذتها؟ لست متأكدة من ذلك البتة. والأهم من ذلك، أنها أبعدت السيد وهذا يناسبني تماماً. أعلم أنه إذا التقيت به مجدداً، فسيكون قادراً على إصدار الأوامر لي ولكني أشعر بأنني أكثر فأكثر كأني أنا والآن، كونه مشغولاً في الطرف الآخر من العالم أمر مرضي تماماً. لست بحاجة إليه. لست بحاجة إلى أحد. لكنني بحاجة إليها حية. نعم، هذا صحيح. لا أستطيع التعامل مع ألمي الآن. أحتاج إلى الخروج من هنا حية لأن موتها لن يكون في صالحي حتى لو نجحت بطريقة ما. أفحص عقي بحثاً عن تأثير أجنٍ فلا أجد شيئاً. يبدو أنه استنتاجي الخاص حقاً. ما العمل الآن؟ البقاء يأتي أولاً، ثم سأجد طريقة للتصالح مع، حسنًا، كل شيء. كيف أفعل ذلك؟ صفقة؟ لنختبر المياه. "بالمناسبة، أود شكرك على حسن ضيافتك أيتها الملكة سميراميس. لقد شرفتني." تبتسم بلطف وبكل سهولة، تفترض وضعية ساحرة أخرى. أنا متأكدة تماماً أن هذه كلها أكاذيب وأقنعة، لكنني لا أستطيع إلا أن أغير مظهرها. كنت ذات يوم إحدى السيدات الأكثر جمالاً، أو هكذا كانت أريان البشرية، لكني أدرك الآن أنني فرخة قبيحة مقارنة بها. لم تكن للملك نينوس فرصة، ولن تكون لخيلينا فرصة أيضاً. تستأنف المحادثة وكأن محاولتي ثنيي لإرادتها لم تكن سوى نزوة عابرة. "إنه من دواعي سروري. لقد مضى وقت طويل منذ أن حظيت بـ، لنقل، ضيف حقيقي. أخشى أن سععي وحيد، وهذه تسلية ممتعة حقاً. ستحدث اكتمال التعويذة عند الانقلاب الصيفي، غداً، عند منتصف الليل. يجب أن تبقي لرؤيتها." أوه، إنها تريد اللعب. جيد. نحن مثل قطتين بريتين تتجادلان حول بقايا فأر. لا أحد منا مستعد للأذى من أجل ذلك. لا يمكننا تحمل ذلك. لا تستطيع المخاطرة بتركيز حتى تنتهي، هذا واضح تماماً. أنا بخير مع ذلك، رغم أنني بحاجة لضمان سلامتي طالما أنا هنا. وهناك أيضاً مسألة كون ثلاث ليال هي حدي الأقصى لقضاء الوقت بلا دم. "سأكون مسرورة جداً، لكني لا أود فرض نفسي لوقت طويل." أنا متأكدة تماماً أن الحياة الأبدية تعني أنها كائن سحري. يمكنني الثقة بحسن الضيافة إن عرضتها. "بالطبع، أنتِ مرحب بكِ لقضاء الليلة هنا." "واليوم أيضاً؟" أرصد مرة أخرى تعبيراً صغيراً عن الانزعاج. أكانت حقاً تخطط لتركي أشوى تحت ضوء الشمس؟ لا يُصدق. "نعم، نعم،" تضيف وهي تلوح بيديها رفضا، "ستتم حمايتك حتى تنتهي التعويذة، وبعدها يمكنك الانطلاق في طريقك. لك كلمتي." سار الأمر أفضل مما توقعت. أحتاج فقط لتأكيد شيء آخر. "شكراً جزيلاً لك، أعلم أنك تقدرين خصوصيتك، وإنه لشرف لي أن أكون في صحبتك هذه الليلة." "بالفعل. لا أحتاج لإخبارك أن هذا يجب أن يظل سرنا الصغير. أتمنى أن تفهمي." "كأنك قرأتِ أفكاري. بالطبع، أقسم ألا أذكر هذا اللقاء لأحد سواك." تأخذني اليمين كمن يمسك قلبي من الداخل. بهذا، تمت صفقتنا. سيتعين عليها حمايتي والبقاء خارج رأسي حتى تنتهي التعويذة، ثم نمضي نحن الاثنين في طريقنا ولن أتحدث عن هذا. تعيد سميراميس ملء كأسينا برقة. المستحضر الغريب لا يزال ساخناً ومليئاً بالنكهة كالعادة. أقرر أن أطلب منها المزيد، بما أننا عالقان هنا على أي حال. "سألتِ عن السيد. أأفهم أنكِ لا ترغبين في أن يعلم بوجودك؟" "بالتأكيد لا. نحن على خلاف، هو وأنا. بينما أرغب في بلوغ السيادة بالطرق السحرية، أمامه مسار مباشر أكثر معروض عليه." "أنتِ؟" تومئ، والحركة جذابة بشكل غريب. "أنتِ محقة. تغير جوهري إلى جوهر كائن خالد ودينه دم الفاتحين. لو التهميني، فأعتقد أنه سيكون خالداً حقاً. وأنا، بالطبع، أعترض." "أيفعل هذا بابنه الخاص؟" ضحكتها هذه المرة مريرة بعض الشيء. "لم يعد نيراري يهتم بهذا التعلق، ليس بعد ألفي عام، وخصوصاً ليس بعد ما فعلناه ببعضنا. كما ترين، بمجرد أن أبدى اهتماماً بتعقبي، كان علي تدمير الوسائل التي تمكنه من فعل ذلك. دمرت مملكته." "ماذا؟!" "لم أستطيع ترك الأدوات له لمطاردتي بفعالية." لم يكن هذا ما قصدته على الإطلاق. يمكنها تدمير مملكة؟ بالمراقب! "لمَ لم توقفيه فحسب؟ ألم يكن بمقدور شخص بمهاراتك السحرية فعل ذلك؟" ترفع الملكة حاجبيها بدهشة وللحظة تبدو متعجرفة بشكل لا يصدق. أكاد أتوقع منها أن تأمر الحراس الملكيين المخفيين برميي للتماسيح. تماماً مثل كل شيء آخر، تبدو مذهلة وهي تفعل ذلك. أنا غيورة بعض الشيء. مع ذلك، تجيب. "أنتِ لا تلطفين كلماتك. حسناً، سأخبرك بما تبحثين عنه. لم أقتله، لأنه كان ما تبقى من ابني. لم أستطيع إيذاءه بأي شكل. حتى أنني ساعدته في البداية، قدر استطاعتي. علمته كل ما عرفته وقت السحر، والذي كان قد أهمله سابقاً لصالح فن الحكم. لم يعد ذلك يهم الآن. لم يعد ممكناً معارضته." "ماذا تقصدين؟ أألنه التهم الكثير من الخصوم الأقوياء؟" "سيكون قوياً ولكن ليس منيعاً. كلا، صلب الموضوع يكمن في وجود أمرين يجعلاه منيعاً. الأول هو خطأي. في عام ألف ومائة واثنتين وأربعين من تقويمكم، تتبع نيراري التنين على الشاطئ الصحراوي لإريثريا. وهناك، واجهه في معركة، وهزمه، واستهلكه." "ماذا!؟" "كان يجب أن أتوقع ذلك، بأثر رجعي، لكني استخففت به. لم يكن لعالمنا سوى تننين واحد، رغم أنه كان ضعيفاً على ما يبدو بسبب سحر مستوانا النادر. التنانين... تختلف عن أي كائنات مستوية أخرى. إنها سحر مجسد. باستنزافه، حصل على قوة سحرية كافية لتجاوز قوتي بقوة غاشمة بحتة. لم يعد بإمكاني مواجهته مباشرة." "أنا... واو." تنانين؟ مبارزات سحرية؟ كنت فقط أحاول البقاء على قيد الحياة حتى أحصل على دليل بأنني سيدة مدينة، والآن ألقيت في نوع من القصص الخيالية؟ دون اعتبار لضيقي، تتابع الملكة. "والثاني هو ذراعه اليمنى. أه، أريان، مالم يختبئ لخلق نسل جديد، فهناك الآن ثلاثة من نسله ما زالوا يمشون على الأرض." حتماً، أخطأت السمع. "ثلاثة؟" "نعم. سفياتوسلايف في روسيا، أنتِ، وواحد أخير. النسل الوحيد الذي احتفظ به ورباه بنفسه." "لم أره في القلعة." "لن تريه، فهو نادراً ما يتدخل في الدبلوماسية. أيتها الطفلة، دعيني أخبرك عن مالاكيم." تميل إلى الأمام مرة أخرى، عارضة ما يكفي من الجلد الذهبي لتكون مشتتة حتى لي. يتحول صوتها إلى صوت حكواتي. حيث كنت في السابق أستطيع الشعور بالرمل والشمس، لم يعد هناك سوى الظلام، والدماء، وقرع المعارك، ونبرتها مشؤومة ككلماتها. "مالاكيم هو الكراهية مجسدة. يقال في تلك الدوائر التي تعرفه، إنه وُلد من جثة، وإنه تربى على يد ساحرة سيتيانية مزجت حليبها بدم الإنسان وسم الأناضول. يقال إنه قتل ضحيته الأولى حين كان في السابعة. يقال إنه في معركته الأولى، ذبح الجانبين حتى لم يبق سواه واقفاً. قد يكون كل ذلك صحيحاً. وجده نيراري وسط حمامات الدم، كما هي عادته، ذابحاً الأتراك للرابطة المقدسة. لقد أُعجب به، فأسره وحوله سريعاً." تتوقف عن روايتها لتأخذ رشفة من الشاي. نظرتها التالية إلي حذرة وتتحدث بحميمية أكثر، كأنها تخشى أن يتم التنصت علينا. "لقد عرفت لمس سيدك. كل النسلات اللواتي استُجوبق بنجاح يتحدثن عن نفس المعاملة. أوه، أرى الشك في عينيك. نعم، حتى الرجال. إنه يهينهم ويكسرهم أيضاً. إنه يكسر الجميع. باستثناء مالاكيم. غضبه حما عقله، تماماً كما يعذبه بلا نهاية، بحيث حتى في مواجهة الموت لم يتراجع. هدّد سيدك عشاناً بتلك القصة وعندما رُفضت مطالبه، أطلق شكل نسله المجنون بالدماء على جزيرة صغيرة في بحر إيجة، مبيئاً سكانها بالكامل. وعندما جاء فريق الفرسان المعتاد لقتل النسل الضال، تمكن مالاكيم من الهرب على قاربهم، قاتلاً أحدهم." أحتاج منك أن تفهمي أنه كان، ولا يزال، إنجازاً فريداً. لم يحدث من قبل في التاريخ، ولم يتكرر منذ ذلك الحين. بل إن الحادثة كُتمت لتفادي فقدان ماء الوجه والإيمان في رتبة الفرسان. ولأنه شهد قدرات أداته الخارقة، تبناه نيراري وعلمه المزيد، ثم بطرق مجهولة، حصل على ولائه. غلف قلب نسله وطوقه بدرع مصنوع من معدن خارق يمكنه الحفاظ على شكله في قلب بركان ويستخدمه أحياناً كرسول، وأحياناً كجلاد، ولكن في أغلب الأحيان، كمنفذ. لقد كان مالاكيم فمه وظله وقبضته. وحيثما حل، يترك القليل من الناجين. "ربما لا تفهمين بعد لم هو عقبة بهذا الحجم. وفيما يتعلق بذلك الرجل، ليست البراعة القتالية أو الذكاء هي ما يحدده، رغم أنه يمتلك الكثير منهما. ما يحدد مالاكيم هو كراهيته الصرفة والعنيدة. سُلخ حياً، وقُطّع، وخُصي. جُلّد حتى أصبح مجرد قطعة لحم نيئة، وطُعن بسهام مسننة، وغُلّي وأُحرق. ومع ذلك، كان يلاحق أعداءه، أكثر ضراوة. لا يمكن إخضاعه، أو السيطرة عليه، أو مناقشته. يتدفق غضبه نقياً وبلا نهاية ولا كمية جروح أو تعذيب يمكن أن توقفه متى وُضع على طريق الدمار. إنه لا يتراجع أبداً، ولا يستسلم أبداً، حتى ينال مستحقه. ليس للسحر العقلي سلطان عليه، فالنظر في عقله هو دعوة للجنون ذاته. يحطم الحواجز ويتحمل عقوباتها باستخفاف متهور. لقد أمضى أسبوعاً بلا شرب كنبيل ليطارد عدواً. تركيز الوحش حاد بشكل مستحيل، ووقوده هو الاقتئاب لكل الخلق، بما في ذلك نفسه. لم ينجح أحد قط في توجيه طعنة مميتة له، وحاول الكثيرون. إنه ينهض دائماً ولا يستسلم أبداً." "هذا ما سيكون على أي شخص مواجهته لوقف سلف المفترسين، وحتى الآن، لم يجد أحد طريقة لتجاوز تلك الاحتمالات. أرايت سيدك يقاتل؟" "مرة واحدة فقط." "اعلمي أنه يكون في أقسى درجات خطورته حين يُتحدى بحق، فحينها سيستخدم قوته الكاملة. ستعرفين ذلك حين يخرج سلاحه الروحي، منجل أطلق عليه اسم باحث القلب." أتمنى لو أستطيع السخرية من هذا الاسم المبتذل، لكن ذكرى يد السيد عبر صدر سيد لا تزال حية في ذاكرتي. أنا متفاجئة أيضاً، إذ لا أذكر أنني رأيته يوماً يلوح بنصل. "رأيته فقط يستخدم يديه وبعض التعويذات." "إذن لم تريه يقاتل، بل رأيته يلعب فحسب." بالمراقب، حقاً هذا العالم شاسع. تبدو صراعي وإنجازاتي تافهة بالمقارنة، لدرجة أنني أشعر كطفل يتباهى ببيع دلو من التفاح لتجارة توابل بريطانية. أنظر باختصار إلى العين في السماء. لماذا أردت مني رؤية هذا؟ تتغير منظوراتي مرة أخرى، فالخطوط المستقيم تنحني بغرابة وتصبح المسافات بلا معنى. بؤبؤ المراقب الآن قريب بحميمية. يهمس، بزئير يصمنني، بشعور محدد للغاية. حين كنت طفلة، لعبت وحدي كثيراً لعدم وجود أحد مقارب في السن. لم يكن الأمر صعباً للغاية، إذ امتلكت بلاطاً كاملاً من الدبى والدمى التي وفرها أبي بحب. في أحد الأيام، كنت ألعب بمجموعة شاي صنعتها من أواني فخارية مكسورة وأدركت أنني بحاجة إلى بعض الماء الحقيقي للشرب. التقطت جرة، آملة ملئها بالماء. مشيت من الحديقة إلى بيتنا، عبر القاعة الرئيسية وإلى الخلف. لاحظت أن باب غرفة التدخين مفتوح فنظرت بفضول. كان أبي يلعب الورق مع ثلاثة رجال من المدينة. على الطاولة بينهم، كانت هناك كومة صغيرة من النقود. أحصيت عدة دولارات كاملة. كان ذلك أكثر مما تلقيته في مصروف ومداخيل طوال حياتي حتى تلك اللحظة. حدقت في الإناء في يدي وأدركت ما هي ألعاب الكبار، ولأول مرة في حياتي، شعرت بالقصور. هذا ما يظهره لي المراقب. هذا العالم مكان شاسع وخطير، ملعب أبدي تتصارع فيه القوى على موارد وحياة وأرواح سكانه، وكلما عرف المرء أكثر وتعمق أكثر، أصبحت اللعبة أكثر دموية. هذه هي الهوية. اللعبة المطلقة. السيد ووالدته محجوزان في سباق ألفي عام نحو السيادة وأياً كان الفائز، فقد نضيع جميعاً. لو نجح السيد، فسيلتهمها وبعدها، وبزوال من يوقف صعوده للسحر، قد يستولي على العالم فحسب. من سيوقفه؟ من سيعلم حتى أن هناك من يوقفه؟ حتى رتبة غابرييل، الفعالة جداً ضد نوعنا، قد لا تمتلك طريقة لقتله نهائياً. حتى لو نجحوا، قد يكون الدمار غير مسبوق. ولو فازت هي، من يدري ما قد تفعله بسحرها؟ أستغير نسيج الواقع حتى نتطابق مع سيولة أرض سينيد، ثم تعلن نفسها حاكمة لها؟ هذا هو الرهان الحقيقي، وما عُرض علي. لا أعلم لمَ. مقارنة بتلك الوحوش القديمة، أنا مجرد برغوث. العقدان اللذان قضيتهما في تعزيز القوة والتدريب ليستا سوى قطرة في المحيط الذي يفصل بيننا. لمَ تريني هذا أيها المراقب؟ أستعرض ألعاب الملوك لمتسول أيضاً؟ ألا تعلم أن المسمار البارز يُطرق؟ لا يمكنني الانخراط في هذا. حتى لو احترق العالم بسبب لا مبالاة الجميع، فلن أكون أنا من ينقذه على أي حال. أنا أضعف من ذلك. لا تمانع سميراميس الصمت، فأرفع عيني وألقي نظرة أخرى على العين الفضولية. أهذا ما تريده؟ لمنحي منظوراً؟ لا تجيب، أحصل فقط على الإحساس العام بالرضا الذي تشاركه منذ أن أعطيته المفتاح. يجب أن أتذكر أن المراقب شبه واعٍ بمعاييرنا. قد لا يكون هناك سبب على الإطلاق. قد يكون هناك سبب، لكنه قد لا يفهم الظروف. يمكن لطفل تجميع كل نمل أليفه في نقطة واحدة دون إدراك أنهم في وسط معركة حتى الموت. أحتاج للخروج من هنا سالمة وعلى الأقل حية قانونياً. ستضطر التهديدات المهلكة للعالم الانتظار. آسفة! "أنتِ متأملة، وهذه مفاجأة لي. كنت أعلم أن سفياتوسلاف عاقل بالطبع. لم يكن ليحقق الكثير، ولا لينال احترام مصاصي الدماء المغرورين أولئك لو لم يكن كذلك. لقد افترضت، مع ذلك، أنه استثناء. قولي، لقد رأيت ابني مؤخراً. أليس كذلك؟" يبدو أن سميراميس متناقضة المشاعر. من جهة، تؤكد لي أن أريان البشرية قد ماتت، ومن جهة أخرى تدعو نيراري ابنها. أجد نفسي أشاطرها مشاعرها في هذا الأمر. ما زلت لا أستطيع تقبله أنني لست هي، ليس بالكامل على الأقل. لا أريد التفكير في هذا الآن. أقرر متابعة الحديث معها. "نعم، لقد رأيته." "أيمكنك إخباري عن ذلك؟ لم أره وجهاً لوجه منذ وقت طويل." للحظة، أشعر بالغضب يتصاعد داخلي. ماذا تريد مني أن أقول؟ أانه لا يقيد ضحاياه بحيث يشعرون دائماً بقدرتهم على النجاة والهرب؟ وقبل أن أستطيع قول أي شيء آخر، تثبت الطبيعة الباردة لعقلي نفسها بينما يستبدل الغضب بالحسابات. إنه لدليل على ضيقي أن فكرة عدم امتلاك روح يمكنها تعذيبي لكل هذا الوقت. "أستطيع، وبينما أفعل ذلك، أترينني أسمح بفعل شيء ما؟" "ما هو؟" تجيب بحذر. "أود رسمك." هذه المرة، تظهر مفاجأتها. أهو بسبب الإرهاق أو لأنها تشعر بالأمان الآن بعد أن أبرمت صفقتنا، لا أعلم، لكن تعابيرها تبدو أكثر طبيعية. بابتسامة مسلية، تشير إلى ركن في الغرفة حيث تحمل منصة صغيرة الإمدادات. لا أعلق على عدم وجود أي شيء هناك قبل لحظة. أقف فحسب، وألتقط الأدوات المقدمة وأبدأ بالعمل على وجهات نظر وتعبيرات مختلفة لها. بينما أفعل ذلك، أروي ما رأيته منه في قلعة مصاصي الدماء، ثم في الأحلام. لا تعلق، بل تطرح الأسئلة فقط، ثم تبدأ بذكر حكايات عن حياتها كمراهقة منذ أزل. سميراميس حكواتية سلسة وقصصها استثنائية. تتحدث حكاياتها عن الانتقام وخطط داخل خطط. بعد فترة، تمتزج كلها معاً بينما أرسمها مبتسمة، متمردة، مهددة أو غير مبالية. أوسع الرسم ليشمل جسدها الكامل، ثم التفاصيل حتى تستوعبني المهمة تماماً. في هذا الاشتغال البسيط، أجد أخيراً السلام الذي فشلت في تحقيقه سابقاً. قريباً، يقترب الفجر وترافقني الملكة إلى أرباع الضيوف التي متأكدة تماماً أنها لم تكن موجودة حين وصلت. وحين تستدير للعودة إلى تعويذتها، أصل إلى إدراك عظيم يريح قلبي. قد تكون سميراميس أكثر مهارة وحكمة وقوة مني. قد يكون جمالها أسطورياً ورشاقتها لا تضاهى، لكن بغض النظر عن أي شيء، وطوال الأبدية، سأمتلك دائماً المؤخرة الأفضل.