أتعقّب خطواتنا بسرعة. كما توقعت، يستطيع طفل أعمى تتبعنا. أُبطئ معدلي بعد نصف ساعة حين ألمح دخان معسكر آخر وجمرَه. أزحف مقترباً حتى أصادف بقايا المتشجعين المنكوبين. تسترخي أغلبية المجموعة بكآبة حول نار المخيم. لقد خسروا أكثر من نصف عددهم اليوم. يجلس كثير من الرجال بمعزل عن بعضهم. لا تتقاطع العيون. مجموعة حقيقية تربطها أواصر الدم أو الصداقة ستلتصق ببعضها بقوة. البؤس والخوف سيعززان غريزة القطيع وشعوراً بالوحدة قبل الكارثة. أولئك القوم ليسوا هكذا البتة. هم عصيبة من ابن آوى والضباع جمعها الجشع ووعد العنف السهل. وحين يتضح فشلهم، يبدأون بالتصدع على طول خطوط الولاء. هذه الحثالة المتنوعة لا تأهل حتى لصفة عصابة حرب. مثيرون للشفقة بحق. أرى ذكور الألفا والبيتا في صراع. البيتا رجل ضخم بلحية سوداء مهيبة تصل إلى بطنه الناتئة. الألفا يجلس على صخرة، ويده على مقبض سيف قصير. أستطيع تبيّن سبب تسميته بغراب. سترته وسراويله وحذاؤه سوداء. بل إن قبعته باللون ذاته ومزينة بريش داكن لامع للطائر المنسوب إليه. تراودني ومضات من الماضي تعود إلى قبل نصف عام حين طهّرت المستودع. أعيد انتباهي إلى المجموعة. لديهم حارسا مراقبة. أحصي أيضاً ثمانية رجال في درجات متفاوتة من اليأس. القائدان وحدهما يشكلان نوعاً من التهديد، أو لفعلا لو كان بحوزتهما أسلحة مجهزة، وهو ما أشك فيه. أشعر بخيبة أمل وهذا الشعور يقلقني. أعرف ما يتطلبه البقاء. أعرف من الكتب التي أعارني إياها لوث أن النصر غالباً ما يتحقق قبل أن تبدأ المعركة حتى. ما زلت محبطاً. أريد تحدياً. أريد المشي على الحافة. أريد صيداً جيداً ليكون دم خصمي أحلى بمراتب حين أهزمه. أتذكر تعبير وجه نامي حين تركتني أرتشف منها. كانت هي الأخرى تبحث عن إثارة. هل أتحول إلى أبله متغطرس؟ ازدريت غاسبار، الرجل الذي سحقه سيّدي لأنه كان متغطرساً. أخشى الآن أن يدفعني هذا الشبق للخطر إلى خوض مخاطر غير معقولة. من جهة أخرى، المخاطر المحسوبة مفيدة. لم أتعلم قط عن القتال بصفتي مصاص دماء قدر ما تعلمت وأنا أجتاز الحلبة. كان ثمة محك، وثمن للهزيمة ولهذا كنت منخرطاً. حتى لوث، على قدمه، ما زال يخوض مخاطر. أستبعد أن تتمكن رصاصة واحدة في الرأس حتى من القضاء عليه، ومع ذلك لا يزال القتال يجلب له خطراً. ما زال يفعله. ربما هذا ما يتطلبه البقاء على قيد الحياة، حياً حقاً، لكل هذا الوقت. سأضع قواعدي الخاصة الآن. سأتحدى نفسي فقط إن واثقاً من أنني أستطيع الهرب والنجاة على الأقل. نعم، يبدو هذا معقولاً. سأظل أسأل لوث عن رأيه لاحقاً. لا بد أنه يملك إرشادات لعيشه كل هذا الوقت. مستخدماً طريقة مجربة وصحيحة، أنتظر حتى يبتعد الحارس الأول عن النقطة العمياء لأحيده. لا أحد يلاحظ في المعسكر. هذه المرة الأولى منذ ليلة توسان التي أواجه فيها دماً أكثر مما يمكنني استهلاكه بأمان. لا أستطيع تحمل ثمل هذه المرة. أقرر محاولة افتراسه. قد يمنحني جزءاً يسيراً من الحيوية الاعتيادية فحسب، لكنه أسرع، ولا يصيبني بالثمار ويبقيني متحكماً. لا توجد حقاً طريقة أفضل لاستعادة القوة بسرعة. والآن لفعلها. أغرس ثمانية أنياب في سبات الرجل وأشد. الأمر أصعب بكثير من المرة السابقة. الجزء مني الذي يجذب ليس مستيقظاً تماماً. فرائس كثيرة. ساحة صيد. ماشية. انتظر، ماشية؟ أشم الهواء. هناك، قرب الخيمة. رائحتها تشبه رائحة نساء غير مغتسلات. أيمكن أن تكون... "يمكنك الخروج أيضاً!" أحول انتباهي مجدداً إلى غراب الواقف في وسط المساحة المفتوحة. يحدق فيه الجميع كأنه مجنون. "اختفى بيتر دون صوت قبل دقيقة واحدة ولا يمكن لرجلين تبرير كل خسائرنا. ناهيك عن أن هذا كله حدث ليلاً. أعرف ما يجري، وأعلم أنك هنا في مكان ما. اخرج. دعني أرى وجه هالكي. أتحداك!" هاه؟ هذا ممتع حقاً. "أفتعل يا طير الصغير..." كيف ينتفضون فزعاً لصوت صوتي الواضح. كيف يلوحون بأوُشارهم باطلاً. يائسون. أخطو خارجاً إلى وسط المساحة المفتوحة وسلاحي في غمده. أعرف كيف أبدو: مثل شابة في ثوب سفار. ياتية ونضرة وبريئة، ببشرة أولئك الذين لا يعملون في الخارج الشاحبة. الصورة في رؤوسهم لا تتطابق مع ما يعرفونه. أقدم نفسي كتهديد ورغم ذلك لا أَبدو كواحد. ستدفعهم توقعاتهم عن العالم إلى ازدراي حتى فوات الأوان. تلك هي قوة مصاص دماء. على الرغم من تهريجه، يبتلع غراب ريقه بتوتر. يبدو كصبي صغير هدد الوحش تحت سريره بالخروج، ليُفاجأ بشيء يجر أغطية سريره. لقد دعوت الليل فأجاب. أقرع بسبابتي تحت ذقني وهذه المرة لا أتكلف عناء إخفاء ما أكونه. المخالب والأنياب بارزة. أكف عن إتاحة التنفس أو إغلاق عيني. "أنا مهتم يا طير الصغير، ماذا كنت تفكر سيحدث الآن؟ همم؟ معركة بطولية؟" يبتلع الرجل ريقه ويرد بثقة مصطنعة. "نعم، في الواقع، أتحداك في مبارزة." ثمة ما ينم عن يأس في ذلك الإعلان. تلك كلمات غريق يتمسك بالمألوف. "ولمَ أقبل؟" "لمَ لا؟ أمتخوف أنت؟" أتحرك، وألتفت حول نفسي لأشق حجر الرجل المقترب من الخلف بسكينه المسحوبة. سمعت صوت المعدن يحتك بالجلد. رأيت نظرات الآخرين حين أجبروا أنفسهم على التطلع مباشرة. أشممت عرقه وخوفه. أنهي الحركة الدائرية في لمح البصر، منتهياً تماماً كما بدأت باستثناء سائل أحمر يقطر على مخالبي. أسمع دماً يتناثر على الأرض وغرغرة المحتضر. أستأنف كأن شيئاً لم يكن. "أحقاً أنا كذلك؟ أم أنني ببساطة لا أرى جدوى من تلبية هذا الطلب؟ ستحاربني على أي حال. حسناً، ستُحاول. لمَ عليّ أن أقدم لك مبارزة رسمية؟" "رهان!" "أوه؟" أكاد أرى التروس تطحن في جمجمته، بحثاً عن حل لورطته. "لدي معلومات. أعرف أنك كنت تبحثين عن الفتاة وتظنين أنك ستجدين ما تبحثين عنه في مذكراتي، حسنناً، لن تحصلي عليه. لن تحصلي على شيء. إنها مشفرة." "ليس هناك شفرة يمكن لعقلك ابتكارها ولا يستطيع صديقي فكها في عشرين ثانية." يهز رأسه. "ليست تلك الشفرة. لقد كتبت أشياء مثل، شللت رائحة فراولة اليوم وهذا يعني أنني كنت فكرت في اختي." وحين يقول ذلك، يحمرّ خجلاً. هاه، الغراب المظلم والمتقلب، يفكر في أخت. "لا يهم. أعرف أشياء لم أكتبها. لم أستطع كتابتها. كانت جنونية وحسب. أعرف من كانت حقاً، وماذا كانت تسعى وراءه حقاً، ومكان بيعي إياها بالضبط، ولمن." "وماذا تطلب في المقابل؟" "إذا قدمت عرضاً جيداً فستعفو عن رجالي." الساحة هادئة تماماً. يمكنك سماع سقوط إبرة. "نخوض نزلات حتى يُسفك الدماء. مقابل كل مرة تجعلينني أنزف فيها، يحق لك اختيار شخص واحد. لن أصطادهم، ويمكنهم النجاة الليلة. ومقابل كل مرة أسيل فيها دمك، تخبرينني بشيء أريد معرفته. وإن لم يعجبني أو كان موجزاً أكثر من اللازم، سأفترض أنك نفدت من الأفكار وسأقتلك. بينما نتبارز، لن أستخدم قواي، بل جسدي ونصلاتي فحسب." "اتفقنا!" "إذن لنبدأ." أثب على الرجل، الذي يسحب بيأس ويحاول شقي في الحركة ذاتها. لقد اعتدت هذا الآن ويمكنني تحديد مكان استقرار النصل. أصدّه ببساطة بسكيني وأطعنه في كتفه بيدي اليسرى. ليس عميقاً جداً. ليس الذراع المسيطرة. لن يكون ذلك رياضياً. "غاااه! اللعنة!" "تكلم." "غاه، حسناً. حسناً! تلك المرأة، لم تكن من ادعت أنها هي. امتلكت بعض الخواتم الغريبة ومستندات بالألمانية. حين أسرناها قالت إنها تعمل لصالح جماعة الورثة، أياً كان ما يعنيه ذلك. قالت إنها جمعية سرية قوية. ظننت أنه هراء لكن ما أدراي أنا." همم، يبدو أن الجميع وكلابهم يتلاعبون بسيسيل المسكينة. آه حسناً، لا يهمّني. طالما أنها لا تعرضني للخطر، فيمكنها الانتمء للعائلة الإمبراطورية الصينية لما يعنيني الأمر. أما المنظمة نفسها، فليس هناك أي احتمال على الإطلاق أن يكون وجودها كبيراً هنا ليمثل لي أي قلق على المدى القريب. هذه مشكلة لوقت لاحق بكثير إن كانت صحيحة أصلاً. أستأنف وضعية الدفاع وندور حول بعضنا. يجس غراب دفاعاتي بحركات متحفظة. أتحرك بأقل قدر استطيعه حتى يبالغ في الالتزام بمخاتلة. أثب إلى الأمام وأضرب السيف بواقي السيف الصغير. نتشابك بالنصال وأوقف يده اليسرى بسهولة بيدي الخاصة. أطعن بإصبع في معصمه فيسقط السكين الذي كان يخفيه. "آه، اللعنة!" "تكلم." بدأ العرق البارد يتشكل على جبين غراب. رقعة أكثر دكنة تطبع جراحه على كتفه وكمّه. رائحته لذيذة، مثل شبق المعركة والشجاعة في وجه الموت المحتوم. لقد شبعت، في الوقت الحالي، لحسن الحظ، وإلا لكانت مقاومة العطش صعبة. "لقد بعنا المرأة لبعض المجتمعات المجنونة هناك عند القمم الأكثر جنوبية لجبال الأبالاش. نوع من الأقارب المتخلفين الذين يعبدون أغرب الأشياء. وثنيون ومهووسون، كلهم جميعا." "أين؟" "هيا تعال، أنا..." "أين؟" "أربعة أيام من الركوب، نحو الشمال. لديهم ملكية مجنونة مطلية بالأبيض والأحمر. ستظن أنك نُقلت إلى غلوسيسترشاير اللعينة." "همم." نستأنف وضعية الحراسة وهذه المرة، يذهب غراب بكل طاقته. أستغلها فرصة لتفادي بأدنى حركة وأحاول توقع طريقة تحريكه لجسده، ومع ذلك تصبح المعركة أصعب بكثير. كان سيف فرسانه الثقيل عبئاً في التبادلات السريعة لكن وزنه وقوته الآن يصعبان الصصد والتفادي. يستمر هذا التبادل لفترة طويلة جداً. ثلاثون ثانية. أربعون ثانية. إنه لا يلين. عند علامة خمسين ثانية، يتعب ويزلق على الأرض الموحلة. أرتد إلى الأمام لكنه يفاجئني. بدلاً من محاولة منع سقوطه، يستخدم ضربة بكلتا يديه ليهجم عليّ. أصد بمخالبي اليسرى لكنني أتوقف وأنا على وشك طعنه في ضلوعه. نبقى هناك لثانية بينما أتممع في عينيه المرعوبتين. البشر يرمشون كثيراً. أنهض وأتفقد يدي اليسرى. النصل علق بين مخلبين وشق إصبعي. الجهد أغلق بالفعل، ومع ذلك... "اختر." "ماذا؟" "لقد أسلت دماً. اختر." "دالتون." وما إن يغادر الاسم شفتيه، حتى أسمع صرخة من الخلف. ألتفت لأرى الرجل الضخم الملتحي يخرج مسدساً ويسدد. ليس نحوي، بل نحو شاب صغير جداً يجلس مفزوعاً على الجانب. تبا لك لن أسمح لأحد بتخريب لحظتي. أتحرك. أطعن كل إصبع من يدي اليسرى في صدر الرجل. يلهث ألماً ويسقط المسدس. آآآآه! ماذا؟ هذا مؤلم! أظن أنني كسرت مفصلين! كيف تكون الضلوع دموية الصلابة إلى هذا الحد؟! أدخل السيّد يديه بالكامل في صدر شخص وجعل الأمر يبدو سهلاً! كيف! أسحب يدي. يسقط الرجل دون صوت وأواجه غراب مجدداً. أبذل قصارى جهدي لكبح تعبيرات وجهي. أخ أخ أخ أخ... غاه! اللعنة! يجب التركيز. ينظر إليّ غراب بحذر. أتخذ وضعية الحراسة مجدداً ونستأنف القتال. أستطيع الجزم بأنه يتعب. لقد جاوز منتصف الليل بكثير، ومر بيوم طويل وهو ينزف. غراب يملك نمطاً. في نهاية تبادل ما، يحب التلويح وضرب نصل خصمه في طريقه صعوداً، ثم يقطع للخفل مباشرة لأسفل ويتحرك للأمام في الوقت ذاته قبل أن يستعيدا عافيتهما. لا بد أنه نجح جيداً ضد خصوم أضعف، لا سيما بالنظر إلى ثقل سيفه. إنه عديم الفائدة ضدي. في المرة التالية التي يفعل فيها ذلك. أضرب النصل إلى أبعد ما يكون تماماً حين يعكس ويدخل في نطاق دفاعه. أشق قطحاً ضحلاً عبر صدره. "غاه!" نحن الآن في الفصل الأخير من هذه المأساة ويمكن للآخرين استشعار ذلك. ألتقط بضع نظرات خفية وأسمع وقع خطوات. ألتفت نحو رجل قذر يرتدي قبعة قش وهو أقرب إلى حافة الغابة بكثير مما كان عليه قبل لحظة. "إن هربت، تموت أولاً." يتوقف الرجل. سيمنحني هذا لحظة قبل أن أضطر لإنجاز هذا. "تكلم." "أنا، همم. الطائفة. يظلون يسرقون الناس هنا وهناك لأدري لأي سبب." السرقة ها. أعرف من لديهم "يسرقون" أولئك الناس. "هذا غير مفيد. أخبرني كيف عرفت ما كنتُه." "ر... رئيس الطائفة. لقد بعت المرأة له. لقد سماكم مصاصي دماء. وقال إنكم تكتنزون قوتكم. وقال إنه سيحقق ذلك بنفسه ويتقاسم الغنيمة مع أتباعه." "همم." أعود إلى وسط الساحة وأنتظر غراب ليفعل المثل. وما إن يصير في موضع، حتى يهجم عليّ، ويستدير جميع رفاق التشجيع ويهربون. أثبت مكاني. يرى غراب رجاله يهربون فيهجم عليّ بصرخة يائسة. أمر ملحوظ! بالطبع، لم أكن أتوقع أقل من خارج محنك. أقلب ذراعي اليسرى وبعد لحظة، يتعثر غراب ويسقط. يحدق بذهول في خنجر الرمي في صدره. لم أهدر وقتي طوال الأشهر الستة الماضية. "لقد حذرتك حين قلت نصال." أتحرك وراء كل قاطع طريق. أفترسهم الواحد تلو الآخر دون توقف. في الظلام، كلهم بطاؤ ومزعجون. أجعل الأمر سريعاً وبلا ألم. حين أعود إلى الساحة، لا يبقى سوى غراب والشاب دالتون. "ما كان يجب... أن يكون هكذا. قُدّر لنا... أن نكون مغامرين. أبطالاً... مثل فرسان الأزمان القديمة." يقول القائد الساقط بصوت مجهد. أمتطي غراب وأدع شعري يسقط على وجهه. إنه دافئ جداً وعطره فاتن. نهاية مثالية لصيد جدير. "أبطال، أتقول؟ أيهجم الأبطال على المسافرين؟ أيحافظون على عبيد جنس؟" "هم... من السكان الأصليين، لسنا نساء بيضاً." "هم عبيد جنس. من يكونون لا يغير ما فعلتموه." "هذا مضحك... قادم من وحش." "آه، لكنني أعرف ما أنا عليه. تماماً كما أعرف من يخطف الناس لتلك الملكية الغريبة التي ذكرتها، وتماكً كما أعرف لمَ سارعت لبيع المرأة لهم كذلك. لقد سقطت أبعد من معظم الناس، غراب. والآن، أية كلمات أخيرة؟" يمنحني غراب ابتسامة أخيرة بأسنان ملطخة بالحمرة. متمرداً حتى النهاية. أنا أحب ذلك. "أراك في الجحيم." هه. "وداعاً أيها الإنسان، لقد كان صيداً طيباً." حين أنتهي، أهض وأستوعب الدمار الذي أحدثته. الجثث تفرش الساحة، متناثرة حول خيام محطمة ومتاع شخصي ممطوط. الناجي الوحيد من هذه المجزرة يركع على الأرض ويده على رأسه. أتجاهله الآن. أقترب من الخيمة الأكبر وأفتحها. نتن الأجسام غير المغتسلة نفاذ هنا، ورغم ذلك أجاهد متجاوزة إياه. امرأتان شابتان تحدقان فيّ بعينين مجنونتين. الأولى ترتجف غضباً بينما تنكمش الأخرى خلفها. ترتديان بقايا ممزقة من خرق قذرة. شعرهما الداكن خشن ومتشابك. حين أقترب، تقر والأقوى وتلعن تحت نفسها. همم. أنسحب وألتقط سكين سلخ، ثم أعود للداخل وألقيها عند قدميهما. أتركهما وشأنهما. استخدم غراب مقعداً قصيراً للجلوس. أعدله وأستقر قرب النار. أحتاج للتفكير. لمَ قبلت التحدى؟ لمَ قتلت هؤلاء الرجال وعفوت عن أسراهم؟ ماذا أفعل بدالتون؟ أألتزم بروح الاتفاق وأتركه يذهب؟ أم أتبع الحرف وأحرص على موته قبل وصوله إلى تسوية؟ أتم إرشادى إلى هنا من قبل قوة بينغل الروائية السخيفة لأن ما علمته حيوي لاستمرار مهمتنا؟ أتجاهل المرأتين الأصليتين بينما تتعثران حول المخيم، تركلان الجثث وتبصقان عليها بينما تبكوت وتنتحبان بلغتيهما. قبلت التحدي لأنه كان صائباً. كان صائباً في منحهم فرصة لإنجاز شيء بدلاً من ذبحهم كالحيوانات. لقد صنع صيداً جيداً. ومجدداً مفهوم الصيد هذا. له صلة حتماً بالدم الملوث في عروقي. لم أفكر طويلاً في مفاهيم الصيد حين كنت حياً. أأتوقف؟ أسيقتلني مثلما قتل الثقة العمياء غاسبار؟ لا أعتقد ذلك. كان دم غراب لذيذاً وأقوى مما ينبغي لأن فعاليته لم تنبع من الرجل نفسه، بل من طريقة أخذه. احترام روح الصيد والفوز يجعلني أقوى. جعلني أشعر بأنني أكثر حيوية كذلك. أجبرني التنافس على العمل لأجله، بدلاً من مجرد أخذه بقوة ساحقة، تماماً مثلما يبدو دم الضارع أزكى من دم الماشية. نعم، أعرف أنني محق. سأحترم الفريسة وبدورها ستجعلني أقوى وأكثر صبراً وحذراً. ستذكرني التحديات بحدودي وألا ازدري البشر أبداً، تماماً كما ذكرني غراب بتقنيتي غير المعصومة حين شق إصبعي. إن واجهت موقفاً يعد تحدياً بحد ذاته، فلا داعي لفرض قيود على نفسي. بدلاً من ذلك، سأستخدم كل أداة تحت تصرفي لتحقيق النصر. نعم، هكذا ينبغي أن يكون. رحيق أحمر يحتاج للاستحقاق. يجب ألا أنسى ذلك أبداً. والآن إلى القلق التالي. من أعفو عنه، ولماذا؟ كان لوث محقاً. القواعد والإرشادات هي الخطوات الأولى في أي مجتمع سليم. بصفتي مصاص الدماء الوحيد في المنطقة، أحتاج إلى وضع تلك القواعد وفرضها على نفسي، بنفسي. سأنشئ الآن قواعد أساسية، تماماً كما أنشأ الكونغرس القاري دستوراً قبل أكثر من عقدين من الزمان. أولئك الذين أدعوهم أصدقائي، أولئك المرتبطون بي بعقد أو قسم، وأولئك الذين أتفاوض معهم، وأولئك الصغار جداً يجب عدم مسهم دون موافقتهم الصريحة. ويشمل هذا الضارعين. أولئك غير المرتبطين بي يمكن الافتراس منهم، لا قتلهم أو استعبادهم. أولئك الذين لم يحترموا الصيد بإيذاء فريسة ضعيفة، أولئك الذين نكثوا بعهودهم للآخرين، وأولئك الذين تعاقدت على أسرهم يمكن الافتراس منهم وتعذيبهم واستعبادهم، لكن لا قتلهم. أولئك الذين نكثوا بعهدهم لي ولمن يخصني، أولئك الذين سرقوا أرواحاً لمصلحة شخصية وأولئك الذين سرقوا كرامة نساء هم صيد مباح. تنطبق تلك القواعد على المجموعات التي أعتبر نفسي في حرب معها، لا أقاربهم. أولئك الذين يعرضونني للخطر بوجودهم وأولئك الذين حاولوا قتلي ومع ذلك احترموا روح الصيد يمكن الافتراس منهم وقتلهم، لا تعذيبهم ولا استعبادهم. فوق كل شيء، يجب أن أفي بكلمتي وأحمي نفسي ومَن يخصني. نعم. يبدو هذا صائباً. سأطبق تلك القواعد في الوقت الراهن على الأقل. سأعدلها وأنا أمضي إن رأيت ضرورة لذلك. أعيد انتباهي إلى الحاضر. لم يتحرك الصبي، وتنظف المرأتان الأصليتان نفسيهما بينما ترمقان الرجل المنبطح بريبة. تداعب الطويلة سكينها بتعبير تأملي. أبدأ في جمع المؤن. أعرف ما يجب أن أفعله بالصبي ولا أريد شهوداً. أجهز حقيبتي ظهر ثقيلتين وأعود إلى النساء. تصعب الدبلوماسية لأنهن لا يتحدثن بكلمة من الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية، ولا ألومهن. بالكثير من الهمهمات والإشارات بالإصبع، تفهمان أنهما ستأخذان الخيول والطعام وترحلان، لكنهما ترفضان. بعد الإشارة إلى السماء والنار بضع مرات، أتذكر أخيراً أن هذا منتصف الليل حالياً والسفر ليس أفضل الأفكار. لقد شبعت وهن لا يمثلن أي خطر عليّ، لذا أقرر تركهن يفعلن ما يردن. بدلاً من ذلك، أمسك الصبي من مرفقه وأجره إلى غطاء الأشجار. لا يقاوم. "أتفهم ما أقوله؟" يومئ برأسه. "أنت في أمان مني الليلة، لكن هذه الليلة فقط." يرفع الشاب رأسه نحوي. تماماً مثل قطاع الطرق الآخرين، يرتدي مزيجاً ومطابقة من ملابس الزراعة والسفر ذات الصنع البسيط لكن المتين. لونه البني أوسع من اللازم عليه. أظن أنه ربما كان أصغر شخص في المجموعة في حدود الساهرة عشرة من عمره. أجد نفسي وجهاً لوجه مع عيون زرقاء سائلة أفتح من عيوني. إنهما واسعتان وجاذبتان بشكل غريب. حتى حين أنظر إلى بقية جسده، يُجذب بصري مجدداً. يحدق بي بنوع من الدهشة الطفولية ورغم أنني أشم رائحة خوف منه، إلا أنها ليست بالقوة التي كنت أتوقعها. لا أريد قتله. لا أؤمن بأنه تشكيل تهديد لي. لا يبدو كواحد. "إن لم تتحدث عن هذا قط، ولا عني، لأحد، فسأدعك تذهب. أمتفق أنت؟" يفكر الصبي حقاً في كلماتي للحظة، وحينها فقط يوافق بالإيماء مجدداً. "أقسم على ذلك." "لن أخونك. أقسم." "جيد، الآن سأختبر كلمتك." آخذ ذراعه غير المقاومة وأعض، ثم أتممع في عينيه. "أكنت تنوي خيانتي؟" "لا. أبداً." كان ذلك سريعاً. وفقاً لقواعدي، يمكنني قتله إن رأيت أنه تهديد. لا أرى ذلك. إنه ليس صديقاً أيضاً، لذا يمكن الافتراس منه، لا إيذاؤه أكثر. لا أعطش. باه، يكفي، لقد تأخر الوقت. "حسناً جداً. يمكنك المغادرة والذهاب حيث تشاء. احترم كلمتك، فإن لم تفعل، فلن أكون الوحيدة التي تتعقبك بافتراض تصديقك حتى." "لن أخونك." ردود أفعال الصبي غريبة نوعاً ما. أيمكن أن يكون متخلفاً عقلياً؟ سيشرح ذلك لمَ اختاره غراب ليعفو عنه. لابد أنه الأقل استحقاقاً للموت بينهم جميعاً. "عليك مغادرة المخيم في هذه اللحظة بالذات. أشك في أن أسراك السابقين سيغفرون لك ما مروا به." "أعرف إلى أين أذهب." مجدداً غياب أي شك. ثمة خطب في هذا الشاب. إنه متقبل للوضع بأكمله أكثر من اللازم. أيمكنه إخفاء ما هو عليه حقاً؟ لا. لقد حصلت على أدنى تلميح لجوهر حين عضبته وهو، بلا شك، فاني. باه، لا يهم. لقد تأخرت طويلاً بالفعل. أحرص على وجود كل أسلحتي معي وأغادر المنطقة فوراً. رحلة العودة أسرع بكثير إذ لا أضطر للبحث عن مخيمنا، ولا أحتاج لإخفاء حضوري. بعد ساعتين من مغادرتي، أجد قريباً أنوار مخيمنا المألوفة. حين أعود إلى المخيم، أرى تلميحاً للسحر في الهواء. لم يكن لوث عاطلاً بينما كنت في الخارج. أعبر فاصل التعويذة، مسببة رنيناً خفيفاً. أسمع نائماً يستيقظ وأتبع الأصوات نحو لوث مجهد قليلاً. يومئ لبيغل فنغادر دفء النار الميتة لنناقش أحداث الليلة دون إيقاظه. أخبره بكل شيء، بما في ذلك ما توصلت إليه، والشفرة الأخلاقية ومصير دالتون. "هم. آري، أمخمورة أنت؟" "ماذا؟ همم، ربما؟ كيف تمكنت من معرفة ذلك بحق الجحيم؟" "انتباهك يتشتت وأنت أكثر تأملاً من المعتاد. رأيت هذا في قسطنطين في بوسطن، كان سيحظى بمزاج مماثل بعد صيد مميت. على أي حال، يجب أن أهنيك على ليلة الليلة. أحسنت." "أتظن ذلك؟" "لقد قضيت على التهديد، ولم تتركي ناجين خطرين وحصلت على ما أردناه. والآن عدتِ سالمة غانمة. تير، أتمنى لو أن كل غاراتي سارت بهذا القدر من الجودة." "نعم، والآن علينا تقرير كيفية المضي قدماً." "لا شك في ذلك أليس كذلك؟ سنركب شمالاً لتطهير أولئك المجانين واستعادة الفتاة، إن كانت حية. أشك في ذلك، أتعلمين؟ أي طائفة غريبة تشتري الناس لا تبقيهم حولها لفترة طويلة." "لا يعجبني هذا. نحن نتحرك بعماء نحو وضع قد يكون بالغ الخطورة. أليس هناك جماعة ينبغي إرسالها للتعامل مع هذا؟" "نعم أيتها الفتاة، نحن! نحن الكيانان الأقوى لمئات الأميال لذا فالأمر متروك لنا للدفاع عن منطقتنا. هاهاتها، تير، ما زلت بشرية للغاية أحياناً. أتوقعين حضور الدرك أو الميليشيات لصيد الوحوش؟" "همم، ليس هم، بل أقرانهم الخارقون للطبيعة؟ ظننت أن رتبة غابرييل أو فرق فرسان مصاصي الدماء ستكرس نفسها لصيد تلك الجماعات الغريبة." ينظر إليّ لوث بصمت للحظة. يثقل الجو. نوع من الضغط يجعلني أرغب في صرف نظري وأتذكر من يكون لوث دي سكوراج حقاً، ليس نبيلًا وباحثاً بل كينونة قديمة ذات معرفة سحرية واسعة تلطخت يداها بالدماء. أتذكر حين تقاتلنا معاً. أتذكر التيتانيوم الصامت من المعدن البارد وهو يذبح طريقه خلال رجال يقاتلون ويتوسلون دون أن يتوقف أبداً، دون أن يرمش أبداً، وأرتجف. "يا فتاة، هذه منطقتنا ولا نحتاج إلى أي أغبياء لحمايتها نيابة عنا. هذا ليس العالم البشري، حيث يمكنك الاعتماد على المؤسسات والقوانين. بالنسبة لنا، ما يخصنا هو ما يمكننا الحصول عليه والاحتفاظ به، ولا تنسي ذلك أبداً. علاوة على ذلك، لن أتحمل أولئك الأوغاد المتعصبين يطأون قدماهم عليها على أي حال." يغلق لوث عينيه ويدلك قسيمة أنفه البارز. "نعم، استمعي إليّ أهذي كرجل عجوز. لم أقصد توبيخك أيتها الفتاة. أحياناً، أنت بارعة جداً في كونك ما أنتِ لدرجة أنني أنسى أنك صغيرة جداً. أما عن فرق الفرسان، فأنت لا تفهمين." يجلس ويشبك يديه معاً في وضعية المحاضرة وأجلس بارتياح. "ذكرت أنهم يصلحون المشاكل الخارقة للطبيعة قبل أن تصبح خارجة عن السيطرة. لم أخبرك بأكثر من ذلك، لكن كان ينبغي عليّ. مصاصو الدماء فصيلة نادرة. أنتم مجموعة إقليمية ومغرورة. نادراً ما ستريت أكثر من خمسة عشر في مدينة كبيرة، وسيدافع عنهم حفنة من الأسياد. السبب في أن مصاصي الدماء يجلسون على قمة التسلسل الهرمي حيث هم هو أن كل سيّد خطير بشكل لا يصدق. فرق الفرسان هي مجموعات من الأسياد المتمرسين في القتال المكرسين للحرب. بالكاد هناك حفنة منهم، لكن يمكنك التأكد من أنه إن تم إرسالهم إلى مكان ما، يتم حل المشكلة. نهائياً. الأمر هو أنهم منشغلون دائماً. لن يأتوا إلى هنا إلا إذا خرجت الطائفة عن السيطرة بطريقة ما وبدأت في استدعاء أهوال من العالم الآخر." "إنهم... أيمكنهم فعل ذلك حقاً?!" "نعم قد يحدث ذلك، لكننا لن ندع الأمر يصل إلى هذا الحد. لا تقلقي." "أرى. إذن الأمر متروك لنا. حسنناً، لن أخذلك." "أعلم أنني أستطيع الاعتماد عليك. حسنناً. أمامنا يوم كبير. الأفضل لي أن أغفو قليلاً." يستلقي لوث وبعد خمس دقائق أسمع كلا الرجلين يخران كبوقين يعزفان ثنائياً. لو كنت امرأة بشرية تحاول النوم، أظن أنني كنت سأحاول كتم أنفاسهما بوسائديهما الآن. أخرج دفتر ملاحظاتي عن اللغات القديمة وأراجعه بينما يقترب الليل من نهايته ببطء.
رحلة الأسود والأحمر الفصل 21 — حشد من الغربان
اقرأ رحلة الأسود والأحمر الفصل 21 — حشد من الغربان باللغة العربية على مانجا تايم.