رحلة الأسود والأحمر الفصل 148 — الانضمام

اقرأ رحلة الأسود والأحمر الفصل 148 — الانضمام باللغة العربية على مانجا تايم.

"عجيب. يمكنك الانفلات الآن." يباغتني شعور مزعج يماثل العطسة الخائبة فيدفعني إلى الانكماش بمرارة. أحتمل الألم، لكن هذا القدر من الاستياء شيء آخر. إذن، تلك القدرة على تبديل الهيئة أقل إبهاراً بكثير مما ظننت. يمكنني تعديل لون شعري وعيني وملامحي إلى حد ما، دون شكل جسدي باستثناء طولي ربما. بمقدار بوصة واحدة. إنها تظل مهارة نافعة للغاية في مواقف محددة للغاية. أستطيع انتحال صفة مصاصة دماء مختلفة تماماً مع تحكم مناسب بهالة طاقتي. ثمة مشكلات بالطبع، وأقلها شأناً أن نجاعة هذه القدرة ستتراجع إن شاع خبرها. وثانيها أن هندسة وجه مختلف تقتضي وقتاً وجهداً، ثم يلزم جهد أكبر للحفاظ عليه، فلا يسعني فعلها نزوةً. لا أزال مسرورة بهذا التطور. بل صبغت شعري نحاسياً على سبيل التجربة، مدفوعةً بملوزين درْكاً واحداً إلى الأسفل في لائحة ذوات الشعر الأحمر الجذاب. تزمّ جيمينا شفتيها النحيلتين باستنكار. لقد كانت أبداً كارثة على الخداع، ولا يزال التخفي إحدى أدواته العديدة. تعلم أختي أنه ليس سوى وسيلة لغاية، وأن النية أرجح من الطريقة في مساعٍ شتى. تخفي كرهها تودداً مني، فأقرر وقف تجاربي الآن. سأنضم قريباً إلى رتب الفرسان. لا حاجة إلى هكذا قوى في حصونهم المنعزلة والبعيدة. أتطلع إلى الخارج فأيأس. انزلق قطارنا فترة على خطوط مألوفة، متوقفاً أحياناً عند قرى صغيرة كانت معاقل لديفور متخفية. استمتعت بصحبة غير قليل من الحكام المحليين ممن اهتموا بطرافة حضوري أكثر من ارتباطاتي السابقة. "أنت أمريكية؟ كيف يمكن للمرء أن يكون أمريكياً!" كان كثيرون منهم عجائز عالقين في الزمن، تخدمهم عائلات مميتة ذاتها لأجيال. عاشوا في مقاطعات ضيقة بمعزل عن شؤون العالم، وبعيداً عن قبضة معظم السلطات الدنيوية. ظلت توقفاتنا وجيزة بما يكفي لتفادي التورط في السياسة المحلية. ومع أنها مكررة، صرت أفتقد تلك المشتتات الآن، إذ أمضينا ما يقارب أسبوعاً دون أن نصادف شيئاً أكبر من محطة طريق. يستقر قلب رتبة الفرسان عند حافة أورال، وهي سلسلة جبلية قديمة وواسعة في عمق الإمبراطورية الروسية. طوال سبعة أيام، لم نر سوى محيط لا ينتهي من الخضرة، يقطعه أحياناً مرجان صخري تغطيه نباتات هزيلة. غادرنا آخر رفيق درب لنا من أهل الخلود قبل ذلك بكثير. لا يكسر الملام سوى جولات عرضية عبر غابات عذراء لعلها لم تعرف يد البشر قط. كما تتراكم رؤوس أنا وجيمينا تهشيماً فوق العربات المختلفة أحياناً. فزت بما زاد على ما خسرت. تبقى جيمينا دائماً نفسها منضبطة ومتقنة فنياً. قدرتها على التكيف ومواجهة أسلوبي غير المتوقع مذهلة بحق. أكثر ما أعجبني فيها تركيزها التام على مبارزتنا، حتى بالنسبة إلى كاديز. لا تفقد صبرها قط، ولا تدع نفسها تتشتت أبداً. أجد ذلك جديراً بالإعجاب. أخيراً، يبطئ القطار مسيره إذ يواجه الآن منحدرات، وينعطف الدرب ملتوياً. تحل مساحات رمادية من الحصى والأحجار القديمة محل اتساع الغابات. يشتد الطقس سوءاً وتتجمع الغيوم المظلمة في الأعلى. تغرق القمم البعيدة في رمادي كَدِر. نجبر على إلغاء مبارزتنا التالية أو قبول الابتلال تماماً. في الليلة ذاتها، وبينما يضرب المطر السقف المعدني فوق رؤوسنا، نتوقف فجأة عند حافة مبنى صغير يكاد لا يككبر عن كوخ. أرى أشكالاً داكنة تلوج العربة المتقدمة واحداً تلو الآخر وأتعرف على دروع الفرسان المصفحة. يرتدون قلنسوات لدرء هجوم العناصر ويتحكمون بهالاتهم، لذا يتعذر عليّ معرفة الكثير عن طبيعتهم حتى نغادر أنا وجيمينا الصالون لننتظر في الممر تحيةً لهم. لو بقينا جالسين، لأوحى ذلك بإيماننا بتفوقنا الخاص. "لا أرى المشكلة حقاً." "الفرسان يدعمون الفرسان أيتها الأخت العزيزة. كوني لطيفة من فضلك." "حسناااء." أستجمع نفسي وأراقب بفضول الفرسان المقطرين بالمياه وهم يدخلون العربات الأخيرة. ألاحظ أن درع القادم الأول أكثر تعقيداً من دروع أتباعه. يتبدد أي فكر آخر عندما أتعرف فوراً على الواقف في المقدمة. يمتلك القائد وجه قديس، بهيئة الأمير المثالية في القصص الخيالية ذات العينيْن الزرقاوين والشعر الأشقر والفك المربع. يدعم مظهره الساحر نظرة بعيدة قد يحسبها الآخرون حالمة، لكني أعرف أنها تنم عن ازدراء العالم بأسره. أكرهه بكل ألياف كياني وظهوره نذير شؤم. أنا تول. حاول قتلي مرتين بوصفه مارقاً، وله أدين بالفضل في التعذيب الذي كابدته في أحشاء حصن قسطنطين. أجبر نفسي على إرخاء أصابعي لدى رؤيته. إنهم جميعاً هنا. لا حاجة بي للتحقق. تتقاطع نظراتنا، ونقف للحظة معلقين في الزمن. مر أكثر من ثلاثين عاما منذ لقائنا الأخير، لكني لن أغفر له تعديه أبداً، أبداً. يحني الفرس رأسه تحية مؤدبة ويمر بجانبنا بينما نتحرك إلى الجانب. أما من خلفه فمجموعة من المعلمين من عشائر عدة، رجال ونساء لا يجمعهم سوى حال عتادهم المذري، والإرهاق الذهني الكامن خلف عيونهم الغائمة. تغلق أبواب المقصورات الكثيرة حتى ننفرد وحدنا. تجذبني جيمينا إلى مقصورتنا. "أود الإشارة"، تصرح جيمينا، "إلى أن الإتيكيت يملي علينا تقديم التحيات والانحناءات الخفيفة عند لقاء فصيلة أخرى." "لقد أخفقت في فعلها." "نعم. الخطأ خطي. يجدر القول إن أنا تول لقيط وسأستمتع بقتله للغاية." أحدق مطولاً في وجهها الرصين. إنها تقسم نادراً جداً. "تلك ظروف مخففة"، أقول. "حقا. للأسف، يحمل عتاد مدرب، مما يعني أنك ستضطرين غالباً للتفاعل معه في مرحلة ما. أنا متأكدة من أنه لن يُعين مشرفاً مباشراً عليك لتجنبنا هذا النوع من الزلات، إن كان في ذلك عزاء." "أسيحاول فعل شيء؟" "مهاجمة زميل فارس كعمل انتقامي عقوبتها الموت. وهو يعلم هذا." تميل إلى الأمام. "هذا سارٍ عليك أيضاً. أرجوك لا تقومي بأي تصرف متهور. شيوخ رتبة الفرسان ليسوا ممن يُعابثون." "لم تكن خطتي." لدي ما يكفي من المشاغل الآن. لكنه إن عاد إلى العالم الجديد... حسناً، قد يقع أي شيء. تغلق جيمينا عينيها وتتنهد. وعندما تفتحهما مجدداً، تكون قد حسمت أمرها. "نصل غداً. تعرفين كل ما كان علي قوله. سأكون إلى جانبك على أي حال." أومئ برأسي. حان وقت التضحية بعشر سنوات من عمري في سعاة نحو القوة. مع حلول الليلة التالية، نكون قد بلغنا الهضبة المنعزلة التي يسمونها موطنهم. في لحظة، يشق القطار طريقه ببطء عبر غابات الصنوبر العتيقة، وفي اللحظة التالية نكون في العراء. تفتح بوابة هائلة نُصبت بين عمودين من الحجر الأبيض، بعرض يكفي لعبور ثلاثة قطارات إضافية. تزين واجهتها المنحوتات والنقوش بعناية، ويمكنني استشعار تعويذات قوية حتى عبر جدران القطار. نبطئ السرعة تدريجياً بينما يلوح لنا لورد بدرع ثقيل عابراً، وسيف كبير يستقر على الأرض بجانبه. تتبعنا نظرته المظلمة بينما نتحرك للداخل. الآن وقد رأيت معقل الفرسان للمرة الأولى، أقر بأنني معجبة بما يكفي. "أهلاً بك في ملاذ السحاب"، تقول جيمينا بلمحة فخر. اعتمدت الرتبة هندسة معمارية بسيطة ورصينة تظل ذاتها في أرجاء المجمع بأسره. توحي الهياكل العسكرية والأزقة النظيفة والمنتظمة بمعسكر جيش تحجر فجأة. أقرب توازٍ خطر ببالي هو رسومات أيلول التي رأيتها في استعراض ما. ولا يقلل من غرابتها أن المادة المستخدمة حجر أبيض خالص مأخوذ من مقجر مجهول. هناك عدد غير قليل من البشر بالزي الرسمي يتجولون، لكني أرى فرساناً قلائل جداً. يحمل الحاضرون جميعاً مسحة انضباط تتوافق مع مظهر مساكنهم الرصين. كما لا يرتفع أي من المباني لأكثر من طوابق معدودة، لتبقى القاعدة مسطحة ويصعب رصدها من بعيد. أتأمل الموقع و مدى افتقاره للتجهيز في مواجهة جيش حديث. فالجدران الحجرية المسطحة لا تساوي شيئاً في وجه نيران المدافع بعد كل شيء، بيد أنني أدرك سريعاً أن أي جيش حديث لن يصل إلى هنا قط دون خوض مئات الأميال من الطرق الرديئة. وفرسان غاضبين. يتوقف القطار عند نهاية السكك. وتتألف المحطة الأخيرة من مقعدين ومستودع حجري ضخم تظهر عليه حتى الآن علامات النشاط. يأتي الضوء من فانوسين تلمعان بزرقة التعويذات السحرية. ندع الفرسان يتقدمون وننزل تاركين أمتعتنا خلفنا. أتذوق الهواء المنعش والنقي بمجرد خروجي، وهو بارد حتى في هذا الوقت من السنة. تمنحني رائحة الصمغ والخضرة خلفية سارة تذكرني بمعطلي الخاص الواقع وراء المحيط بعيداً. "الفارسة جيمينا، وأريان من النيراري، أهلاً بكما في ملاذ السحاب، موطن الفرسان"، يحيينا رجل فور خروجنا. بنيته قوية، ويحتمل أنه كان محارباً حين كان حياً. تمنحه عيناه البنيتان وشعره الرملي الذي يتتدلى إلى ما تحت وجنتيه مظهراً أشعث، بينما يبدو درعه المصفح المثالي كزي أرستقراطي عليه. ابتسامته تبدو صادقة أيضاً. "التحيات لك أيضاً إيمانويل. هل أنت لجنة الترحيب؟" "نعم. نحن مستعدون للقبول. سيدتي أريان؟" "يمكننا المضي." "إذن تفضلا، اتعبعاني." نتوغل في المجمع حتى نبلغ حافة الجبل لأدرك أن الفرسان قد حفروا داخله عبر القرون. تتناوب الهياكل الكهفية والنيس والممرات المسطحة مع التكوينات الصخرية الطبيعية المضيئة أحياناً بالمشاعل. وتزدهر أشجار ونباتات مفردة ذات عطور ما كان لها أن تعيش هنا، وتغري روائحها. يجتاز إيمانويل ممرًا مقوساً إلى نفق، ثم إلى باحة هائلة يتوسطها بركة صغيرة. ومرة أخرى، الحجر الأبيض هو السائد بينما تغرغر نافورة بسعادة. وبدل أن يكون الجو مهيباً، بدا هادئاً وحميمياً. الشخص الوحيد المنتظر هو رجل نحيل بلحية رمادية مهيبة يرتدي درعاً. الآن وقد رأيت الكثيرين منهم، أدرك أن الفريق الأمريكي ربما تلقى عتاداً أساسياً، لأن ما يرتديه الأعضاء هنا أمر مبهر بحق. وأعتقد أنها تعادل عمل لوث، أو بالأحرى ما نجح لوث في إنجازه وهو في عجلة من أمره. يومئ الرجل المذكور لنا بابتسامة خفيفة. يحمل ندوباً كثيرة من أيامه كبشري، أكثرها من النيول. يبدو كمعلم أسلحة رحيم، لكني متعبة. لن يصل أحد إلى الصدارة في رتبة مخصصة لاصطياد بني جنسنا دون قدر من النجاح. أدرك أنه رغم رغبتي في الانضمام إليهم، لا أرى نفسي حقاً فارساً. ربما لو لم يكونوا أولئك الأوغاد الفاسدين... تباً، ينبغي أن أحافظ على عقل منفتح. "السلام عليك أيها البرايتور"، يقول إيمانويل، وأنا أبدأ بتبين التأثير الروماني في مضيفي، "أقدم لك أريان من النيراري الراغبة في الانضمام إلينا." "السلام عليك أيها الإديل، وشكراً لك. أهلاً بكِ أريان من النيراري. اسمي مارلان وأنا أخدم كرئيس للتدريب في الرتبة. سأجيب عن الأسئلة التي قد تزال ترودك إن شئت. وإلا، يمكننا المضي قدماً في مراسم الانضمام." "نورتني الفارسة جيمينا بالفعل أيها البرايتور. أنا مستعدة." "حسن جداً. قفي على الحجر من فضلك." يتنحي مارلان جانباً فأرى قاعدة تحيط بها المياه. يسقط ضوء القمر عليها كالفضة السائلة. ورغم جلالها، فهي خالية من أي زخرفة ولا أستشعر أي تعويذة صادرة منها. إنه مجرد حجر. "نحن لا نوقع بمتقدمينا يا أريان"، يلاحظ مارلان بابتسامة باهتة، "كلمتك ستكفي." "عذراً. عادة"، أوضح وأنا أخطو للأمام. "أنا متفهم. حسناً إذن، لنبدأ بالأسئلة التمهيدية. هل أنت، حسب علمك، قيد التحقيق في جريمة قد تؤدي إلى أمر إبادة مدعوم من الفرسان؟" "لا." أعلمتني جيمينا مسبقاً بأن هذه الأسئلة ستطرح. صُممت حصراً للتأكد من صدق نوايا المتقدم. ولا يسأل الفرسان حتى عما إذا كان الشخص ينوي جمع معلومات عن الرتبة، إذ ندرك جميعاً أن ذلك أمر محسوم. "هل أتيتِ بنية إلحاق الأذى بالرتبة أو أعضائها أو ممتلكاتها، أو أتخططين لارتكاب هذا الأذى؟" "لا." "حسن جداً. أريان من النيراري، أتعدين بالحفاظ على قيم الرتبة، وطاعة مبادئها وأوامرها طوال مدة خدمتك؟" "أعد بذلك." "أتعدين بالتدرب والقتال وخوض المهام بأقصى قدراتك؟" "أعد بذلك." "وأخيراً، أتعدين بحماية زملائك الفرسان ودعمهم كأنهم لحمك ودمك؟" "نعم." تترك السؤال الأخير طعماً محرجاً بعض الشيء في الجو. أقصد أنني سأحميهم مثل فرخ أنتجته. أو جون، الذي قد يكون من لحمي ودمي كذلك. لا بد أن الفرسان يشعرون بذلك، لكن ظل صانعي سيظل يتبعني أبداً حتى يموت أحدنا. "إذن أنا مارلان، برايتور رتبة الفرسان، أقف شاهداً على قسمك." "وأنا كذلك، إيمانويل، إديل الرتبة." "نضالك هو نضالنا، ونجاحك هو نجاحك. حتى في عتمة العالم، لن تجدي نفسك وحدك أبداً. أهلاً بك في الرتبة يا أريان. اجتازي الاختبارات وستكونين دركياً." "شكراً لك"، أقول. يستقر القسم حولي. كانت المراسم قصيرة ومباشرة، وهو ما أستحسنه. يستدار مارلان بلا توقف ويطلب مني اتباعه. "سأحرص على وصول أمتعتك حيثما لزم، بما في ذلك أسلحتك"، يقول إيمانويل وهو يغادرنا. نتبع أنا وجيمينا البرايتور المخضرم متوغلين في الجبل، وأرى أن الجزء الأكبر من القاعدة يقع بالفعل تحت الأرض. تحافظ العديد من المنشآت على نوافذ تطل على الخارج، لكني أستشعار تعويذات قوية من تلك الفتحات، علامة على أن البناء ليس بمثل الانفتاح الذي يبدو عليه للوهلة الأولى. "سنجري اختبارات قليلة لتحديد مجالات فرصك وصياغة برنامج تدريبي ملائم. سنبدأ بالمقاومة الذهنية، ثم النظري، ثم القتال، وأخيراً مقابلة مع عدة متخصصين لتحديد الدور أو الأدوار التي تناسبك بشكل أفضل." ندخل الآن غرفة دائرية بسقف مفتوح أيضاً. تحتل روهندة تتوسطها صفصاف ناحلة هائلة مساحة واسعة. يركع فارس آخر في ظلها. وقد تُرِك وسادة أمامه. "ستغادر أنا وجيمينا لمناقشة مهمتها التالية. سأصطحبك بعد انتهاء الاختبار. لدى سيلفان تعليمات واضحة لتقييم دفاعاتك وسيتوقف حين يصل إلى معقلك الداخلي دون البحث عن الجوهر." يومئ سيلفان ويدعوني للجلوس بإشارة، فأفعل. إنه رجل نحيل ذو شعر كتاني أشقر لدرجة يكاد يكون فيها أبيض وعيون رمادية باهتة. "مساء الخير. اسمي سيلفان وقد كُلفت بتقييم دفاعاتك الذهنية." تنم شفتاه المزمومتان عن كونه غير راضٍ تماماً عن المهمة. "أنت على دراية بمفهوم القصر الذهني، أظن؟" "البناء الذهني الذي يتخذ هيئة مكان آمن؟" "بالتأكيد. ما لم تكن معايير التدريب الأمريكية أسوأ مما افترضت، فيجب أن تمتلكي واحداً، رغم أنه بمع سلالتك..." آه، هكذا إذن. "لدي بناء ذهني، نعم." "يسعدني سماع ذلك. منذ متى؟" "مم، منذ عام ثمانمائة وثلاثة، حين حولت. علمتني جيمينا من الكاديز كيف أفعله في ليلتي الثانية." "كان لديك قصر ذهني منذ ليلتك الثانية؟" يسأل بعدم تصدق مستتر بالكاد. "غرفة واحدة في البداية، لكن نعم." "أهكذا؟ أمتأكدة من أن هذه ليست مجرد صورة تحافظين عليها؟ فالتركيز على الصور وقصر ذهني حقيقي أمران مختلفان تماماً." "أنا متأكدة بمعقولية، نعم." "حسناً، سنرى. خذي راحتك. عند إشارتك، سأخترق معقلك. وتأكدي أنني سأتوقف هناك." واثقون، أليس كذلك؟ أغمض عيني فأظهر في غرفة نوم قلعتي الذهنية، قلب قوتي. تصف التذكارات واللوحات الجدار بينما أرتاح على سرير مريح. أقف وأظهر عند بوابات القلعة العاتية حيث تتركز دفاعاتي بكثافة أكبر. في العالم الحقيقي، أدفع نفسي لأومئ. فوراً، يحك شيء ما دفاعاتي الخارجية، جدار الشوك المحيط بعقلي. أتذكر ساحراً بشرياً حاول ذلك. هذا مستوى مختلف تماماً. يستمر الهجوم وسرعان ما أشعر بالألم. لقد مركز الخُصم قوته ليشكّل رمحاً من نوع ما، أداة خارقة تحفر في الجدار. دفاعاتي منتشرة بينما هجومه مركز. بنزوة، أركز ويبدأ جدار الشوك بالحركة، وتتداخل جذوعه وفروعه الكثيرة في ضوضاء طقطقة وأنين. يتشتت الهجوم. يحاول الساحر مجدداً فأدرك أنه بوسعي الاستمرار لفترة، حجب0ه تماماً. لكن أين المتعة في ذلك؟ بأقل جهد من الإرادة، أسمح للدفاعات بالانفتاح وشكل يقتحم الشوك عبره. إنه، بكلمة، مسخ. مظهر ساحر عقل مصاص الدماء كوحش متوحش، رشيق وقوي مع أربعة أطراف تنبثق من ظهر عضلي كأجنحة بلا ريش. يملك بشرة باهتة فوق عضلات قوية. يعكس مظهره خبرته في مجال سحر العقل. تجلد الشجيرات والشوك من الجدران كلما مر، وهي أكثر تفاعلاً بكثير مما كانت عليه خلال التوغل الأخير في عقلي. أبتسم بسخرية حين يتوقف ويرفع يداً إلى وجهه مدركاً أن الخدش الذي أوقعته لا يلتئم. في لحظة تردده، انبثقت حبال لا تحصى وأخذته في عناقها القاتل. يشق الدخيل طريقه للخروج عازماً، وتعجز الدفاعات السلبية عن إيقافه، ومع ذلك، فمع كل خطوة للأمام، تحصد حصتها من اللحم. يفقد الساحر صبره، أستطيع شعور ذلك في سلوكه. يتقدم للأمام وبدل اتباع المسار المؤلم، يحطم طريقه عبر جدار من الخضرة. للحظة، أظن أنه جن إذ يخنقه النبات شبه المنهار تماماً، لكنه يذوب للأمام ويظهر بعد خطوات قليلة، وقد التئمت بعض جروحه. يفعل ذلك عدداً معيناً من المرات ويصطدم بجدار. يملك معقل عقلي مدخلاً واحداً فقط. يضرب الحجر الذي لا يلين لكن هذا ليس حاجزاً حقيقياً، بل تصوراً لحدود عقلي. لا سبيل للعبور هنا. ولتحسب له، يدرك ذلك فوراً ويهرب قبل أن ينهار النبات عليه، شاقاً طريقه إلى الساحة المركزية حيث تنتظر معظم دفاعاتي. في البداية، يتحطم عبر جدار آخر لكنه يدرك أنه غير مجدٍ حيث تجلد الأغصان والفروع لحمه. حتى الشفاء الغريب الذي يستخدمه حين يتحول لا يمكنه معادلة الضرر المروع والصبور الذي يتعرض له. في النهاية، يسرع عبر الممرات قبل أن تتمكن الأشواك من التفاعل ويجد التمثال الأول، فيمزقه في زمن قياسي. لا يستغرق الأمر طويلاً حتى يجد الساحة الرئيسية. يتخطى بوميض تمثال جيمينا، لكني أوجّه دفاعاتي شخصياً الآن ويظهر للأمام لتغرس فأس لوث بعنف في خاصرته. بغضب، يستير ويدمره لكن دالتون يطلق النار على ساقه. وحين يلتفت، يكون لوث قد تكوّن مجدداً بما يكفي لكمشه في أنفه. نحن لا نتقاتل، بالمعنى الدقيق للكلمة، باللحم، ومع ذلك تفاجئه الضربة غير المتوقعة فيعوي غضباً. يلمح هيئتي المستلقية عرضاً فوق نافورة ويخمشها بغضب جامح. تمر المخالب عبرها كأنها هواء. "تعلم أن كل شيء هنا أنا، أليس كذلك؟ هذه مجرد صورة"، أقول لفمه المسعور، مستمتعة. يكلفه التشتت غالباً والتمثال الأكبر، تمثال المنادي، يشحنه بقرنه. أتذوق المزيد من جوهره. إنه معلم رولاند، قوي جداً. وهو ما يفسر إصراره على المثابرة بدلاً من التراجع والاعتراف بأن دفاعاتي صلبة. يستمر الدخيل في القتال لكنه لا يستطيع تدمير التماثيل أسرع مما أستطيع تجديدها، وكل منها يخلف علامات في لحمه لا يستطيع شفاؤها بسهولة. حتى قفزاته الغريبة عبر دفاعاتي تُحبَط إذ أستطيع ببساطة استشعار أين سيظهر، وأوجّه الدفاعات لمواجهتها. وسرعان ما ييأس ويرتطم بالباب، متجاهلاً الجروح الكارثية التي يحفرها المدافعون. مرة، مرتان. وفي المرة الثالثة، أسمح للأبواب بالانفجار مفتوحة. يتحول انتصار الساحر إلى رعب حين تحيط قبضة كبيرة بوجهه بسرعة غير متوقعة، ثم يخترق سيف رفيع يشتعل ببنفسجي ناري صدره حتى القبض. تتهكم سينيد، يحيق بها سيفايا، قبل أن تغلق الباب مجدداً. لقد جعلني جوهرهما معلماً. إنهما، بلا شك، أقوى الكائنات التي منحتني سندها، حتى وإن خنقهما هذا العالم. بالمقارنة، حتى قسطنطين مجرد طارئ شاب. إنه كثير على الدخيل. يتوارى وميضاً عدة مرات في تتابع سريع، لكن الجهد أكبر من أن يتحمله فيترنح شبه منهار في طريقه إلى الحد الخارجي. تتوقف زحفاته حين تقبض عليه أطراف شوكية سميكة. "ليس بهذه السرعة"، أهمس في أذنه. بعد خمس دقائق. "أكان هذا ضرورياً حقاً؟" يسأل مارلان، بوضوح منزعج. "أجرينا الاختبار بدقة كما صنعه فاحصكم. إن كانت لديك أي شكاوى فعليك توجيهها إليه. لقد اتبعت التعليمات فحسب"، أعقب. الفاحص المذكور مشمشغل تماماً بالرقود على الأرض والدماء تنزف من كل تجويف. أو على الأقل كل تجويف في رأسه، لم أفحص البقية. سيتعافى. تركته يمضي فوراً ودون إلحاق الكثير من الضرر. عقول مصاصي الدماء ترتد دائماً بسرعة، ويفترض بي أن أعلم. تهز جيمينا رأسها باشمئزاز، لكن نظرتها موجهة بامتنان نحو هيئة سيلفان الطريحة. "مارلان؟" تسأل. "نعم، حسناً، أود القول إنك اجتزت الاختبار بالدرجات الكاملة. أخبرتنا جيمينا أن قدراتك القتالية كبيرة وعلينا الاستعداد بشكل ملائم، لكن لم أكن أعلم أنك ساحرة عقل أيضاً؟" "لست كذلك وليس لدي لا ذوق ولا موهبة له. دفاعاتي ناتجة عن خبرة السحر والتأمل." لا يؤثر السحر على مصاصي الدماء الآخرين، لكن السحر العقلي، تماماً مثلما يستخدم سيلفان علي، يؤثر. ليس لدي سبب بسيط للتدرب عليه إذ لن أبلغ المستوى المطلوب لاستخدامه بفعالية في المعركة. وقتي أفضل استثماراً في تطوير قوتي." "سأقول إن النتائج مبهرة للغاية. لم أرى قط أحداً يحبس روح آخر بهذه الشواية. ستكون تجربة تعليمية ممتازة للعزيز سيلفان. لقد بدأ يتراخى بعض الشيء في الآونة الأخيرة. اتبعيني، سننتقل الآن إلى الفحص القتالي." "أستتولى أمره يا مارلان؟" "لا. أوكتاف سيقوم بذلك." أتجمد في خطواتي تقريباً. حتى جيمينا ترفع حاجباً بدهشة. "إذاً، لقد صدقتني"، تقول. "يريد تقييمك شخصياً"، يخبرني مارلان، "يجب أن تشعري بالفخر. ليس كل مجند يلفت انتباه الثلاثي." للرتبة ثلاثة مؤسسين، اثنان منهم ما زالا نشطين. لوريكا صاحبة رؤية ودبلوماسية في المقام الأول. أوكتاف هو العضلات. وهو أيضاً على الأرجح ثاني أفتك مبارز على الكوكب. حتى مالاكيم قد يخسر أمامه، أظن ذلك. للقائه، نمشي دقائق إضافية ونصل إلى حلبة رملية واسعة تكفي لاستيعاب مئة مقاتل. تتيح طبقات المقاعد للمشاهدين متابعة الإجراءات. ينتظر رجل ذو شعر داكن مقصوص بعناية وبنية عضلية مهيبة، لا يرتدي سوى قميص مفتوح وسراويل قصيرة. يمسك في يده نصله البسيط الذي يحمل تعويذات معدودة بينما يفحصه بحثاً عن عيوب. يرفع نظره حين نصل ويبتسم. إذاً نعم، لقد سلب توران قلبي، لكن هذا الرجل كان سيحظى بفرصة أيضاً. إنه رجولي للغاية بطريقة جيدة وصلبة. الشعر القصير، والابتسامة الصادقة، واللحية الخفيفة تمنحه سحر جندي. "ولابد أنك أريان. جيمينا، يسعدني رؤيتك أيضاً. ما زلت تستخدمين العدالة كعود أسنان؟ أثق أنني سأراك لاحقاً الليلة، همم؟" "لقد كنت أتدرب بجد"، تجيب جيمينا بلا ضغينة. يبدو أن الاثنين يعرفان بعضهما. "ممتاز. لكن دعونا نختبر هذه الإضافة الجديدة إلى رتبتنا الرفيعة، أليس كذلك؟ ستجدين عتادك في تلك الغرفة، أريان. جهزي نفسك ثم تعالي واجهيني." "أيمكنني استخدام كله؟" أسأل. "كيف يمكنني تقييمك عدا ذلك؟" يجيب أوكتاف بلطف. تحتوي الحلبة على أبواب، يؤدي أحدها إلى غرف تبديل الملابس. أجد عتادي كاملاً مصفوفاً بدقة على طاولة وأجهز نفسي بالكامل، بما في ذلك البندقية. يمكنني استخدامها كحركة افتتاحية. أعود إلى الآخرين لأجد أننا اكتسبنا بضعة مشاهدين، بما في ذلك بعض متدربي الفرسان الذين انضموا إلينا الليلة الماضية. أتلقى مزيجاً من ردود الفعل تراوح بين السخط وعدم التصدق حين يرون الأسلحة التي جلبتها. أيتجرؤون على السخرية من قطعتي الهندسية الحديثة الرائعة؟ سأريهم. يمشي أوكتاف بعرض الحاحة الفراغة بينما تغادر جيمينا ومارلان. "جاهز متى شئتِ"، يعلن، ولا يزال مبتسماً. أرفع البندقية وأطلق النار في الحركة ذاتها بنفضة خفيفة من يدي. أراقب أوكتاف واقفاً بعفوية للحظة، وفي طعنة بنصل ممدود في التالية. لقد قطّع الرصاصة إلى نصفين. اصطدم أحد الجزأين بصدره واخترق جلده، مدفعاً بعض الدماء للخروج. هذا الرجل ذهب ونسي أمر القصور الذاتي. ألقم الرصاصة التالية بكل سرعة أستطيع حشدها وأطلق طلقة أخرى. هذه المرة، يوقفها بمسطح نصله وهو يندفع للأمام. "ليكن الظلام." تغطي سحابة منيعة المنطقة بينما أندفع إلى الجانب وألوح بروس، مسقطة بندقيتي في الرمل. يتفادى الانحناء لأسفل بطريقة ما ويوجه نفسه نحوي. تلتقي نصالنا. أبذل قصارى جهدي لإبقائه بعيداً، عبثاً. لا يبذل حتى أي جهد لرؤيتي خلال التعويذة. لا بد أنه يخمن مكاني من اتجاه نصلتي. على حدس، أقوسها فيكون هجومه إلى اليمين قليلاً. أستغل الفتحة وأميل للخور، مستخدمة يدي المدرعة للإمساك بالحديد الكبير. وفي حركة سلسة أخرى، أسحب الحديد الكبير وأضغط الزناد بينما ينظف السبطانة الحافظة. على نحو مستحيل، ينتفض أوكتاف في اللحظة الأخيرة ولا يصيب الرصاصة سوى خاصرته. لسوء حظه، ليست تلك رصاصات عادية فينفتح جرح عميق ونزف، ملطخاً قميصه بالسواد. يبتسم أوكتاف. يتسارع. تصبح حركاته أقل عفوية ومرحاً وأضطر للعمل بجد لإيقافه. وفجأة، يهجم مرة أخرى فأُدفع إلى الوراء، مجبرة على التركيز على الدفاع لتجنب الخذل. "اسلخ." يخطو بخفة إلى الجانب لتفادى التعويذة فأدرك أننا غادرنا السحابة. أهجم بجد. يحجب أو يتفادى بطريقة ما كل ما أملكه، مهما حاول جعله غير متوقع. أحياناً تحرك أسرع مما أستطيع لكن في أغلب الأحيان يتحرك أبطأ إذ تتيح له تقنيته المتفوقة هذه الحرية. أحاول كل نصيحة وتقنية تعلمتها من توران ونامي لإجباره على التراجع، ممزجة أنماطاً مختلفة محاولة إجبار رد فعل. وحين أحاول تجريده من سلاحه بإحدى طرق جيمينا، يقهقه. "أتحاولين تطبيق حيلي علي، أمم؟" اللعنة. إذ خلت من الأفكار، أجرب أشياء جديدة. أمد يدي إلى الحديد الكبير، وحين يندفع للأمام ليوقفني، ألقي تعويذة عوضاً عن ذلك. "اربط." تثور سلاسل التعقب من درعي بينما أندفع نحوه. يعكس مساره ويحجه بساعده. ثم يسحب. نضرب الاثنين في ذات الوقت وتصد نصالنا بعضها. نحن قريبون جداً. ينطحني برأسه. أرفسه. "مزق." على هذه المسافة لا يمكنه التفادى، أو بالأحرى يستطيع لكنه يقرر الحجب بسيفه بدلاً من ذلك. تماماً كما توقعت. سيف بسيط معحز حجب رصاصتين مسحورتين عاليتا العيار عن قرب، وضربات روز والآن تعويذة مصممة لتدمير المواد غير الحيّة. إنه كثير جداً على الأداة البسيطة. ينكسر، وأرى الدهشة لأول مرة في نظرة أوكتاف. أم أكانت متعة؟ ينحني تحت هجومي "المفاجئ" ويمسك بدساري، جادباً إياي للداخل. نحن الآن أقرب من أن نستخدم سوى السكاكين. نتخمش أنا وهو بغضب بلا رحمة. تحفر هجماته خدوشاً في درع لوث بينما أنجح فقط في فتح جروح ممزقة في قميصه الممزق أصلاً رغم استخدام قوة يمكنها تفتيت الحجر إلى مسحوق. رقصتنا القاتلة هوس بلا نهاية، ولا يدعني أبداً أفتح المسافة. إنه يعبث بي. يفترض بي شعور بغضب أكبر، لكن حقيقة تعامله معي بجدية تخفف حدة التفوق الساحق ضدي. بعد بضع دقائق وفقط حين يبدأ درع لوث في التداعي، يتراجع ويرفع يداً. "حسبنا. أحسنتِ. لقد نجحتِ." يتردد صدى تصفيق قليل في المدرجات. "بالفعل؟" أسأل بدهشة ما. يقهقه أوكتاف مجدداً. "أأردتِ أن أستمر؟" "ليس لتقييم. أنا مندهشة فحسب. أنتهي دائماً من هذا النوع من القتال مطعونة أو محطمة في بعض عناصر المشهد." "أه، ستفعلين في المستقبل. لم أرد سوى تأخير اختبارك التالي. لن يكون من اللائق مني جعلهم ينتظرون حتى تعيدي بناء رأس." أحدق بغضب قليل، لكنه يكتفي بهز كتفيه. "عرض واعد"، يقول مارلان وهو يدخل الحلبة مجدداً. "ألننطلق؟" أومئ لأوكتاف وأتبع البرايتور للخارج بعد تبديل ملابسي سريعاً. تقرر جيمينا البقاء. "أدين له بمبارزة"، توضح. أُقاد إلى مكتب صغير كومة من الأوراق على طاولة ثانوية، ومعها قلم ووعاء حبر جانباً. "سيختبر هذا معرفتك النظرية حول مواضيع شتى. على جميع الفرسان ومرشحي الفرسان اختيار تخصص، لكن أُعلمت أنك خبيرة في سحر الدماء، والحدادة السحرية، والأعمال التجارية." "لن أذهب إلى هذا الحد..." "سنختبرك في تلك. يمكنك البدء متى شئت. سأكون في الجانب أقوم بالأعمال الورقية، لذا فلتشعرى بحرية إزعاجي إن كانت لديك أي أسئلة. لن يستغرق هذا سوى ساعتين." أجلس وألتقط الورقة الأولى، مدركة الآن أنني بعد ستين عاماً من مغادرة مقاعد الدراسة نهائياً، قد عدت للإجابة على أسئلة الاختبار. كيف انقلبت الأمور. أسئلة التخصص الأولى أساسية للغاية، مجرد إجابات صح أو خطأ تُستخدم لتحديد ما إذا كان المتقدم يمتلك معرفة أساسية بمجاله. ثم يُطلب مني الإجابة على بضع أسئلة أعمق، ولكن مجدداً، لا شيء لا يمكن الإجابة عليه في ثوانٍ معدودة. العناصر الأخيرة هي مشكلات عملية تستغرق مني نصف ساعة لكل منها. أسئلة سحر الدماء والحدادة أساسية للغاية، لكن مشكلة الأعمال تتناول العقارات في عدة دول أوروبية و—رغم أنني بذلت قصارى جهدي—لست متأكدة من نجاحي. بعد ذلك، أجيب عن أسئلة منطوقة من مارلان حول سلالة الدم، وقانون مصاصي الدماء، والإتيكيت. الإجابات أساسية في البداية، ثم تتصاعد تعقيداً حتى تضيع تماماً. "إذا قُتل مصاص دماء من طائفة ديفور، وغاب لورده لمدة شهر، وكان المشتبه به معلماً من لانكستر زائراً في مهمة دبلوماسية، فمن ينبغي أن يتصل بالفرسان نظرياً ومن نعتمد عليه للضيافة؟" "ليس لدي فكرة." "مم. أقترح أن نتوقف هنا. ستكون نتيجتك القتالية كافية لقبولك، لكنك تمتلكين أيضاً معرفة قوية بمواضيع رئيسية. أفترض أنه لو سألناك عن المعاهدات، لكونك مطلعة؟" "يمكنني التلاعب بالقانون فيها مع أفضلهم." "حقا. سأحرص على تسجيلك في دروس الإتيكيت، لكني أؤمن أن الوقت قد حان للجزء الأخير من العملية. سنناقش ثلاثتنا أين تكونين الأنسب. تعالي." نتحرك مرة أخرى، متوغلين في قلب الجبل. ألاحظ الكثير من المساحة غير المستغلة في الممرات الطويلة وغرف الاستقبال الفارغة. ليس لكون الحصن يعاني نقص موظفين قدر ما صُمم ليكون متاهياً من الأساس. وعندما يُطلب منه، يفصل دليلي الشرح. "تأثر المؤسسون الثلاثة جميعاً بحركة النهضة، رغم كونهم أقدم من نشأتها. على وجه الخصوص، عاشت لوريكا في البندقية لفترة طويلة. شغفها بالهندسة المعمارية الكلاسيكية الجديدة معروف. على هذا النحو، تقوم هي وعدد قليل من المعلمين الآخرين بنحت داخل الجبل في وقت فراغهم. ما ترينه هو نتيجة عقود من الجهد الصبور." أمر مبهر بحق. تماماً كما قال لوث. يصمم هو وأنا الأسلحة بينما يصمم المهندسون المعماريون الأهداف. أقرر بحكمة الاحتفاظ بملاحظتي لنفسي ولا يمر وقت طويل حتى ندخل غرفة مربعة مضاءة بفوانيس زرقاء تتوسطها طاولة ضخمة. تصطف ثلاثة كراسي طويلة ومريحة على الجانب المقابل، يشغل اثنان منها أوكتاف وامرأة تبدو صارمة ذات شعر بني مربوط في ذيل حصان. تملك ملامح حادة ومظهر المعلمين القدامى السئيم. يصمتون حين ندخل. يجلس مارلان فوراً وتتحدث المرأة المجهولة أولاً، بنظرة باردة وفاحصة. "أهلاً بك، أريان. اسمي لاسترا، وأنا مسؤولة عن تدريب الظل للفرسان الجدد والعائدين. أتعرفين الأدوار؟" "أخبرتني جيمينا عنها، نعم. الطليعة هو المقاتل والقاضي، والظل هو الكاشف والجاسوس، والبتول هو الساحر والمستراتيجي، والصوت هو القائد والممثل." "دقيق. جيد. وكما يمكنك تخيل، يتداخل العديد من الأدوار. فمثلاً الظل المدرب جيداً يجب أن يكون قاتلاً مثالياً. والأهم من ذلك، أن يكون كل عضو في فصيلة فرسان قادراً على أداء أي دور بشكل مرضٍ. على وجه الخصوص، لا ننشر أي فارس لا يمكنه الأداء الجيد في المواقف القتالية لأسباب واضحة. الآن، أي دور ترين أنك تستطيعين لعبه؟" آه، لم أتحسب أن يدعوني أختر. "مم، لا أعتقد أنني أكون مناسبة كبتول. معرفتي بالسحر تظل متواضعة وأفضل التطبيقات المباشرة للتعبيذات التي أمارسها. كما أفضل الخطط البسيطة." "تلك هي الأكثر رجاحة للنجاح دائماً، ومع ذلك نتفق مع تقييمك. من الأحداث السابقة التي شاركتِنا إياها، يمكننا معرفة أنك ترين الخطط وسائل لغايات وأنك تفضلين تبني نهج أكثر مرونة في حل المشكلات"، تتابع. "مثل اللجوء إلى العنف المفرط"، يقترح أوكتاف بمساعدة. "أنت قادرة، لكننا نعتقد أنك لا تمتلكين العقلية المثالية للدور"، تختتم. "لا أعتقد أنني أكون صوتاً جيداً أيضاً، بالنظر إلى أصلي. الجغرافي منه و..." "هذا صحيح في أوروبا وحدها. ندرك أنك تصرفت دائماً بشكل مشرف في القارة الأمريكية وأدرت مآثر دبلوماسية قليلة. ستتابعين دروساً إضافية في القيادة وكما ذكر مارلان أنا متأكدة، الإتيكيت. سنعيد النظر في هذا الخيار لاحقاً." "أما بالنسبة للظل، فأعتقد أنني أكون مناسبة"، أقول. لا أحد يتحدث وينظر باقي الفاحصين بعناية إلى أي شيء سوى تعبير لاسترا المتشكك. "إذن، لنرَ العمليات السابقة وكيف تطورت، أليس كذلك؟" تقول. أهلاً بك يا مشاكل. "في عام ثمانمائة واثني عشر، هاجمت قصراً بغرض أسر قائد خلية." "نعم؟" "انتهت العملية بالفشل، حيث دمر معظم القصر بواسطة، وأقتبس، 'خنازير مشتعلة بالنار'." أهلاً بك يا مشاكل. "في العام ذاته، حاولتِ استعادة مجلد من خجينة بنك. انتهى بك الأمر بالهرب عبر الباب الخلفي بعد تهديد موظف بمسدس، ثم ركضت عبر نصف تشارلستون يتبعك لورد كاديز، تلا ذلك قفزك في الميناء لهروب من الملاحقة." "الـ... الوثائق كانت سليمة." "لقد أحبطت محاولة السطوة للإيقاع بك بإطلاق النار على الجيش الأمريكي بمدفعية ديفير الميدانية." "مهلاً، لقد نجح الأمر." "لاحقاً، انتهى جمع معلوماتك بمبارزة مدفعية بين سفينتي قراصنة." "التي فزنا بها." "لقد هربت من الأسر في ماركيت بعد عشرين عاماً ببناء جيش وشن معركة واسعة النطاق، مجدداً، بالاستخدام السخي للقصف." "أفضل مصطلح 'دعم ناري ثقيل'." "منتهية بمبارزة دمرت جزءاً كبيراً من شارع وقذفت سنداناً عبر متجر عام جيد." "تقنياً، استخدمت رمحاً. وصدفة انغرس النصل في سندان." "أهكذا؟ لننتقل. أضرمت النيران في مجمع عدائي بينما كنت لا تزالين في المجمع ذاته، مع صانع روح ديفور الوحيد حاضراً، بعد ثلاثة أسابيع من وصولك إلى بوسطن." "كان هناك ملك صغير لذا كل الرهانات مرفوعة." "ننتقل، حللت مشكلة المستذئبين بقتل ثلث القطيع العدائي بشحنات بارود وتعويذة بمستوى رئيس السحرة، ثم قمتِ بقيادة الناجين في هجوم أمامي ضد سيدهم الطاغية." أبدأ بتبين نمط هنا. "انتهت رحلتك الاستكشافية إلى أوروبا من أجل روزنتال بمعركة واسعة النطاق أخرى ضد لورد ضعيف، قتلتِه. وانتهت زيارتك لأرض ديفير بمبارزة. شاركت في حرب معاهدات الأقنعة وهربت من الحصار بالاستخدام الذكي للمدفعية البحرية. هل أستمر؟" "لن يكون ذلك ضرورياً"، أجيب، "أعتقد أنني فهمت رسالتك." "أحيي كفاءتك كطليعة، مع ذلك. أجميع متفقون؟" تسأل. "طليعة"، يقول مارلان. "طليعة بالتاكيد"، يضيف أوكتاف. "تم الأمر. ستنضم أريان إلى الرتبة كدركية ومتدربة طليعة. تهانينا. أرجو الامتناع عن استخدام المتفجرات داخل المجمع." بلا وعود.