استيقظ مويس باكراً متعباً شأنه شأن الجميع. اليوم هو الموعود. وقفت الأفواج واجتمعت لصلاة الصباح ثم تناولت الإفطار. كان أفضل إفطار تناوله طوال حياته مع لحم مقدد غني بالعصارة وبيض مسلوق وخبز لم يكد ييبس بعد. وحظوا حتى ببعض القهوة اللائقة. ويا للمحنة إذ وجد صعوبة بالغة في إبقائها في معدته. اليوم هو الموعود. وبدأ ببطء. استعد الرجال جميعاً على وتيرتهم الخاصة. كانت بحوزته محفظة وجيوب تطفح بالخراطيش وزمزمية. كان الطقس مشمساً مع غيوم خفيفة ونسيج عليل قادم من المحيط يحمل معه رائحة منعشة. تشاجرت أسراب النورس في مكان ما خلفه. توجه فجه إلى الأمام والوسط نازلاً في صف واحد عبر الخنادق والممرات المحمية بتراب مرفوع وأخشاب مدببة. كان التقدم بطيئاً. امتلكوا عدة خطوط ذات مداخل سريعة وسهلة التغطية لتسمح لصفوف المقاتلين بأكملها بالتراجع أعمق داخل التحصينات. عجز أي جيش عن اقتحامها. تباً، ومع وجود تلك السفن خلفهم، سيكسر المتمردون أسنانهم على تحصيناتهم بالمئات. لكنهم لم يواجهوا متمردين. عبر مويس الممر الأخير أخيراً ووصل إلى الخندق. كان خندقاً جميلاً مليئاً بالأوتاد المدببة. قطع تلك التي أمامه بيديه حتى نزف من الشظايا. كانت بقعته الخاصة. أخذ إيفان البقعة التي إلى يساره. كان مويس المدافع الأقصى يميناً في فصيلته. أخذ البيض البقعة التي إلى يمنته. شكلوا زمرة متذمرة بمسلات قديمة وبنادق جديدة تماماً رماها أحدهم شفقة عليهم. رماه رجل طویل بلحية بيضاء طويلة ورقيقة نظرة ازدراء وهز رأسه. حسناً، ليأخذك الشيطان أنت أيضاً أيها العجوز الشمطاء. استقروا بانتظار. توقع أن يكون ذلك الجزء الأسوأ. جلس الرجال حيث كانوا وأزياؤهم مغبرة بعض الشيء رغم مساعي تنظيفها. تصاعد الدخان من أولئك الأذناب الذين سرقوا التبغ في مكان ما على طول الطريق. أخرج الرقيب فريمان غليوناً كبيراً من إحدى جيوبه الداخلية ونفخ فيه بتملي. صلى بعض الجنود بينما تحدث آخرون بصوت خفيض. قرر مويس أن يصلي. لن يضر الأمر. لكن بعد نصف ساعة استنفد كل ترنيمة عرفها ثلاث مرات وما زال لم يجد الخلاص. رفع نظره عبر الخندق. لم يكن هناك ما يُرى قط سوى عشب ممزق وجذوع لمدى نصف ميل. انتظروا. استسلم مويس للملل أخيراً وانضم إلى لعبة نرد. راهنوا على الخراطيش إذ لم يتواجد أي شيء آخر. ربح مويس ثلاثة ثم خسر سبعة على التوالي. وفوقه، بلغ قرص الشمس الكسول كبده أخيراً. سار الطهاة على طول الخط حاملين براميل الماء واليخنة. تسلموا قطة خبز أيضاً. بالكاد استطاع مويس تذوقها. خلفهم، حدث أمر ما. شعر به يسري على طول عموده الفقري. بدأ طنيناً ثم نما تدريجياً في حدته حتى استشعره ضجيجاً هائلاً على حافة سمعه، طيف صرخات خارقة للآذان عجز عن تجاهلها تماماً. دارت شعوذة ما هنا. سمع عنها من بعض القوم قبل أن يُوبخوا. عبدة الشر. لكن الوحوش كانت حقيقية، أو هكذا زعمت الصحف، أو على الأقل هذا ما ادعاه جوب الذي عرف القراءة. عبس مويس ونظر إلى الأمام. كانت الشياطين التي سيواجهها حقيقية للغاية. من الأفضل التفكير في ذلك أولاً. لكنهم استغرقوا وقتاً طويلاً حقاً. جاء أوائل الظهيرة. كانت الشمس عالية وارتفعت الحرارة إلى درجة لطيفة. بدا المكان هادئاً للغاية مع الريح في وجهه والشمس تدفئ قبعته العسكرية حتى بدأ يغفو. أخذ توتر الأيام القليلة الماضية يؤثر عليه. حينها تحرك الخط بأكمله. شعر مويس بذلك في وضعية الرجال حوله. فجأة، سددت جميع البنادق نحو الأمام. كانت هناك مخلوقات تتقافز بعيداً في الأفق. بيضاء. كانت مجرد نقاط ضئيلة على حافة الميدان الآن. امتلئ جوف مويس فجأة بالجليد وهوى إلى حذائه. تفصد عرق بارد على جبينه واستغاثت رئتاه طلباً للهواء فجأة. كانت الوحوش آتية، وهي تأخذ وقتاً طويلاً ومستفزاً للغاية. صاح فريمان: "تذكروا أوامركم، أطلقوا النار حين تملكون فرصة التسديد. ليس قبل ذلك ولا بعده. لا تخطئوا وإلا رميت أنصاف المجانين المساكين هؤلاء فوق الدربزين!" "سيدي، ما هو الدربزين؟" "حيث سيستقر مؤخرتك إن لم تصوب!" مر الوقت ببطء ممض. اتضحت الأشكال البعيدة لتتحول إلى ثمانية مخلوقات، سبعة منها صغيرة مثلما رأى وآخر يتحرك بانحناء. كان ضخماً لدرجة أنه جارى البقية بحجمه الهائل فحسب. "تباً..." تردد صدى عدة شتائم عبر الخطوط قبل أن يصرخ ضباط الصف في وجه الأوغاد. أرخى مويس كتفه ووضع سبطانة بندقيته المتكررة فوق الاستحكامات الترابية. تنفس ببطء. لا زالوا بعيدين بعض الشيء. أطلق أحدهم النار إلى يساره. صاح فريمان وصفعه. لم يسمع مويس سوى صوت اصطدام لحم بلحم والأعذار المتمتمة وقليل من الضحكات الخبيثة من الأوغاد عن يمينه. كانت المخلوقات قادمة. اختار واحداً عشوائياً وصوب الأنظار نحوه. لم ير شيئاً سوى امتداد الفولاذ الأملس للسبطانة وشكل المسخ الضبابي اليندفع نحوه. تباطأ الزمن حتى شعر بكل نبضة قوية لقلبه يتردد صدى في جسده. ضغط أحدهم الزناد ثم انفجر الخط بأكمله في ضباب أزرق لاذع. لعل مويس أصاب هدفه أو لعله أخطأه بفارق ضئيل. لم يهم الأمر. لم يكن ليُميز. مزقت سحابة الرصاص شبه الصلبة قوة الهجوم كخرطوشة رش في فأر. ظهرت سحابة حمراء وردية وقطع متطايرة ثم انتهى الأمر. صاح أحدهم: "هورا!" التقطت الصرخة عبر المعسكر بأسره. هورا، هورا! تصاعد الزئير المتحدي صعوداً على التل وانتشر عبر المروج المحيطة. تحدث عن شجاعة الإنسان. كان شعلة في ظلام كهف. كان نياراً ووحدة وقوة سلاح تكشف الكوبوس على حقيقته، ظل وحش أصغر بكثير وأوحش بكثير. استطاعوا فعل ذلك. "حسناً، حسناً أيها القوم، اهدؤوا. اهدؤوا قلت! ادخروا هذا الحماس اللطيف الذي تمتلكونه لبقية أولئك." حرك مويس ذراعيه قليلاً لفك تيبسهما. دفع خرطوشة إضافية في حجرة السلاح لتعويض تلك التي فقدها وداعب صورة "أي جي إل" بإصبعه. ثلاثة أحرف يعلوها عقاب. استطاعوا فعل ذلك حقاً. كان عليهم فقط البقاء هادئين. بعد عشرين دقيقة، ظهرت مجموعة أخرى من الشجيرات وانتهت تماماً كالأولى. لم يطلق مويس النار حتى. لم تكن هناك حاجة. ثم بعد خمس عشرة دقيقة، أتت أخرى. ثم غيرها. في تمام الثانية، عمت إطلاق نار متواصل على طول الخط. كانت الثالثة حين توفي أول رجل، في حادث نيران صديقة غريب على ما يبدو. رأى مويس الجسد المغطى وهو يُحمل على نقالة عبر ممر إلى يساره. تقاطر الدم من مؤخرة رأسه. قال له فريمان بصوت خفيض: "يا مويس، إن امتلكت وقتاً للتحديق فلديك وقت لتنظيف بندقيتك". نظر إلى الميدان أمامه. انكشفت معظم الحفر بحشدها، بعدما أبطأت الحشود بنجاح. أُجبرت الطائرات المسيرة على القفز فوقها أو حولها مما أبطأها بشكل طفيف للغاية. تذكر وجود متفجرات في مكان ما مما جعل مدفعيتهم صامتة ظاهرياً. رنّت الصلوات في الهواء مقبلة من يمينه مجدداً. اندفع موج من حافة الغابة. كان الأكبر حتى الآن، وبسهولة نحو مئة فرد انتشروا كنوع من القطعان. صاح فريمان: "أمسكوا النار حتى تحصلوا على فرصة تسديد!" تواجدت مسيرات صغيرة وكبيرة وبعضها يحمل صفائح عظمية غريبة على صدورها ووجوهها. كانت أصلب لكنها لم توقف الرصاص. تباً للجميع، لكن مويس اعتاد الأمر. صوب تسديدته نحو مسير أصغر تقريباً في مقدمته وكاد يسقط بندقيته حين بدأ المخلوق يتقافز يمنة ويسرى. "تباً للحظ!" ركضت المسيرات الصغيرة بعشوائية في أنماط غريبة. ركز مويس وضغط الزناد مع هبوط هدفه. أصابت الصدر. أصابت رصاصة شخص آخر ساق المخلوق وجعلته يتعثر ثم أسقطته بضع رصاصات أخرى تماماً. سقط الأكبر حجماً هو الآخر برأس منثور. بلغ مسير فاقد لذراع الخط إلى يساره. قفز وهبط في الخندق يتلوى من صدر محطم. تقدم فريمان وسحب مسدسه الجديد تماماً. أطلق النار على الرأس مرة واحدة فتوقف حركات المخلوق المتقلبة. "تذكروا أن أولئك الأوغاد يحبون التظاهر بالموت. ماذا تنظرون إليه أيها اللعناء؟ العيون للأمام، تباً لكم!" أطاع مويس ورأى أمراً لم يره قط. كانت المسيرات تتراجع. قال الرجل الأبيض إلى يمينه: "اللعنة هذا ليس جيداً". التفت مويس إليه بفضول ما. ألم يكن أمراً جيداً حين يفر عدوك؟ "ما الذي تنظر إليه يا زنجي؟" أعاد مويس انتباهه إلى الميدان وتساءل عما إذا كان سيُفلت من العقاب إن أطلق النار على ذلك النذل وتظاهر بأنه حادث. غالباً لا. حل السكوت على الميدان ولأول مرة منذ ساعات عاد الهدوء. انقشعت سحابة البارود المستهلك بخفة شديدة. عادت رائحة البحر بخجل تحت رائحة النار. كاد يرى السماء. ثم ظهر صوت يشبه احتكاك الأظافر بقطعة خشب. انفجر في جميع أنحاء المروج التي لم تمس بعد. تجمد عقل مويس للمرة الثانية اليوم حين ظهر خط أبيض رفيع بين خضرة الأشجار وبنية التراب المحفور. انحنى للأمام رغم جهوده المضنية. اتسع الخط وثخن. تحول إلى مد متلوٍّ من اللحم الشاحب. اهتزت الأرض تحت أقدامهم. "أمسكوا النار!" عاد الخوف. وضع مويس بندقيته مقابل الاستحكامات الترابية وحاول نسيان أن المخلوقات تستطيع نفض الإصابات البليغة لبضع ثوان. لم يشعر بمثل هذه العزلة قط طوال حياته الملعونة. هبطت يد ثقيلة على كتفه فأجبرته على القفز. صاح فريمان: "اثبت الآن، وانتبه لتلك الأذنين لأننا سنحدث ضجة كبرى!" ظهرت بضع صيحات في الخط لكن هذا كل ما هنالك. اقتربت المخلوقات الآن. أقرب. تواجد الكثير من أولئك الأوغاد اللعينين وامتلكوا أضخم منها تتحرك برشاقة على أربعة أطراف. كان الأمر سيئاً. سيئاً حقاً. دخلت المدى وانقلبت الدنيا رأساً على عقب. تعثر مويس للخلف ويداه على أذنيه الطنينتين. تواجدت نقاط سوداء صغيرة في الهواء بعيداً فوقه أدرك أنها قطع من التراب. استمر الهواء في الاهتزاز بانفجارات مدوية يمنة ويسرى. اقترب أحدها حقاً وأرسله يتعثر مجدداً. سقط جزء من ذراع مسير بجانبه. تجمع الطرف الميت في قبضة ببطء كاف ليرى كل ألياف عضلية تنقبض. اخترقت المخالب الجلد وأخرجت سائلًا وردياً. نهض مويس مجدداً. تواجد الكثير من الدخان. استغرق الأمر بعض الوقت لتشتت الريح ما يكفي من المادة البيضاء الكثيفة ليرى ما بقي. من حافة الاستحكامات الترابية إلى الغابة، كانت الأرض عبارة عن حفر وبقايا. لم يبق من الحشد سوى جثث متناثرة وقليل منها بقطعة واحدة. قال بعض الناس أشياء لكن مويس لم يسمعها بوضوح. كان تركيزه منصباً على أحد المسيرات الأصغر في الخلف بعيداً عنه. كان المخلوق الأبعد بين كل الألغام وتسلق واقفا ببطء وبألم. رغم المسافة واستحالة الأمر تقاطعت عيون مويس ومخلوق للثانية. أصبح طنين المنارة البعيد خلف رأسه صاخباً لدرجة غطت على كل صوت آخر في الوجود. أمر إمبراطوري للتقدم خطى مويس خطوة لا إرادية إلى الخلف. كان النداء قوياً للغاية... ثم انكسر اللحظة وعاد ليكون مجرد فتى من ماساتشوستس بعيداً عن موطنه وفي عمق ورطة تفوق طاقته. زحف الناجون من الهجوم على جانب الوحش عودة إلى الأشجار. حدث هدوء مؤقت. صاح فريمان: "أعيدوا التذخير، أعيدوا التذخير واشربوا قليلاً من الماء إن استطعتم، اثبتوا جميعاً، لم ينته الأمر بعد". أمش مويس العرق عن عينيه. تحركت بعض الأشجار في البعيد كأن عاصفة تحتدم بينها. بنى مويس ثقة خلال الأسبوع الماضي. تحولت النتوءة الصخرية إلى حصن منيع تقريباً. مات مئات المسيرات دون قتل أي منهم قط. تبخر هذا الإيمان في لمح البصر. حيات الأرض بلحم محتدم. تقدمت أولاً وحوش كثيفة مطلية بالعظام في صف سميك من ثلاثة مخلوقات غطى السهل بأكمله. اهتزت الأرض مجدداً. وخلفه، زأرت المدافع. تقيأت الأسلحة فولاذًا بمدى جعل الخطأ أمراً مستحيلاً. حفرت طلقات العلب أخدوداً دامية في كتلة متحركة باستمرار. اختفى الساقطون تحت مخالب المتقافزين من خلفهم. ما إن اقتربوا حتى تجاوزت المسيرات سريعة الحركة الكبيرة منها. استغلت التضاريس المحطمة الآن فتقافزت واستدارت أثناء تقدمها. ورغم البكلوتات لم يعترض أي منها طريق الآخر قط. انتظر مويس ثم أطلق النار على من أمامه. الجانب الجيد أنه لم يستطع الإخطاء. لم تكن هناك مساحة فارغة ليهرب إليها الرصاص. اصطدم هدفه الأول بكتف مخترق. سقط آخر أيضاً رغم عدم تأكده إن كانت رصاصته أم رصاصة شخص آخر. أصمَّه دوي الانفجارات تماماً مثلما أحرق الدخان عينيه. استحال سماع أي شيء تحت الجلبة الهائلة لعدد كبير من السباخ التي تزأر بغضبها، غضب البشرية الممارس استنكاراً لأي شيء أنجب العدو. قضى مويس ثانية في التفكير في مدى هلاكه لو لم يمتلك البندقية المتكررة. اصطدم الموج بتحصيناتهم. اصطدم مخلوق أول بالوتد المدبب وأمسك به. أطلق مويس النار على رأسه وصفع ظهره مقابل الجدار الترابي خلفه دافعاً بهستيريا المزيد من الخراطيش في بندقيته الساخنة كالجمر. قفز مخلوق آخر فوق الأول لكنه سقط بجذع ممزق. كان الجنود في الطبقة العليا يغطونه. تلوى المخلوق. ظهر فريمان من الجانب وأطلق النار عليه بمسدسه ثم تحرك أبعد على طول الخط. لم يتوقفوا. حصل تدفق للدم حين حظي أحدهم بسوء ححظ. رُمي جندي آخر فوق المتراس وهبط في الحشد الثرثار أسفله. قُطعت صرخته قصيرة. تسلق مسير آخر فوق الأول. حشر مويس رصاصته الأولى من أصل أربع عارفاً أنه سيتأخر. ظهر قذيفة نارية فانفجر رأس المخلوق. جرت قطع من العظام وسوائل الجسم على سراويل بزته العسكرية. استدار ورأى امرأة ترتدي الأبيض تقف خلفه وفوقه. توهجت النيران من أصابعها ووجدت رؤوساً وصُوبت كل قذيفة بدقة مميتة. لم يتوقف ليتساءل عما تستخدمه ولماذا تواجد رجال بدروع يغطونها. مستغلاً الهدوء بدأ بإطلاق النار جانباً لتخفيف العبء عن حلفائه. حطّم مسير الوتد المحطمة الآن إلى يمينه وكاد ينخس الرجل الملتحي لكن مويس أسقطه. لم يتردد قط. أصبح الأمر بشراً ضد وحش الآن. وتراجع الضغط. كانوا يقتلون المسيرات أسرع مما استطاعت الوحوش القدوم. مارس رجال في أزياء بيضاء وحمراء أسلحة غريبة. تشققت الصفائح العظمية وبقبق اللحم تحت الهجوم. سقطت العينات الأكبر جميعاً. تحول مد اللحم إلى قطرات متقطعة ثم توقف مع انسحاب المخلوقات. راقب مذهولاً بينما بدأت مسيرات بعيدة في جر موتاها عودة إلى الغابة. تذمر بلا مخاطبة أحد: "ما اللعنة التي يفعلونها؟" قال الرجل الأبيض الملتحي بينما أعد هو الآخر تذخيرة بندقيته وتفقدها: "إعادة استخدام لحم الموتى". تمتم رفاقه بصلوات. "تستخدم تلك المسוخ الشيطانية اللحم لتعزيز عدد من أفرادها. وهم يملكون الكثير منه حقاً. لم تكن هناك حاجة لوجود مخلوقات قوية مفردة من قبل، لكن الآن توجد ولهذا سيأتون. إنه يتعلم ذلك الشيطان. يتعلم ويتأقلم." تنحى مويس جانباً بينما ركض رجال حاملين نقالات نحو الخط الخلفي. عرفت الممرضات كيفية إيقاف السم الذي يحول الناس إلى مسوخ طالما لم يكونوا أمواتاً، أو هكذا قيل له. لن يساعد ذلك بعض البؤساء المساكين الذين رآهم محمولين بكل تأكيد مع كل ذلك الدم. حدث هدوء قصير آخر. أعاد مويس التذخير وشرب من زمزميته محاولاً غسل الدخان ورائحة دم المسيرات البغيضة من حلقه بلا جدوى. توجد بطلقات متفرقة هنا وهناك جعلته يكشر. يُفترض أن المسيرات لم تستطع تحويل جثة بلا رأس. تأكد القوف من ذلك. أعطاه الرجل إلى يساره إيفان بندقية متكررة بصمت. "لأجل ماذا هذه؟" "كانت لجوب لكنه مصاب لذا فهي لك الآن. لن تضطر لإعادة التذخير مراراً وتكراراً." "حسن إذن." انتظروا وانتظروا أكثر حتى أواخر الظهيرة. حاولت المسيرات ذات الأمر لكن صُد الهجوم بخسائر جعلت الأرض أمامه لا تُرى إلا حين يكشفها قذيفة مدفعية قبل أن تغطيها الجثث مجدداً. أخطأ مويس جولته الأولى. ذهبت بعيداً وارتفعت قليلاً ولعلها أصابت شيئاً على أي حال. مع تراجع المخلوقات مرة أخرى، لم يسعه سوى التفكير في أن المدافع كانت تتباطأ وكذلك الرجال والمدهش أن النساء بالأسود أو الأحمر كن كذلك. ظن أنه عرف السبب حين لمس برفق سبطانة بندقيته. كانت تحترق عند اللمس. بدأت الحرارة تؤثر عليه فأفرغ زمزميته ثم تبول بسرور متحفظ ضد الاستحكامات الترابية. ثم حان الوقت مجدداً. تذمر: "كم عدد هؤلاء اللعناء الذين يمكن أن يتواجدوا؟" انتظروا مرة أخرى. أُحضر المزيد من الجرحى. في بعض الأماكن تكدست جثث المسيرات لدرجة حجبت الرؤية لكن أحداً لم يتحرك لدفعها بعيداً. لم يلمهم. حدث دوي. بدأت أشياء بالبثوق من خط الأشجار، أشياء لا تنتمي لهذا العالم. كانت ضخمة لدرجة مكنته من رؤيتها بوضوح على مسافات بعيدة. رأى نقوشاً لأفيال. لم تقارن بشيء أمام العمالقة المندفعين نحوهم الآن. زأرت المدافع ولوحت الأسلحة الغريبة ومع ذلك واصلت المخلوقات التقدم حتى صُدر إشارة في مكان ما خلفه. فتحت مدافع السفينة. أمام مويس تفتحت زهرة حمراء للموت فوق الوحوش. التهم الجحيم الصارخ رتباً إثر رتب من المسيرات ولم يخلف سوى قشور متفحمة. تحدى الدمار الذي أحدثوه الوصف. شعرت بندقية مويس المتكررة كأنها لعبة أطفال. سقط العمالقة واحداً تلو الآخر حتى تنتشر أكثر من ثلاثين من جثثهم في الميدان ثم حطّم البقية أول طبقتين من التحصينات بلا توقف. سقط مويس إلى يمينه تحت وابل من الشظايا. تجمّع سائل وردي عند قدميه حتى تبللت كاحلاه ذاتهما. تواجدت المسيرات في كل مكان متسلقة الجدار. حينها سقط إيفان عليه مع مسمار أسود غريب يخترق العنق. "ما اللعنة..." فوق صرخت المرأة وسقطت للخلف بين حاملي الدريئة. نزعت مسماراً من ذراعها واستأنفت إطلاق النار للأسفل. أمسك مويس بندقيته الثانية وأطلق النار على مسير سقط على الرقيب فريمان. انقطعوا عن بقية الفوج. صرخ أحدهم من الخلف: "أول متراسين، تراجعوا، تراجعوا الآن!" ساعد مويس فريمان على النهوض. كان الرجل الأكبر ينزف بغزارة ومسمار من تلك المسامير مستقر في خاصرته. تعثرا نحو الممر الصاعد. ظل فريمان يفجر أدمغة المسيرات القادمة إليهم. عبروا تحت المتراس وإلى المستوى التالي. كان الرجل ذو اللحية البيضاء بانتظارهم وأطلق النار على مطارد. شق المدافعون الأخيرون طريقهم صعوداً. كانت المعركة تحتدم هناك بالفعل وتدفق الجنود صعوداً صعوداً تحت غطاء قنابل نسف مُلقاة. تواجدت الجثث في كل مكان. قال رجل يرتدي معطفاً أنيقاً وهو يفجر الأعداء بمسدسين منقوشين وكل طلقة تسقط شيئاً: "استمروا في التقدم!" استمر مويس. صعدا صعوداً صعوداً. أصبح فريمان أثقل أو أنه ازداد تعباً. عبرا صفوف مشاة يطلقون النار وبضعة مدافع ذات سبطانات ساخنة لدرجة بدأت تتوهج. تجادل ضابط مع ممرضة باللون الأبيض بينما مر. "عليكم توفير بعض الماء للجرحى!" "إن لم نبرد تلك المدافع فلن يبقى جرحى لنقذهم!" في الخلف، تواجدت صفوف من رجال مصابين مغطين بالضمائر حول ثلاث خيام بيضاء كبيرة. امتلأ الهواء برائحة الدم الكريهة. لاحظ صفوف جثث مغطاة جانباً. أمسكته امرأة ذات شعر أبيض وعينين حمراوين من كتفه. أمرت: "إلى هنا، ساعده على النزول على تلك النقالة". فعل مويس ما أُمر به. كشر فريمان أثناء استلقائه. قال مويس لشعوره بعدم جدواه اللعينة: "يجب نزع الإبرة السوداء. غالباً مسمومة". لم ترد المرأة. كانت مشغولة بوضع معجون على كتف فريمان حيث تسرب الدم من ثلاثة جروح وخزية. قال العجوز مشيراً إلى خاصرته: "لا حاجة. أنا أعرف الوضع يا فتى، لا عودة من تلك الإصابة". شعر مويس بغور عينيه أكثر الآن، غالباً كل ذلك البارود في الهواء. اللعنة. أكانوا جميعا ليهلكوا على ذلك الجبل؟ "ليس هذا. لا تستسلم أتسمع؟ لا تملك حق الاستسلام. أنا أمنع ذلك." "حاضر سيدي، آسف سيدي." "سيدتي، هل يمكنك التأكد من أنني لن..." أعطته المرأة الغريبة شيئاً ليمسكه، صليباً من نوع ما. "لن تتحول. لك كلمتي. تمسك بهذا بقوة." "شكراً لك. والآن يا فتى، اذهب. خذ هذا." فتح فريمان إبزيمه وزأر نازعاً الحزام بأكمله. بقي مويس مع القطعة. دفع فريمان مسدسه في كف مويس. "والآن اذهب. أذقهم الجحيم نيابة عني." "حاضر سيدي. وداعاً." " استدار مويس متراجعاً بلا كلمة. أدرك أنه أسقط بندقيته المتكررة في مكان ما على طول الطريق والتقط قطعة نبذهاغبي آخر على الأرض. بقي لديه محفظة ذخير واحدة. تراجع نازلاً التل مجدداً إلى جحيم من الدخان والغضب ملطخاً بالأحمر تحت شمس الغروب. انتشرت الفوضى في الطبقات السفلى وهناك توقف. امتزجت الأفواج. وجد الرجل ذو اللحية البيضاء قرب جرف جهة الميناء وانضم إلى جانبه لأنه لماذا بحق الجحيم لا. تواجد رجل بدرع ومسند بجانبه وجنود من سرايا أخرى. اختار أهدافه وأطلق النار مجدداً ومجدداً ومجدداً بلا توقف. أحياناً أشار صاحب الدرع إلى مسيرات غريبة ذات ذراع يمنى ضخمة جداً ومسامير سوداء على ظهورها. كان أولئك هم الأوغاد الذين قتلوا أصدقائه. قطفهم واحداً تلو الآخر. تراجعت المسيرات مجدداً. أفسح ضجيج المعركة المجال لطبقة ناعمة من الأنين والصلوات. كانت الشمس تغرب وقبلاتها شعاعها القرمزية الأخيرة مشهد مذبحة لم يشهد العالم مثيلاً لها. دم وجثث وأطراف ممزقة لمسافة نصف ميل تمتد في مخروط نحو مرج تنمو فيه بقعة بيضاء. توقف الرجال والنساء تدريجياً عما شغلوا أنفسهم به. جمَد خدم المدفعية ودلاء الماء بأيديهم. توقفت الخراطيش عند حافة الحجرات. بقيت الزمزميات في الهواء ونسي محتواها الثمين. غطى السكوت المعسكر كطبقة سميفة حتى التزم الجرحى بالصمت. حل الليل. اصطدم وزن هائل بكتف مويس حين تلاشى الصراخ الخلفي الذي استمر طويلاً لدرجة نسيه ثم مات. سارت البقعة البيضاء في الأفق نحوهم، عملاق من لحم دنس، مجمع جثث مدنسة. كان ضخماً كمعبد. هز كل طرف من أطرافه الثلاثية الأرض أثناء هبوطه للمضي به قدماً. غطت آلاف العيون السوداء معظم وجهه نامية بين وبين الصفائح العظمية كأورام سرطانية عديدة، لكن ذلك لم يكن شيئاً مقارنة بحضوره الهائل. ضغط الهالات المهيمنة الثقيلة على مويس حتى لم يبق سوى الأنين. أتى الكائن ولم يطلق أحد النار. لم يبصق مدفع. لم تطلق بندقية. بقي المعسكر ساكناً. صلى مويس من أجل القوة لمواجهة الموت وقوفاً. خلف المخلوق، تجمعت مسيرات بكافة الأحجام حتى غطت السهل. وصل ليفياثان اللحم. لم يشعر مويس بمثل هذه العزلة قط ولم ينعزل طوال حياته. تطلب الأمر كل طاقته لكيلا يسقط. صوت: "استغرقت وقتاً طويلاً وملعوناً أيها الأغبي القبيح". انتمى الصوت إلى عجوز يرتدي رداء أبيض أنيقاً ينحدر من المنحدر حاملاً ما بدا كقمر مصغر. كان صوتاً بشرياً عادياً كسماعك في السوق يوبخ طفلاً شائداً بلطف. اهتز قليلاً لكبر السن. ولم يكن عالياً إطلاقاً. ومع ذلك انتشر عبر المعسكر بينما استمر صاحبه وأينما ذهب نهض المقاتلون وأمسكوا بأسلحتهم. مد الكائن طرفه المخلي لكن العجوز لم يقبل بذلك. "بولاريس." انتشر برد منعش على بشرة مويس فارتعش، بارداً لأول مرة منذ ساعات. تجمد ذراع العملاق صلباً وسقط متهشماً على الأرض كشجرة جبارة. كان بحجم قطاطرة. رفع العجوز قبضته وتجسد قمر آخر أصغر. "وهنا ظننت أنني سأموت على فراشي." توقف المخلوق ولأول مرة نظر. أدرك مويس أنهم حتى الآن لم يتواجدوا في إدراك المسير سوى كأهداف وموارد. لكنه الآن رآه ورآهم. رآ مويس أيضاً. رفع مويس مسدسه وعشقه. حوله فعل الآخرون ذات الشيء. ضحك الأحمق الملتحي بجانبه. "ما ظننت يوماً أنني سأسقط مقاتلاً جنباً إلى جنب مع زنجي." "اذهب وتباً لنفسك." ضحك العجوز بقوة. انخرطت صفوف البشرية. أُعيد ضبط المدافع وارتفعت غابة من السباخ الفولاذية متطاولة بوجه المد. لم يُسمح لهم بالإطلاق. كان هناك ما يقدم. فقدت السماء حمرتها الداكنة واكتسبت لوناً أرجوانياً غريباً وغامضاً. بعيداً إلى الشمال قال صوت رجل حلقي شيئاً لم يفه. زأر الزئير التالي معارضاً حضور الخلية ودافعه للخلف. لم يكن صوتاً لطيفاً أو مطمئناً، لا، كان... متعطشاً. في مكان آخر عوت ذئاب بينما تحته قرب الميناء تموجت المياه. ببطء ممض، حول البهيم رأسه البغيض نحو المصدر. انحرف مبتعداً. همس مويس: "ماذا كان ذلك؟" قال صاحب الدرع: "تلك كانت وحوشنا". وأطلق النار على أقرب مسير في رأسه. *** في وقت سابق من ذلك الظهيرة. أستيقظ وأركز على الرابط الصغير في عقلي. شيريدان ما زال على قيد الحياة. يفاجئني دائماً قلة تحكمنا بتابعينا. ربما كان استقلالهم بذاته مصدرا لما يجعلهم بهذه القيمة لنا. لا يساعد ذلك صفاء ذهني. أريد الخروج للبحث عنه لكنني لا أستطيع. الشمس لا تزال هناك. ينزلق غطاء التابوت ليظهر صواعد رمادية. قررنا الاختباء في شبكة كهوف طبيعية على بعد أميال شمال المرفأ الأسود تماماً بينما تركنا عربة مدرعة في معسكر تمويه. تواجدت أماكن راحة أخرى مؤمنة حولي بعضها مفتوح وبعضها لا بينما لا زال بعض الأسياد نياماً. أتجهز بصصمت بينما تحتد حواسي وأستطيع أخيراً سماعها في البعيد مكتومة عبر طبقات صخرية سميكة. صدى المدافع. المعركة تحتدم. رغم جهودي المضنية أشعر بحاجة طاغية للخروج ومساعدتهم ومساعدته لكن لا أستطيع. مجرد رؤية ضوء الشمس سيخمد ذلك الحغز بافتراض أنني غبية بما يكفي لعبور الجدار الاصطناعي الذي أقامته مارثا لانكاستر. يعد تجنب الشمس جزءاً أصيلاً مني لدرجة نسيت معها كم كانت الضعف محبطة. بلا أمر أفضل أفعله، أسير إلى الكهف الأعمق بحثاً عن أقاربي. على الأقل يمكننا المعاناة سوية. أدرك سريعاً أن شيئاً ما خطأ. الهالات في الأسفل متوترة. محصورة. أكثر بكثير عما ينبغي أن تكون عليه. خشية أن يكون شيئاً ما قد صنع صدعاً في قوتنا القتالية قبل أن تبدأ المعركة حتى، أسرع بالنزول على المنحدر الزلق. سرعان ما يلوح قلب المجمع في الأفق، غرفة دائرية تتمحور حول بركة مياه مالحة تتوهج برفق بطحالب فلورية. في البداية لا أرى سوى ظهراً مدرعة وكل قطعة عتاد تظهر عملاً بارعاً ورحلة مرتديه. التفتوا جميعاً نحو مركز الغرفة. إذن وحدة ضد تهديد واحد. لا أخفي هاطي مجاملة وأقترب من المجموعة بخطى حثيثة. تتفسح المجموعة لتسمح لي بالمرور بلا نظرة. أشعر بعيون على مؤخرة رقبتي. اتضح السبب سريعاً. نصف دائرة من أقوى كيانات القارة تحدق للأمام في الشخصية الوحيدة الجالسة بوجه قسطنطين على كرسي عقيقي بدا وكأنه نبع من الأعماق. تحول الكهف إلى مسرح بمسرحية قد تقتلنا جميعاً. يقول: "كم أنت لطيفة بانضمامك إلينا أيتها الأميرة الصغيرة". تباً. يقف ملاكيم إلى جانبه متقاطع الذراعين. تتقاطع أعيننا ويبتسم بخبث ضارباً مقبض أحد سكاكينه. أتذكر الليلة التي أمضيتها تحت أوامره والتصريح الذي أدلى به. سيكرهني دائماً وسيستمتع بقتلي. لا شيء سيغير ذلك أبداً. يقول له قسطنطين بنبرة جليدية: "الآن وقد وصل نسلك، فلربما تفصل في عرضك؟" هو أيضاً يجلس على عرش من السجيت يرتفع من أرضية البازلت في استحالة جيولوجية. وحيث لا يظهر متحدثنا أي خوف، لا يُبدي نيراري أي قلق على الإطلاق. يتمدد كقطة شبعانة. "سأنضم إلى هجومكم إن سمحتم لي بقيادته. هذا كل ما في الأمر." لا أحد يهمس، لا أحد يتحرك. لا تطلق الهالات القوية سوى أقل وميض ممكن، لكن حتى هذه الاختلافات الطفيفة تعد علامة مؤكدة على سيل السخط الساري الآن عبر الحشد الصغير. يسند نيراري ظهره على العرش وينتظر وابتسامة ساخرة تلوح على شفتيه. "هذا كل شيء؟" "هذا كل شيء." "ستغرح بعد ذلك؟" تتلاشى الابتسامة. "نعم. لدي أمور هامة لأهتم بها في مكان آخر." تعود. "لكنني سأحرص على العودة في نقطة ما. ينبغي لنا نحن السلالات الحفاظ على علاقات ودية ألا تظن ذلك؟" "لماذا تقود ولماذا نتبعك؟" "أقود لأنني لا أتحمل الآفات على كوكبي. تشعرون بذلك أيضاً كلكم، الظل الذي يلقيه الغريب. ما قد لا تعلمونه هو أنه كائن ميت يعمل بناء على توجيهات لم تعد تهم. لا يمكنه إنجاز هدفه. لقد مضى أبعد من أن ينجح." "وما هو هذا الهدف؟" "أن يعيش مجددأ. أما بالنسبة للجزء الثاني من سؤالك فسأسمح للأميرة الصغيرة بالتوضيح." ماذا؟ يسحقني ثقل الانتباه الجماعي كصخرة. كل ما أستطيع فعله هو التطلع للأمام وإخفاء عدم راحتي. "أخبريهم أيتها الأميرة الصغيرة. أخبريهم لماذا يجب عليهم اتباعي." أكره نيراري ويوم ما سأحاول قتله. أما الآن فيبقى هذا المثل الأعلى بعيد المنال. ما يهم هي المهمة الماثلة أمامنا ليلتنا وقبول عرضه بالنسبة لي أمر بديهي. بديهي جداً لدرجة أعاني معها لتوصيل نقطة. "سنمتطي مع الأول." أنا أعود لما يقرب من قرن مضى حين كنت تحت تدقيق معملي محاولاً التعبير عن ما تذكرته من القصة التي قرأتها للتو. أنا أعرف ما أعرفه وأعاني فقط لتوصيله. أبدأ بالشرح حينها وتنساب الكلمات بسهولة أكبر. "نحن جوهر الغزو. ستنمتطون تحت راية أقسى أمير حرب على وجه الأرض. سننقض عليهم كعجلات بابل على البرابرة. أنتم... ستشعرون بالشمس على بشرتكم والريح في شعرك. ستسمعون الأسهم تصفر. ستلمسون جوهر الصيد والكر والفر. سيكون أمراً لا يُنسى ولكنه سيحمل ثمناً أيضاً." الآن حظيت بانتباههم. "وما هو هذا الثمن؟" "أخبريهم أيتها الصغيرة، أخبريهم بصراعي. أنت صديقة مكتنزي الأوراق. لا بد أنهم أخبروك." "هو... هو يريد السيطرة." "على ماذا؟" "على كل شيء. يحارب أمه أعظم ساحرة عاشت قط وأول خالدة. حين تصل المعركة الأخيرة ستتذكرون الاندفاع وتمتطون معه. ربما. هذا هو الثمن." يُستقبل تصريحي الشائن بصمت. لا يظهر الآخرون علامات إقرار بالطبع. "مخيب للآمال أيتها الأميرة الصغيرة. أنتي تكتمين الكثير. حسناً إذن، سأخبركم بنفسي. أنتم تخططون وتدبرون وتختبئون في الظلال. تقنعون أنفسكم بوكلاء وشركات ووسطاء. لا أحسدكم على بلاطكم ولا أفشل في فهم قيمتها. أريد فقط تذكيركم بما أنتم عليه حقاً في الأعماق." تندفع هالة نيراري. كمد بحري تغمرنا انتهاكاً للياقة والاحترام. في لمح البصر يصفق المفترسون الأربعون الأوائل ويكشرون عن أنياب وأسلحة. تصفر التعاويذ أثناء شحنها لكن المد يتراجع بالسرعة التي أتى بها. "هذا. هذا ما أنتم عليه حقاً." يققف نيراري ويفتح يديه أمامنا. "صيادون. قتلة. مفترسون قمة صممهم ملك ناشد ليحصد ما يبحث عنه. نحن نحب الفوز أكثر من حبنا لكشف أنفسنا، لكن لحسن الحظ الليلة يمكننا فعل الاثنين. لذا انضموا إلي. انضموا إلي لنزل أولئك الدخلاء الراغبين في أخذ ما هو لنا. انضموا بلا أجراس وبلا قيود وبلا أصفاد وأقسام. انضموا كما أنتم. تذكروا ما نقف من أجله. ثم يمكنكم المضي في طريقكم المرح لبضعة عقود أخرى. لكن الليلة، الليلة سنحول الحقول حمراء تحت حوافر كوابيسنا، رؤية لماضي العالم ومستقبله على حد سواء. انضموا إلي واعلموا. أنا بانتظار قراركم." يجلس أولنا جميعاً براحة على عرشه كإمبراطور في قصره. لا أحد يتحدث لفترة. أخيراً يكسر قسطنطين الصمت. "تسعى لاستهلاك العدو." "لقد فعلتها مسبقاً وسأفعلها مجدداً. معك أو بدونك." يتأمل قسطنطين العرض لفترة. "علينا النقاش. هل تمنحنا بعض الخصوصية من فضلك؟" يسخر سيدي ويضحك لكن يحسب له أنه يغادر. أعتقد أن قدرته على التفاوض والتسوية تخيفني تقريباً بقدر قدرته على التدمير. تبدأ المداولات فوراً. يبدأ المتحدث: "يارك، أكنت ستقود الهجوم الليلة؟" "سأعترض لو كنا أنا وهو متكافئين أو إن أمكن الشك في كلمته. نحن نعلم أن نيراري يفي بقسمه دائماً. أريد قتل الخلية حتى آخر مسير الليلة قبل أن ينقلب البشر علينا. ليس لدي اعتراض." تضيف سيغار من الجانب: "سيكون من غير الحكمة رفضه." يضيف أحد توائم رولاند: "كان داهية لقدومنا في هذا الوقت المتأخر، نحن لا نملك رفاهية الوقت. أقول دعه يذهب. حضوره يمنحنا مكانة." يضيف مساعد يارك: "أريد معرفة إن كان بارعاً كما يزعمون." في النهاية يُتخذ القرار بسرعة فائقة. الأشخاص الوحيدون المتذمرون هم من قُتل أقاربهم بواسطة نيراري في نقطة ما وحتى هم يحشدون للرأي العام بسرعة. لدينا جميعاً الكثير على المحك في نجاح هذا المسعى. ندعو نيراري للعودة لنخبره بموافقتنا. يتظاهر الجميع بأنه كان قراراً مدروساً جيداً. يغادر عبر الجدران الحقيقية مستخدماً التعويذة التي تعلمتها من كتابه. يتحول المزاج إلى قلق بعد ذلك. يتطلب الأمر الكثير منا لنظير عاطفة، لكن الآن حتى بشري كثيف يستطيع استشعار التوتر في الهواء. يملك الكثير منا تابعين على ذلك التل رغم تواجدهم في الخط الخلفي بمعظمهم. أعلم أن شيريدان ما زال حياً. قد يتغير ذلك في أي وقت. تواجدت محادثات قليلة لإجرائها. نملك سمعاً ممتازاً لدرجة أن أي شيء يُنطق هنا قد يُنطق أمام الجمع. مع وجود العديد من الأسلحة والدروع المسحورة بشدة حولنا نبدو كجنرالات مكسوين بالمعدن مسحوبين من العديد من اللوحات المتراوحة من العصور الوسطى إلى أواخر عصر النهضة متمددين عبر الكهف كقطيع ذئب بين عمليات صيد. تمر الثواني ببطء ممض. لا تتراجع زئيرات المدافع. كل عشر دقائق أو نحو ذلك، ينزل سيد مدرع جديد على السلالم ليأخذ مكانه إلى جانبنا. تتضخم أعدادنا حتى يخفي كل ركن وزاوية مقاتلاً متعطشاً للذهاب. تنضم إلي ميليوسين في نقطة ما وتجلس بجانبي بلا كلمة. نحن نشعر بذلك. قريباً. قريباً. الآن. تغوص الشمس تحت الأفق ويتنهد الكهف بارتياح. يبرد العالم ويتوسع حولنا. يقول يارك: "حان الوقت!" نندفع صعوداً على السلالم بسرعة جعلتنا نخلي المكان في حدود نفس واحد. نقفز مندفعين فوق جرف الميناء وعلى الصخر. تتجه كل الوجوه جنوباً. يشكل الدخان، الكثيف والداكن، ستارة سوداء ثقيلة من الحصن الذي تركناه خلفنا وصولاً إلى السماء. تبدو الطبقات الأولى فارغة ومخربة وتحترق بجمرات خافتة. صمتت الأسلحة. توقفوا عن القتال. هناك ما يسير إليهم. إنه ضخم، أضخم مما يحق لأي شيء هنا أن يكون، مبنى متحرك بأبعاد كارثية. لا أعلم إن كان بإمكاني إسقاطه لو توقف عن الحركة وسمح لي بالمحاولة. وخلفه بحر، محيط من اللحم. مسيرات كثيفة وعديدة لدرجة تحجب الأرض كالدود على جثة. مد متلو هائج بلا نهاية. يراقب نيراري العرض بصمت. يرتدي درع صفيحة بلون السجيت بدا سميكاً بما يكفي لإيقاف قذيفة مدفعية. على رأسه يضع خوذة توجت ببروز عظمية وأعتقد أنني أنظر إلى أسنان تنين أصغر. يرفع قبضته ويبرز كابوس كبير من الخلف. تُصدر الإشارة. تظلم الغابات حولنا حتى يخفت ضوء النجوم ذاتها مع حلول الصمت علينا. تمتد موجة كحجر مرمى في بركة ساكنة نحو أقرب المسيرات. تبرز الكوابيس من الخلف، أكثر مما رأيت قط في نفس المكان. يتقافز العشرات منها وتتوقف أمام راكبيها. أصعد على ميتيس وأرى جون راكضاً نحو مطيته الكبيرة بغباء بينما تنتظرنا ميليوسين بالفعل. سيشكل أولئك بلا مطية مجموعة متجولة سيراً على الأقدم. تواجد قرابة مئة راكب. تنخر الكوابيس وتشكل وتداً مع أقوانا في المقدمة. نيراري ثم قسطنطين ويارك ثم أقوى اللوردات والسيدات. يمنح مصاص الدماء الأول نظرة تسلية إلى يمنتنا في الداخل حيث تدعونا عواء الذئاب لنعلم أن حلفاءنا في اللعبة. تحت وحول الحصن تغلي المياه مع وصول حكام الأعماق. نحن مستعدون. ينشر نيراري هالته بالكامل. سرعان ما ينضم إليه الباقون بمن فيهم أنا. في هذه اللحظة بالذات لم نعد متنافسين. في هذه اللحظة نحن واحد. تنزف حواف الواقع بينما يتحول الخلق نفسه لأكثر سيلانية وأكثر قابلية للتشكيل. ترسل قوتنا المركزة تموجات في الحشود أمامنا وواحداً تلو الآخر تحول تلك الاشياء الدنيئة عيونها السحيقة نحونا. تتحول السموات لظل أعمق من الأرجوان. عين المراقب مفتوحة على مصراعيها. يتردد صدى صوت نيراري عبر الوادي هادئاً وصاخباً بشكل لا يصدق. "لن أسمح لملك ميت بأن يطأ ما يملكه! ولن أسمح لفريسة بتحديي!" يضيء الضوء الأرجواني على لحم المسيرات الشاحب. نحن نفعل ذلك. نحن نجلب المراقب إلى العالم. يضيء نوره على كل شيء. "ولن أترك أي تحد بلا إجابة. تعالوا يا أقاربي وامسحوا الأرض معي. اسحقوهم ولا تتركوا أحداً حياً وليجري العالم أحمراً." يدعو نيراري سيف روحه ويزداد الضغط مجدداً. ترتفع صائدة القلوب التي لا يلوح بها إلا عند القتال بجدية فوق رؤوسنا. أدعو روز مع انضمام نيار ومسامير بسواد السجيت إلى النداء. ينفخ ملاكيم في بوق عظيم وتركز الخلية بأجمعها من أصغر مسير وصولاً إلى تلك المسوخ في البعيد علينا. "اهجموا!" نبدأ بركض حصان طبيعي ونستمر في التسارع. في نفس الوقت نبتعد عن بعضنا البعض لنترك لكل مقاتل مساحة فراغ. نحن نسرع أكثر. تلقي مارثا تعويذة هائلة وتزداد سرورتنا مرة أخرى لدرجة تسحبنا الهواء أمامنا عملياً. رآنا المد. إنهم قادمون في طريقنا جميعا بما في ذلك البهيم البعيد. يزأر نيراري تحديا ونضيف غضبنا إلى غضبه. نحن قريبون جداً الآن. هناك الكثير منهم وبعضهم بحجم الأفيال. "ماغنا أركا." "ماغنا أركا!" "بروميثيان." "مزقوا!" تنفجر مئة تعويذة وقوة حولي. تزأر مقذوفات نار ميليوسين المميزة جنباً إلى جنب مع مقذوفات سحر دمي. لا يوجد تأثير. نتقدم والياردات المئوية الأولى من المسيرات تكف عن الوجود ببساطة. لا نبطئ حتى. أرى أذرعاً ووجوهاً والكثير من العيون لكن لا يهم. تمزق روز عبرها كالورق وأملك حلفائي بجانبي يفعلون ذات الشيء. يرسل جون أجزاء محطمة تطير في الهواء. صيد عظيم. أزأر بسرور ونحن نشق طريقنا عبر الحشد القادم باستمرار. نتقدم ونذبحهم بالمئات لكن بعد ذلك يصرخ كابوس أحدهم على الجانب وأراه وأشواك تطير في الهواء. "أغلقوا الصفوف!" "دريئة!"
نضيّق تشكيلتنا. أستخدم روز لإسقاط المقذوفات في الجو من أجل جون وميلوزين. هكذا. **فريسة بعيدة المدى، احموا ميتيس وذويها.** جاء الرد الناري فوريا ومدمرا. "السَلخ." "الجحيم." "سهام صائدة القلوب." انفجرت التعاويذ من حولنا، مستهدفة تلك الطائرات المسيرة الغريبة التي تقذف الأشواك من ظهورها. تحولت أسراب منها إلى رماد. صرخ قسطنطين، وانقضت سلاسل هائلة بطول السفن عبر الطائرات المسيرة، فطرحت أعدادا كبيرة منها أرضا محطمة. إلى يميننا، انخرط المستذئبون تماما في تشكيل حاشد. تقدموا ببطء أكبر، لكنهم لم يتوقفوا. **نعم، انضموا إلى احتفالاتنا.** ظل الضوء الأرجواني للمراقب يسطع عبر ساحة المعركة، دافعا عدونا إلى الهياج. كنا محاصرين من كل جانب. لم يكن ذلك مهما. لم يستطيعوا إيقافنا. تواصل الاندفاع. انكمشت جناحا الإسفين حتى شكلا دائرة، فيما تولى الأعضاء الأصغر حماية ظهورنا. وجدت نفسي في الجانب الأيسر من التشكيل، قريبا من الحافة. كانت مهمتي صد الأشواك وقتل أقرب الأعداء. كنت أعرف ذلك في أعماقي. كانت تلك هي الطريقة الصحيحة. تحركنا جنوبا في مذبحة بلا نهاية. كانوا يأتون. أقتلهم. أسقط الأشواك في الجو. يأتي المزيد فأقتلهم أيضا. دمرت أشواك روز وحافتها كل من تجرأ على الاقتراب. حطم جون العينات الأكبر بغضب منهجي. نظفت التعاويذ القوية التي أطلقها سحرتنا أعمدة كاملة. لم يتوقفوا عن القدوم، ولم نتوقف عن الفتك بهم. أحيانا كانت تصدر صرخة ألم من أحدنا، فتتناقص أعدادنا. وأخيرا، خف الضغط قليلا على جناحي حين اقتربنا من البروز المحصن. كان جيش من القوم السمكيين قد حوّل جزءا من قوته، فأباد الطائرات المسيرة التي حاولت تسلق التحصينات والالتفاف على البشر. أبقت صفيراتهم ورماحهم ثلاثية الشعب الطائرات المسيرة بعيدة، مع بقائهم قريبين من البحر. سمعت ارتطاما عاليا. قفز أقوى ثلاثة مقاتلين لدينا من على مطاياهم. قادتنا مارثا، وقد أصبحت الآن أقدم المقاتلين، إلى اليمين، بينما واجه الثلاثة البيهيموث. كان قد نما من جديد، إذ أخذت طائرات مسيرة أصغر تتسلقه وتنصهر فيه. ناورت مجموعة الفرسان حول الصراع العملاق. استهل البيهيموث هجومه بصفير هالة سوّى الأرض أمامه. دفعه نيراري بهالته الخاصة، فتحولت المواجهة بين الخطين المستقيمين إلى انحناءات ملتوية ومعذبة. قصفه قسطنطين بتعاويذ خلّفت حفر تنزف وتفور. فرد بفتح شقوق غريبة وإنماء صفائح شديدة السماكة. ابتلعت الشقوق التعاويذ كأنها لم توجد قط، بينما قاومت الصفائح السميكة الهجمات الحادة. رد قسطنطين بإظهار سلاسل شفافة بددت الشقوق كما تبدد المروحة الدخان. ازدادت الصفائح العظمية سماكة. وأخيرا لمحت ياريك وهو يعود، بعد أن ركض ذهابا وإيابا ليكتسب زخما. قفز. "ماغنا... أرقا!" ارتطمت القفازات العملاقة بصدر المخلوق. أطاحت الموجات الزلزالية بالطائرات المسيرة القريبة أرضا، فيما تحطم جذع المخلوق بأكمله، وتهوت ألواح ضخمة من لحمه إلى الأرض. ثم انغلقت الفجوة مع انصهار المزيد من الطائرات المسيرة بلحمه وانضمامها إلى البنية. شعرت به بطريقة ما. إرادة جوفاء للبقاء، لا يسندها سوى آلية باردة، كوحش مقطوع الرأس يواصل السير بضع خطوات أخرى. ثم لم يعد ثمة وقت، فأعدت انتباهي إلى القتال أمامي. جرف اندفاعنا كل شيء أمامنا حتى أوقفتنا قذائف المدافع. كنا عند حافة التحصينات. غطت جثث الطائرات المسيرة الأرض بكثافة حالت دون أن أرى التراب تحتها. سد جبل حقيقي من الجثث الطريق إلى البشر خلفه، مع أن بعض الطائرات المسيرة ظلت تتسلقه. كانت تسقط بالرصاص ما إن تبلغ القمة. "سيرا على الأقدام الآن. شكلوا خطا وغطوا البشر." أطعنا، وشكلت كوابيسنا قطيعا خلفنا، قبل أن تنطلق جنوبا وتتركنا لمهمتنا. اخترقت الطائرات المسيرة القليلة هناك ثم اختفت في غابة كثيفة. ازدادت الغابات القريبة عتمة، وظلت كذلك. كان النسيج رقيقا هنا، أرق من المعتاد. استدعيت صاعقة، فتشكلت بلا عناء. "اقطعوهم!" اتبعنا صوت مارثا وثبتنا في مواقعنا. كانت الطائرات المسيرة لا تنتهي، فكنا نقتلها بلا نهاية، ونطأ جثث رفاقها فيما أخذ جبل الموتى يرتفع أكثر فأكثر. فقدت نفسي في الإيقاع. شطر. أطلق. صد. أغطي ميلوزين حين تلقي تعويذة أكثر تعقيدا، وأغطي جون حين يتقدم ليسحق وحشا أكبر. وهما بدورهما يساعدان جيرانهما ويغطونهما. كانت رقصة قديمة قدم الزمن، رقصة قد يكلف فيها خطأ واحد ثمنا باهظا. أحيانا كان أحدهم يفشل، فيسد الباقون الثغرة. لن أسقط هنا. **مرة أخرى.** شطر. **مرة أخرى.** أطلق. كل عدو جديد تقتله روز كان يضيف إلى جوهري، حتى شعرت به **يفور من...** أوه لا. انفجرت جذور شائكة من تحت أكوام الجثث، فقبضت على الطائرات المسيرة ومزقتها. شعرت بجوهري ينفد كالبالون المثقوب. ثم أمسكت مخلبان بعنقي، فخمد الفوران في جوهري. قالت مارثا بشيء من الاستعلاء: "لم تبلغي ذلك بعد، أيتها الطفلة." ثم أطلقت أمرا آخر بصوت جهوري. "اثبتوا في الخط! أيها السحرة، معي! وأنت أيضا يا أريان." انتقلت القيادة إلى آدم، أحد توأمي رولان، فأعاد تضييق الخط بينما انفصل عن المجموعة اثنا عشر سيدا وسيد. اندفعنا فوق التحصينات، وانتهينا وجها لوجه أمام صف كثيف من المدافعين المذهولين. بحق المراقب، ما أشد قذارتهم. طمأنت مارثا الجميع قائلة: "نحن حلفاؤكم." استقرت أعين الرجال والنساء على معداتنا المضرجة بالدماء وأسلحتنا المخيفة. "نحن حلفاؤكم حقا. دعونا نعبر." دفعت بقليل من الجاذبية، فتقبلت نفوسهم المتعبة لمستها اللطيفة. انشقوا لنا، فعبرنا الخنادق والحفر والممرات. بدا أن عددا من المدافعين قد تمكن من العبور أكبر مما خشيت. بل لمحت بضعة غابريليتس يختلطون بجنود من مجموعات أخرى. قادنا الطريق إلى أعلى، حيث كان معالجو العصبة البيضاء الذين لا يكلون يعتنون بالجرحى، تحت إشراف سولا الساحرة البيضاء. وجدنا معظم السحرة العظام مصطفين في نصف دائرة حول شجرة وحيدة. لاحظت أنهم جميعا جرحى. حتى كارميلا، المبارزة الشقراء التي لم تعد تخاف المستذئبين، كانت تمسك بجذع يدها اليمنى المبتورة. ابتعدت عن مجموعتي لأرى ما الأمر. كان فروست يستند إلى جذع الشجرة بتعبير منزعج قليلا. عيناه مغمضتان، ويداه تطوقان زجاجة من البراندي الفاخر. وكان ميتا أيضا، ميتا تماما. وجهت كلامي إلى ويليام، الوريث الظاهر لهوبكنز. "هل يُحتسب هذا؟" سألت. أجاب ضاحكا ضحكة خفيفة: "من يدري مع ذلك العجوز اللعين؟" نادتني مارثا، فتركت المكان. سلكنا ممرا ضيقا بمحاذاة الجرف، على جانب القرية المهجورة. نظرت إلى الأسفل، فرأيت تشكيلا كثيفا من القوم السمكيين يقاتلون برماح ثلاثية الشعب ضخمة، ويطعنون الطائرات المسيرة قبل أن تصل إليهم. وبينما كنت أراقب، غطت موجة كبيرة الصفوف الأمامية من المخلوقات وجرفتها نحو البحر، حيث أجهز عليها رجال البحر الذين لم تمسهم الموجة. كانت المجموعة الثانية من مصاصي الدماء والمستذئبين لا تزال تشق طريقها نحونا من بعيد. تباطأ تقدمها حتى كاد يتوقف. "هيا يا أريان، لا تتلكئي. علينا إعادة تشغيل المنارة." تبعت مارثا والسحرة الآخرين إلى مغارة عند جانب الجرف، وكانت هذه من صنع البشر. وجدنا جهاز قسطنطين في الداخل. كان السحرة المسؤولون عن تشغيله ممددين حوله، وقد لطخ الدم المتخثر أعينهم وآذانهم. كان أحدهم ميتا. قالت مارثا: "يمكنكم أن تستريحوا. سنتولى الأمر." أومأ أحد البشر وساعد أضعف أفراد فريقه على النهوض. عرفت ما ينبغي فعله. شبكت يدي بيد مارثا، وفعل الآخرون الشيء نفسه. اتخذنا مواقعنا حول البنية وبدأنا الترتيل. دبت الحياة في المنارة من جديد بقرقعة. اندفع جوهرنا إلى الداخل، وفتحنا أفواهنا. رن طنين منخفض عند حافة سمعي. بقينا هكذا ساعات، نتقاسم العبء فيما بيننا. كانت المنارة تنبض في مواجهة تأثير خلية الاجتياح الخبيث، فتشوشه وتمنعه من التكيف بكفاءة. صمدنا أمامه حتى فقدت موجات القوة شدتها، وحتى تحول السيل الجارف إلى خيط رفيع. وأخيرا، مع اقتراب الفجر، خفتت الأصوات. عطّلنا البنية وعدنا إلى السطح. كانت الأرض من حولنا خالية من القتال. لم يبق إلا أنين الجرحى. انتهت الحرب. انتصرنا.