رحلة الأسود والأحمر الفصل 137 — أطبق فجأة

اقرأ رحلة الأسود والأحمر الفصل 137 — أطبق فجأة باللغة العربية على مانجا تايم.

الأول من حزيران عام 1862، بوسطن. مقر الاتفاقيات. "قطع. تمزيق. ربط." يتحرك كونسنتين بكسل ويصدّ كل هجمة واحدة تلو الأخرى، مندساً بصاعقة بين صدّين. توقعت الأمر هذه المرة وتمكنت من حمايتها. "أحتاج إلى استراحة." أقول أخيرًا وأنا أحس بنزف مؤلم في جوهري. يومئ المتحدث ويثني سلاح روحه فيتلاشى. "أنت تحرزين تقدمًا. لا بد لي من الاعتراف بأنني كنت مخطئًا. أسلوبك ملائم للتبارز السحري بعد كل شيء." أعترف بالقول: "إنه عمل قيد التقدم." وأنا أتفحص أضرار عتاد التبارز الخاص بي. توجد بضع علامات حيث احترق القماش، لكن كونسنتين أحجم عن استخدام طاقة مفرطة. مرة أخرى، كبريائي هو الضحية الوحيدة هنا. "أنا مفتون بطريقة تدبيرك لتسلسلات تعويذية صحيحة أثناء الحركة والقتال." أعترف: "تسمح لي حدستي بالشعور بالتعوية الملائمة إن ركزت بالقدر الكافي." كان بإمكاني إخفاء هذه المعلومة عن كونسنتين، لكنني لا أرى مبرراً لفعل ذلك. يجب أن أتحسن سريعًا، وهو أفضل معلم سحر موجود الآن بعد أن أتقنت الأساسيات. يتابع كونسنتين: "البقية ستأتي مع الخبرة. أعترف بنقص ممارستي حين يتعلق الأمر بالمعارك. أخبرني فيلهلم أنني كنت جامداً للغاية، وأنني أسأت استخدام سلاح روحي. ما رأيك؟" يسأل. أتأمل السؤال بصمت. أملك خبرة تفوق خبرته حين يتعلق الأمر بالعراك. يتطلب السحر قدراً هائلاً من الانتباه، وهذا أحد الأسباب التي تجعل كثيراً من السحرة ينشرون دروعاً لحمايتهم أثناء إلقاء تعويذاتهم. القتال وإلقاء التعويذات في الوقت عينه فن لا تستطيع مصاصات الدماء إتقانه حقاً سواهن، إذ يفتقر الآخرون إلى الوقت الكافي لفعل ذلك. "أعتقد أن التعويذات هي سلاحك الرئيسي. إن استخدمت سلسلة روحك بطريقة دفاعية، فهي لا تتعرض لسوء استخدام، بل هي مجرد احتياطي لك. تكمن فرصتك الكبرى على الأرجح في إعادة التموضع الملائم. أحياناً، يكون الوجود في المكان المناسب والوقت المناسب أفضل من إطلاق تعويذات مدفعية من الخلف. خصوصاً في معركة لمصاصي دماء." "أنت على حق على الأرجح. سأعمل مع حراسي الشخصيين لأكون أكثر حركة عبر ساحة المعركة. سيسمح لي هذا بدعم عدد أكبر من الفرق. يكفي هذا. انتهى درس الليلة." أحلّق درع صدري وأناوله لأحد المرافقين. غرفة التدريب في القلعة واسعة بشكل غير معتاد، وشبه فارغة في هذه اللحظة. تجمعت كل الفرق استعداداً لهجوم لست على دراية به، وذلك لأسباب تتعلق بالسلامة. كنت سأشعر بالانزعاج لو لم تكن لدي هذه السيطرة العظيمة على طريقة تأثيرنا في الحرب الأهلية، وبدعم موثوق من بقية الاتفاقيات، وبأقل قدر من الإشراف. يسأل كونسنتين ونحن نصعد في القلعة: "كيف تسير الأمور مع الصراع البشري؟ هل أنت راضية عن سير الحرب؟" أقطب جبيني وأنا أفكر في إجابتي. "تمضي ببطء. كل شهر نقضيه بلا انتصارات كبرى في الشرق يزيد من خطر تلقي الكونفدرالية اعترافاً دولياً. ربما لسع الإنجليز تهور الفرنسيين في المكسيك، لكنهم سينقضّون على أي فرصة إن عرض الثوار عليهم فرصة جيدة. سيحدث ذلك إن أصابهم اليأس." يحكم كونسنتين: "هممم، لا يدعم الإنجليز سوى الطرف المنتصر دوماً، ولكن الأهم من ذلك، أتقدرين على مساعدة جيش الاتحاد؟ ظلت الجبهة الشرقية غير حاسمة." "يضغط لينكولن على الجنرال مكليلان للتحرك. العلاقة بين الاثنين متوترة، لكن الرئيس رفض حتى الآن إقالته. أنا قلقة بنفسي. سارت عدة مناوشات لصالح الكونفدراليين على الرغم من تفوق الاتحاد من حيث، حسنًا، كل شيء. باستثناء مهارات القيادة على ما يبدو. بطء الجنرال مكليلان فأل سيء. ستوضح الحملة القادمة ما إذا كانت مخاوفي مبررة أم لا." "وفي الغرب؟" "هذا هو مربط الفجر. أجبرت قوات الاتحاد على الانسحاب من تقاطع كورينث الرئيسي البارحة فحسب. يمتلك مسرحنا الأكثر صغراً وفرة مفرطة من القادة الأكفاء والعدوانيين، بينما يعاني المسرح الشرقي قحطاً. كنت أمل في فرض نقل لكن نصحت بألا أضغط في هذه المسألة في منتصف الحملة." "لا تغيرين جنرالاً في منتصف المعركة." "بالفعل. يعتمد الكثير على القرارات الفردية. فكرت في تخريب القيادة الكونفدرالية، لكنني نُهيت عن ذلك بشدة. يبدو أن هناك محظوراً حول تحييد القادة المدنيين والعسكريين." "لا توجد كيانّات على القارة نحتاج إلى تبرير أنفسنا أمامها." "ومع ذلك سيخلق هذا سابقة خطيرة، ويؤدي إلى تساؤلات نتجنبها بين البشر. أو هكذا صاغها سواريز على الأقل." يرفع كونسنتين حاجبًا. "ليس سيغارف؟" "لا تحتكر العمليات السرية وحدها. على أي حال، أدى تخريب البنى التحتية الكونفدرالية إلى بعض الصعوبات." يسأل كونسنتين باستمتاع: "لا يوجد الكثير لتخريبه؟" "بالمجمل، نعم. الموارد المستهلكة مقارنة بالنتائج المحصلة تجعل هكذا مناورة باهظة التكلفة. أخبرني التوأمان رولاند أيضاً أن معظم وكلائهم البشر يضمرون ولاءً قوياً لدولتهم الخاصة. هم غير راغبين في اختزالهم إلى مواشي لتناسب أجندتنا، وهو أمر يمكنني تقديره. منشآت الإنتاج الجنوبية مبعثرة أيضاً. من الأنسب لنا بكثير تعزيز الشمال." "أنا أفهَم. باستثناء كارثة عسكرية، تكمن احتمالية الهزيمة الوحيدة في الانتخابات القادمة. أمرت شبكاتنا بمنحك دعمها الكامل فيما يتعلق بالتحكم بالمعلومات. سيطر كثير منا نحن المراقبون على الصحف الكبرى في ولاياتنا الخاصة. أثق بأنك فعلت المثل؟" أتهكم: "وطدت ميليزينا وسيطرتنا قبل سنوات." كأنني قد أسمح لبعض الرعاع بالافتراء وإثارة الغوغاء على هواهم! كثير من أولئك الصحفيين مهتمون بإثارة رد فعل أكثر من اهتمامهم بإعلام الجمهور بطريقة مسؤولة وصادقة. متسلقون اجتماعيون صغار طموحون، عن آخرهم. تبّاً. "ينبغي ألا تعقدي حاجبيك هكذا يا أريان، أنت تخيفين الطاقم." "آسفة. ترك بعض صانعي الورق أولئك طعماً سيئاً مجازياً على لساني اضطررت لغسله بدمائهم." "هذا لا يساعد." وصلنا أخيرًا إلى مكتب كونسنتين. تقف مساعدته صوفيا ونحييها نحن الاثنين. ألتفت إلى المتحدث للمرة الأخيرة قبل أن أذهب للاهتمام بأموري الخاصة. "على أي حال، لقد ضاعفنا ترجيح كفة طرف كان مرشحاً للفوز بالفعل. البقية في يد البشر." خصوصاً مكليلان. أرجو أن يكون عند حسن الظن. نتبادل بضع كلمات وداع، وأعود إلى «غرفة الاستخبارات البشرية»، وهي مساحة مفتوحة واسعة في الطابق السفلي تتوسطها خريطة تعرض الحدود الحالية وتمركزات القوات. الوصول مقصر على مصاصي الدماء الموافق عليهم والبشر العاديين ممن يمتلكون موهبة في التنظيم وتحليل البيانات. يندفع نحوي رجل شاحب يرتدي عدسة أحادية العين، ملوحاً بحزمة من الأوراق. يبدأ بالتباطؤ كلما اقترب لكنه يثرثر بهيئة عالم تتصارع في رأسه أفكار كثيرة جداً. "ينقل الكلب الأسود هوبكينز أخبار تقدم العصبة البيضاء. لقد زرعوا مستوصفات بوكلاء، لكن يبدو أنه كانت هناك مساعٍ لفعل ذلك على الجانبين للحفاظ على الأرواح بغض النظر عن الولاء." ليقني المراقُ من أصحاب القلوب الرحيمة. أستخدم انضباطي المتفوق لمنع عينيّ من تفقد مؤخرة جمجمتي. مع ذلك، بالرغم من تفكير بالأمر، فإن سحرة طبيين قادرين على التواصل طويل المدى من خلف خطوط العدو سيكونون نعمة. "سأناقش الأمر معه لاحقاً. ماذا لديك غير ذلك من أجلي؟" "يتواجه جونستون ومكليلان اليوم. التقارير لا تزال غير حاسمة." "كان يجدر بك البدء بذلك. ماذا أيضاً؟" نراجع عدة أمور وأتخذ بضع قرارات لا تحتمل الانتظار، فضلاً عن قرارات أخرى عملت عليها أنا ومستشاريّ من قبل. لا أعتقد أنني ذكية بشكل استثنائي بنفسي، لكنني أمتلك إمكانية الوصول إلى مجموعة واسعة من المواهب لمساعدتي. أرتكب أخطاءً أحياناً. هكذا أمر حتمي في البيئة الفوضوية التي نجد أنفسنا فيها. لا أسمح لذلك بهزيمتي. أن تكون حاسماً وتخطئ أحياناً أفضل من أن تتأخر وتسمح للفرص بالمرور من بين يديك. علاوة على ذلك، أولئك بشر مجهولون يموتون، ولا أجد في نفسي القدرة على الاهتمام أكثر من اللازم. أنسحب إلى غرفتي مع إقتراب الفجر. لقد تقدمت بطلب مسبق للسفر جنوباً، إلى خط المواجهة البشري، بغية فهم مواردنا وتنسيقها بشكل أفضل، لكن كونسنتين رفضني لأسباب تتعلق بالسلامة. كنت لأتذمر، لكنني أفضل ألا أستيقظ على وقع سيد معادٍ مرة أخرى، لذا بقيت في الأمان النسبي لقلعتنا. عليّ الاكتفاء بالتقارير الباردة في الوقت الحالي. لا أعرف الكثير عن جانب مصاصي الدماء في الحرب، باستثناء أن جانبنا فاز بعدة مناوشات من خلال الاستخدام الذكي لميزة الأرض. لقد ساعدتنا الحرب الأهلية كثيراً بجعل السكان المحليين أكثر حذراً من التدفقات المفاجئة للغرباء، وقد استغلينا ذلك لصالحنا. يبدو أيضاً أن إمدادات العدو من دم الجنية، والتي منحته أفضلية في بداية المعركة، آخذة في النفاد دون أي فرصة لاستبدال سريع. يحدوني أمل كبير بأن يصبح موقف العدو غير قابل للصمود قريباً. عليّ فقط التحلي بالصبر.

2 يونيو، في منتصف بعد الظهر. كل يوم يشبه سائر الأيام. أستيقظ، فأجد مزيدا من التقارير في انتظاري، وأستوعب كل تلك التغييرات. ولأول مرة في حياتي، صار جوهر روزنثال أكثر الجواهر نفعا. عادة ما يخصص آخر النهار للتبارز، وهذه المرة سأبارز فيلهلم من إيرنفالد، الذي تعمل القلعة تحت سلطته. لذلك أفاجأ حين يطرق بابي بينما أفرغ من ارتداء ملابسي. "نعم؟" قال: "كان بوسعك أن تحذرني من أن الجنود سيتدربون في مكان قريب. أي تجمع للقوات في الجوار يصيبني بالتوتر." أتجمد. ثم أتجمد أكثر. أنبش ذاكرتي بحثا عن أي تقرير ذي صلة، فلا أجد شيئا. "وهذا ما ينبغي أن تكون عليه! نحن نتعرض لهجوم!" أبصق الكلمات. يحدق فيلهلم بي لثانية، ثم ينتزع ميدالية معلقة حول عنقه. يضغط سطحها المعدني، فتنطلق صفارة إنذار في أرجاء المجمع. تهتز النوافذ خلفي، وهي الموصدة أصلا، بينما تهبط ألواح فولاذية ثقيلة لتغلقها بإحكام. ويحدث الشيء نفسه في كل أنحاء المجمع. وفي الطابق الأرضي، أسمع صياح الحامية وهي تتجمع. يخطر لي فجأة أنني ربما تسرعت في حكمي. لعل الأمر لم يكن سوى تدريب غير مقرر... "لا تشكك في حكمك. إن لم يكن هذا تحركا للعدو، فهو في أقل تقدير تدريب جيد. اذهبي الآن إلى مكتب قسطنطين. سألحق بك بعد قليل." أعود راكضة إلى غرفة نومي لألتقط الحقيبة التي تضم عتادي، ثم أهبط مسرعة إلى جناح المتحدث. بابه مفتوح، ومن ورائه يهبط درج، كان مغطى من قبل، إلى كهف لم أكن أعرف بوجوده. تحثني ميليتون، خادمة قسطنطين وشقيقته التوأم، على المضي. "التحقي به. سأحضر مارشال، وسنحتمي كل منا في مكان منفصل." مارشال، إذن؟ أنا دائما أنادي شيريدان باسمه، شيريدان. يبدو أن الاثنين قد ارتاح أحدهما إلى الآخر أكثر مما ينبغي. ركزي يا أريان. المعركة أولا. أما احتمال أن تتحول علاقة قسطنطين وبشريتي إلى شيء ما، فله تبعات قد تكون كارثية، ونفكر فيها لاحقا. أنزل إلى غرفة مستطيلة واسعة، ذات أبعاد هائلة على نحو يثير الدهشة، فأستنتج أن الصخور الممتدة تحت القصر أشبه بجبن سويسري، وأن فيها حجرات أكثر مما في خلية نحل. تتلاشى كل سخريتي من ذهني حين أرى مقر قسطنطين، لا مقر قوته السياسية، بل مقر قوته السحرية. نحن في حصنه السحري. ومن هناك يمسك بالروابط التي تحفظ معظم دفاعات هذه الأرض. "جاء إنذارك في الوقت المناسب تماما، فتمكن حراس القرية من الانسحاب، رغم أنني أخشى أن رجال البوابة الخارجية لم يسعفهم الوقت." يقف السلف الطويل في مواجهة جدار بعيد مغطى بالكامل بصفوف متراصة من الأسطح العاكسة، تعرض مشاهد لا تنتهي، حتى إن ذهني يصاب بإحساس غريب بالدوار. أرى أشجارا، وغرفا، وممرات، ودفاعات ثابتة. أضيق تركيزي على المشاهد القليلة التي يركز عليها قسطنطين الآن. تركض الأشكال الفضية المشوهة للمنتحلين، المرتدين بزيات الاتحاد، عبر فسحة صغيرة. ويرقد حارسان على الأرض، وقد فارقا الحياة تماما. يرفع قسطنطين عصاه المزخرفة بإفراط، فيندفع غولمان من جذوع أشجار ميتة. شكلهما نحيل حشري، مصنوع من شفرات وحواف صلبة. يمزقان المهاجمين بوحشية لا أظن أنني كنت لأضاهيها. وفي لحظات معدودة، يصير أفراد الفرقة المؤلفة من اثني عشر مهاجما لحما مبعثرا على الأرض. "حسنا"، أعلق بفتور، "انتهى الأمر." يجيب قسطنطين بصوت عميق أجش. يلتفت، فأرى على وجه المتحدث، للمرة الأولى خلال ثلاثين عاما، عاطفة جديدة. الغضب. "لقد بدأت للتو."

تجسمٌ حيٌّ لشيءٍ أرهبُه تماماً تتكشَّف عنه الدقائق القادمة: إراقةُ دماءٍ بغير متعةِ الصيد. ومذبحةٌ على نطاقٍ صناعيٍّ ضخم. ما إن اجتاز آخر الحراس المسنين البوابة حتى أحال كونستانتين الغابةَ والقرية السفلى والدربَ المؤدي إلى القصر شركاً للموت لم يسبق له مثيل. أراقب ذاهلةً الجنودَ وهم ينتشرون ليسقطوا فريسةً لتلك الدمى النحيلة الشبيهة بفرس النبي، ثم يتجمعون مجدداً حول سحرةٍ بمقدورهم تعطيل هياكلها البسيطة بتعويذاتهم. "ساحرُ نارٍ، الهدفُ سبعةٌ وعشرون"، أُعلم كونستانتين بناءً على طلبه. "ممتاز. شكراً لك. والآن، لنمنحهم ترحيباً حارّاً. أمطريهم ناراً، وأحرقيهم رماداً، أولئك المتسللين، الذين استدرجتهم عمداً. المطرُ السحريّ". تتوهج الدائرة المحيطة بالمتصلب واقفاً بلونٍ قرمزيٍ غاضب، ويهزُّ دويٌّ هائل أسس القصر من جذورها. وعبر طبقاتٍ فوق طبقاتٍ من الصخر والفولاذ المسحور، أسمع صوتاً يشبه غليانَ دستةٍ من أباريق الشاي. وبعد ثلاث ثوانٍ، تعمى المرآة. أنفضُ بعض الغبار عن أعلى فستاني. "أظنُّ أننا فقدنا الرؤية عند الهدف سبعةٍ وعشرين"، أقول. "لا بأس بتاتاً. والجميع كذلك. هدفٌ آخر من فضلكِ؟" ألتفت متفحصةً، لكنَّ خصومنا يلوذون بالفرار التام. من بين مئات الدخلاء الثلاثة أو الأربعة المتجمعين حول القصر، لقي أكثر من مائة حتفهم في غضون عشرين دقيقة. هناك حفرٌ عميقة مبطنة بمسامير مسننة انفتحت على الطرق الرئيسية الآن لتتكدس الجثث على سطوحها، وتغرق العشرات من المسامير في دماء الحياة. ينطلق سلكٌ فولاذي من العدم ليخطف أحد الفارين من صفه ثم يرتدَّ كأفعى تعود لفريستها. تنفجر بعض الأشجار كاشفةً عن دمى بينما تحمل أخريات حمولةً أكثر فوريّةً. أسلاكٌ سحرية كانت خاملةً من قبل، انطلقت حين وطأتها قدمٌ غافلة لتوقعها في مصائد دببةٍ حادة الأطراف. أجزاءٌ من الغابة تشتعل. وأخرى تحولت إلى زجاج. وأعمدة الدخان تحجب عدة مرايا. "أمم، أظنُّهم ينسحبون نحو خطوطهم الرئيسية. المرايا من واحد إلى، أمم، سبعة". "آه نعم، أطراف العقار". "سيُرجح أن ينتظروا حلول الظلام. أرى توابيتَ وعرباتٍ مؤمنة. كيف اقتربوا إلى هذا الحدّ أصلاً؟" "هذا ما سيكتشفه فيلهلم لاحقاً. لنُتابع مهامنا الآن. تعالي معي من فضلكِ". نصعد أدراجنا مجدداً، ثم ننزل عبر السلم الرئيسي يتبعنا حُرَّاس كونستانتين الشخصيون. سطح القصر مقفر. طبقاً للبروتوكول، ينبغي لكل طاقم غير المقاتلين أن يكون قد بلغ الأقبية المؤمنة في أسفل التل. يضم القبو عدة أنفاق هروب لا تفتح إلا من الداخل، وبمعرفة كونستانتين حصراً لتقليل خطر سماح خائنٍ بدخول الأعداء. ليست هذه سوى واحدةٍ من تدابير عديدة وُضعت لضمان سلامة قاطني الحصن. وللمرة الأولى، تؤتي جهود كونستانتين الدقيقة أُكلها. "كم عدد الشتلات هنا بحق الجحيم؟ وكم استغرق إعداد كل هذه الأدوات؟" أسأل وأنا أنزل بهدوء. "أعمل على الدفاعات وأطورها منذ أن انتقلت إلى هنا للمرة الأولى، أي منذ مائة عامٍ تقريباً؟ أما عن عدد الشتلات، فسؤالكِ لا معنى له. بعضها قابل لإعادة التسليح أو الصنع إن تعطل، بينما يقف بعضها الآخر على الشعرة الفاصلة بين أدوات مساعدة لي في السحر أو شتلات حقيقية. أتحتسب السمكة المتحولة العملاقة قرب النهر شتلةً، أم حارساً؟" "لدينا سمكةٌ متحولة؟" أقول متلعثمةً. "حقيقةً. وهو ما يذكرني، عليَّ إخبار الطباخين ألا يلقوا بقشور البطاطس في المياه. يقول فيلهلم إن السمكة تواجه صعوبةً في هضمها. قشور البطاطس أعني، فمن الصعب العثور على طهاةٍ جيدين. آه، ها قد وصلنا". يضغط كونستانتين على قطاعٍ صخريٍّ يبدو كأيِّ سطحٍ آخر في الجوار. ينخفض، وينفتح ممرٌ خفيّ. لابد أنني مررتُ بهذا المكان بالذات ألف مرة. ولم ألاحظه قط. في الداخل، أجد غرفةً مربعة ذات سقفٍ عالٍ، إضافةً إلى أكبر دميتين رأيتهما في حياتي محبوسَتَين داخل سقالاتٍ معقدة. لقد ساعدتُ المتحدث في بناء مخلوقاتٍ من قبل، وكانت دائماً تبدو لي كقطعٍ من الدقة البالغة. كان ماضيه البشري صانع ساعاتٍ أقرب إلى الرسالة منه إلى الوظيفة، وهو ما يتجلى في عمله. هاتان الدميتان مختلفتان. وحدهما الشغف والإلهام قادران على إنتاج هذا الاندماج السلس بين الفن والفاعلية القاتلة. وهما ضخمتان. بطول ثلاثة رجالٍ بكل سهولة، تتألق العملاقتان تحت الضوء الذهبي للفوانيس المسحورة، وسطحهما أملس كصفحة بحيراتٍ راكدة. يصفير الهواء حول شفراتٍ مسحورة حادة، ساكنةً الآن. تخفي خوذاتٌ تليق بالأباطرة أدقَّ أنظمة تشغيلها. أنجح في إخفاء ذهولي بجهدٍ عظيم. "منظرٌ يستحق التأمل أليس كذلك؟" "أوه. نعم"، أردُّ ببرود. "لا داعي للتصنع، فأنتِ تطيلين النظر منذ دقيقةٍ كاملة. كنتُ على وشك إطلاقهما". تبّاً. يبتسم كونستانتين بخبث ويقترب من منبرٍ صغير. ألحق به، لأرى مقبضاً أحمر وحيداً ضخماً بحجم برتقالةٍ يبرز من مركزه، وقد حُفرت كلمة "إطلاق" بحروفٍ بارزة تحته. يرمش كونستانتين ويلتفت إليّ. "كنتُ أتطلع لهذا حقاً. ليس الهجوم. بل هذا". تهوي قبضته محطمةً الشيء، ومع صوتٍ غريب أشبه بشيءٍ يلتفّ وينضغط، تنفصل الدمى عن إطارات حمايتها. تتقدمان للأمام. ترتج الأرض! فتحتان في الجدار البعيد تنزلقان صعوداً، ثم تهبطان بعد مرورهما. "أنشأتُ دهليزاً لحماية المشغلين من لمسة ضوء الشمس"، يقول كونستانتين، فخوراً بحسن تدبيره. "ألا يمكنك تسميته باباً مزدوجاً كالبقية؟" "أنا من صنعتهما يا أريان. وأنا أسميهما كيفما شئت. والان، انظري خلف الإطار حيث اعتادت الدمية اليسرى أن تقف. لابد أن هناك مرآةً هناك. خططت لربط كلا الدميتين بالتحكم المركزي، لكنَّ امتلاك زوجٍ آخر من العيون سيؤدي الغرض ذاته". أتبع توجيهاته فأجد كرسياً مخفياً في أعماق السقالات، مستوراً تحت أطنانٍ عدة من الفولاذ المسحور وعناصر غريبة أخرى. أجلس بحذر، وأبتلع صرخةً ذعرٍ حين تبدو المرآة أمامي كأنها تدبُّ فيها الحياة عارضةً خارطة القصر الخارجية، بالقرب من المنحدر المؤدي إلى التل. تنزل الدميتان في الدرب نحو القرية البشرية في الأسفل. يبدو كل شيءٍ... ضئيلاً للغاية. "ما عليكِ سوى لمس المرآة وتكرار أمرٍ بسيط لتطيعك الدمية. ستتعرف، وتقتل، وتأسر، وتأخذ، وتدمر. لا تحاولي القيام بشيءٍ بالغ التعقيد. وحدي أملك المعرفة الكاملة ببرمجتهما"، يتمتم كونستانتين وهو يعبث بمجموعة أدواتٍ كعازف أرغنٍ في حفلة. البشر يقاتلون بنادق الصيد والبنادق الأساسية. وفي المقابل، نستخدم دمى حربٍ بحجم تماثيل فرعونية ونتحكم بهنَّ عن بُعد. أمرٌ لا يصدق. ومع ذلك، فإن جيوش جنوبنا يزيد عديدها عن مائة ألف. كلٌّ منها. يا له من عالمٍ غريب هذا. تبلغ الدمى الأرض المنبسطة وتسرعان، تجوسان الأرض بسرعةٍ مربكة. كل خطوةٍ من خطواتهما تقطع مسافةً شاسعة لدرجة أن الفرق بين ما أراه وما يلمسه جسدي يجعلني أترنح للحظة. العقل يتحير. لو كنتُ لا أزال بشريةً، لجعلني هذا المنظر أغثي. يقتحم الغرفة فيلهلم، مُدبر الحصن، قاطعاً شعوري المخيف. يرتدي درعاً كاملاً من السلاسل والجلد بتدرجاتٍ بنية، وخوذةً تغطي كل شيءٍ سوى عينيه البنيتين، وتتدلى لحيته الشقراء الطويلة على صدره في جديلةٍ صغيرة لطيفة إلى حدّ ما. "اكتمل الإخلاء. والقصر مؤمن. أيمكنني الاستفسار عن حال الأمور من طرفكم؟" يجيب كونستانتين بابتسامةٍ جائعة. "تراجع البشر إلى ما وراء حدود الإقطاعية، حيث يظنون أنهم في مأمن. أنوي أن أُريَهُم مدى خطئهم. كيف صغْتَها أنت؟ حين تؤمن منطقةً، تأكد من أن العدو يعلم بذلك أيضاً؟" يومئ فيلهلم، لكنه لا يشارك المتحدث حماسته. "كل هذا جميل وحسن، لكن علينا التخطيط للييلة. وما هذا إلا تمهيدٌ لهجومِ مصاصي دماءٍ عارم". "وأين, برأيك، تقع أماكن راحتهم؟" "على مقربةٍ منا، تحت حماية ثلاثمائة من الماشية وسحرةٍ منتقين؟" "وأين، برأيك، تتجه دمتاي؟" يتحول هدوء فيلهلم الجليدي إلى شماتةٍ قاسية. يراقب إحدى المرايا بينما تندفع آلتتا الحرب صعوداً على الطريق. لا أظنُّني سأنسى أبداً تعابير وجوه الحراس قبيل أن تحيلهم الدمية الكبرى إلى عصيدة. مزيجٌ من الرعب والصدمة وعدم التصديق. تقتحم آلات الحرب المعسكر دون مقاومة. الماشية ليست الكائنات الأكثر استجابةً. لا توجد معركة. ساحرٌ — أحد أتباع مارثا أوف لانكستر — هو أول من يأمر بشيءٍ فتتحرك صفوف العربات. تنقسم يميناً ويساراً على الطريق بسرعةٍ هائلة، متجهةً جنوباً نحو كوينسي وشمالاً نحو باستون ذاتها. أراقب بعجزٍ دميتي الخاصة وهي تستخدم شفرتها الهائلة لحصادٍ دموي. هذا بلا جدوى. تلك الماشية كان مقدراً لها أن تموت بأعدادٍ هائلة، وإنْ لم يكن بمثل هذه العبثية التي أبدتها حتى الآن. إنهم بلا أهمية. قتل السحرة سيساعد، لكنهم كانوا أول من تفرق. ولا يمكنني تدمير العربات أيضاً. إن كان أيُّ مصاص دماءٍ يغطُّ في نومه بلا حماية، فسأكون قد حكمت عليه بموتٍ ناريٍّ يجعل الصراعات المستقبلية أكثر قسوةً، وهو أمرٌ يتجنبه جانبي. لا يسعني سوى أسر واحدة. أفحص الشاشة لأجد العربة الأكثر فجاجةً والمطلية بالذهب أجمع. أشير إليها وأصرخ "أسرِ" ! "تعلمين، لا داعي للصراخ"، يعلق كونستانتين بنبرة استعلاء. غاه! "أرى أنكما تسيطران على الأمور جيداً"، يقول فيلهلم، "سألتُ عن تقارير تُبيِّن كيف تمكنوا من الاقتراب بمثل هذه السهولة. سأعود قريباً". "انتظر قليلاً من فضلك. يبدو أن أريان وأنا نجحنا كليهما في أسر عربة. أرجوك، اطلب من حُراسي الدخول ثم عد فوراً. سنفتح هدايانا قريباً، ونرى ما جلبته الأقدار إلى بابنا". "أهكذا نسميها الآن؟" أسأل. "كما تشائين. تأكدي أنتِ وربيبتكِ من انتظارنا، بغض النظر عن مدى ثقتكِ بقدراتكِ الخاصة"، يردُّ فيلهلم وهو يستدير. انتظري. مهلاً. مَن؟! "لسنا حمقى يا فيلهلم. أسرع من فضلك". ربيبتُه؟ أيعني تلك التي دُرِّبت لتخلفه؟ أنا؟ لم أضع في الحسبان حتى الاحتمال البعيد لانتقالٍ سلمي للسلطة! كنتُ مستعدةً للضحك فوق شكله المنهزم وأقول "هاه، هذا جزاء جعلي أُعذَّب طوال تلك العقود الماضية". ماذا سيحدث إن تنازل عن العرش لصالحي ببساطة؟ أهو انتقامٌ أفضل أم أسوأ؟ ولم ينفِ كونستانتين الأمر حتى. بينما أنا غارقةٌ في دهشتي، يعود فيلهلم والحارسان الغامضان، ثم يُرسلني إلى الأعلى لألتقط عُدَّة معركتي التي نسيتها في محراب المتحدث. أبدل ثيابي بسرعة وأعود جاريةً مرتدية درع لوث المُصلح وترسانةً ضخمة من الأسلحة. يُعلن عن عودة الدمى بالصراخ المعذب للمعدن المُهتضَم. "يبدو أن بابك المزدوج أصغر من أن يستوعب الدمية والعربة معاً"، ألاحظ. "الدهليز، يا أريان. دهليزي أصغر من أن يستوعبها. لا بأس، ستنتظر الدمية. نسحب العربات بأنفسنا". البشر لا يرون أبداً كم يُجبروننا على الارتجال وتدبير الأمور. لحسن الحظ. وإلا فإن هالتنا الخارقة للطبيعة من العلم المطلق ستتلاشى مع صوت الشكاوى حول من يجب أن يدفع، ومن يجب أن يسحب، ومن عليه الابتعاد عن الطريق. في النهاية، يتجمع حشدنا المتململ من الأهوال الخالدة القادرة على ثني الواقع نفسه حول الباب المزدوج الرئيسي بينما أظل أنا في الخلف وأترك السادة يأخذون زمام المبادرة. لا أثق بنفسي في موقفٍ بين الحياة والموت. المرة الأخيرة، فقدت السيطرة على جوهري. فارتفع وفاض واحتُرق بأكمله. لا أستطيع تحمل تكرار ذلك. يستغرق كونستانتين خمس عشرة دقيقة لفك قفل العربة. قررا البدء بتلك الفاقعة، التي اخترتها أنا، والأكثر تأميناً. يصرُّ الباب أخيراً على مفصلاتٍ متعبة ليكشف عن... صناديق تلو صناديق من الفاصوليا والخضراوات المجففة. أوه. "لقد استُدرجنا"، يقول كونستانتين برشاقةٍ، ليغطي على خطئي، "لابد أنهم توقعوا هجوماً". "يحمل هذا بصمات أورفيوس، استراتيجيِّهم. إنه يملك عقلاً حاداً وماكراً"، يعلق فيلهلم. "يمكننا مناقشة هذا لاحقاً. ادفع العربة نحو الجدار لكي نتمكن من تفقد الأخرى. ونأمل أن يكون صيدنا هذه المرة أفضل". مع الاستفادة من التجربة السابقة، تفرز العربة الثانية محتواها بيسرٍ أكبر. ينزل سيدٌ بدرعٍ كامل ببرودٍ على الدرجات، حاملاً هراوةً ثقيلة في يد وقُفازاً في الأخرى. ولا يكشف الحماية الملتصقة بالجسم سوى زوجٍ من العيون الخضراء الداكنة. يفحصنا، ثم يعود لتفقد العربة الفاقعة. "آه، أرى أنكم وجدتم وسيلة النقل المفضلة لدى اللورد برتراند. لخسارة ألا يُؤسر المرء مرتين، أليس كذلك؟" يسأل بلا أيِّ أثرٍ للرهبة وبنبرةٍ ناعمة تناقض عُدَّتَه الحربية. تسافر عيناه إلى صندوقٍ يبرز من الباب. "عربته استُخدمت لنقل الكراث المجفف؟ بالعين، رؤية هذا جعلت أسري مستحقاً تقريباً. أرجو إخباري أن هناك لحماً مقدَّداً أيضاً". "فاصوليا، في الواقع. ومن عساك تكون؟" يسأل كونستانتين ببرود. الحصار الذي نجد أنفسنا تحته ينهك صبره. "اسمي لوكاس، في خدمتك". ينحني بحركاتٍ ذكية. "أيمكننا مناقشة الشروط، أم أجهز نفسي لبعض المتاعب؟" "ستحصل على زنزانةٍ مزودة بالخدمات، ووصولٍ منتظم إلى الدماء، وكتابٍ من اختيارك يمكنك تغييره كل ليلة، تماماً مثل زملائك الأسرى. وستُعاد إليك متعلقاتك متى مُنحت حريتك. يمكنك إما الذهاب إلى تلك الزنزانة على قدميك، أو معهما في صندوقٍ منفصل"، يردُّ كونستانتين. "أتمتدُّ هذه الشروط لتشمل السيدين اللذين معي؟" "نعم". مصاصا دماءٍ، رجلٌ وامرأة، يطلان من خلف حماية درعهما، ثم يتقدم هو للنزول. "ألا ترغب في استجوابي بشأن خطتنا؟" يسأل بنبرةٍ ملولة. أعلم أنه يتظاهر بالهدوء، لكني أرى مظهرَهُ جديراً بالثناء أيضاً. "أستتكلم بلا تعذيب؟" "لا". "أرجو أن تلقي بأسلحَتِكَ وتكفَّ عن إضاعة وقتي".

قادوا أحدث السجناء إلى السجن، ثم عدنا فاجتمعنا في الردهة. لا يوجد هنا سيد قتال سواي. لقد اجتمع جميع المحاربين المدربين في جيش واحد، وهو الآن... لا أعرف أين، لكنه بعيد. بعيد إلى حد يستحيل معه أن يصل قبل حلول الليل. ومصاصو الدماء الوحيدون الموجودون هنا هم أفراد الدعم، مثل صوفيا، والزوار الذين جاؤوا طلبا للجوء، رغم الصراع الدائر، وقد أقسموا أن يظلوا على الحياد. بدأ فيلهلم الكلام. "لدي أخبار. وصل المهاجمون بحرا بعد الفجر بقليل، يرافقهم فرقاطة تحرس سفينتي نقل. كان لديهم تصريح قانوني بالرسو، لكن غرابة الوضع ووجود عدد كبير من الرجال المسلحين أحدثا جلبة عظيمة، فعُلقوا عند الرصيف حتى العاشرة. دق ناقوس الخطر قبل أن يتمكنوا من الانتشار بالكامل." "لقد أنقذتنا البيروقراطية. لا أدري ماذا أقول. كم عربة نتحدث عنها؟" رد المتحدث. "يقول شهود عيان جاؤوا من المدينة إن عددها تسع." تأملنا جميعا الأمر لحظة. قال قسطنطين أخيرا: "لا بد أنهم يائسون." سرقت نظرة في اتجاهه. لم أكن أعلم أنه واثق إلى هذا الحد من مواجهة سبعة أسياد وفرقهم، ومعه أربعة رجال فقط. السلف قوي، لكن هل هو قوي إلى هذا الحد؟ بدا أن الآخرين يشاطرونني شكي. قال فيلهلم بخفة، بنبرة شخص يحاول استفزاز طفل صغير: "لا بد أن أورفيوس جاء بنفسه من أجل مشروع كهذا. وسيصطحب معه صفوة رجاله." "ممتاز. كنت أتطلع إلى اختبار الدفاعات الداخلية." هز الحراس الشخصيون أكتافهم، ووجوههم مخفية خلف خوذات سوداء. لم أستطع قراءة هالاتهم. "سأحتاج إلى مشاركتكم في المرحلة التالية. سنستمتع كثيرا معا."

حلول الليل. أعاد الغزاة تجميع صفوفهم بنجاح. وهم يعلمون أننا، إذا أتيح لنا من الوقت ما يكفي لاستدعاء مواردنا، سنكشف حقيقة قوات «الاتحاد» التي جاؤوا بها، ونفضح زيفها، وحينها سيجدون أنفسهم بلا حراسة في أرض العدو. لذلك عليهم أن يضربوا بقوة. وعليهم أن يضربوا بسرعة. وبدلا من الانتشار، اصطفّت الفرق عند أطراف الملكية. ونشروا سحرة مصاصي الدماء على الجانبين. وراحت التروس تلمع في كل مكان. تحرّكوا. وما إن اقتربوا من حافة القرية البشرية حتى انطلقت جميع الفخاخ التي ظلت مخفية حتى تلك اللحظة في آن واحد. انفتحت الحفر، وانقضّت السياط المخبأة. وانفجرت التعاويذ. وانشق سطح التل المؤدي إلى القصر، فقذفت المدافع وابلا من قذائف العلب على التشكيل المتراص، لكن أولئك لم يكونوا بهائم بلهاء تشق طريقها إلى القلعة. تفادوا السياط، ثم اقتلعوها. وامتصّت الدروع الشظايا وموجات الانفجار على السواء. لم تتراجع القوات. وواصلت التقدم بثقة وسط الانفجارات وسحابة مجهولة، شرسة على نحو خاص، من سحر الدم. ثم ظهر الأثر الكامل للسحابة. أخذ السادة والملوك يصرخون حين راحت الضبابية التي تجاهلوها تنهش أجسادهم. أذاب الضباب الأحمر اللحم الذي لا يفنى بنهم ضار. واضطر الجيش إلى اختراقه رغم آلامه، فالتعثر يعني الفشل. وطأت الفرقة الأولى الطريق الصاعد، فبصق جانب الجبل سحابة من البخار في وجوههم. كان حارقا. وسرعان ما قابل فحيح الماء الغازي وهو يغلي ما حوله صرخات الألم. لا تنفع السرعة كثيرا حين يكون العائق في كل مكان. وأصبح حاجز كثيف يفصل المهاجمين عن هدفهم. لكن أولئك الذين يهاجمون القلعة الآن ليسوا مرتزقة منسيين. ومن دون أن يوجّههم أحد، استخرج بعض السحرة تعاويذ الريح من أعماق ذاكرتهم. وعدّلوا القفازات السحرية في لحظتها لتساعدهم على إلقائها، فصُدّ البخار. ولم يتبع المهاجمون الطريق الصاعد. بل شرعوا في تسلق الصخور القائمة لجرف القلعة، ففعّلوا بذلك طبقة جديدة من الدفاعات. قذفت آليات مخفية رماحا عبر طبقات التراب والنبات، فخرقت المتسلقين في أكثر أوقاتهم انكشافا، ثم انحسرت. والأسوأ أن الفخاخ لم تطلق أي هالة، مما جعل اكتشافها قبل انطلاقها شبه مستحيل. وهوت التعاويذ عليهم بدقة منهكة للقوى. وانقلبت كثرتهم عليهم، إذ اضطروا إلى المراوغة نحو بعضهم بعضا، وإلا هلكوا، ومع ذلك واصلوا التسلق. قفز أول المتسلقين خفة فوق حافة الحديقة، في الجهة الشمالية من القصر نفسه، حيث كنت أنتظر. شهقت سيدة صغيرة القامة، بثوب يفور بالبخار، وهي تتعثر وسط حوض من الورد: «أخيرا». صرخت: «تهانينا!» ثم أطلقت النار على رأسها. وعلى من جاء بعدها أيضا، وإن نجح في صد الرصاصة بسوار مسحور. صاح أحدهم: «إنها هي!» وصاح آخر: «السافلة الشقراء!» وصاحوا: «أمسكوا بها!» ارتددت إلى القصر، أطلق فحيحا وأقذف بالبخار في طريقي. السافلة الشقراء؟! متى هبطت رتبتي من «الملتهمة» إلى «السافلة الشقراء»؟ إنها فضيحة بكل معنى الكلمة. تمنيت لو أن العدو تابع التقدم فرادى، لكنه أعاد تجميع صفوفه في فرق خلال لحظات. وما زال بعض أعدائنا عالقين في الأسفل، منشغلين باحمرار جلودهم حتى صارت بلون جراد البحر. اندفعت إلى داخل المبنى عبر أحد الأبواب القليلة المفتوحة، وتبعتني سيدة ترتدي درعا خفيفا وتستخدم سوطا. وانتشرت فرقتها خلفها. انحرفت جانبا حين امتد سلاح روحها واجتاح عدة أمتار من الجدار. وتحت التنجيد المحطم، لمحت اللمعان الفضي لعظام القلعة. هذه ساحة قسطنطين. صادفت سلما فصعدت. فقفزت السيدة، وارتطمت بدرع ظهر لتوّه. همست: «أنت لا تؤخرين المحتوم إلا قليلا». لم أقل شيئا، إذ كان سيغطي كلامي الدوي المرتفع الذي أخذ يهز الممر. وانحدرت حواجز فولاذية من السقف لتفصل بيننا. كان يجري اقتياد المفترسين. في أرجاء المبنى، كانت الفرق تفصل وتوجّه كخراف إلى الذبح. صعدت إلى الطابق الثاني، فصادفت أجساد نصف فرقة مكبّلة، عالقة كذباب في شبكة عنكبوت. بدوا منزعجين وتجاهلوني. يبدو أن أولئك المغامرين حاولوا التسلل من الشرفة، فاستجاب القصر، لكنه قطع طرق هروبهم بمجرد دخولهم. تحرك جدار إلى جانبي، وظهرت مرآة. وصل صوت قسطنطين المكتوم، وفيه شيء من التوتر، عبرها، وإن كنت ربما مشتتة بسبب الانفجارات في الخلفية. قال: «عزيزتي أريانة، يحاول أورفيوس في هذه اللحظة شق طريقه إلى السجون. أعتقد أنك لا تستطيعين مساعدة قواتنا في المعركة الحالية. لكن بوسعك أن تفعلي شيئا لترسيخ موقفنا في المفاوضات الوشيكة». سألت: «وما هو؟» قال: «عليك الاستيلاء على السفن التي وصل بها فصيل التوسع. إنها راسية على مسافة قصيرة من الخليج». آه. أجل. قلت: «أستطيع فعل ذلك»

على بعد ثلاثة أميال من ميناء بوسطن. وقف رجلان متوترين على ظهر فرقاطة. كان بحوزتهما ما يلزم من وثائق كي لا يقعَا فريسة للسفن التي تفرض الحصار. وكانا مدججين بالسلاح، مع أنهما يعلمان أن شيئا من ذلك لن يجدي. لم يكن ليخرجهما من مسارهما الدائري الحالي سوى إشارة محددة. راقبا الأفق بقلق، فيما كانت سلة المراقبة تفعل الشيء نفسه. وكانت هناك عيون أخرى كثيرة تراقب أيضا. "لم تصل الإشارة بعد"، قال أحدهما وهو يعدل زي ضابط البحرية. لم يكن الزي يلائم كتفيه العريضتين تماما. "أرى ذلك"، رد الآخر بحدة. كان قد ارتدى زي قبطان من قوات الاتحاد، وارتداه بارتياح. دوّى خلفهما صوت امرأة: "سرعة الصدم يا سيد رولف!" أم لعلها كانت خدعة من خدع الريح، جاءت لتعذبهما عبر ضباب التوتر؟ سأل القبطان: "هل سمعت ذلك؟" وكان ثمة صوت الآن، أشبه باحتجاجات متمتمة. عادت نبرة المرأة. كانت أقرب هذه المرة. ولم يعد ممكنا أن يخطئا بينها وبين هلوسة سمعية. صرخت: "انتهى زمن التخفي، أقول لكم. استعدوا للاصطدام!" ارتفع حجاب، فظهرت إلى يمين السفينة باخرة هجينة، كأن أعماق المحيط لفظتها. لم يتمكن الرجلان من رؤية سوى مقدمتها المكسوة بالفولاذ، وهي تتجه مباشرة إلى ظهر فرقاطتهما، وفوقها هيئة رشيقة تعتمر قبعة مثلثة سخيفة. "لقد وقعتم في براثن القرصانة الرهيبة آريا—" وقع الاصطدام. فتدحرج الرجلان فوق الخشب الصلب كعجلتين دوارتين. تكشر القبطان من الألم وحاول أن ينهض على قدميه رغم الدوار الذي أصابه. لقد تعرضوا لهجوم! كان عليه أن يفعل شيئا! هبط شخص إلى جواره، ولم يُسمع من ثيابه إلا حفيف خافت. قالت: "علي أن أضبط توقيت هذه الجملة. على أي حال. أنتما أسيران لدي الآن! هل أنتما مستعدان لتسليم كل غنائمكما؟" قالت المرأة من عل. رفع القبطان عينيه. وفكر في أن يصحح خطأ المرأة، أو هكذا كان يأمل على الأقل أن يكون خطأ. لكنه بلغ بنظره ابتسامتها، فأعاد النظر في الأمر.