رحلة الأسود والأحمر الفصل 119 — 114. العالم الضائع

اقرأ رحلة الأسود والأحمر الفصل 119 — 114. العالم الضائع باللغة العربية على مانجا تايم.

يوميات ميدانية لميراندا بينغل. فتشنا المخيم أولاً ثم ما حوله ولم نجد شيئاً. اختفى السيد موللر. ركع السيد شيردان قرب فراش النوم الفارغ وأعلن أن الباحث البروسي قد غادر بمحض إرادته. وحين سأله السيد شامبينياك المريب، شرح أسباب استنتاجه. لم تكن هناك أي علامات تدل على صراع، وقد أخذ الرجل نظارته وقبعته، لكنه ترك حقيبته وراءه. وكان فراشه مطوياً بطريقة سليمة. وعلاوة على ذلك، لم يلاحظ أحد المساعدين، ممن كانوا في حراسة، أي شيء مريب. تسلل السيد موللر خارجاً خلال الليل. وكان هذا التفسير الوحيد المعقول. أقنعنا الاستدلال محكم البناء جميعنا. لقد أعجبني حقاً استنتاج التكساسي. لم أفق قط أن خلفيته في إنفاذ القانون ستكون مفيدة إلى هذا الحد في قلب الغابة، ووجدت نفسي أتمنا بصدق ألا تكون لنا حاجة أخرى بها. أقر السيد شامبينياك على مضض بأن حجج الأمريكي منطقية. وقد تركت المنافسة المتأججة بينهما شعوراً بعدم الارتياح بينما كانت هذه الرحلة الاستكشافية تواجه صعوبة تلو الأخرى. تفقد السيد شيردان محيط المخيم بتركيز وعزم كلب صيد أثر. ولم يعثر على أي أثر لخطوات خارج بقعة الأرض الخالية، مما قادنا إلى خيارين لا ثالث لهما. إما أن السيد موللر قد تنزه عائداً إلى المعسكر الأساسي في منتصف الليل، أو أنه تسلق صعوداً نحو قاعدة الجرف. تقرر أن نتسلق نحن أيضاً. فمن شأن الارتفاع أن يمنحنا رؤية مسيطرة للوادي بالأسفل. حزمنا أمتعتنا وغادرنا برفقة ستة من المساعدين، بينما تركنا اثنان في المعسكر الثاني. أما أولئك الذين نقلوا جثة السيد ستيفانو إلى السفينة فلم يعودوا بعد. أثبت الصعود أنه بالغ الصعوبة، خاصة ونحن محملون بالأمتعة. صررت أسنانني بعناد وتحملت المشقة بكل البلادة والرشاقة المتوقعة من امرأة إنجليزية حسنة التربية. لن أسمح لأي شكوى أن تعبر شفتي، وظلت الشفة العليا متصلبة بعزم. كنت أحمل في داخلي آمال وأحلام كل السيدات المحترمات اللائي أُحبطت طموحاتهن بسبب مفاهيم سخيفة حول الجنس اللطيف. كانت كل خطوة للأمام (وللأعلى) نصراً واضحاً، ودليلاً على أنني عضوة قادرة تماماً في هذه الرحلة الاستكشافية. لم يكن من الممكن إخماد نيران عزيمتي! بدأت الجراف بلون رمادي باهت، لكنها ما لبثت أن تحول إلى الأبيض الملطخ للعظام القديمة عندما أنارت شمس بحر كريت جوانبها الشاحبة. كان المنحدر لطيفاً، لكن التضاريس كانت غير منتظمة تماماً، واضطررنا إلى التعرج عودة بضع مرات. كان تقدمنا بطيئاً ومدروساً، ورتيباً بطريقة ما، إلى أن أيقظت صرخة من السيد شامبينياك فضولنا. أشار إلى شيء أحمر، وللحظة استحضر مرأى سقوط السيد ستيفانو إلى مصيره المروع صور الدماء. ولم يلبث أن اضطررت لتوبيخ مخيلتي شديدة اللهفة. كان القرمزي الساطع منقطعة من قماش تركت معلقة على نتوء صخري. صاح البروفيسور فيرغوسن بأنه يتعرف على وشاح السيد موللر وتذكرت أن الباحث المسكين قد استخدمه بكثرة طوال الأيام القليلة الماضية. كنا على المسار الصحيح. ومع ذلك، لم أستطِع التخلص تماماً من شعور بالرهبة جلبته هذه النبوءة الغريبة إلى عقلي. في اليوم الأول، فقد أحدنا حياته، والآن في اليوم الثاني فقد آخر عقله؟ ما الذي قد يدفع الباحث الخجول إلى مجازفة تسلق خطير كهذا في جنح الليل؟ أي هوس غريب سيطر على نفسيته؟ لم يزدد الغموض إلا تفاقماً. في النهاية، وصلنا إلى النتوء الصخري واستدرنا. وكوفئنا بمنظر لا مثيل له. من خلفنا، وعن يميننا ويسارنا، امتدت الجرف نحو السماء الزرقاء وسحبها البعيدة. كانت هناك فجوات بين الألواح الهائلة التي فصلتها إلى خمسة جبال منفصلة تقبض على السماء، وفي الأسفل امتد سهل غني وخصب يعج بالطبيعة الخضراء والمخصبة. كان الأمر أشبه بالتواجد في كف مَلِك وهو يضفي الحياة على العالم، وانبسط البحر في المسافة حتى الأفق. يمكن للشعور القوي الذي شعرته أن يفسر اللحظة المحرجة التي تلت ذلك. بينما كنا نحدق بذهول في هذه الأعجوبة البدائية، استندت بظهري إلى الجدار ووجدت يدي عموداً. استدرت بدهشة وانتهيت وجهاً لوجه مع جمجمة عارية ومصفرة تبتسم. أعترف بإطلاق صرخة رعب. ربما تراجعت بعيداً بأكثر الطرق مخزية على مؤخرتي. يا له من عار، ولكن هل يمكن حقاً لومي على ردة فعلي الطبيعية عندما أواجه غنيمة مرعبة كهذه؟ تجمع بقية الفريق في دهشة وبذل السيد شامبينياك قصارى جهده لتهدئتي، لكني كنت غير قابلة للتعزية. ولم أهدأ أخيرً إلا عندما أدركت أن الجمجمة قديمة جداً. في الواقع، كان لونها الهش والباهت يثبت تماماً أنها تنتمي إلى صف تشريح أكثر من انتمائها إلى جنازة. ومع ذلك، ألقى هذا المشهد المبتور بظلاله مجدداً على مزاجنا. لقد وجدنا دليلاً إضافياً على وجود سكان محليين، ولم يكن اختيارهم للترحيب يبشر بالخير بالنسبة لموللر، أو في الواقع لعافيتنا المستمرة. وقفت البقايا الفانية على عمود تزينه الجماجم والريش الساطع على حافة مدخل كهف طبيعي بحجم إنسان. كانت الفجوة قد خُبئت أثناء الصعود خلف النتوء الصخري الذي كنا نقف عليه الآن. للمرة الأولى، تحول تخوفي إلى خوف حقيقي عند التفكير في دخول أحشاء الأرض بعد رؤية تحذير شؤم كهذا. اتفق كل من فيرغوسن وشامبينياك على أنه رهان آمن بأن السيد موللر قد دخل الكهف، بناء على الوشاح. كنت أقل تأكداً، لكن حتى أنا كان علي أن أوافق على أنه لا يوجد مسار واضح سوى الأسفل. أثبت السيد شيردان حينها أنه صوت العقل. وأسهب في تعداد مخاطر الاستكشافات العمياء، والخطر الذي نجلبه على الجميع. وذكر احتمال أن يكون السكان المحليون عدائيين وأن علينا العودة مستعدين ومسلحين. سخر السيد شامبينياك وشكك في صحة مثل هذه المزاعم. وجادل بأن السكان المحليين لا بد أن يكونوا متوحشين، وأن المتوحشين سيخافون بطبيعة الحال الرجل الأبيض، وبدرجة مضاعفة لو أن التكساسي أخرج مسدساً من جرابه وأعطاهم "ما يستحقون". وأخيراً، شكك في شرف وأخلاق ترك البروسي لمصيره دون معرفة ما حدث له. انحاز فيرغوسن بفتور إلى الفرنسي. فهو الآخر لن يترك أحد رفاقنا لمصير قاس. كنت أؤمن بأن التكساسي قد أصبح بليداً للغاية تجاه فقدان الأرواح لدرجة أنه لم يكن يجد حرجاً في التضحية بواحدة لإنقاذ الكثيرين. لقد تفهمت موقفه بوصفه المسؤول عن سلامتنا، لكننا لم نستطع الاستسلام دون محاولة شجاعة! لمفاجئتي ولصالحه، سألني السيد شيردان عن رأيي! لقد أُخذت على غرة بهذا السؤال غير العادي لدرجة أنني ارتبكت. لم يسألني أحد قط عن أفكاري، ناهيك عن وجود بروفيسورين بارزين قد أدليا برأيهما بالفعل! قلت متلعثمة: "أنا... أنا أقطد أننا إن رحلنا الآن دون البحث عن السيد موللر، فلن أسامح نفسي أبداً".

أشعرتني تلك المحادثة برمتها بالسوء. ها هو السيد شيردان الذي لم يقدم طوال الرحلة سوى اللباقة والعون، لأجد نفسي مضطرة إلى الانحياز إلى الفرنسي الوقح عوضاً عنه. كم كرهت قراري فور اتخاذه! كم كنا حمقى ونحن نندفع نحو خطر مجهول بشجاعة تفوق الفطنة وبتهور يفوق الشجاعة!

قال: "حسناً إذن، لنذهب."

تمتم السيد شامبينياك بغضب بالكاد يستطيع كبحه: "حقاً، لنذهب!" أن يُتجاهل المرء لصالح رأي فتاة شابة! كان غضبه مفهوماً، لذا تقدم الصف بخطى واسعة توقفت بعد نحو عشرين قفزة في النفق المكشوف حين أدرك أن الرؤية قد تراجعت بشكل هائل.

في تلك الأثناء، كان الحارس المخضرم قد أخرج قطعة خشب وقماشة من جيوبه المختلفة، وشرع يربطهما معاً بحبل رفيع. فرغ قارورة زيت على الشعلة حديثة الصنع، وأشعلها، ثم ناولها للفرنسي المرتبك صامتاً.

ما أظنني شهدت قط هذا القدر من التعالي دون نطق بكلمة.

وتقدم السيد شامبينياك بينما تولى المساعدون حراسة المؤخرة بشعلة أخرى، فانحدرنا نحو الظلام.

التف الجبل حولنا.

سرعان ما تلاشت أصوات الغابة حتى لم يعد يكسر الصمت سوى أنفاسنا، وحلت رائحة الصخر الرطب محل عبير العصارة والتراب. شعرت أن الجدران تضيق وأن علي قريباً حني رأسي. تمايل لهيب الشعلة بحركة تنومية في البعيد، وما إن اختفى خلف منعطف حتى عاد الظلام.

بدا تقييم الوقت عسيراً بشكل مدهش في ذلك العالم السفلي، ومع ذلك لا بد أنه مر وقت قصير قبل أن نصادف مفترق طرق في النفق والقاعة التي تليه.

دخلنا كهفاً واسع المساحة وتوقفنا جميعاً، وقد عقد الدهش ألسنتنا أمام المنظر العجيب لفطر مضيء حيوياً ملتصق بالسقف على هيئة حلزونية. أشار البروفيسور فيرغسون إلى أن هذا كنز طبيعي، بيد أن السيد شيردان أظهر ثقبة بصيرة جذوره القروية بالإشارة إلى التراب المتكتل الذي نبتت منه تلك الفطور والذي وُضع هناك عمداً. لقد عثرنا على دليل إبداع فني لدى السكان المحليين، وبتوظيف ذكي لعلم الزراعة!

في تلك اللحظة بالذات، سمعنا الترنيمة للمرة الأولى.

بدأت منخفضة، ولم نتمكن من سماعها إلا بعد أن أمرنا بعضنا بالصمت. صعدت على صوت واو، ثم هبطت مجدداً في صوت آخر. ورددتها حناجر عديدة ببطء وثقل. لكنت تراجعت عن قراري باستكشاف النفق حينها، لو أنني امتلكت الشجاعة.

خلص السيد فيرغسون إلى أن الضجيج منبعث من نفق يتجه يساراً. علّم السيد شامبينياك النفق الذي أتينا منه بقطعة فحم خشبي تحسباً لضياعنا، وواصلنا السير نحو مصدر هذا النداء الغريب. ومما أثار دهشتي، بدا كأنها اسم السيد مولر الأول، أوتو، يُردد بلا توقف من جوقة عجيبة. تصاعدت الحدة وحدها كلما توغلنا في أعماق العالم. وبعد دقيقة أو نحو ذلك، تمكنت من لمس ضوء برتقالي يتسع في الأفق.

عبرنا مجامر برونزية عتيقة تحرق أعشاباً عطرية لنخرج إلى مدفن. على الرغم من ظروفنا الرهيبة، لم أستطع كبح حماسة حقيقية لدى رؤية اكتشاف لم أقرأ عنه إلا في الكتب. أنا، ميراندا بينغل، أكتشف مقابر ضائعة! وا أسفاه، لم تدم فرحتي طويلاً، فلم نكن وحدنا.

تفركنا في مغارة دائرية تتوسطها أربعة مداخل في كل زكن. احتل المنصة وسط المكان حيث وُضعت الكنوز كقرابين. تعرفت إلى ترس صغير صقته السنين، ورماح رمي، وقوس بان وترها. وخلفها جلست مومياء ترتدي قناعاً جنائزياً من الذهب. كانت تمسك بيديها الهالكتين سيفاً لم تر عيناي مثيلاً له قط.

على عكس باقي الكنز، بدا السلاح العتيق وكأن صانعاً أسطورياً ماهراً قد فرغ من تجميعه البارحة فقط. لم يكن نصله مصنوعاً من المعدن، بل من مادة كيتينية سوداء مصقولة لتبرق. وكان الواقي من ذهب والمقبض من حجر كريم. ما من ملك يقع بصره على ذلك النصل ويراه غير جدير. كان شاغلو المغارة الآخرون هما السيد أوتو مولر، والسكان الأصليون المكتشفون مطولاً لهذه الجزيرة.

كم تمنيت لو كانوا متوحشين نبلاء لا ينتظَر منهم سوى الاستنارة والإيمان البروتستانتي اللذين سنقدمهما بسخاء. وا أسفاه، بدا أولئك أقل ودّاً. كانوا يضعون أقراصاً طينية غريبة تمنحهم ملامح مسخية، بينما كانت أجسادهم شاحبة وعارية باستثناء قطعة قماش تحيط بالأوساط. بدوا مضطربين، ويلوحون برماح ذات رؤوس معدنية تبدو كحراب. وما كمت ألومهم، إذ كان رفيقنا البروسي ينزع السيف عنوة من يدي المومياء اليابستين.

أطلقنا صرخة تحذير وحاولنا إيقافه. كان وجه المسكين محمرّاً وقد لوحته الشمس بشدة، وخشيت أن يكون سكتة قد سلبت عقبه. التفت إلينا، وعيناه محمومتان ومجنونتان.

قال: "إنهم ينادون باسمي! ألا ترون؟ كانوا ينتظرونني!" حقاً، لقد حولت أصوات المتوحشين الخشنة اسم أوتو، أو ما يشبهه بما يكفي ليعجز عقل رفيقنا المشوش عن تمييز الفارق.

حثه البروفيسور والسيد شامبينياك على توخي الحذر، وتوسلا إليه ليعود إلى صفوفنا بينما كان المزيد من سكان المغارة يتدفقون وترنيمتهم ترتفع بلا هوادة. باء كل ذلك بالفشل. وبصرخة مظفرة، مزق البروسي أصابع المومياء العتيقة ولوّح بالنصل المنفصل للتو فوق رأسه بزهو. صرخ ظافراً، ثم أطلق صرخة ألم مخزية.

لا بدّ أنني صرخت حينها، فقد طعن أحد الحراس الملثمين صدر المسكين من الخلف! يا له من مصير قاس! وما إن بلغ النصل قلبه حتى هوى قتيلاً.

وعمّت الفوضى العارمة.

أكاد لا أذكر شيئاً من البلبلة التي تلت ذلك. كنا محاطين من كل جانب بأهلي يحملون الرماح. تحتشد في ذاكرتي صورة واضحة للسيد شيردان وهو يصيب أحدهم في قناعه بينما كان يهم بالإمساك بي. سقط المهاجم قتيلاً في اللحظة التي لمحت فيها ملامحه، وما رأيته جمّد قلبي أكثر، فقد بالكاد كان بشرياً! كانت له أذنان مدببتان وبشرة شاحبة مصفرة كبطن ضفدع. وتلألأت أنياب حادة بوعيد وسط المشاعل المتخافتة. وما إن لفظ أنفاسه حتى رماني بنظرة أخيرة دامية، وكان الحقد الظاهر فيها مطلقاً وعميقاً لدرجة أدركت معها أننا لن نغادر قط بسلام.

وفي غمرة الفوضى اللاحقة، دفع بي السيد شيردان بين ذراعي الأستاذ فيرغسون الذي التقط مشعلاً في مرحلة ما. هربنا عبر أحد الممرات الجانبية بأسرع ما حملتنا أقدامنا. جكنا بطاقة يائسة يغذوها الرعب. وتناغمت الانفجارات المرعبة من سلاح السيد شيردان مع ضربات قلبي خلفنا، ولم أستطع إلا أن استنتج من استعجالها أن ظن السيد شامبينياك لم يكن في محله. فلم يتفرق خصومنا، بل طاردونا بغضب مسعور.

اجتزنا ممرات جانبية وفتحات. ولم نتوقف إلا حين عجزت أقدامنا عن حملنا أكثر. كان السيد فيرغسون يقودنا، لكن يبدو أن السيد شامبينياك وثلاثة من المساعدين تمكنوا من اللحاق بنا أيضاً. تآمر الظلام والجدران على ترويع عقلي، وجعلاني أرى عيوناً تلمع عند زوايا بصري. وأوحتا بأفظع المصائر لأولئك منا الذين لم ينجحوا في الفرار. عصفت بروحي رؤى العذابات التي لن أخطها على هذه الصفحة خشية استحضارها مجدداً. وكان العزاء الوحيد الذي نلته هو حين اقتحم السيد شيردان المكان بعدنا بخطوة جنرال هادئة. كان يدفع الخراطيش في حجرة مسدس منقوش عالي الصنعة، وبدا أن حذره الذي ظننته مبالغاً فيه كان له مبرره من كل وجه. جال بصره في الكهف ليستقر على السيد شامبينياك.

آه كم بدا الازدراء جلياً الآن، فقد استولى السيد شامبينياك حقاً على السيف حين هوى من يد زميلنا الراحل. سررت لأننا استطعنا استعادة قطعة أثرية كهذه، لكن جزءاً مني تساءل عن ذلك العقل بارد الدم الذي يسمح للمرء بتعقب غنيمة بينما تُسفك دماء الأصدقاء بكل هذه الحرية.

أدلى السيد شيردان بتعليق مقتضب، وأفقده السيد فيرغسون الرأي بأنه قد يواجهان غضباً متجدداً لفقدان قطعتهم، لكنه بات متأخراً جداً لإعادة النصل، فمضينا في طريقنا بعد أن استرددنا أنفاسنا.

صعد بنا الطريق إلى الأعلى. كنا نبحث عن مخرج، ولم ندرك إلا الآن مدى ما حُفر في هذا المكان وتحول إلى شبكة جحور. لا بد أن الأمر استغرق قروناً من الجهد لتلك المخلوقات البشعة التي رأيناها كي تشق طرقها في لحم الجبل. لم يصادفنا سوى القليل من التقاطعات، وحاولنا قدر استطاعتناء الالتصاق بسفح الجبل أملاً في العثور على مخرج.

كدت أصيح من الفرح حين انبعث ضوء من فتحة على اليسار، لكن الآخرين لم يكونوا بالسرور نفسه.

لاحظ السيد فيرغسون أنه كان على الجانب الخاطئ من الجدار.

اقتربنا جميعاً وأمعنا النظر، وهزّ المنظر أرواحنا حتى أعماقها.

كان الجبل أجوف، وقبعت داخله مدينة دنسة تتمدد كالوباء. وسقط الضوء من فتحة كبيرة في الأعلى لنشهد العرض المشين لآلاف المخلوقات الذكور والإناث وهي تتلوى وسط البقايا البالية لحضارة منهوبة كالبراغيث على جلد كلب أجرب. وعثرنا على القوارب المفقودة التي تزين مقدماتها الآن الأدغال كالكثير من الغنائم المرعبة. لقد جُرّت من مؤخرة الكهف حيث تقع فتحة منخفضة تؤدي إلى البحر، ثم جُمّعت معاً لتشكل مدينة صفيح من ألواح متعفنة يمسك بعضها ببعض حبال مهترئة. لم يكن ذلك أسوأ ما هنالك. وحيث يلتقي البحر باليابسة، احتوت الحظائر والأقفاص أولئك الذين فقدوا بشريتهم.

هنا أعتقد أن ميراندا بينغل ماتت وولدت من جديد. كان يمكنني أن أزر وزر المظهر المتوحش لتلك المخلوقات ذات الساقين على حادثة طبيعية شاذة وليدة العزلة وقرون من التزاوج القريب. كان يمكنني الادعاء بأنهم ما زالوا بشراً وإن بالكاد. لكن شيئاً لم يستطيع تفسير الهجين الوحشي القاطن في ذلك المخبأ الآثم، نصف سمك ونصف بشر، يتمرغون في القاذورات والنفايات.

وفي مؤخرة ذلك الدممل على وجه الأرض كان يوجد مذبح. كان صرحاً من عظام يعتلاه تمثال درعي ساكن بحجم غير بشري. كان تمثالاً لمَلِك، يحكم أرضه كطاغية بدائي شيطاني.

لا أعلم كم مكثنا هناك، متجمّدين من الاشمئزاز والدهشة معاً. أظن أنني فقدت عقلي واسترجعته في غضون لحظات، لأفقده مجدداً. أخفق أحد المساعدين حينها. خمش وجهه وولى هارباً من حيث أتينا قبل أن نجمع من الفطنة ما يكفي لإنقاذه.

وحينها، دخلت موكب المدينة. رأينا رتل محاربين ينبثق من فتحة جانبية، وبينهما مشدودين كالخنازير، كان المساعدون المفقودون وجثة أوتو مولر. عاد الغناء حينها، أعلى من ذي قبل. وما زالت المحاربون الهمج يغنون الاسم المشوه للباحث البروسي في محاكاة حقيرة لأغنية جنائزية. أُرسل جسد الباحث إلى مبنى كبير تتدلى منه جيف الأسماك، بينما سيق الآخرون إلى تمثال الشيطان. ثم وُضِع المساعد الأول على مذبح أمامه.

أستطيع تخمين ما حدث بسهولة، لكني نجوت برحمة من ذلك المشهد المروع إذ جذبني السيد شيردان بعيداً عن الفتحة.

جمع الناجين بعيداً عن الفجوة، وأدرك أنني لولاه لكنت واصلت التحديق حتى ينزف آخر ضحية حتى الموت أرواحنا.

استرددنا ما استطعنا من أرواحنا المتعبة ورحلنا بقيادة السيد شامبينياك، تدفعنا قوة اليأس الأملس. لقد سلبنا الرُّعب القدرة على الكلام.

جاء السيد شيريدان إلى جانبي بينما كنا نستريح مجدداً. أخذ يدي بيديه الخشنتين الضخمتين، ووضعها على مقبض مسدس أصغر.

فوجئتُ تماماً ببادرته، وكذلك البروفيسور فيرغوسون إلى جانبي على الرغم من أنه كان، كعادته، داعماً. كان السلاح أنيقاً بشكل غريب مع لمسة نهائية صدفية. صُنعت السبطانة والأسطوانة من مادة فضية ناعمة منقوشة بنقوش جميلة، واستقر في يدي كأنه صُمِّم خصيصاً لها. وعندما سألتُه، أخبرني السيد شيريدان أن أحتفظ به تحسُّباً لأي طارئ، بل إنه أطلعني على طريقة تشغيله الأساسية. يمكن إيجاز الأمر في توجيهه نحو «الأشرار» وإبقاء عيني مفتوحتين عندما أضغط على الزناد.

لسبب ما، بعد اكتشاف كل تلك الأهوال وشاهدة النهاية القاسية لرفاقنا، كان ثقل المسدس في يدي بمثابة تذكير بوجود العقل والصناعة التي جعلت هذه القمة التكنولوجية ممكنة. لقد ثبَّتني في وقت من الشدة العميقة.

للبروفيسور، أهدى السيد شيريدان سيفه، وهكذا مسلَّحين رحلنا.

عادت الأمل قريباً عندما وجدنا الضوء، وليس الإشعاع المشوَّه للمدينة، بل ضوء شمس حقيقي ومبارك من الصانع. كهف أخير وسنكون في الخارج!

في هذا المنعطف الحاسم تعرَّضنا كمين. الهمج، الذين شجَّعهم هروبنا الوشيك، انقضوا علينا! قفزوا من الهوابط وظهروا من خلف الصواعد، محيطين بنا مثل حزمة من الذئاب. كان علينا القتال! لم أكن أعرف ماذا أفعل في الارتباك الرهيب، وانكمشت خلف جسد البروفيسور. أظهر الرجل المسن الشجاعة الثابتة التي كانت سمة شخصيته منذ أيامه الأولى! تفادى رمحاً وطعن عدوه بقوة. ولكن بعد ذلك، حلَّت الكارثة! طعنه مخلوق آخر في ذراعه واُضطر لترك سيفه والمصارعة على الأرض. تراجعتُ إلى الزاوية وأدركتُ، حينها، أنني نظرتُ إلى نصيحة أبي باجحاف.

كان ذلك صحيحاً، كنتُ الابن الأصغر للمغامر العظيم سيسيل رذرفورد بينغل، وسألعن لو سمحتُ للمخلوق الحقير بحرمان العالم من رجل عظيم كهذا! ركعتُ وأشرتُ إلى صدر الوحش، ويدان تمسكان بالمقبض. فعلتُ ما أمر به السيد شيريدان وأبقيتُ عيني مفتوحتين.

لخيبتي، جعلني صوت الرصاصة أصيح وأسقط للخلف. تمَّ إنقاذ هبوطي المخزي عندما ارتد رأس المخلوق وسقط ميتاً على الأرض. رفعتُ نظري لأرى القتال ينتهي بينما هرب آخر أعدائنا وسقط، مقتولاً كالكلاب التي هم عليها. لقد حقَّق السيد شيريدان النصر مرة أخرى، ناشراً الموت والدمار أينما حلَّ. هنَّاني السيد فيرغوسون على دقة رميي. لخزي، لم أعتترف بأنني كنتُ أستهدف القلب.

كان مخرج الكهف يلوح في الأفق. توقفنا بالقدر الكافي لضماد ذراعي البروفيسور فيرغوسون، ثم وصلنا إلى السطح وخلاصنا وراءه.

كنا على نتوء يطل على البحر. إلى يميننا، درجات محفورة في الجرف نفسه تنحدر إلى صدع بين التلال الشبيهة بالأصابع والغابة وراءها. إلى يسارنا، هوة مخيبة تؤدي مرة أخرى إلى قلب الجوف الجبلي.

ذهب السيد شيريدان لتفحصه، عندما استدار إلينا السيد شامبينياك. سأل: «ألدينا اتفاق أيها السادة؟»، ولم نكن نفهم، حتى أومأ المساعدان الباقيان معاً بتوافق.

قال بابتسامة ماكرة: «أعتذر يا عزيزي، لكني تلقيت عرضاً ممتازاً لتحفة فنية مثل هذه، ولا يمكنني السماح لشهود بالإبلاغ عن اكتشافي المحظوظ».

لم أستطع التفاعل مع مفاجأتي ونظرتُ، ممسوساً ومرعباً، بينما أخرج الفرنسي مسدساً مخفياً من جيب معطفه، ووجَّهه نحو السيد شيريدان وأطلق النار في ظهره.

التكساني المسكين، هو نفسه الذي أنقذنا جميعاً، سقط في الظلام أسفل! أطلقتُ صرخة مدوية، لم يقاطعها سوى صرخة أخرى عندما مشى السيد شامبينياك نحوي بسيفه المسروق!

أنقذني السيد فيرغوسون حينها. ألقى بنفسه على الخائن دون تردد ثانية واحدة. تماماً عندما اخترق النصل صدره، صرخ لي لكي أهرب، وفي جبني، فعلتُ. تركته خلفي، ناسياً المسدس الذي لا يزال في يدي. دفعتُ المساعدين المذهولين وركضتُ نحو الغابة أدناه حتى بينما كان الخائن الغادر يحثهم ورائي. ركضتُ، ولم ألتفت إلى الخلف.