يجلس سيّدي الليلة على عرش جديد داخل الورشة الحجريّة حين أدخل من غرفة نومي وخادمتي تتبعني.لا بدّ أن ضجيج خدمه وهم يرفعون الأنقاض قد أزعجه، لأنه يلوّح بيده فتتوقّف الأصوات...تماماً.لا أسمح لنفسي بأيّ ردّ فعل.لقد أدرك السحرة منذ زمن بعيد أن الصوت يحمله الهواء، وإن العبث بهذا الهواء يكفي لإسكات أشرس العواصف الرعديّة.وعلمت فيما بعد أن إنجازاً كهذا يتطلّب تحكّماً دقيقاً للغاية.وكنت أعرف قدرته على استدعاء طاقة هائلة، ويبدو الآن أنه يجيد استخدام المبضع بمهارة استخدامه للمطرقة نفسها."يمكنك النهوض يا آريان".صوت نيراري ناعم كالحلوى.إنه صوت ينتمي إلى غرفة جلوس أنيقة، حيث يُحتسى الشاي وتُتبادل النكات الظريفة.ولا أستغرب أبداً كيف وقعتُ في حبائله بجسدي البشريّ الساذج.أنهض من انحنائي الاحتراميّ بينما تظلّ فيوليت منكبّة على وجهها.ومما يدعو إلى الامتنان، أنهم منحوني فستاناً من الكتان الأبيض عجلوا بصنعه على طراز غريب يترك ذراعيّ الكتفين مكشوفتين بينما يلتفّ حول عنقي.أبدو كراقصة شرقيّة تتظاهر بأنها عذراء رومانيّة مقدّسة.آه، لا يجدر بي التسرّع في الأحكام.لقد عملوا على عجالة، وأُفضّل ارتداء هذا على البقايا الدمويّة لفستاني السابق الملطخ بالدماء.لم أدرك البارحة أنني كنت على شعرة واحدة من كشف الكثير من صدري.يا له من مظهر مرعب وسط الحاضرين هنا."لم أكن أتحرّق لرؤيتك بهذه السرعة الكبيرة.للقدر طرقه في وضعنا في مسار تصادميّ حين لا ننتظر ذلك البتّة.ألا توافقينني الرأي، أيتها الأميرة المحاربة الصغيرة؟" أردّ بتأدب: "يبدو ذلك".يشرع في الشرح بانزعاج واضح: "فكّرت في زيارتك وضمّك إلى قضيتنا.إنها قضيّة عظيمة، مهمّة استغرقت ألف عام لتتبلور.عمل حقبة كاملة، يوشك على الاكتمال"."لمَ لم تفعل إذن؟" "لأن خصمنا يميل إلى ملاحقة خدمي وأدواتي كلّما التفتُ ورائي، ولا تزال أصولي الماليّة وحدها بمنأى عن العبث، وما ذلك إلا لأنها تعتمد هي الأخرى على روزنثال لإدارة ثرواتها".أسأل فوراً كما تقتضي طبيعة من لا تعرف شيئاً عن سميراميس: "هي؟" أنا محظوظة هنا، لأن سيّدي مندمج تماماً في حديثه لدرجة تجعله يعتبر هذا التساؤل الخادع دعوة للاستمرار."أمّي.أعظم ساحرة عرفها التاريخ وامرأة استثنائية.هي من جعلت مني ما أنا عليه.هي من جعلت منا جميعاً ما نحن عليه".يعود ببياناته إليّ."تذكّرينني بها أحياناً.يتطلّب الأمر عقليّة معيّنة لعدم الاستسلام أبداً، والبحث الدائم عن سبل النجاح بغضّ النظر عن الظروف.بالطبع، كانت هي...أكثر نَهَماً.فلم يكن عالم ذلك الزمان يرحم الضعف بأقلّ ممّا يفعله اليوم".يصمت مليّاً وهو يستعيد ذكرى بعيدة.وطالما أنه يتكلّم عن نفسه، فلن يطرح عليّ الكثير من الأسئلة، وهذا يناسبني تماماً.لا أجرؤ حتى على التفكير فيما قد يحدث لو علم أنني التقيتُ مسبقاً بمن يتحدث عنها."أظنّني أحببتها ذات يوم".أسأله: "ما الذي تغيّر؟" كان ذلك خطأ فادحاً.المسيّرة...لا، سيّدي يُطلق هالته فيسحقني كحشرة.أُرتطم بالأرض كأنما دفعتني جداريّة من البرود والازدراء.ولا يقت الأمر بعدوانيّة حقيقيّة، بل يبدو كأنه يؤدّب طفلة جموحاً.يتحوّل العالم إلى فراغ تحت ذلك الضغط الهائل.يتباطأ عقلي.تلتقط عيناه بقعة صغيرة من الأرض في الأفق، بكل نتوءاتها وكلّ تدرّب لونيّ في حجرها الرماديّ، لا لشيء إلا لأنني عاجزة عن تحريك رأسي.يجبرني إحساس غريب بالضغط على إطباق فكّي.لا شيء موجود سوى هذه الرقعة الصخريّة الضيقة، ونبضات قلب فيوليت، والبرد القارص.وما إن ظهر العقاب حتى توقف بالسرعة نفسها.يختفي الضغط السحيق، وأتساءل بذهول لمَ لم تتجمّد الغرفة بأكملها."يا لها من أسئلة جريئة يا آريان".أومئ برأسي لأنني لا أثق بصوتي في هذه اللحظة."ما يجب أن يعينك حقاً هو سبب معارضتي لها.لا بدّ أنك خمنتِ ذلك".أعرف أنها ترغب في أن تصبح ملكاً وأنه يريد التهامها قبل أن تنجح، بيد أن هذه المعرفة تبدو تافهة لأنها لا تمسّ سوى القشرة الخارجيّة.تنبع عداوتهما من فجوة لا يمكن ردمها بينهما، الفجوة نفسها التي تفصل بيني وبينه.نحن متشابهان أكثر من اللزوم.لا أعرف مقدار ما ورثته من دوافعه وما يخصّ ذاتي البشريّة.أعتقد أنني كنت سأكتفي ببناء عائلة، وتأسيس شركات ناجحة، وإدارة مشاريع حتى يوم مماتي دون الحاجة إلى السيطرة على العالم.ولعلّ غياب الغطرسة عندي كان محض حكمة.فقد كنت أدرك حدود ما يمكنني قتاله بالوقت المحدود المتاح لي.لقد ولت تلك الاعتبارات الآن ومعها فناء بشريّتي.فنحن المفترسين لسنا كائنات قوة، بل كائنات غزو.وهناك دائماً فريسة أكبر بانتظارنا."إنها منافستك العظمى الأخيرة".يجيب الملك القديم مسروراً: "صحيح، وحدها ما زالت تقف في طريق الهيمنة التامة.وحين ألتهمها، سأغدو ملكاً حيّاً وأبلغ الخلود الحقيقيّ.فلن تشكل أيّ تحالف، أو نظام، ولا حتى أمواج جيوش البشر اللامتناهية، عقبة في طريقي.وحتى عناق الشمس المميت سيعجز عن تدميري".يغدو نظره بعيداً.وتكتسي ملامحه بالتأمّل، وما يرعبني هو أن الحلم الذي يتحدث عنه يخلو من أي حيوية أو إيماءة أو ابتسامة.إنه يسرد الكلمات كآلة صمّاء، كأنها فقدت كلّ معنى بالنسبة إليه وكأنه يؤدّي حركات ميكانيكيّة فحسب.يرعبني هذا أكثر ممّا فعلت هالته في أيّ وقت مضى."تخيّلي عالماً يعمّه السلام، تقوده يد رحيمة نحو غاية موحدة عوضاً عن التخبط في شجارات تافهة كما هي الحال الآن.تُهدر موارد كثيرة في مساعٍ بلا معنى بينما يمكننا إنجاز الكثير كأمم موحدة تحت حكمي الحكيم.بشر، سحرة، مصاصو دماء، كلهم يعملون من أجل أهداف مشتركة لمصلحة الجميع، فمن أجدر ممن عاش طويلاً برؤية كل هذه الغايات؟ومن يملك غاية بعيدة المدى أفضل ممن سيعيش ليشهد تحقيقها؟ستكون تلك عصرنا الذهبي، ويمكنك أنتِ أيضاً أن تكوني جزءاً منها".أكاد أبصق قائلة وقد ألقيت بالحذر عرض الحائط: "لن تشبع أبداً".لا يُظهر سيّدي أيّ غضب رغم تحدّيي له."بالطبع لا، ولن يشبع البشر أيضاً.نحن مصممون للتوسع وملء العالم بنسلنا، أليس كذلك؟لحسن الحظ، أمتلك وسيلة لتجاوز هذه العقبة.ألعلك على دراية بآخر مستجدات السحر؟" تتضح الصورة في ذهني فجأة."العوالم الأخرى"."تماماً.وإذا وُجد واحد، فهناك المزيد.سيستغرق الأمر بعض الوقت للعثور عليها، لكني لا أمانع.فالوقت هو ما أملكه".غزو بلا نهاية.حروب لا تنتهي.إخضاع أزليّ.إلى أن يمسّ شيئاً أقوى من اللازم فتتلاشى حضارتنا بأسرها من كون لا يكترث لأمرنا.وليس هذا أسوأ ما في الأمر.بل الأسوأ هو أنه حتى لو صدقت نبوءات ناشوبا وأماريتا وتمكنتُ من إيقاف الاثنين معاً؛أنا وسميراميس...فما الذي سيمتنعني عن فعل الشيء نفسه؟كما قال، نحن متشابهان.يمنحني صمتي ابتسامة طفيفة من الملك الجالس مكانه.لا أخفض حذري.قد يبدو لطيفاً الآن، غير أن الفولاذ الكامن تحت السطح حاضر دائماً، وسأكون حمقاء إن ظننته في مزاج مرح."حسبنا من هذا الهراء.لم أقرر بعد ما أودّ فعله بك أيّتها الأميرة الصغيرة.وحتى أفعل، ستجعلين من نفسك نافعة.لديّ مهمّة لك".أنتصب حذراً.فالتفكير في المستقبل البعيد تضييع للوقت ما دمت لست متأكدة حتى من نجاتي هذه الليلة.تلك مشكلة أخرى تؤجل لآريان المستقبل، ولعلّ الحظ يحالفها.يسألني: "ألاحظتِ ممرّاً يضم بركة كبيرة من الدماء الجافّة في طريقك إلى هنا؟" "لقد لاحظته".حتى في درجات الحرارة المنخفضة نسبيّاً هذه، بدأت البقعة تتشقق وتطلق رائحة ثقيلة ومننّة."ستقومين بتنظيفه حتى نهايته ثم تعودين إليّ.ليس لك إذن بالافتراس إلا بعد أن تفرغي من ذلك"."أنا فاهمة".يتصاعد شعور بالإحباط في داخلي حتى أجبر نفسي على الهدوء.لقد استهلكت الكثير من الحيويّة لأعيد بناء نفسي.ينبغي أن أكون بخير ليوم أو يومين آخرين.ربّما.أتذكّر أن تقييد إمدادات الدماء يعدّ وسيلة شائعة للتحكّم، وإن كانت محفوفة بالمخاطر.فالعطش المستمرّ لا يعين على التفكير العميق والتخطيط.يصرفني نيراري بإيماءة عابرة فأغادر من الباب خلفي وتتبعني فيوليت.نصل إلى الممرّ المتفرّع إلى أربع جهات.ورشة الحجر خلف ظهورنا، و"غرفة نومي" ومخرج الطوارئ إلى يساري، ووجهتي إلى أمامي.رجال ونساء سمر يهاجمون الصخور بالمطارق والمعاول، ويلقون أحياناً نظرة مترددة في اتجاهي كأنهم غير واثقين من البروتوكول المناسب.وما إن لا يرون ردّ فعل مني حتى يعودوا إلى كدهم بطاقة متجددة.الممرّ يستدعينا.أتوقف عند حافة بركة الدم وألتفت إلى فيوليت ورائي.أعرف أنها تتواصل بإيماءات اليد، لكنني لا أحيط برمزيتها.لذا سيتوجب علينا العمل بالطريقة التقليدية."سأطرح عليك بضعة أسئلة.أومئي نعم، وهزّي رأسك نفياً.أأنت فاهمة؟" تتحرك الخادمة بعصبية ووجهها شاحب فجأة.وما لبثت أن استسلمت بسرعة حين انقلبت ملامحي إلى البرود."أمات أحد هنا؟" أومأت."أكان ذلك الشخص من جماعتكم؟" أومأت."أرأيت كيف حدث ذلك؟" هزت رأسها نفياً."أتدرين ما الذي قتله؟" أومأت مترددة.أحتاج إلى مزيد من الدقة."أقتل بفخّ؟" أومأت."أكان هذا الفخّ سحريّاً بطبيعته؟" أومأت بحماس.كنت أشتبه في أن الأمر كذلك بالنظر إلى التمويه الواضح، لكنني لم أكن متأكدة تماماً.فما زلت عاجزة عن اختراق ستار الوهم الذي يغطي ما يحتويه الممرّ حقاً، وهي علامة على العمل الاحترافيّ حيث تتلاشى معظم السراب بمجرد كشف وجودها.ممم.أظنّ أن الوقت قد حان أخيرًا لتطبيق عمليّ لدراساتي."يا فيوليت، أتعرفين غرفة الأدوات؟تلك التي تحتوي على معدات الحدادة؟" أومأت."أريدك أن تأتي لي بنقّاش تعاويذ، وقضيب طويل، وبضع صفائح إن وجدتِ شيئاً منها".تتأملني عيناها الفحميتان لثانية كاملة قبل أن تجيبني، وألمح فيهما ما لم أكن أتوقعه: الارتفاق.أتذكر أنها كُلّفت بمساعدتي.ولعلّها ظنّت أنني سأستخدمها طعماً حيّاً؟سيكون ذلك تدهوراً وإسرافاً غير مبرر.أتأملها لفترة أطول وهي تلتفت لتدخل الممرّ مهرولة بظهرها.تملك هي ورفاقها ملامح حادة جداً تنتمي إلى عاقبة لا أعرفها.إنهم ليسوا ماشية.أيعني هذا أن سيّدي يملك مقاطعة ما جلبهم منها، أو أنه "استعار" فرقة من سيّد دورغور؟حسب فهمي، يقضي كلٌّ من هو وأمه وقتاً وجهداً معتبرين في تدمير إقطاعيات بعضهما البعض.وربما نجا البعض منهم فحسب.أخشى مغبّة هذا الاستنتاج.ألتفت مجدداً إلى الزقاق الفارغ وألتقط بعض الحصى وأرميها للأمام.وبعد خمس محاولات أو نحو ذلك، أكون قد استكشفت تماماً حدود الوهم.تبدأ صورة العادية المزيفة على بعد ست أو سبع خطوات، تماماً بعد حدّ بقعة الدم.وهي تنحني للخارج قليلاً بسبب التعاويذ الموضوعة على الجدار.سيجعل هذا محاولتي أسهل.تعود فيوليت سريعاً ومعها كل ما طلبته، بما في ذلك صفيحة حديدية ممزقة نصف تمزيق ومغطاة بصدأ أحمر خشن."سدّي أذنيك"، أقول للمرأة.فتطيع بلا تردد.أجزّ على أسنانّي وأمرر النقّاش على الصفيحة.وحالاً، يغطي صراخ المعدن المعذب البشع حتى أصوات الحفر.أنتهي من الرسم وأتفقد النتيجة.لقد علّمني لوث كيف أُعطل التعاويذ حين كنا نعمل على كراته المحطمة للدروع.تركيبي معقد للغاية ويظهر رونيّات دورغور الخاصة بالتعطيل والكشف والإبطال.وتحتلّ تعويذة الكشف المركز الرئيسيّ كإجراء مضادّ مخصص للوهام.أشرط معصمي الأيمن وأرسم الخطوط بالدم الأسود، متمتمة بلغة صديقي القديم الحادة والخشينة.وما لبثت أن لمعت تلك الخطوط بلون أزرق ومتلهف.أقذف القطعة حتى تستقرّ في النقطة التي حددتها كمحور.في البداية لا يحدث شيء.ثم يلمع الهواء وتتغير ألوان الحجارة تحتنا من أبيض رخاميّ إلى أسود سبجّيّ.وسرعان ما يتشكل في الهواء دائرة متقطعة من البرق الأبيض تتمدد للخارج كفقاعة تنفجر.ينكسر السحر برنين واضح ويتغير المشهد أمامنا تماماً.فقد اختفت الصخور العارية والمظهر العقيم.وباتت أنماط غليفة معقدة تزين الجدران الآن، متمركزة حول ألواح معدنية مثبتة في صميم الحجر.وفي الأعلى، تتوهج الخطوط الصفراء الغريبة التي توفر الإضاءة بحماس متجدد.تتلاشى بعض النقوش حيث كانت تقع العتبة وتكشف خلفها لوحة معدنية طويلة ذات شق أفقيّ.يا للابتذال!أخلص إلى نتيجة: "يبدو أنك كنت مخطئة يا فيوليت، إنه فخ ميكانيكي".سرعان ما تداعب أنفي رائحة الخوف الصارخ المغرية وألتفت لسماع صوت ارتطام خفيف.فالخادمة المخلصة على ركبتيها وجبهتها تلتصق بالأرض."انهضي.لا عقاب هذه المرة".تثب واقفة كدمية على خيوط، ووجهها يفيض امتناناً.ليس لدي وقت لهذا.عليّ الهروب سريعاً، وإلا سيجدون سبلًا للسيطرة عليّ عبر العهود أو الإكراه.إنها عدوة، وإن لم تكن خطيرة، ولا رغب لدي في بذل جهد لبناء روابط معها.فواضح أنها ورفاقها قد خضعوا لغسيل دماغ كأشدّ أتباع إينيرو إخلاصاً.سأعاملها بلطف لعدم وجود فائدة من القسوة المجانية، لكنني سأقتلها إن اعترضت طريقي.حين تشعر باحتقاري، تخفض المرأة رأسها وأعيد تركيزي على الممرّ المكشوف الآن لأخلص إلى استنتاج فوريّ وقاطع: إن من صمّم هذا كان مجنوناً تماماً.مجنون كأرنب بري.وخطير!لا بدّ أن الأمر استغرق مئات ساعات العمل لساحر كفؤ لتصميم وصناعة وتركيب هذا الفخّ المميت.حتى جوناثان سيُبهر بعمق جنون العظمة المتورط في هذا المشروع.أشعر برغبة في التصفير إعجاباً.ولكن للأسف، سيتعين عليّ حلّ هذه العقدة الغورديّة، ومن يدري، ربّما يمكنني الهروب عبرها وترك بضع فخاخ نشطة خلفي؟أبدأ فوراً في تفقد الدفاعات وأشعر بالامتنان مجدداً لهذه الرؤية اللابشريّة التي تتيح لي فكّ رموز الدفاعات دون الاقتراب.الفخّ الأول، وهو الذي أوقع ضحية بالفعل، عبارة عن آلية تنطلق منها شفرات أفقياً من الجدارين مع مشغل سحري يعتمد على الحركة المرصودة.وأظنّ أن لديه طريقة لإعادة تسليح نفسه أيضاً.وهناك أيضاً تعاويذ نار مفعمة بالضغط على الأرض تحسباً لمن يتعمد الزحف عبره.وآلية نزع سلاح تلك الفخاخ مفخخة هي الأخرى.وهذه مجرد الطبقة الأولى من الدفاعات.فهناك اثنتان أخريان، إضافة إلى آلة ما حيث ينحني الممرّ متصلاً باللوحة المعدنية لفخ الشفرات.حسناً، يبدو الأمر ممتعاً على الأقل."قد ترغبين في التراجع والابتعاد إلى الجانب يا فيوليت".ألتفت لأراها تشير إلى الجانب ببعض الارتباك."تراجعي وابتعدي إلى الجانب"، آمرها.هذه المرة، تطيع بلا تردد.ملاحظة لنفسي: لا يمارس سيّدي فن "الإلحاح في الاقتراحات" بين أتباعه."مشي العناكب".ألقي التعويذة باللغة الإنجليزية نظراً لحاجتي إلى طاقة زهيدة.لم يتفاعل نيراري مع استخدامي للّيكانيّة خلال القتال.ألعله لم يتعرف على اللغة؟على أي حال، أفضل عدم اختبار حظي.أزحف صعوداً على الجدار.لو كنت أرتدي درعي لكنت استطعت المشي على السطح ببساطة.للأسف، تعني ممارسة ذلك بهذا الفستان أن عينيّ ستكونان مغطاة عوضاً عن عوراتي.حين أصل فوق أحد الألواح، أستخدم نقاش التعاويذ لنزع سلاح الفخّ الذي يمنع الوصول إلى الآلية الداخلية، ثم أكرر الأمر ذاته على الجانب الآخر.وما إن أنتهي حتى أسقط وأتولى أمر تعويذة النار على الأرض.والآن للدور الميكانيكيّ.لا أرى أيّ فجوة واضحة في اللوحة.أحياناً، حين ينعدم مدخل، لا يسعك سوى صنعه بنفسك.أميل بظهري على الجدار وأرفع قفازي."محطّم الحجر".هذه التعويذة مصممة خصيصاً لكسر المواد الصلبة في مساحة ضيقة.أضفتها إلى ذخيرتي لأجل الأقفال المعدنية المستعصية وغيرها من الأمور المزعجة التي أريد تدميرها عن بُعد.وهي تشترك في رونيّ "التعطيل" مع تعويذة الكشف، وهو أمر مناسب نظراً لمحدودية الرونيّات التي يمكن حشرها في إطار قفاز.والريّات الثلاث الأخرى هي المعارضة، والتحطيم، والماس.ينبعث شعاع أرجواني رفيع من يدي ليصيب اللوحة البعيدة.يرنّ الجهاز كرنين جرس مكسور.ينزلق لوح مخفي في الجدار البعيد ليخرج من مخبئه رمح عملاق كان سينتمي إلى آلة حرب رومانية.فخ المنجنيق!يا للروابة!تتوسع المقدمة بـ "رنين" مرعب في منتصف الطيران.وعوضاً عن رأس اعتيادي، يحمل القذيفة أربع شفرات بنمط متصالب.نبحث عن السعة إذن؟ألتقط القطعة بسهولة وهي مارة، متقدمة للأمام قليلاً بسبب وزنها الهائل.لقد ضحى مصمم الرمح بالقوة أملاً في تحقيق عنصر المفاجأة.ويمكن لإنسان ذي ردود أفعال ممتازة تفادي هذا.أدور بالجسم الشبيه بالرمح وأفكر.لم يبقَ سوى الفخّ الميكانيكيّ.فكيف لي أن أتخلص من ذلك؟يمكنني استخدام الرمح والقضيب المعدني الذي طلبته لسدّ الشفرة بعد إطلاقها، مما يمنعها من إعادة التسليح.أو يمكنني سلوك "طريقة آريان".يبدو هذا أكثر إمتاعاً وسيسمح لي بفحص الجهاز لمراجع مستقبلية.أغرز مخالبي في الحد الفاصل بين الحجر والمعدن، وأثبت قدميّ على الجدار، وأوجّه أكبر قدر أستطيع فتحه من جوهر ناتاليس ثم أشدّ.يتردد صنين المعدن المشوه بالقوة في الممرّ وتتوقف أصوات الحفر مجدداً.أنخر بجهد شديد وأنا أجذب اللوحة لفتحها.تقاوم لوهلة، ثم ينكسر شيء ما وتتحرر القطعة بأكملها.أضع الفخ على الأرض لأتفقده، مبتعدة تماماً عن مسار الشفرة.الجهاز طويل جداً.ويمتد حد القطع على طولة، مابقياً في حالة توقف مشدود بواسطة قفل يطلقه سحر.ويعيد نظام بكرات ذو تعويذة قوية تسليح الفخ بعد كل استخدام.أحطم آلية القفل فتنفجر الشفرة للخارج.مسحورة هي الأخرى!لم يكن أحدهم ليترك مجالاً للمخاطر.أخلص من الفخ الثاني بالطريقة ذاتها وأدرك أنني أستمتع بالفعل.فنزع سلاح الفخاخ يشبه حلّ لغز مع مخاطرة إضافية بحدوث أمر مزعج إن ارتكبت خطأ.يا للتشويق!وما ينقصه سوى وجبة خفيفة في النهاية.لعلي أشدّ عطشاً مما ظننت في الأصل.على أي حال.ألتفت إلى فيوليت التي كانت تحدق بي بمقدار من الذهول لفترة.تبدو شهية.لكنها محرمة أيضاً، لذا أقطع إحدى الشفرات وأتوجه إلى الفخ التالي.صُمم هذا لإطلاق كمية هائلة من الكهرباء على ضحيته، وهو مقترن بحفرة تضم أشواكاً في قاعها، إحداها مصنوعة من الفضة.وهذا النوع يعمل مرة واحدة فقط، لذا أطلق الجزء الكهربائيّ عن بُعد، ثم أتقدم وأدسّ قضيباً معدنيّاً في آلية فتح الحفرة.أعتقد أن من لا يرى سوى الفخ الميكانيكي قد يفكر في الزحف تحته، مما كان سيفعل تعويذة النار، أو الاندفاع عبره بدرع قوية جداً أو جسد مستذئب ليتولى الفخ الثاني أمره بغض النظر عن متانته.حسن التخطيط حقاً.والثالث مثير للاهتمام بدوره.أجد فتحات صغيرة يمكنها إطلاق السهام.وألاحظ ليس فخاً واحداً بل فخّين وهميين مخصصين لدفع أحدهم للاقتراب عبر محفز مجهول مخفي خلف طبقة من الطلاء المقشر.أحاول تفعيلها بالحركة، عبر رمي تعويذة من خلالها وحتى بإسقاط قضيب المعدنيّ وسط التركيب.لا شيء.على سبيل الحدس، أرسم رونيّ خداع من الدم على حجر وأرميه.يضيء الممر بوجود اللحم ويملأ الهواء صفير غريب."ممم؟" تُبصق سحابة خضراء مقززة من السائل الحمضيّ من الفتحات الصغيرة، مخلفة وراءها رائحة لاذعة.يأكل السائل الغريب الصحر.آه، لو تمكن أحدهم من اجتياز العقبتين الأوليين بالتحليل الدقيق، لكان الفحص الدقيق للأفخاخ الوهمية قد حولهم إلى شوربة لحم.يا للروعة!إن مصمم هذا منحرف بشكل مبهج.أودّ أخذه من ياقته ورميه عبر ابتكاره الخاص لنرى ما سيبقى في النهاية.بعد أن آخذ لقمة صغيرة بالطبع.عطشى.التعاويذ تستهلك طاقة أقل نسبياً.لا بدّ أن الضرر الذي أحدثته مخالب مالاكيم كان أشدّ مما قدرتُه في البداية.حسناً.يمكنني الافتراس قريباً.أتمنى ذلك.بعد فحص دقيق آخر، أنجح أخيراً في بلوغ نهاية الممرّ حيث يختفي النشاب الخفّي وأتطلع حول الزاوية لأجد...ممرّاً آخر مليئاً بالفخاخ مع باب برونزي ثقيل في نهايته.وكما أخبرني أنفي، هناك جثة في الأفق.بقيت هذه لفترة كافية لتصبح ناضجة؛إنها تزكم الأنفس برائحتها.تقرص فيوليت أنفها تحت وطأة الاعتداء البشع، بعد أن تبعتني بحماقة دون انتظار موافقتي.هذا الرجل أثار الطبقة الأولى من الفخاخ على ما يبدو بالنظر إلى القضيب المعدني الذي يخترق صدره.يرتدي ثوباً كاملاً باللون الأرجواني مع تطريز ذهبي، مما يجعله إما متعصباً دينياً أو شريراً مهرجاً في سيرك متنقل.يصعب التمييز أحياناً.على أي حال، لست مستعدة للعمل تحت هذه الظروف.أنقش سريعاً بضعة رونيّات للهواء والتدفق على حجر آخر، وأضيف رشة من الدم وها هي، مروحة مرتجلة.يتبدد الهواء تدريجياً وأنا أتفقد هذه اللذة الفكريّة الجديدة.وياللحسرة، سيكون التعامل مع هذا أسهل بكثير.إنه مصمم لحبس الناس بالداخل.لقد وقع صديقنا الراحل ضحية له.وبالتفكير في الأمر، جثته تتجاوز الطبقة الأولى، لذا لا بدّ أنه كان يركض بحياته لتسمح العطالة لجثته بالوصول إلى هذا الحد.حقاً، الذئب ذئب المتعصبين.لا أجد نشاباً مخفياً يواجه ذلك الجانب من الممرّ وأبدأ العمل، مدركة تماماً لأنفاس فيوليت المنتظمة وهي تراقبني أعمل.تدق نبضات قلبها في أذناي ورائحتها تبدد قريباً ذكريات الرائحة المنتنة السابقة.لا يتوجب عليّ الإبلاغ فوراً.بوسعي الاستكشاف قليلاً، وإن وجدت مخرجاً، فتجفيف الحثالة الجاسوسة تماماً قبل الهرب.لا تزال أقراط ناشوبا تزين أذني ولدي طرق لإخفاء آثاري.مغرٍ حقاً.في الواقع، أعتقد أنني سأفعل ذلك تماماً.بطاقة متجددة، أفكك بطريقة منهجية طبقة الفخاخ الأولى المكونة من تعاويذ نار متداخلة وأصل إلى الجثة.لا يحمل أي محمل مرئي، لكنني لن أغوص في عصارة الجثث لأعرف المزيد.أنقش تعويذة تجفيف على الأرض بجواره لسحب الماء بعيداً.رائحة الجثث أخف بكثير حين تتمنين.سيكون إشعال النار فيها فكرة حمقاء في مكان مغلق.أصل أخيراً إلى الطبقة الأخيرة، مسكونة بحماس محموم.أودّ تناول فيوليت والهرب، لكن يتعين عليّ الانتظار.يجب أن أكون واثقة.الأمر لا يتعدى ثوانٍ لتفعيل الفخاخ المتبقية لعدم توفر طريقة لإعادة تسليحها، ثم أقف عند الباب النحاسيّ الثقيل.أميل إلى الأمام لتفقده بحثاً عن فخ أخير على هذا الجانب فإذا بي أُقذف إلى الخلف.آه؟يصطدم ظهري ورأسي بالجدار وأصارع اليد المطبقة على عنقي الآن.يشتد الضغط فأتوقف عن المقاومة.تتضح رؤيتي لتكشف عن عيوني مالاكيم المحتقنتين بالدماء.يتدلى شعره الأسود على وجهه وهو يبتسم باستهزاء مشوب بالكره."أذاهبة إلى مكان ما، أيتها الأخت؟" يرتدي درعاً جلدياً داكناً مع مجموعة من الأسلحة والقوارير المثبتة حوله.يغطي عنقَه وشاح رماديّ.أكذب: "أتحقق من الباب فحسب بحثاً عن شذوذ".يتنهد مالاكيم، ثم يلتفت إلى فيوليت."اغربي عن وجهي".ترکض هاربة بأقصى ما تحملها ساقاها.وما إن تختفي، حتى يعود مالاكيم بكل انتباهه إليّ."أهكذا؟يصعب عليّ تصديق ذلك.أو لعلّ هذا عدم ثقتي الطبيعيّ في العمل.ألم يخطر ببالك أنني قد أودّ موتك؟" أجهش بصوت أجش وأنا أحاول إرخاء قبضته: "لقد خطر الأمر ببالي"."لأنني أودّ ذلك فعلاً.أنت، الوافدة المتأخرة.أنتِ من تحولت بعد أن وجد سيّدنا العزيز بيدقه، وأنت من نشأت بلا مخالبه الجليدية على عنقك"."أؤكد لك أنه لم يكن نزهة".يطلقني مالاكيم فأثب واقفة على قدميّ ثم أبتعد عنه.يلتفت ليقابلني والباب خلفه.أُلغيت خطط الهروب.مؤقتاً.يقول الرجل بصوت ساخر: "آه، نعم، عبء الحرية الرهيب.أنا على دراية بصعوبات إلقائك في البراري كفرخ، صدقيني.تذكّري فقط أنني قد أزحف عبر ميل من الزجاج الفضيّ لنيل شرف معاناة ما عانيته أنتِ"."أنت توجه غضبك لشخص خاطئ"."أنتِ لا تفهمين، ’أيتها الأميرة‘، لست مجبراً على توجيه غضبي لأحد، فهناك ما يكفي ويزيد.ولكن بما أنني مقيّد، فسأتركك الآن ولنلعب بلطف، كالأوغاد المتحضرين الذين نتظاهر بأننا هم.وكلما نظرتِ إليّ أريدك أن تتذكري أنني أكرك، وأني لا أحتاج لسبب لأكرهك، وسأنهي حياتك بكل سرور"."إن كان الأمر بخصوص التعويذة..." تضيق عيناه بشكّ."أي تعويذة؟" أهوَ...أهوَ نسي؟!"تلك التي استخدمتها لتمزيق ذراعك".يستغرق الأمر ثواني معدودة لكي تظهر على وجهه أيّ لمحة تذكّر، وعندها يشرع في الضحك.لكان الصوت دافئاً لو لم يكن شديد المرارة.يستمر في الضحك كأنني ألقيت نكتة ظريفة."هذا لطيف.تظانين أن ذراعي تهمّ.أيتها العاهرة الغبية والجاهلة والعمياء.أنا أتطلع إلى محاولتك للهروب.أتمنى أن تجعليها ممتعة".أبدأ بالدفاع عن نفسي: "أنا لا—" لكنه يقاطعني بخنقي مجدداً."أو!أو يمكنك البقاء هنا لتكوني لعبة سيّدنا.لم يعد يملك شهوة جنسية كبيرة، لكني متأكد من أنك تستطيعين إحياءها.إنه يستمتع بكسر الألعاب الجديدة".عليّ الخروج من هنا."إذن، حاولي المغادرة واجعلي الأمر ذكياً بما يكفي، وجريئاً لدرجة يجعله يسلمك لي.لم تتوفر لي فرصة قط لمشاركة كل ما علمنيه والآن أملك أختًا.أرجوك.الأيام كئيبة"."دعني أذهب".يجيب وأخيراً يطلق عنقي: "ولكن بالطبع!" أدعك رقبتي اعتتيادياً بينما يلتقط شفرة الفخ التي حررتها ويكسرها نصفين.هذا الغباء القويّ.ومع ذلك، أنا فضولية، والعطش يزيل الكثير من موانعي وآليات بقائي."ألا يمكنك استعادة حريتك، أبداً؟" بدلاً من أن ينفجر، يميل مالاكيم رأسه بتأمل فحسب."أنتِ لا تعرفين.بالطبع أنتِ لا تعرفين، ’أيتها الأميرة‘.لم يكن هناك أحد ليخبرك بخلاف ذلك.لا سبيل لاستعادة حريتي.كنت عبداً لقرْيتي، ثم عبداً لجيش الرابطة المقدسة، ثم عبداً لسيّدنا العزيز.لم يمرّ وقت كنت فيه حراً، وحتى أموت، لن يحدث ذلك".أعترض قائلة: "لمَ؟كيف تكون متأكداً إلى هذا الحد؟" بغض النظر عن مدى إلزاميّة القسم، يستطيع مصاصو الدماء كسرّه إن استعدوا لدفع الثمن.سأموت ولا أفعل بعض الأمور، وهذه نتيجة قبلتها مسبقاً.لمَ لا يمكنه تحية الفجر بكل بساطة؟ردّاً عليّ، يخلع مالاكيم وشاحه لأحصل على رؤية أفضل لطوقه.ألقيت نظرة خاطفة عليه أثناء قتالنا لكنني كنت وقتها منشغلة بأمور أكثر إلحاحاً.وتحديداً قتله.والآن، أجد نفسي أتساءل كم كنت مشتتة حقاً.القماش مصنوع من مادة غريبة تشبه جلد ثعبان، مع حراشف لؤلؤية تتخللها هنا وهناك.لا ينعكس الضوء الأصفر في الأعلى عليه.بل يتوهج من الداخل بنضارة سماويّة رقيقة بقدر ما هي ثمينة.أشعر بموجة دهشة وأنا أتأمله، تليها ومضة رعب أخفت عندما ألمح ملامح عدة رونيّات.يا له من إمكانات، ويا له من رقيّ أثيريّ حوله نيراري إلى قيود بقرار واحد مدنس.أنا منذهلة.يقول مالاكيم، وبدا هذه المرة مسكيناً تقريباً: "هناك من يموتون دون أن ينالوا حريتهم قط، وأنا عشت لفترة أطول من أغلبهم".لا أستطيع إخفاء ذهولي في صوتي."أهذا..." "نعم.جلد تنين.لقد صنع طوقاً من جلد تنين.لا يمكنني العصيان، ولا يمكنني الانتحار.لن تأتي الحرية إلا بعد إنجاز المهمة العظمى.هذا ما وعد به"."حين يصطاد أمه؟" "حقيقة.نحن نبحث عنها، ’أيتها الأميرة‘، وحين نجدها، سيأخذ جوهرها خاصته.وحينها لن يقفه أحد.لن يكون للموت سلطان بعد الآن.وحين ينتهي الأمر، يمكنني أخيرًا...التخلي.إنها مسألة وقت قبل أن تنفد مخابئ الفئران".لست واثقة إلى هذا الحد.أدقّق النظر في جلد التنين.أريد لمسه، وتمرير أصبعي فوق النسيج الساحر لكنني لا أستطيع.يلاحظ مالاكيم نظرتي وأنا ممتنة لذلك.لا أودّ أن يحاول معرفة ما إذا كنت أعلم بشأن سميراميس سلفاً.سيؤدي ذلك إلى ظروف مزعجة."طماعة، ألسنا؟عذراً أيتها الأخت الصغيرة، فهذا مستعمل بالفعل وقد أُخبرت أنه لم يعد هناك تنانين للحصول عليها".ثم يتراجع خطوات إلى الوراء وينحني بأدب، مادّاً يده نحو البوابة البرونزية."لقد مللت من هذا النقاش والهواء هنا منتن للغاية.ألعلينا إلقاء نظرة حولنا لنرى إن كان هناك من نحادثه؟تذكري، لا افتراس".أُصدر صفيراً غاضباً.كيف يجرؤ؟!أنا بحاجة إليه.يرفع الرجل يديه معاً في إيماءة مهدئة."لقد قال إنه بإمكاني الافتراس بعد تطهير الممر!" "إطلاقاً لا، أيتها الأخت الصغيرة العطشى.قال إنك لن تحظي بإذنه إلا بعد ذلك.لا تزالين بحاجة لموافقته".أريد الاعتراض على الصياغة، لكنني أدرك أن نيل العدالة يتطلب العودة إلى نيراري.أما المضيّ قدماً مع مالاكيم فيعني أن فرصة للهروب قد تلوح في الأفق.ولن تكون هناك فرصة إن عدت.بوسعي تصفية دمية العدو أولاً ثم الذهاب مع ما— لا!لا.إنه يتلاعب بي.يجب أن أخاطر.يجب أن أهرب بأسرع ما يمكن.وكلما طال بقائي، سهل عليهم تقييدي.لذا، أصطنع أفضل ابتسامة وأتقدم.البوابة البرونزية ليست مقفلة حتى.أتفقدها بحثاً عن شذوذ وأجد بضعة رونيّات تعزيز إضافة إلى رونيّ إنذار منتهي الصلاحية.وإذ لا شيء خطير حولي، أدخل غرفة مربعة واسعة.أول ما ألاحظه هو أن الرائحة ليست أفضل بكثير، وتأتي الرائحة هذه المرة من كلب مانا مشطور.ووحش الأرجواني الهائل قد شُقّ نصفين بشفرة معدنية ما، وانتشر كلا النصفين والأحشاء فوق أرضية مبلطة.يخرج بابان منها.الأول على يساري ولا بدّ أنه كان مخرجاً في مرحلة ما.يوجد مكتب بجانبه إلى جانب أرفف ما زالت مغطاة بمعاطف، وبضع صناديق.وقد انهار المكان، وتناثرت الصخور والحصى داخل الغرفة.الباب البعيد يبدو واعداً أكثر.مصنوع من البرونز الثقيل كالأخريات، وما زال مقفلاً.أحدق حولي وأنا أتقدم.تضاعفت هذه الغرفة كمستودع ومستودع أسلحة في مرحلة ما.ألمح رف بنادق، ما زال نظيفاً، لكن بلا رصاص فضي.من الواضح أن من صنع هذه القاعدة كان ساحراً عالي الإحساس بالأمان بالنظر إلى الفخاخ.ولم يكن ذلك كافياً وهرب كلب مانا واحد على الأقل، مما سبب على الأرجح نوعاً من إجراءات الحجر الصحيّ التي أغلقت المدخل.على أي حال، إن لم يكن سكان القاعدة قد غادروا عبر طريق آخر، فينبغي أن يحتفظوا بحضور قويّ.وينبغي أن يتواجد بضعة سحرة وجنود على الأقل إن دلت الفخاخ والأسلحة على شيء.ولا يمكنني استغلال هذا لصالحي تماماً.فلن يحدثوا فرقاً أمام مالاكيم.أعبر الأرضية وتتبعني الوحش، وأشعر بالامتنان مجدداً لعدم اضطراري للتنفس.لا بدّ أن الجثتين بقيتا هناك لأسبوع على الأقل في بيئة رطبة.ومما يخفف الأمر، لا توجد ذبابات حولهما وبالتالي لا يرقات.مالاكيم كسيف داموقاص معلق فوق عنقي وأنا أركع لتفقد البوابة التالية.أغمض عيني وأركز على حواس أخرى.هناك شيء على الجانب الآخر، الطعم المألوف لتحذير تعويذة إنذار.قبل بضع سنوات لكنت عاجزة عن فكّ شفرتها.والآن، أضع يدي المغطاة بالقفاز على المعدن البارد الأملس وأنزع السحر خيطاً بخيط إلى أن ينهار على نفسه بصوت طقطقة ودون أن يدري أحد.أجرب المقبض.مقفل.تعويذة سريعة تتكفل بثقب المفتاح غير المحميّ لتنفتح البوابة الثقيلة بصمت، منزلقة على مفصلات مزيتة جيداً.نحن في مهجع.إنه منتصف الليل الآن ويزيد عن عشرة بشر ينامون بعمق في أسرّة متراصة تفصل بينها ستائر معلقة على أعمدة خشبية.تصطف الصناديق والخزائن على الجدار.وعُزل ركن اليسار، وتفوح منه رائحة الصابون والفضلات.لم يستيقظ أحد بعد.يتجاوزني مالاكيم، مصطدماً بكتفي ومثيراً صفيراً يتجاهله.يتوقف فوق السير الأول ويحدق بتعبير هادئ.هذه هي المرة الأولى منذ التقيت به يبدو فيها في سلام.يرفع إصبعاً ويتفقد المخلب باهتمام صبور بينما يغطّ رجل في النوم تحته.يهمس بصوت لا يستطيع مصاص دماء التقاطه: "هذه أفضل طريقة للرحيل، على ما أعتقد.تنام، ثم تموت، منتقلاً بارتياح من حالة إلى أخرى.بلا ألم ولا وعي".يطعن الرجل بين عينيه وفوق الأنف تماماً.يصدر صوت خفيف لعظام مكسورة ونوع من الشفط.يلهث ضحيته بخفة شديدة، لكن الصوت ليس كافياً لتغطية التنهدات والشخير الخفيف للآخرين.أنظر بألم إلى الدم المهدر المتسقط على الأرض، محولاً إياه إلى أحمر.عطشى للغاية.ربما أستطيع...واحد فقط...لكن لا، إنه ينتظر ذلك.إنه ينتظر مني العصيان.يسحب مالاكيم الستارة ليكشف عن ضحية أخرى.الأول كان أصلع وصارماً، مستلقياً على ظهره كتمثال جيزان.وهذا شاب ذو شعر أصفر مجعد.ينام على جنبه منكمشاً في وضع جنينيّ.يضع مالاكيم إصبعَه الملطخ بالدماء على صدغ الرجل.يتأملني بتفكير، مدركاً أنني شاهدة مكرهة على هذه المهزلة.أقرص منه على هذا الاستعراض.إنه يسخر مما نكونه عبر العبث بفريسة نائمة، ناشراً رائحة الدم والحيوية المهدرة بينما أقف هنا مجوعة، لا أحافظ على مظهري إلا لأن هذه قد تكون فرصتي الوحيدة للهروب.يضيف أخي البشع: "ثم هناك الموت المفاجئ الذي يباغتك حين لا تنتظره.وليست بطريقة سيئة للرحيل أيضاً".توقظ ألم إبرة الرجل طوال الوقت يكفي لأخذ نفس مذعور.وقبل أن يتمكن حتى من استيعاب جثة صديقه، يطعن مالاكيم للأسفل.لهاث آخر، حشرجة أخرى، مصدر آخر للحيوية مفسد لمتعته الدنيئة.تسحب ستارة جديدة على ضحيته التالية.هذه المرة، الرجل أسن ذو لحية بنية كثيفة.شخيره هو الأعلون."أكثر ما يرعبنا هو معرفة أنك تموت، وتشعر بذلك في روحك، وتكون عاجزاً عن إيقافه.تجارب قليلة للغاية تجهزنا لمواجهة ذلك الخوف، ألا ترين؟" يسحب خنجراً نحيلاً من غمد على صدره ويطعن الملتحي في عنقه.يستيقظ الرجل بعيون متوسعة تزيدها هلعاً الألمُ البشع الذي لابدّ أنه يشعر به.لقد قطع مالاكيم عموده الفقري للتو.يلهث الرجل المشوه كسمكة جنحت للشاطئ ويحاول طلب المساعدة، لكن لا يصدر صوت.فرئتاه لم تعودا ملكه.يموت هكذا، وتلطخ الدموع خديه.ستارة.شاب صغيراً جداً بالكاد خرج من الطفولة بشعر داكن وقصير جداً.عطشى للغاية."وثم هناك ألم يتجاوز كل الآلام.فكر كل من اعتبروا الموت قادماً فيما سيتلونه وراءهم، ونوع الإرث الذي تركوه لأحبائهم.مثلك، التي نحتت مملكة صغيرة في هذه الأراضي البربرية وتحكمها كصاحبة عقار صغيرة.أحب تدمير إنجازاتهم المثيرة للشفقة وإرسالهم إلى العدم بمعرفة أن كل ما كافحوا من أجله قد ضاع".يتصارع الصبي بهستيريا، مرفوعاً في الهواء بيدين.تركل قدماه بلا جدوى ضد درع مالاكيم في رقصة غبية صغيرة.تركز عيناه عليّ.يا له من إهدار.حجب مالاكيم فمه وأنفه بيد متغطرسة وهو يرفعه.لا تنفلت نأمة واحدة من حلق الشاب المعذب لعدم وجود هواء للقيام بذلك فبساطة.من الواضح أن أخي العزيز يملك خبرة في أمور كهذه.يتحول جلد الصبي إلى الأرجوان، وعيناه محتقنتان بالدماء.وقبل أن يموت، يتسنى له الوقت لراني، ولجثث أصدقائه وللفهم.يمنحه مالاكيم وقتاً كافياً للوصول إلى إدراك أن كل أولئك الناس الذين عاش معهم سيموتون.وليس هذا أسوأ ما في الأمر.بل الأسوأ أن نصف أولئك الناس لا يزالون نائمين بسلام وليس بوسعه فعل شيء لإنقاذهم.وبعد ارتعاشة أخيرة وصوت تفريغ للأمعاء، يعيد مالاكيم الجثة إلى سريرها بعناية أكبر بكثير مما أولاها والصبي حيّ.وبجانبي، تظهر على رجل بمظهر جندي علامات الاستيقاظ.يأمر مالاكيم: "اقتله، ولا تفترسي".الكلب!أنا أطيع السيّد، لكن ليس له الحق في— "آه!" طعنني اللعين، مجرد جرح طفيف في ذراعي.ينظف الدم الأسود على درعه كإيماءة إهانة قصوى."اقتله، ولا تفترسي".سأقتله يوماً ما.ونيراري، وسميراميس، وأناتول، ومور.سيموتون جميعاً.لكن ليس الليلة.الليلة، يجب أن أنجو وأحصي الإساءات الموجهة لي لأدفع ثمنها لاحقاً.لا بأس.لقد عانيت إهانات في الماضي وسأعانيها في المستقبل أيضاً، وما يهم هو العيش طويلاً بما يكفي لرؤيتها تُستردّ.مع الفائدة.الصياد الصبور سينتصر هنا.أقتبس صفحة من كتابه وأطعن الرجل في الدماغ بمخلب قبل أن يتمكن من رد الفعل.لا أستطيع فعل أفضل من ذلك بلا شفرة وأنا، مجدداً، بلا سلاح.سيكون طقطقة عظام العنق كما أفعل عادة صاخبة جداً.لا أعرف حتى لمَ أهتم.كل هذا الدم.إن سببت فوضى كافية فلربما...لا، سيعلم."من بين كل الطرق التي أظهرتها، اخترت الأكثر كفاءة، كما يُتوقع من أختي خبيرة النجاة".لا أهتم بلعبته المريضة.أنا أريد الافتراس فقط."سيكون لدينا وقت وفير لنعلمك كيف تستمتعين بالأمور بالطريقة الصحيحة".هذا الأبله يحوم على حافة التمرد.وربما يكبحه قطعة الأثرية العظمية الغبية.جلد تنين.بحق المراقب.أردّ بأسنان مكزوزة: "علينا الانتهاء والمضي قدماً"."أهوه؟متلهفة، ألسنا؟حسناً جداً إذن".يأخذ ثلاثة سكاكين من حزامها ويرميها عرضاً بإيماءة واحدة.تصيب ثلاثة حلوق.حيلة جميلة.يأخذ خمساً أخريات ويحرك ذراعيه مرتين، قاتلاً البقية.نصف دزينة من الرجال يتخبطون في دمائهم."ألنذهب؟" نغادر الغرفة المليئة الآن بروائح الدم والبول والبراز.ولا تزال بضع حشراج تخرق الصمت وأنا أفتح البوابة التالية.يدفعني مالاكيم مرة أخرى إلى غرفة بحجم الأولى.وقد قُسمت هذه إلى قسمين.على يسارنا، تشغل ورشة عمل مساحة كبيرة.وتغطي طاولات ثقيلة ألواحاً وشظايا حجرية قيد إعادة التجميع.ويؤدي أثر غبار إلى ممر صغير.على اليمين، يستضيف سريران كبيران بقايا عربدة.خمس نساء بملابس شحيحة ينمو في أحضان رجل عضليّ بصدر كبرميل وساحر أسن بندبة على خده.يعلق مالاكيم بكسل: "طوائف نموذجية، يستخدم القائد فتيات لمكافأة ملازميه والأعضاء الأكثر قيمة.سيكون في غرفة منفصلة مع أطايب اللقم".أتساءل: "ما الذي يفعلونه هنا؟" "تركت العجوز العديد من الألعاب والمداخل في جحور الفئران تلك لذا لا غرابة في العثور على بعضها".يصطنع عبوساً."لكن بالطبع، أنت محقة.ينبغي أن نسألهم.لمجرد التأكد".يتبختر مالاكيم نحو السرير الأقرب، مبتسماً كمراهق يقوم بمقالب ويقلبه.تنهار كومة الأطراف على الأرض بشتم وصراخ.الرجل العضليّ هو أول من يقفز على قدميه، بقبضات تلوح.يميل مالاكيم نحو هجومه ويصفع رأس الرجل للخارج براحة يد مفتوحة.بالكاد يستخدم القوة اللازمة لدفع خصمه.يلحظني السحر وهو يرتدي قفازه باهتساج.تضيق عيناه بغضب."برق!" أتفادى القذيفة الشفافة بصحبة فحيح.حقاً؟لمَ أنا بالذات؟لديك هدف صالح تماماً وتتوجه إلى امرأة أعزل تردي فستاناً رومانياً شحيحاً؟يا للحقير.يقهقه مالاكيم بينما يتحرك الرجل المفتول إلى الجانب ويلتقط هراوة كبيرة.يمسك أخي بالسرير، مثيراً صرخات من النساء اللواتي ما زلن يزحفن على الأرض، ويرفعه.تصمت المجموعة الصغيرة وهو يرمي قطعة الأثرية في الورشة، حيث تصطدم بصوت مدوٍّ لخشب مكسور.يتمتم الرجل الضخم بحيرة: "بحق الجحيم؟" يشحب السحر.إنه يفهم.إنه يترائي ويشم رائحة ممتازة.حياً وخائفاً.تُقسم إحدى النساء: "ديوس ميو..." وتقف أخرى وتبذل قصارى جهدها لتعديل قميصها ليغطي ثدييها الثقيلين.إنها أكبر سناً بقليل من الأخريات، بهيكل يميل إلى الثقل وخصلة طويلة من الشعر البني تصل إلى أسفل ظهرها."لا أعرف من تكونان لكن ارجوك استمع إليّ.إنكما تعبثان بمشروع سماوي سيصيغ البشرية كما نعرفها.يمكننا جلب الأمل لكما أيضاً!لدينا رسالة رائعة لنشاركها لو استمعتما فقط..." "آه، إحدى المسؤولة عن التجنيد.تقود النساء لإغواء مجندين جدد"."أعرف كيف تعمل الطوائف يا مالاكيم، لست بحاجة لدروسك".يهمس السحر مرتعشاً: "سماوي...لا يمكن أن يكون..." يجيب مالاكيم قبل أن يلتفت إلى من قاطعته: "آه، حسناً جداً، دعيني أخمن، عليك فك رموز الأسرار الكونية المحفوظة في تلك المسلات ورائي، ثم سيقودكم قائدكم المجيد كلكم إلى الفردوس؟" ينفلت تحكم المرأة الدقيق، ليظهر القلق الكامن تحته."ممم، نعم!تماماً، فردوس على الأرض وحياة أبدية.نهاية للجوع والمرض!ألن يكون ذلك رائعاً؟" يهمس السحر على الجانب: "أرجوك لا..." "آه، تنويعة على الكلاسيكية القديمة.جيدة بما يكفي".تظهر على المرأة الممتلئة تعبير دهشة إذ يسقط رأسها عن كتفيها.يذبح مالاكيم الجميع ميكانيكياً ما عدا السحر في ضربات معدودة.تموت الصرخات على شفاه صامتة.وتختلط رائحة الموت المألوفة الآن برائحة الجنس البائت.مرة أخرى، يجعلني الإهدار أرغب في قتله.كاد لا أستمع إلى تمتمات السحر المذعورة وهو يتحدث عن الأبحاث والرؤى للغة المسلة.كلها أمور لا نحتاجها إذ تعمل سميراميس بنسخة مشفرة من الأكادية.يمسك أخي ضحيته من عنقه ويصفيه ببطء تحت نظرتي كعرض للقوة.تحدق عيناه الزرقاوان فوق العنق الأبيض، تتحديانني لمهاجمته في لحظة ضعفه.لا أستطيع تحمل التكلفة.أنا مجوعة بالفعل والشفاء من الجراح التي سيوقعها سيكلفني أي فرصة للهروب.اصبري، يا آريان، الصيد الصبور.بوسعي فعل ذلك.بوسعي فعل ذلك.أحتاج فقط إلى مخرج.يصدر باب مقابل للباب المؤدي للخوار صريراً ويفتح.أقدام متثاقلة وتذمر ينبئ بوصول...تقول امرأة: "ما الذي...Oh!" يعلق مالاكيم بكسل كرجل في سوق يتفقد قرعاً غريب الشكل: "تنويعة كبيرة على الكلاسيكية القديمة".القادمة الجديدة مفاجأة حقيقية.إنها امرأة جميلة برأس محلّق بالكامل ترتدي عباءة خرقاء زرقاء ثقيلة.إنها ساحرة قوية أيضاً وأتعرف على هالتها في الفخاخ التي واجهناها.يشاهد شاب بوجه ملائكي بفضول من خلفها.تصرخ: "أنتما!ماذا فعلتما؟!" ولتحسب لها، تتفاعل فوراً.ترتفع يداها لتكشف عن سوارين مغطاة برونيّات.تنطلق شفرات حادة من عباءتها لتطير في الهواء كخلية نحل غاضبة.مثير للاهتمام، إنها تعتمد على تعويذة تحريك الأشياء عن بُعد.يتطلب هذا قدراً كبيرا
ً من التركيز واستعداداً طبيعياً لجعل الأمر ينجح.يسخر مالاكيم ويترك الشفرة الأولى تؤثر على قلبه، حيث تتوقف تماماً.تشحب المرأة.تعلن: "سأمشي إليك.سأمسك بك من عنقك ثم أكسر عمودك الفقري كعصا يابسة".تعوبس السحر وتركز عشرة شفرات في سحابة تحوم أمامها.يتقدم مالاكيم خطوة.يخدش خنجر مسحور خدّه.ويتسرب الدم الأسود من الجرح.أفهم الآن لمَ لم يحاول تفادي تعويذة التمزيق خاصتي، تلك التي مزقت ذراعه.لا يتفادى مالاكيم الجراح إن سمح له ذلك بإنهاء القتال فوراً.تعارض طريقته كل غريزة حفظ ذات متأصلة بعمق في عقولنا.ترمي زعيمة الطائفة بكل ما تملكه عليه.
يتحول وجه مالاكيم إلى وسادة دبابيس لكن أياً من الشفرات لا اخترق الجمجمة.يتحول غضب خصمها إلى يأس.يخطو مصاص الدماء نحو السحر ويمسكه من عنقه وهو يتخبط ضد الجدار.يحدق في عينيه وهو يموت، ثم يلطف الصبي الذي يهاجمه من الجانب بمؤخرة يده.أسأل وقد نفد صبري: "ألم تكن لتستجوبها؟" "لمَ قد أفعل ذلك على الإطلاق؟" لأنني كان يمكنني معرفة إن كان هناك مخرج آخر غير المنهار بوضوح."لأن سيّدنا يبحث في المكان وقد بحثوا فيه باستفاضة"."تباً.إنهم متعصبون، وليسوا علماء"."هسسس!" أصارع للبقاء تحت السيطرة.عطشى.أخذ نفساً عميقاً لدفع الإحساس للخارج، متجاهلة مخالبه المدفونة بعمق في عقلي، الدافعة، والمتشوقة.يتطلب الأمر جهداً هائلاً من ضبط النفس لكنني أنجح أخيراً في استعادة قدر من الهدوء.أنا صامدة، للآن.يبتسم مالاكيم ابتسامة عارفة."قريبون جداً الآن.سنرى ما وراء الباب الأخير ثم نعود.عادة نتجنب الشرب من القوم الصامتين لكنني متأكد من استثناء سيُصنع.أطلب منك فقط أن تكوني دقيقة جداً في تفتيشك.ألا نود تفويت شيء، أليس كذلك؟" أعرف أنه سيمطل لكن ليس لدي خيار.يكشف تفحص سريع للورشة عن ممر يؤدي إلى مخازن مليئة بطعام محفوظ، وأدوات حفر وبئر صغير للماء العذب.أجد بالخطأ بئر البراز الذي يستخدمونه للتخلص من الفضلات إضافة إلى جثتي كلبين آخرين.الرائحة قوية لدرجة صادمة تصفي ذهني.نجد أرباع القائد في الغرفة الأخيرة من المجمع.وتحتوي على سرير مفرد بسيف كبير بجانبه، على الأرجح ما استخدمته لقتل الكلاب.وتظهر دائرة كبيرة محفورة في الأرض رونيّات بدائية، تبعد كل البعد عن التركيب المتطور الذي رأيته في الإسكندرية.ولحظهم أن البوابة تلاشت قبل أن تتمكن من زعزعة الاستقرار.هواة.أطفال يعبثون بسحور لا يفهمونها، ومع ذلك، تمكن المتعصب من تحقيق شيء ما.أتساءل إن كانت معرفة كيفية صنع البوابات قد انتشرت بالكامل بعد.أهز رأسي لأركز على البوابة الكبيرة الأخيرة المتبقية هنا.وقد أُغلقت بطبقات حماية متكررة.وحتى مع موت الساحر، ما زالت الرونيّات التي تغطيها تلمع تحت الضوء الباهت للخطوط.هذا أملي الأخير.فقد قادت كل الممرات الأخرى إلى طرق مسدودة.وإن كان هذا أحدها أيضاً، فسيتعين عليّ تأجيل خطتي ومخاطرة التقييد.يقول مالاكيم بابتسامة خبيثة: "لا افتراس حتى نحدد أين ينتهي مجمع الطائفة تماماً، أيتها الأخت الصغيرة.أريني كيف تفتحين هذا".كلما زدنا عطشاً، كلما صعُب التركيز على المهام العقلية.ولحسن الحظ، لم أصل إلى ذلك الحد بعد.ألتقط مفتاحاً ثقيلاً من طاولة سرير مجاورة وأستخدمه بهدوء على القفل.ألقي نظرة استخفاف على مالاكيم بينما تتلاشى الرونيّات وتفتح البوابة بهمس.ليرد بواحدة من الغضب المسيطر.كوني أضعف لا يعني أنني غبية.ندخل مغفرة واسعة بما يكفي لاستضافة منزل.وبينما حُفرت بقية المنشأة في صخور صلبة بوسائل مجهولة، فهذه تشكيل طبيعيّ بوضوح.تتدلى صواعد من سقف مرتفع متقاطع بخطوط صفراء منتشرة، وفي وسطها يرقد تنين.تنين مدمى بالكامل.بخطم بحراشف، وقرنين، وجناحين، وحجر برتقالي ثقيل على جبهته.يرقد كأبي الهول على سريره الحجريّ.تكاد ساقاي تخوران قبل أن استعيد السيطرة وأدرك خطئي.هذا تمثال تنين.بحق المراقب، لكنت تعرضت لأزمة قلبية لو ما زلت أستطيع.يهمس مالاكيم، ضامّاً لعنته إلى لعنتي: "بحق المراقب..." يصفّر إعجاباً.يتردد الصوت عبر الهوة.يفتح تمثال التنين عينيه.