ترجَّلت يونيس من السيارة. كانت ترتدي اليوم معطفاً وردياً وبحذائها الجلديّ، وعلقت حقيبة يد سوداء على كتفها. انسدل شعرها الكستنائيّ بحرية على كتفيها، ليلامس ضوء الشمس بلمعان ناعم ومتلألئ. كانت هندامها يناسبها تماماً. ففي سنها، كانت توازن بين الرزانة والعذوبة بكلّ سلاسة، وكان لباسها يبرز تلك الخصلة دائماً على أتمّ وجه. في لقائهما الأخير، ارتدت الأسود، وهو لون وقائيّ غايته إبقاء مسافة آمنة. ولم يكن صعباً تخيُل أنها شعرت بشيء من الإحجام حين طُرح لقاؤهما «المُدبَّر» ذاك لأول مرة. أمّا هذه المرة، فقد اختارت ألواناً ألطف، ممّا أوحى بأنها ترغب في تقليص تلك المسافة وبأنها استمتعت حقاً بقضاء الوقت معه. ابتسم كارون في سرّه، ثم عاد ليشعر بأن تحليل الأمور على هذا النحو يبدو افتقاراً للرومانسية. فموعداهما كانا قد دُبِّرا بواسطة تيز، وحُكماً بالموقف الذي أبدته والدة يونيس، فلابد أنها تلقت توجيهات من بيتها أيضاً. مع ذلك، تمنّى كارون أن تتطور الأمور بطريقة طبيعية ومحببة قدر الإمكان. فقد كانت مسألة مسؤولية، تجاه يونيس وتجاه نفسه أيضاً. «السيد كارون، لقد حضرت. دعني أقدمك؛ هذه والدتي.» «لكنكما تبدوان شقيقتين حقاً وأنتما تقفان هكذا معاً.» تلك العبارة العتيقة البالية تماماً في تملّق حمُاة المستقبل ظلّت تبدو محتفظة بانتعاش مدهش في هذا العصر. «أو هو هو هو...» ضحكت السيّدة جيني مرّة أخرى رغماً عنها. «أُمّي، السيد كارون يقول إنكِ تبدين شابّة.» «طبعاً، لقد عرفت ذلك،» ردّت السيّدة جيني، ليتحوّل صوتها إلى نبرة تحذيرية بعد ذلك. «احترس. تأكد من إعادة يونيس سالمة قبل حلول الظلام.» «حاضراً، سيّدتي.» فتح كارون باب الراكب ليونيس. «شكراً لك.» صعدت، وجلس كارون في مقعد القيادة، مبدئياً السيارة. وحين كانا على وشك الانعطاف خارج شارع راين، قال ملوّحاً: «أه، بالمناسبة، مِنا لا تشعر بحالة جيدة في معدتها، لذا لم تستطع الحضور.» «أوه...» غطّت يونيس فمها بينما احمرّت وجنتاها قليلاً. ومن الناحية الواقعية، كان المفترض أن تكون هي من يسأل أولاً. ألقى كارون نظرة على تعابير وجهها. نفخت وجنتيها قليلاً، ثم صرّحت بصراحة: «كنت أعلم أن مِنا لن تأتي.» «إنها أخت صغرى عاقلة ومطيعة.» «فضلاً عن كونها تلميذة نجيبة عندي.» كانا كلا الطرفين بالغين، وهناك أمور لم تكن بحاجة لتوضيح مفصّل. وتابعت يونيس قائلة: «بالمناسبة، لقد أعجبني حقاً ديوان الشعر الذي شاركتني إياه وأوصلته إليّ مِنا في المرة الماضية: طيور الصيف الشاردة تأتي إلى نافذتي لتغرد ثم تطير بعيداً، وأوراق الخريف الصفراء، التي بلا أغاني، ترفرف وتسقط هناك متأوهة.[1] يا له من مزاج جميل، يا كارون.» في لقائهما الأول، كانت يونيس قد أهدت مِنا محفظة تحمل شعار عائلتها. وبطبيعة الحال، أعدّ كارون هدية مُعادة. فقد اختار قلادة على شكل قطة وربطها بدفتر أنيق. ونسخ في صفحاته عديداً من قصائد طاغور. «شكراً لك، لكن روح المرء لا تتطابق تماماً مع شخصه،» أجاب كارون. «لا سيّما حين يتعلق الأمر بالشعر. ففي أغلب الأحيان، ليس الأمر سوى هواجس عابرة. ولا يمكنني في الواقع الحفاظ على تلك الحالة المزاجية طويلاً. فالعالم يعج بالرياح، والغيوم، والأمطار، والضباب، والصقيع. إنها تثري حياتنا بحضورها، لكنها تعقدها أيضاً. ومن المستحيل البقاء نقياً للأبد.» قالت يونيس: «لقد عبّرت عن ذلك بجمال يا سيّد كارون.» «يمكنك مناداتي بكارون فحسب. وسأناديكِ يونيس.» «حسناً. يا كارون... هل تؤمن بدين ما؟» من واقع معرفته ببُير، كان كارون يعلم أن عائلة ألين لم تكن تمتلك أيّ نوع من الإرث الدينيّ الثابت. فقد تعاملت العائلة مع العقيدة ديمقراطياً؛ وحالما يبلغ الأطفال سن الرشد، يكونون أحراراً في اختيار معتقداتهم الخاصة. وقد بدا هذا مختلفاً تماماً عن المعيار الاجتماعيّ المتمثل في تبعية العائلة بأسرها لكنيسة واحدة. «أنا آسف،» قال كارون. «لكنني لم أجد عقيدتي بعد. أعتقد أنني بحاجة للمشي قليلاً لمسافة أبعد، ورؤية المزيد قليلاً، والنضوج قليلاً كي أستقرّ مع نفسي بعض الشيء. وحين يحين الوقت، سأحظى غالباً بالوضوح الكافي لاختيار العقيدة التي تناسبني.» «حقاً؟ أنا مثلك تماماً يا كارون.» «أهكذا إذن؟ إذن أيّ كنيسة تثير اهتمامك أكثر؟» «همم؟ لماذا تسأل؟» «أعتقد أن بإمكاني محاولة تفهم الأمر بشكل أفضل قليلاً.» «أليس المفترض أن تكون العقيدة شيئاً يبحث المرء عنه بنفسه، تماماً كما قلت للتو؟ إذن ما قلته قبل قليل لم يعد صالحاً؟» «أؤمن بأن المَلِك الذي يفترض بي الإيمان به سيرسل، في اللحظة المناسبة، ملاكاً جميلاً ليسلمني شعلة الإيمان.» عَضّت يونيس على شفتها السفلى بخفة، كابحة ابتسامة. وفي قلبه، اعتذر كارون صمتاً للجد هُوفين، الذي كان قد دُفن في ذلك الصباح ذاته. فبعد كل شيء، وأثناء وجوده بجانب سرير الرجل في المستشفى، كان كارون قد دفع العجوز إلى حافة الموت تقريباً حول موضوع الإيمان. ومع ذلك، كان الجد هُوفين ليفهم لا محالة. وصلا إلى مدينة الملاهي، وأوقف كارون السيارة. واقترب عامل مواقف السيارات مردفاً: «سيّدي، عليك دفع رسوم الوقوف أولاً.» أخرج كارون ورقة نقدية من فئة مئة روبية، إذ لم تكن بحوزته فئات أصغر. وفي وقت سابق، كان قد لاحظ رزمة من الأوراق النقدية في درج ألفريد، والتي لم تكن أيّ منها فئات صغيرة أيضاً. ابتسم العامل فوراً. «شكراً لك يا سيّدي! هذه هي إيصالك. الرجاء الاحتفاظ به معك.» أخذها كارون، ثم تساءل: «كم تبلغ الرسوم؟» «خمس روبيات يا سيّدي.» «حسناً. أرجو أن تعطيني الباقي.» تجمد العامل مكانه. وأجاب بارتباك: «أنا آسف جداً يا سيّدي، ولكن هل تملك أوراقاً نقدية أصغر؟ لا أظن أنني أستطيع فكّ هذه.» «أخشى ألا تتوفر معي، لكن إن كنت تستطيع الانتظار لحظة فحسب، فسأذهب لأشترى مخروط مثلجات هناك لفكّها.» «لديّ بعض منها،» قالت يونيس. فتحت حقيبتها وأخرجت ورقة نقدية من فئة خمس روبيات. التقطها كارون عرضاً وناولها للعامل، مستعيداً ورقة المئة روبية التي أعطاها إياه للتو. «أيّ نكهة ترغبين؟» سأل يونيس. «الفراولة.» «حسناً. انتظري هنا.» هرول إلى هناك، واشترى مخروط مثلجات بالفراولة، وعاد به. «ألا تتناول واحدة؟» سألته يونيس بفضول. «الجو شديد البرودة.» لم تمانع وأخذت لعقة. «عندما كنت طفلة، كنت أحب تناول المثلجات في أعماق الشتاء، جالسة قرب المدفأة بينما أستمع لقصص جدي.» «كان جدي يستمتع بأخذي أنا ومِنا إلى الريف خلال الصيف لصيد أسماك الـ«لوتش» في البرك الطينية.» «أتخيل أن ذلك لا بد كان ممتعاً.» «لقد كان كذلك.» كان تخيل تيز وهو يصطاد أسماك الـ«لوتش» أمراً مسلياً للغاية بالنسبة لكارون. اشتريا التذاكر ودخلا مدينة الملاهي. وبالنسبة لكارون، كانت الألعاب بحد ذاتها باهتة نوعاً ما. فقد افتقرت إلى الإثارة التي يتذكرها من حياة أخرى. ومع ذلك، كان المنظر العام لطيفاً. فحتى في الشتاء، كانت هناك جمالية مقفرة في المكان. جنباً إلى جنب، مشيا على طول ممرات المتنزّه، بلا عجلة ودون تسرّع للوصول إلى أيّ معلم جذب معيّن. لطوال فترات، لم يتحدث أحدهما؛ بل تنزها ببساطة. وبشكل متقطع، كان كارون يلقي نظرة على يونيس، وفي أحيان أخرى، كانت هي تبادله النظرات. «ما الذي ترغبين بتجربته تالياً؟» سأل كارون، بعد أن اجتازا أكثر من نصف المتنزه. «أنا موافقة على أيّ شيء. وما الذي تودّ رؤيته أنت؟» ردّت يونيس. أشار كارون إلى مبنى أمامي، تعلوه منحوتة لجمجمة. «منزل الرعب. أمهتمة؟» «أنا جبانة للغاية، لكنني طالما رغبت بتجربته.» «حسناً.» كان بائع التذاكر شاباً يضع مكياج مهرج ويمسك بمطرقة بالونات كبيرة. «خمس روبيات للتذكرة.» «أهو مرعب بالداخل؟» سأل كارون. «لا، أبداً. ليس مرعباً حقاً.» وبينما كان يناول التذاكر، غمز العامل لكارون، ملمحاً بوضوح إلى أن يونيس ستنتهي بلا شك متشبثة به. عند المدخْل، أخذ شخص يرتدي قناع شبح تذكرتيهما ولوّح لهما بالدخول. دخلا نفقاً ضيقاً، بتصميم كلاسيكيّ لمنازل الرعب. وكانت «الأشباح» تطلّ من حين لآخر، محدثة ضوضاء لإخفاء الزوار. ظل كارون هادئاً. لم يكن ذلك تمثيلاً. فبعد رؤية الموتى يزحفون عائدين للحياة بما يكفي، كان من الطبيعيّ أن ترتفع عتبة الخوف لدى المرء. وما بدا مدهشاً بعض الشيء هو أن يونيس بدت هادئة هي الأخرى. بل إنها مدت يدها ببعض الفضول لتلمس أحد «وجوه الأشباح» الخشبية التي ظهرت فجأة. وضح جلياً أنها زيارتها الأولى لمنزل رعب، إذ أظهرت قدراً هائلاً من الفضول تجاه الديكورات والتصميم. وطوال النصف الأول بأكمله، تقدما للأمام بصفتهما سائحين لا ضحايا. في الأمام، شاهدا جسراً أحمر ضيقاً تضيئه مصابيح حمراء. وكانت تدفقات الهواء تطلق من الجانبين بشكل متقطع. وإذا دققت النظر، كان بإمكانك رؤية الحشوات الناعمة بالأسفل، إضافة إلى حقيقة أن الجسْر لم يكن مرتفعاً بشكل خطير. ومع ذلك، سمح الجو العام بأن يكون التأثير مقنعاً بدرجة كافية. مشى كارون مقدماً وعرض يده عرضاً. لم تردد يونيس، وببساطة وضعت يدها في يده، وعبرا الجسْر معاً. في منتصف الطريق، اشتدت الرياح فجأة، تماماً مثل منافخ الهواء الصناعية في المصنع. وحتّى إن كارون استطاع سماع صوت طنين شفرات المراوح الكبيرة. تعثرت يونيس قليلاً، ووضع كارون ذراعه حول خصرها غريزياً لتثبيتها. وفي اللحظة التي فعل فيها ذلك، ضعفت الرياح. اشتبه كارون في أن بائع التذاكر كان يراقب من مكان ما قريب. خدمة مثيرة للإعجاب. تضاهي تقريباً عائلة إيمرز. انحدر النصف الثاني من منزل الرعب بقوة نحو الرموز الدينية، عارضاً تصويرات لعذابات مختلفة من عقائد متنوعة. وبدو أن يونيس قررت أنها ينبغي أن تشعر بالخعب الآن، وفعلت ذلك تماماً. وأطلقت شهقات خفيفة من حين لآخر، بينما أبقى كارون يده على خصرها لتقديم قسط من الاطمئنان. وأخيراً، خرجا وعادا إلى ضوء النهار. عدّلت يونيس شعرها، وسحب كارون يده بهدوء. اقترب بائع التذاكر منهما مرة أخرى، وما زالت مطرقة البالونات في يده. «أترغبان في شراء بعض التذكارات؟» فتح صندوقاً مليئاً بإكسسوارات جماجم لطيفة وكرتونية. اختار كارون سلسلتي مفاتيح على شكل جمجمة. «خمسون روبية.» دفع كارون الثمن. لقد كانت تستحق الجهد المبذول. «يا كارون، ألم تكن خائفاً؟» سألت يونيس. «جداً،» أجاب. «إذن لمَ لم ألاحظ ذلك؟» «كنت أجبر نفسي على التماسك،» قالت ضاحكة. شاركته الضحك. لو أن منزل الرعب ضمّ مشاهد مثل جسر النفوس اليائسة، وياما جابساً في مجلس القضاء، أو حُراس برؤوس ثيران ووجوه خيول يغليان النفوس في الزيت، لربما شعر بالتوتر حقاً. فتلك الصور حملت ثقلاً أدركه غريزياً.[2] أمّا أهوال الدينية التي كانت في النصف الثاني، فقد أتت من تقاليد مختلفة، وعلي الأقل في الوقت الراهن، فشلت في إثارة النوع ذاته من الخوف داخله. توقفا عند كشك وجبات خفيفة صغير يبيع الزلابية وشيئاً يشبه الـ«أودين». أخذ كل منهما كوباً ورقياً ومله بسخاء. وبعد الدفع، جلسا على مقعد لتناول الطعام. «توجد صالة سينما قريبة،» قال كارون. «ألن نشاهد فيلماً لاحقاً؟» «حسناً. سأتبع خطاك.» بعد الانتهاء من الوجبات الخفيفة، غادرا مدينة الملاهي. وبعد نحو عشر دقائق، وصلا إلى السينما. ترك كارون ليونيس حرية اختيار الفيلم. فاختارت كوميديا على وشك البدء. اشتريا الفشار وعصير البرتقال قبل الدخول. وكانت هناك مقاعد فارغة وفيرة، لذا تمكنا من الجلوس حيثما شاؤوا. بدأت الكوميديا الرومانسية. وفيما عداهما، كان البقية في الصالة في الغالب أزواجاً شابين. تناول كارون قطعة فشار. كانت جيدة نوعاً ما. التقط قطعة أخرى بعفوية ومدّها لتقضمها يونيس. لم تتردد مطلقاً وتناولتْها ببساطة. استعاد كارون يده. خطرت بباله فجأة روايات رون عن متعة تناول الفشار في السينما، لكن ذلك النوع من المتلعة الفجة كان سيقضي على الأجواء. وحين انتهى الفيلم، خرجا معاً. كانت محطتهما التالية مطعماً قريباً اختاره كارون، يقدم مأكولات روخا المحلية. وكانت الجاذبية الأساسية هي الموقع، إذ كان يقع على النهر مباشرة. بعد أن جلسا، ناول النادل القائمة ليونيس أولاً، لتمررها بدورها إلى كارون. «اطلب أنت.» اختار بضعة أطباق ثم أعاد القائمة. وما إن غادر النادل، علق كارون بهدوء: «لأكون صادقاً، الطعام هنا متوسط المستوى فحسب.» خفضت يونيس صوتها هي الأخرى. «في الواقع، أود حقاً تجربة ذلك الطبق الذي صنعته في المرة الماضية... السمك المخلل الحامض.» يا للأسف، إنه الطبق المفضل لدى سلفكِ. وصل الطعام بسرعة. تناولا الوجبة أثناء الدردشة. أبقى كارون الحوار منساباً براحة، متجنباً الصمت المحرج. وحين أتما العشاء، كان الوقت قد تأخر بالفعل. قاد كارون السيارة عائداً إلى شارع راين وتوقف أمام منزل يونيس. ترجل كارون أولاً، لكن يونيس لم تنتظره ليفتح الباب بل نزلت بنفسها. ومعاً في نفس اللحظة، فتحا ذراعيهما قليلاً وتعانقا. «قضيت يوماً رائعاً. شكراً لك يا كارون.» «وأنا أيضاً.» لم تكن هناك دراما، ولا مفاجآت، ولا شغف ملتهب. وفي أغلب الأحيان، كانا هادئين ومتحفظين، ألم تكن هذه هي طبيعة الحياة العادية؟ ابتعدا، وابتسمت يونيس. «أشعر دائماً بالراحة حين أكون معك.» «أشعر بالمثل.» «سأعود للداخل الآن. لابد أن أمي تنتظر.» «أظن أنها تراقبنا من نافذة غرفة المعيشة على الأرجح.» «آه؟» فتح كارون ذراعيه مجدداً ومنحها عناقاً خفيفاً. «يا كارون، أشعر فجأة بالتوتر قليلاً...» قالت يونيس. «وأنا كذلك،» وافقها الرأي. افترقا مرة أخرى، ودفعت يونيس البوابة ودخلت. «أتعانقتما، أليس كذلك؟» جاء صوت السيّدة جيني من الأريكة. «أُمي! لمَ لم تشعلي الأنوار؟» «لم أرد لظلي أن يظهر عبر الستائر ومخاطرة مقاطعة عناقكما. إذن، كيف كان الأمر، ابنتي العزيزة؟ موعد دام طوال اليوم؛ أراهن أن ذلك الشاب يعرف كيف يرضي الفتيات. لابد أنه استمالك بكلماته المعسولة.» هزّت يونيس رأسها. «لا أظن ذلك. أعتقد أنه رصين ومرح. التواجد معه يشبه إلى حد ما التواجد مع أبي. لذا يا أمي، لا تحيزي ضده، رغم أنه وسيم للغاية.» تنهدت السيّدة جيني بعمق وفركت جبينها. «أُمي، أتشعرين بتوعك؟» سألته يونيس مقتربة. «لا. الأمر وما فيه أنه بعد موعدي الأول مع والدك، قلت ذات الكلام بالضبط لجدتك. رصين، ومرح، ويشبه التواجد مع والدي. ولم أدرك إلا لاحقاً أن رجالاً مثل والدك هم الأسياد الحقيقيون.» «لكنكِ كنت سعيدة جداً معه،» قالت يونيس. «هذا صحيح. مع ذلك، لا بأس. يبدو أنكِ تحبين شريكك من هذه الخِطبة. كنت أفكر بالفعل في كتابة رسالة لرفض ترتيب جدك، حتى لو اضطررت لمواجهة تعابيره الصارمة حين نعود إلى فيين.» «عائلتنا وعائلته أصدقاء قدماء؟» «نعم. يعود الاتصال إلى إحدى جداتك العظيمات المتعددات. ومنذ زمنها، بقيت عائلاتنا على تواصل. جاء والدك من فيين لزيارة عائلتهم، والتقى بي أثناء وجودي هنا في مدينة روخا. ثم أخذني معه إلى فيين.» «إذن عائلته كانت بمثابة الخاطبة بالنسبة لكِ؟» «يا عزيزتي، المرة القادمة التي تخرجين فيها مع ذلك الشاب، قد تحاولين سؤاله عما إذا كان مستعداً لاتباعكِ عائدّاً إلى فيين، بالطريقة التي اتبعتُ بها والدك يوماً ما. يبدو أن هذا ما يدور في ذهن جدك.» «أعتقد أنه شخص مستقلّ بقراراته للغاية. لابد أنه لن يوافق.» توجهت يونيس إلى غرفة الحمام. أشعلت السيّدة جيني سيجارة، ونفثت الدخان، وابتسمت. «إن لم يكن ليوافق، فلماذا بادر بدعوتكِ للخروج من الأساس؟» *** بعد إيصال يونيس لمنزلها، استعد كارون للعودة إلى منزله. وما إن جلس في السيارة حتى توقفت سيارة كايمن بجانبه. «كارون؟» «السيد بياجي.» «أجئت لرؤيتي؟» سأل بياجي مبتسماً. «نعم. لم تكن في المنزل سابقاً، لذا كنت على وشك المغادرة.» «حسناً، لقد عدت الآن.» *** دخل كارون منزل بياجي مرة أخرى. «أجائع أنت؟ أأجعل ليندا تجهز العشاء؟» سأل بياجي. «لا، لقد أكلت قبل المجيء. لا داعي لإزعاجها.» كان التخفي متعباً أيضاً. «حسناً. انتظر لحظة. سأعد بعض القهوة. لن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً.» «أتعرف كيف تفعل؟» سأل كارون. ضحك بياجي. «أعلم ما تعنيه، وأنا أعرف حقاً. اطمئن، لن يستغرق ذلك طويلاً.» «حسناً.» وحين ذهب بياجي إلى المطبخ، لاحظ كارون حامل لوحات في غرفة المعيشة. كانت هناك فرشاة ولوحات ألوان على الأرض، وغطاء أبيض يخفي اللوحة القماشية. ورؤية كل ذلك، جعله يتذكر اللوحات الدينية التي رآها بالأعلى أثناء زيارته الأخيرة، وترتيبها الزمنيّ المريب. إذن... ربما لا ينبغي لي النظر إلى هذه. عاد بياجي حاملاً القهوة ليرا كارون واقفاً بجانب حامل اللوحات. «هذه هي أحدث أعمال ليندا،» قال. «تعال، ألقِ نظرة.» وقبل أن يتمكن كارون من الرفض، كان بياجي قد سحب الغطاء بالفعل. كانت الخلفية البعيدة للوحة غير مكتملة، رغم أن الصورة المركزية كانت تكاد تكتمل. صوّرت اللوحة برجاً شاهقاً. وفي القمة وقف رجل يرتدي رداءً أبيض فخماً مرصعاً بالأحجار الكريمة. وفي إحدى يديه، أمسك بشيء يشبه تاجاً، بينما أمسك في الأخرى صولجاناً. كان شعره منسدلاً، وفمه مفتوحاً ومواجهاً للسماء، كما لو كان يصرخ في وجه الفضاء. «هذا هو...» بدأ كارون كلامه. شرح بياجي: «كنت فضولياً بشأن ما كانت ترسمه ليندا، لذا قضيت الظهيرة بأكملها في مكتبة المدينة. ووجدت الإجابة أخيرًا. الرجل في هذه اللوحة هو البابا الأخير لكنيسة النور، الذي عُرف بالبابا المجنون. لقد وقف يوماً على قمة برج معبد النور وصرخ بجملة واحدة: «أنا لا أؤمن بأن مَلِك النور موجود حقاً!» «في أعين المؤرخين الدينيين، كان ذلك الفعل بمثابة قرع ناقوس الموت الأخير لكنيسة النور.» ناول بياجي كارون قهوته ومضى قائلاً: «لذا أطلقت على هذه اللوحة اسم: شفق الملوك.» [1] رابندرانات طاغور (1861–1941) شاعر وكاتب هندي. هذه الأسطر مأخوذة من ديوانه الشعري "طيور شاردة"، المعروف بقصائده القصيرة والمتأملة حول الطبيعة والزمن والزوال. ☜ [2] جسر النفوس اليائسة (奈何桥)، وياما (阎罗王)، وحرّاس رؤوس الثيران ووجوه الخيول (牛头马面) هي شخصيات من معتقدات الحياة الآخرة الصينية التقليدية، والتي شكلتها العقيدة الشعبية الصينية وتأثير البوذية. ترتبط هذه الصور ارتباطاً وثيقاً بالحكم والعقاب بعد الموت، مما يجعلها أكثر إثارة للخوف فوراً بالنسبة للبطل من الصور الدينية غير المألوفة للتقاليد الأخرى. ☜
13 شارع مينك الفصل 50 — 13 شارع مينك
اقرأ 13 شارع مينك الفصل 50 — 13 شارع مينك باللغة العربية على مانجا تايم.