مرّت ساعة تقريبًا، على ما ظن، قبل أن يعود الوعي إلى أورِن.
لم يكن استيقاظًا كالإغماء الذي عرفه من قبل، حين ينقطع كل شيء ثم يعود دفعة واحدة. كان أقرب إلى صعود بطيء من قاع مظلم، طبقة بعد طبقة، وكأن جسده يقرر بنفسه متى يسمح له بالعودة الكاملة إلى الألم الذي ينتظره. شعر أولاً بالحجر البارد تحت ظهره، ثم بثقل أنفاسه، ثم بالنبض الحاد في ضلوعه وكتفه، وأخيرًا بشيء أدق من كل ذلك: خفقان خفيف عند طرف إصبعه، حيث كانت تلك الطبقة الرمادية قد بدأت تتشكل قبل أن يفقد وعيه.
رفع يده أمام وجهه، ببطء، خشية أن يجد ما لا يريد رؤيته.
كانت الطبقة لا تزال هناك، لكنها لم تعد كتلة صلبة متماسكة كما كانت. رأى خطوطًا رفيعة تتشقق فيها، كالجليد حين يبدأ بالذوبان من الداخل قبل أن ينكسر من الخارج، وقطعًا صغيرة منها تتساقط بصمت على الحجر، تاركة خلفها جلدًا شاحبًا لكنه جلد، لا حجرًا.
حرّك أصابعه.
استجابت. ببطء، وبتردد يشبه من استيقظ للتو من نوم طويل، لكنها استجابت. أغلق قبضته، ثم فتحها، مرارًا، كأنه يتأكد لنفسه أكثر مما يتأكد لأي أحد آخر أن هذا الشيء الممدود أمام عينيه لا يزال ملكه.
"استيقظت سريعًا."
جاء الصوت من مكان لم ينتبه إليه، ثقيلاً وهادئًا كما عرفه، لكنه لا يزال، حتى في هذه اللحظة تحديدًا، يجد شيئًا يصعب استيعابه في أن يخرج كلام واضح من فم أفعى. لم يكن الأمر أنه نسي أنها تتكلم؛ كان أن كل مرة تتكلم فيها، يشعر بارتجاج صغير في فهمه للعالم، كأن الحقيقة نفسها تحتاج إلى تأكيد متكرر قبل أن يقبلها.
نظر إليها. كانت ملتفة بهدوء على بعد أمتار، رأسها مرفوعًا قليلاً، عيناها السوداوان تراقبانه بلا استعجال.
"لكنك ما زلت غضًّا وضعيفًا." أضافت. "لو كان هذا قتالًا حقيقيًا، لصرت تمثالًا يزيّن حدائق النبلاء."
لم يجب. لم يكن الأمر أنه لا يملك ردًا؛ كان أن جزءًا منه لا يزال يحاول أن يفهم كيف يبدو الحديث مع شيء كهذا طبيعيًا بالنسبة له الآن، وهو الذي عاش حياته كلها بين بشر وحيوانات صامتة وأرشيف مليء بورق يخبره عن العالم بطريقة أكثر أمانًا بكثير من هذه.
دفع نفسه للجلوس، متألمًا، ويده على جانبه حيث لا يزال الألم يشتعل مع كل حركة. لم يكن الغضب الذي شعر به تلك الليلة في القصر حاضرًا هنا؛ كان شيئًا آخر، أهدأ، أقرب إلى إصرار عملي: أن يفهم، أن يعرف حدود ما يملكه، لا أن يثبت شيئًا لمخلوق لا يعرف حتى طبيعته الحقيقية.
أمسك بخنجره من الأرض، وثبّت قدميه.
لاحظت الأفعى ذلك، ولم تعلق. تحركت من جديد.
كانت الجولة الثانية مختلفة عن الأولى بطريقة لم يستطع أورِن تحديدها في البداية، ثم أدرك، بعد عدة هجمات، أن الفارق ليس في قوتها، بل في شيء آخر: كانت تمنحه فسحة صغيرة جدًا بين كل هجوم وآخر، فسحة لا تكفي للتفكير الهادئ، لكنها تكفي لإجباره على التفكير وهو خائف، وهذا مختلف تمامًا.
تراجع خلف بقايا الطاولة المحطمة أكثر من مرة، واختبأ خلف حامل الأسلحة، وحاول أن يقرأ حركتها قبل أن تحدث، فأخطأ أكثر مما أصاب.
في إحدى المرات، حين شعر بالتيار الجديد في جسده يندفع أكثر مما يريد، اندفع نحوها بلا حساب، فتفادته بسهولة وتركته يصطدم بالجدار.
"لا تستخدم قوتك على كل شيء لمجرد أنك تستطيع المحاولة."
لم تشرح أكثر من ذلك. تركته يستوعب الجملة وهو يتنفس بصعوبة قرب الجدار.
في مرة أخرى، حين ظن أنه بدأ يفهم إيقاع هجماتها وتحرك بثقة زائدة، فوجئ بذيلها يصله من زاوية مختلفة تمامًا عن كل ما توقعه.
"تعرف أقل مما تظن."
هذا كل ما قالته، ثم عادت للهجوم.
بدأ أورِن، بين ضربة وأخرى، يلاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل. الأفعى لم تكن تتحرك عشوائيًا؛ كل التفافة، كل تصحيح مفاجئ في اتجاهها، كان يأتي بعد أن يتحرك هو، وكأن حركتها مبنية بالكامل على معرفتها الدقيقة واللحظية بمكانه.
راقبها في لحظة هدوء قصيرة، بينما كان يستعيد أنفاسه خلف حامل الأسلحة، ولاحظ أن عينيها لا تفارقانه أبدًا، حتى حين يتحرك بسرعة. فكر، بلا قصد واضح في البداية، أن هذه المعرفة تأتي من رؤيتها له.
لم يعرف إن كان هذا ممكنًا أصلاً. لم يخبره أحد أن مساره يمتد إلى هذا. لكنه لم يعد يملك وقتًا للتردد.
جرّب في المرة التالية، حاول أن يركز على تلك اللحظة الدقيقة التي تتحول فيها نظرتها إلى معرفة بمكانه، وأن يزيحها، كما يزيح عملة عن طاولة.
فشل. شعر بمقاومة خفيفة، غامضة، ثم وجدته الأفعى فورًا، واصطدم كتفه بالجدار من قوة دفعتها.
حاول مرة ثانية بعد أن استعاد أنفاسه، وفشل مرة أخرى، هذه المرة بثمن أخف، خدش على ذراعه من مرور رأسها القريب.
حاول مرة ثالثة، بتركيز مختلف هذه المرة، أقل اندفاعًا وأكثر هدوءًا، وشعر بشيء مختلفًا تمامًا.
للحظة واحدة، بدا له أن خيطًا رفيعًا انقطع، أن اللحظة التي تعرف فيها الأفعى مكانه تحديدًا تأخرت جزءًا ضئيلاً من الزمن، لا يكفي ليُقاس، لكنه كافٍ ليشعر أنه لم يعد بالضبط حيث توقعت أن تجده.
لم يفكر. تحرك.
استغل تلك الثانية، ودار حول جسدها المتقوس بسرعة، ووصل خلف رأسها، وثبّت طرف خنجره على قشورها هناك قبل أن تستطيع تصحيح موضعها.
توقفت الأفعى تمامًا.
نظرت، ببطء، إلى موضع الخنجر، ثم أدارت رأسها قليلاً لتراه من زاوية جانبية.
صمتت لحظة. ثم، بنبرة أهدأ مما استخدمتها طوال المواجهة: "جيد."
لم يشعر أورِن أنه انتصر عليها؛ عرف أن هذه لم تكن هزيمة حقيقية، بل مجرد لحظة سمحت له بالاقتراب أكثر مما ينبغي. لكن شيئًا في داخله تغيّر رغم ذلك، شعورًا صغيرًا لم يعرفه من قبل: أن هذه القوة التي حملها منذ ليلة الفراغ يمكن أن تُستخدم، لا فقط أن تندفع.
كررت الأفعى الاختبار بعد ذلك عدة مرات، لا لتقتله، بل لتجبره على تكرار العملية، كل مرة بضبط أدق. مرة استهلك فيها أكثر مما ينبغي، فتركت ذراعه ترتجف لدقائق بعدها. ومرة اندفع فيها بسرعة زائدة، فأصابه دوار خفيف جعله يترنح. ثم مرة أخرى، أكثر توازنًا، شعر فيها أن التيار استجاب دون أن يستنزفه كما فعل في المرات السابقة.
حين توقف التدريب أخيرًا، لم يكن قد أصبح مقاتلاً جديدًا. لكن شيئًا استقر في داخله، أقرب إلى شعوره حين ينجح أخيرًا في ضبط أداة عمل عليها لأيام دون نتيجة. السحر الذي كان يندفع أو يتراجع دون سابق إنذار أصبح الآن أقرب إلى شيء يمكنه التعامل معه، لا بشكل كامل، لكن بما يكفي ليعرف أنه تجاوز تلك المرحلة الخام من الاختراق الذي مرّ به قبل ساعات.
دخل إليان القاعة بهدوئه المعتاد، وكأنه كان يعرف بالضبط اللحظة التي سينتهي فيها كل شيء. نظر إلى أورِن، إلى جروحه، إلى الأفعى الملتفة الآن بهدوء في زاوية بعيدة، وقال فقط: "أفضل."
لم يسأل عن التفاصيل. بدأ الجزء التالي فورًا، وكأن ما حدث بينهما، بين أورِن والمخلوق الذي لا يزال يشكل أورِن صعوبة في تصديق وجوده، مجرد خطوة عادية في طريق أطول بكثير.
في الأيام التي تلت، بدأ إيقاع حياة أورِن يتغير بطريقة أخرى.
في أحد الأيام، وقف أمام مرآة طويلة في قاعة صغيرة، وإليان يقف خلفه بذراعين مطويتين.
"لا تنظر إلى الأرض."
رفع أورِن رأسه فورًا، أكثر مما ينبغي.
"الآن بالغت."
خفض رأسه قليلاً، بحثًا عن ذلك المنتصف الذي لا يبدو فيه خاضعًا ولا متعاليًا، وكرر المحاولة، ثم كرر الخطأ نفسه دون أن يقصد بعد لحظات قليلة، فصححه إليان مرة أخرى بنفس الاقتضاب.
في يوم آخر، جلس على كرسي بذراعين خشبيتين، وحاول أن يمسك بكأس فارغة أعطاه إياها إليان، فأمسكها بقبضة أقرب إلى قبضة رجل يخشى أن تُسرق منه.
"هذا يجعلك تبدو كخادم يستريح، لا كنبيل يستمتع."
أرخى قبضته، وحاول من جديد.
سأله أورِن، في إحدى الاستراحات القصيرة بين تلك التمارين، وهما يجلسان في صمت نسبي: "لماذا يهتمون بكل هذا؟ طريقة الجلوس، النظرة، الصمت؟"
فكر إليان لحظة قبل أن يجيب، وكأنه يزن الإجابة الأنسب. "لأن هذا كل ما يرونه فيك في الثواني الأولى. لن يسألوك من أنت. سيقررون من أنت من الطريقة التي تحمل بها كأسًا."
لم يوضح أكثر، لكن أورِن شعر أن هذه الجملة كشفت شيئًا عن إليان نفسه، عن عالم عاش فيه طويلاً بما يكفي ليعرف قواعده دون أن يحتاج إلى شرحها.
في يوم آخر، أخرج إليان معطفًا ثقيلاً، داكن اللون، بتطريز فضي دقيق على أطرافه، وناوله إياه.
لمس أورِن قماشه الثقيل بأصابعه. "أليس هذا أثقل مما يحتاجه الطقس؟"
نظر إليه إليان نظرة قصيرة، لا تحمل رغبة في الشرح الكامل. "النبلاء لا يسألون إن كنت تشعر بالبرد. يرون فقط إن كان لباسك مناسبًا للمناسبة."
لم يعلق أورِن، لكنه، في إحدى الليالي التالية، حين خرج إلى الفناء الخلفي ليتنفس هواء المساء، شعر ببرودة تتسلل إليه بسرعة أكبر مما يتوقعها إنسان عادي، وتذكّر المعطف، وارتداه، وشعر بفارق حقيقي، لا في الأناقة، بل في جسده نفسه الذي لم يعد يحتفظ بحرارته كما اعتاد. فهم عندها، دون أن يُقال له صراحة، أن اختيار إليان لذلك المعطف تحديدًا لم يكن محض ذوق.
في يوم آخر، وصله خبر قصير عن مارِن، نقله إليان بجملة واحدة بينما كانا يعبران الممر: "أختك تأكل بنفسها اليوم." لم يزد شيئًا. توقف أورِن للحظة، شعر بشيء يخف قليلاً في صدره، ثم تابع السير، يحمل تلك الجملة معه بقية اليوم كأنها شيء صغير يستحق أن يُحفظ في جيب داخلي، بجانب كل ما يثقل كاهله.
بحلول اليوم الأخير قبل المزاد، لاحظ أورِن، وهو يقف أمام المرآة نفسها، أن جسده يقف بتلك الوضعية التي علّمه إياها إليان دون أن يفكر فيها، كتفاه مسترخيتان بلا انحناء، رأسه مرفوع بالقدر المناسب تمامًا. لم يشعر أنه أصبح رجلاً آخر؛ شعر فقط أن هذه الحركات، الغريبة عليه قبل أيام قليلة، أصبحت أقرب إلى عادة من كونها تمثيلاً واعيًا.
لكن حين نظر إلى انعكاسه، إلى القناع الذي سيرتديه غدًا موضوعًا على المنضدة القريبة، شعر بغرابة الاسم الجديد لا تزال حاضرة، شيئًا لم يعتد عليه تمامًا رغم كل هذا التدريب.
جاء يوم المزاد.
شعر أورِن بذلك من اللحظة التي فتح فيها عينيه؛ المقر الهادئ الذي اعتاد عليه أصبح أكثر حركة، أصوات تحضير من الطابق السفلي، خطوات إليان أسرع من المعتاد في الممرات.
ارتدى الزي الأرستقراطي الأسود، القماش الفاخر يلتف حول جسده بطريقة بدأ يعتادها، ووقف أمام المرآة ليضع القناع الرمادي الرقيق فوق وجهه. شعر بملامحه الحقيقية تختفي تحته تدريجيًا، لتحل محلها ملامح الوجه الذي منحه إياه فاليريوس منذ أيام.
"سيدريك."
ناداه إليان من الباب، بصوته المعتاد، وكأنه اسم عادي تمامًا.
توقف أورِن للحظة قصيرة قبل أن يرد، ليس لأنه نسي من يخاطبه إليان، بل لأن الاسم نفسه لا يزال غريبًا في أذنه، شيئًا يحتاج لحظة إضافية ليستقر في مكانه قبل أن يتقبله جوابًا يخصه.
"نعم؟" رد أخيرًا.
مد إليه إليان علبة صغيرة معدنية، بحجم راحة اليد. "هذه نسخة الاستبدال. مطابقة للتحفة التي ستأخذها، بما يكفي لتخدع فحصًا عاديًا لبضع ساعات. لا تدعها خارج العلبة حتى يحين الوقت. أثرها لن يدوم إلى الأبد، ولن تصمد أمام فحص دقيق إن شكّ بها أحد."
أخذها أورِن، وأدخلها في جيب داخلي من معطفه. "وإذا خرج شيء عن الخطة؟"
"لا تحاول الارتجال في الداخل." رد إليان بنفس النبرة العملية التي عرفها منه دائمًا. "إن رأيت أن شيئًا انحرف عن مساره، انسحب. لا تكرر المحاولة في المكان نفسه."
أومأ أورِن، وتحسس شفرة النزف الوجودي المعلقة عند خصره تحت الثوب، ثم خرج من الغرفة.
خرج إلى هواء المساء البارد، وانتظرته أمام المقر عربة سوداء فاخرة، أربعة أحصنة سوداء ضخمة تقف أمامها بهدوء، حوافرها تضرب الحجر بين الحين والآخر بصوت خافت منتظم. زخارف العربة أنيقة، خطوط فضية رفيعة تمتد على أطرافها، فخمة دون أن تبدو ملكية بشكل مبالغ فيه.
وقف حارس بجانب الباب، وفتحه له بصمت حين اقترب.
توقف أورِن للحظة أمام العربة، يشعر بثقل القناع على وجهه، وثقل المعطف على كتفيه، وثقل كل ما تدرب عليه في الأيام الماضية يستقر في جسده دفعة واحدة. لمس ياقة معطفه، صححها بحركة صغيرة، ثم دخل.
جلس داخل العربة، والباب يُغلق خلفه بصوت هادئ محكم.
بعد لحظات، بدأت العجلات تتحرك، والأحصنة تسير بإيقاع منتظم عبر شوارع المدينة الهادئة، تحمله، بوجهه الجديد وقناعه الرمادي وأداته الصغيرة المخبأة، نحو قصر النبلاء حيث يُقام المزاد.