بقي أورِن جامدًا في مكانه، عيناه مثبتتان على الأفعى، حين سمع الصوت.
"أتستل خنجرك على كائن لم تفهم طبيعته بعد، أيها الصبي؟"
الصوت خرج من فم الأفعى، لا شك في ذلك، ثقيلاً وهادئًا، بنبرة إنسان يتحدث لا فحيح مخلوق. تجمّد أورِن تمامًا. نظر إلى فمها بذهول لا يستطيع كبته، محاولًا أن يتأكد أن ما سمعه خرج من هذا الفم حقًا، لا من مكان آخر خلفه. استدار برأسه للحظة، نظر إلى القاعة الفارغة خلفه، ثم عاد بنظره إليها، وكأنه يبحث عن شخص آخر يمكن أن يكون مصدر ذلك الصوت.
لم يجد أحدًا.
"أنت… تتكلمين؟"
خرجت الكلمات متقطعة، بالكاد تشكل سؤالاً كاملاً. لم يستطع أن يكمل. حاول أن يفهم ما يحدث، أن يربطه بشيء يعرفه، لكن كل ما عرفه طوال حياته، القرية، الأرشيف، السجلات، حتى القصر والتجارب التي رآها هناك، لم يحضّره لهذا. لم يكن يعرف أن مخلوقات كهذه، تتكلم، تفكر، تسخر، يمكن أن توجد أصلاً.
"كيف…" بدأ يقول، ثم توقف، لأن السؤال نفسه لم يستطع أن يشكّل بقيته.
رفعت الأفعى رأسها أكثر، ونظرت إليه بتلك العينين السوداوين تمامًا، بلا أي علامة تكسر ذلك السواد. "حيوان؟" قالتها بنبرة تقترب من السخرية، لكنها لم تكن صاخبة، مجرد تعليق هادئ. "ألهذا الحد ضاقت عليك الدنيا؟"
لم يجد أورِن جوابًا. شعر بشيء يتزحزح في فهمه للعالم كله، شيء أعمق من الخوف الذي عرفه في القصر، أو في الزنزانة، أو حتى في ذلك الفراغ. كل تلك التجارب، رغم رعبها، بقيت ضمن حدود يستطيع تخيلها: بشر يفعلون أشياء فظيعة ببشر آخرين. لكن هذا شيء مختلف تمامًا، شيء يقول له إن حدود العالم التي ظنها واضحة ليست كذلك على الإطلاق.
لاحظت الأفعى قبضته على مقبض الخنجر عند خصره، وأضافت، بنفس النبرة الهادئة: "إذن اخترت أن تتعلم بالطريقة الأصعب."
تحركت.
لم تكن حركة سريعة بالمعنى الذي لا يمكن تتبعه؛ رأى رأسها يميل، ثم يلتف بسرعة مفاجئة، وجسدها الطويل ينزلق خلفها بحركة موجية واحدة قوية. اندفعت نحوه.
تحرك أورِن غريزيًا، محاولًا الابتعاد عن مسار رأسها، ونجح جزئيًا، شعر بحافة فكها تمر قريبة جدًا من كتفه دون أن تصيبه مباشرة. لكن جسدها، أو ما تبقى منه ملتفًا خلف رأسها، اصطدم بساقه وهو يتراجع، فسقط على جانبه، مرتطمًا بالأرض الحجرية.
نهض بسرعة، وحاول أن يفكر. تذكّر خنجره، لكن شيئًا في داخله أوقفه عن سحبه فورًا؛ لم يكن يعرف بعد كيف يواجه شيئًا كهذا، وشعر أن الهجوم المباشر لن يكون كافيًا.
رأى، على الأرض قريبًا منه، إحدى الأدوات المعدنية من حامل التدريب، سقطت أثناء اصطدامه، سكين تدريب بسيط. حاول أن يستخدم مساره، ركّز على السكين، وشعر بذلك التيار المألوف يتحرك، هذه المرة أهدأ من محاولاته السابقة تلك الليلة، ونجح في سحب السكين بسرعة نحو يده، ممسكًا به قبل أن تتمكن الأفعى من الاندفاع مرة أخرى.
لم يمنحه هذا وقتًا طويلاً للتفكير. رأى ذيلها يتحرك بزاوية جديدة، وأدرك متأخرًا أنها لا تهاجم من الاتجاه الذي توقعه. ضربه ذيلها في جانبه بقوة دفعته عدة أمتار، فاصطدم كتفه بحافة أحد الأهداف الخشبية المعلقة على الجدار، وسقط على الأرض، والألم ينتشر من كتفه إلى ظهره كله.
حاول أن ينهض بسرعة، لكن جسده لم يستجب كما اعتاد. تذكّر، بينما يدفع نفسه على يديه، أن السحر الجديد في داخله لا يزال غير مستقر، وأن كل استخدام له يكلفه أكثر مما توقع.
رفع نظره إليها مرة أخرى، بلا قصد، وشعر فورًا بشيء يتغير.
بدأ ثقل غريب يستقر في ساقيه، بطيء في البداية، ثم يتصاعد. حاول أن يقف، فوجد أن ركبتيه لا تحملانه بالسرعة المعتادة. حرّك أصابعه، فشعر أنها تستجيب متأخرة، كأن رسالة من عقله إليها تأخذ وقتًا أطول من المعتاد للوصول.
أبعد عينيه عنها بصعوبة، مجبرًا نفسه على النظر إلى الأرض، فشعر بالثقل يخف قليلاً، وكأن شيئًا تراجع عن جسده بمجرد أن قطع النظر.
نظر إليها مرة أخرى، بلا قصد، ربما بدافع الحاجة إلى معرفة مكانها، وعاد الثقل فورًا، أثقل هذه المرة.
فهم، دون أن يعرف لماذا، أن النظر إليها نفسه خطر.
حاول أن يقف بسرعة، مبقيًا نظره منخفضًا قدر الإمكان، لكن حركته كانت أبطأ مما ينبغي، وشعر ببرودة غريبة تتسلل إلى معصمه. نظر إليه فجأة، فرأى طبقة رقيقة رمادية اللون بدأت تظهر على طرف أصابعه، ملمس مختلف تمامًا عن جلده، أقرب إلى الحجر منه إلى اللحم.
لم يكن هذا شللاً عاديًا.
اجتاحه خوف من نوع لم يعرفه من قبل، خوف لا يتعلق بالموت وحده، بل بشيء أعمق، بفكرة أن جسده نفسه يتحول إلى شيء آخر، وأنه لا يملك أي وسيلة لفهم كيف يوقف ذلك.
بدأت نقطة سوداء صغيرة تظهر على إحدى قشور الأفعى، قرب رقبتها، ثم تحولت ببطء إلى عين صغيرة، ثم ظهرت أخرى بجانبها، وثالثة قرب جنبها، وكأن جسدها بدأ يتوسع في قدرته على مراقبته من زوايا لا يستطيع تجنبها كلها.
حاول أن يتراجع، أن يبقي مسافة بينهما، لكنه أدرك أن الأمر لن ينجح لوقت طويل. مع كل عين جديدة تظهر، كان عليه أن يجد زاوية جديدة يتجنب فيها النظر المباشر، وبدأت المهمة تبدو مستحيلة.
في تلك اللحظة، بينما يشعر بالطبقة الرمادية تزحف على أصابعه، مرّت فكرة في ذهنه، غريزية أكثر منها مدروسة.
إن كان يستطيع نقل الأشياء من مكان إلى آخر دون لمسها، أفلا يستطيع أن يأخذ هذا الشيء أيضًا، هذا التأثير الذي يزحف على جسده الآن؟
لم يكن يعرف إن كان هذا ممكنًا. لم يخبره أحد أن السرقة يمكن أن تمتد إلى شيء كهذا. لكنه لم يعد يملك خيارات أخرى.
ركّز، بكل ما تبقى من قوته، على الثقل الذي يشعر به في جسده، على تلك الطبقة الرمادية الزاحفة، حاول أن يجد حدودها كما اعتاد أن يجد حدود أي شيء يريد سرقته، وأن يسحبها بعيدًا عن نفسه.
شعر بمقاومة، لكن ليست كتلك التي عرفها في الفراغ. كانت هذه المقاومة مختلفة تمامًا، أشبه بمحاولة الإمساك بشيء لا حدود واضحة له، شيء أكبر بكثير مما يستطيع عقله أن يحيط به.
حدث الارتداد فجأة.
نظر إلى يده، فلم يفهم ما يراه.
كانت هناك، أمام عينيه، أصابع، راحة، معصم، لكن شيئًا في عقله رفض أن يربط بينها وبين نفسه. حدّق بها وكأنها شيء غريب سقط أمامه من مكان آخر، لا يعرف اسمه، ولا وظيفته، ولا حتى إن كان يستطيع تحريكه.
حاول أن يحركها، فلم يجد في ذهنه الرابط الذي يخبره كيف يفعل ذلك. شعر أن هناك فراغًا عند نهاية ذراعه، ليس غيابًا للحس، بل غيابًا لفهم وجودها من الأساس.
للحظة، لم يعرف حتى إن كانت لديه يد أصلاً.
كان هذا أكثر رعبًا من أي شيء آخر حدث تلك الليلة. لم يكن ألمًا، ولم يكن جرحًا. كان شيئًا ينكسر داخل إدراكه نفسه، وكأن جزءًا من فهمه لجسده انفصل عنه للحظة دون سابق إنذار.
استغلت الأفعى هذه اللحظة بالضبط.
اندفعت نحوه، بسرعة لم يستطع توقعها في حالته، وضربته برأسها في صدره بقوة هائلة. طار عبر القاعة، واصطدم بطاولة خشبية للتدريب، فتحطم جزء منها تحت وزنه، وسقط على الأرض بينها، الألم ينفجر في ظهره وصدره، ودم دافئ يبدأ بالسريان من جرح فوق حاجبه.
بقي ملقًى بين حطام الطاولة، يتنفس بصعوبة، جسده يرتجف من الألم والإرهاق معًا. نظر إلى يده مرة أخرى، فوجدها هناك، طبيعية، تتحرك حين يحاول تحريكها، وشعر براحة صغيرة حين عاد ذلك الفراغ الإدراكي المخيف إلى الاختفاء بقدر ما ظهر فجأة.
رأى، على مقربة منه بين قطع الخشب المتحطمة، مسمارًا معدنيًا صغيرًا سقط من الطاولة. حاول أن يستخدم مساره مرة أخرى، بحذر أكبر هذه المرة، مركزًا فقط على ذلك الشيء المادي الصغير، لا على أي شيء أكبر من فهمه. شعر بالتيار يستجيب، أضعف من قبل، لكنه استجاب، وسحب المسمار نحوه ببطء، أمسك به بأصابع لا تزال ترتجف.
نجح.
لم يكن هذا نصرًا بأي معنى، لكنه أكد له شيئًا واحدًا: قدرته لم تختفِ. ما حدث قبل قليل لم يكن فشل السرقة نفسها، بل نتيجة محاولته الوصول إلى شيء أكبر بكثير مما يستطيع فهمه أو التحكم فيه.
اقتربت الأفعى منه ببطء، حركتها الآن أقل استعجالاً، وكأنها تعرف أنه لم يعد يشكل خطرًا حقيقيًا. اقترب رأسها منه أكثر فأكثر، حتى أصبح على مسافة قريبة جدًا من وجهه، عيناها السوداوان، وكل تلك العيون الصغيرة الإضافية المنتشرة على جسدها، مثبتة عليه.
حاول أن يتراجع، فوجد جسده بالكاد يستجيب، مثقلاً بالإرهاق والألم وذلك الرعب الذي لا يزال عالقًا في صدره منذ لحظة فقدانه إدراك يده.