القصة الجانبية: حكايات من روسيا (15)
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
رغم أنّ [روين] كانت تتحدّث بإخلاص، فإنني لم أستطع أن أثق بها ثقةً تامّة.
لم أكن أعلم ما نوع المفاجآت التي قد ترمي بها إليّ، لا سيّما بالنظر إلى ما حلّ بجسدها ونفسها من إنهاك. وكما سرّبت إلينا معلومات عن الباحثين الكنديين، كان عليّ أن أضع في اعتباري احتمال أن تقوم بالمثل تجاهنا وتنقل أسرارنا إلى [جاك]. كانت امرأة ذكية، ولا بدّ أنها تعرف أن اللعب على الحبلين قد يزيد من فرص نجاتها.
أخذت أدرس كل الاحتمالات الممكنة، فيما كنت أترقّب وصول الطائرة الرابعة.
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
في أحد أيام الصيف المشمسة، توجّهت إلى مطار [فلاديفوستوك] في الوقت المحدّد لوصول الطائرة الرابعة. وبينما كنت واقفًا قرب مدرج الهبوط، اقترب [جاك] ومجموعة من الباحثين الكنديين مني بخطى وئيدة.
قال [جاك] بابتسامته الباهتة المعتادة:
"ما رأيك أن نمنح الجنود يومًا من الراحة بعد وصول هذه الطائرة؟"
"راحة؟"
"هؤلاء الناس ظلّوا يعبرون المحيط الهادئ لأجلنا بلا توقف، دون أن ينالوا قسطًا من الراحة. أودّ دعوتهم لعشاء جيّد الليلة."
"حسنًا"، أجبت وكأن الأمر لا يعنيني كثيرًا.
ابتسم [جاك] بارتياح. "وسيصل الناجون الكنديون في الطائرة الخامسة."
اهتزّ حاجباي لا إراديًّا عند سماع تلك الكذبة السافرة، لكنني كنت أعلم منذ البداية أن هذه الطائرة الرابعة ستكون الفاصل في معرفة صدقه من كذبه. أدرت رأسي متظاهرًا بأنني لا أعلم شيئًا عمّا جرى في كندا.
سألته بدلًا من المواجهة: "ألم تقرر أنك ستجلب الناجين على متن الطائرة الرابعة؟"
قال [جاك]: "كنت أودّ ذلك بالطبع، لكن… هناك كائن على متن هذه الطائرة لم تتح لي الفرصة لإخبارك عنه… كائن قال الناجون إنهم لم يشعروا بالارتياح في وجوده."
"كائن لم تخبرني به؟ ما هو؟ مخلوق أسود مثلاً؟"
"أوه، قطعًا لا. لكن، هل تذكر حين سألتني عمّا إذا كان هناك زومبي بعيون حمراء في كندا؟ هل تتذكّر ذلك؟"
بالطبع كنت أذكر. حينها أخبرني أنهم قد أبيدوا جميعًا. ومع أنني كنت أعي كلّ شيء، تظاهرت بالجهل.
"هل سألتك عن ذلك فعلًا؟"
"نعم، وقد قلت لك حينها إنه لم يبقَ أيّ منهم."
"و…؟"
"في الحقيقة، كان لدينا واحد. أبقيناه حيًّا لأغراض البحث."
"هل يعني هذا أنه على متن هذه الطائرة القادمة؟"
"نعم. وسنكمل حديثنا عنه فور وصول الطائرة."
أومأت له بصمت وانتظرت قدوم الطائرة.
بعد قليل، ظهرت الطائرة وهي تخترق الغيوم البيضاء من بعيد، ثم هبطت أمامنا، وانفتح بابها المحكم. اندفع منها عدد من الجنود اليائسين، تبدو عليهم علامات الانهيار. تقدّم أعلى رتبة بينهم نحو [جاك]، واستجمع أنفاسه قبل أن يتحدّث.
"يا دكتور، لدينا حالة طارئة."
"ما الأمر؟"
"المعهد الكندي… استولى عليه الزومبي."
"ماذا؟"
اتسعت عينا [جاك]، وفتح فمه في ذهول، ثم وضع يده على جبهته كأنّه مصاب بدوار مفاجئ.
"يا دكتور!"
أسرع بعض الباحثين لمساعدته على الوقوف. طمأنهم بأنه بخير، ثم عاد ليسأل الجندي:
"الناجون… ماذا حلّ بهم؟"
"فيما يخصّ ذلك…"
قطّب الجندي جبينه ونظر إلى الأرض، بينما بدأت الدموع تنهمر من عيني [جاك]، وهو يلوم نفسه بحرقة.
"كلّه… كلّه خطئي. كان يجب أن أُحضِرهم أولًا. لا أعلم لماذا استعجلت بالمجيء…"
ظلّ [جاك] يجهش بالبكاء، وراح الباحثون الآخرون يتظاهرون بالحزن أيضًا. أما أنا، فقد كنت مذهولًا من قدرته على التمثيل.
لم تكن هناك طائرة خامسة أبدًا. فلم يكن هناك سبب آخر لذكر سقوط المعهد الكندي أو هلاك الناجين، سوى التغطية على أكاذيبهم. وبينما كنت أراقبهم، كدت أصفّق لهم من أعماق قلبي. كانت مهاراتهم التمثيلية مذهلة بحق.
وأنا أتابع [جاك] وباقي الباحثين الكنديين، لم يسعني إلا أن أتساءل عمّا إذا كانت [روين] قد كذبت بدورها. التفتُّ نحوها، فلاحظت أنها الوحيدة التي بدت في منتهى الهدوء.
سألت الجندي مباشرة: "أين ابني؟"
عند سؤالها، أشار الجندي إلى زملائه في الخلف. فدفع الجنود نحوها جسما مستطيلا، عرضه متر ونصف، وارتفاعه متران. ومن الهواء البارد الذي كان يلفّه، بدا أنهم جمّدوا جسد ابنها باستخدام تقنية متطوّرة. غير أنّه، حتى مع التجميد الكامل، لم يكن من المؤكد أنه سيستفيق مجددًا.
وحين اقتربتُ من الكبسولة، بدأ [جاك] بالكلام مجددًا، وهو يمسح دموعه عن وجهه.
"الزومبي الذي كنت أُشير إليه… هو داخل هذه الكبسولة."
"هل قمتم بتجميده؟"
"لو كان بشريًّا عاديًّا، لمات فورًا بنوبة قلبية. لكن الكائنات مثلكم لا تموت. الفيروس ينبض بالحياة فور إذابة الجسد."
هذا الفيروس، باستثناء تحويله صاحبه إلى زومبي، كان في حد ذاته خلودًا حيًّا. أخذ [جاك] نفسًا عميقًا ليلملم شتاته، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
"أعتذر. لا أصدّق أنني بكيت أمامكم رغم سني المتقدمة."
"لا بأس."
"لست أدري إن كنت قد سمعت ما قالته [روين] آنفًا، لكن الزومبي داخل الكبسولة هو ابنها."
"وهل هذا سبب إبقائكم إيّاه حيًّا واستخدامه كموضوع للبحث؟"
"لم يكن أمامي خيار آخر. قائد القوات التي كانت تحرس المعهد كان سيقتله حتمًا. لقد أنقذت هذا الطفل… حرفيًّا."
كان كذّابًا محترفًا إلى حدٍّ أخافني. لم أعد أميّز إن كانت هدوءه نابع من حكمة السنين أم من نفسية مريضٍ اجتماعي. كان يجب أن أعرف ذلك منذ زمن.
أومأت برأسي قليلًا. "هيا بنا إلى المختبر."
كان عدد الجنود القادمين في الطائرة خمسين جنديًّا. وكان [جاك] قد ذكر أن العدد الإجمالي مئة وخمسون عند قدومه الأول، لذا ربما لم يكن الجندي يكذب تمامًا بخصوص سقوط المعهد الكندي.
تشتّتَ ذهني قليلاً بينما كنت أقود الجنود إلى مهاجعهم. وحتى إن كانت هذه الخمسون قد نجت بالكاد من المعهد، فإن أحدًا منهم لم يكن مغطّى بدماء الزومبي، وكنت على يقين أنهم لم يغتسلوا داخل الطائرة.
وهذا ما عزّز من صدق رواية [روين].
مهما بلغت العجلة، يصعب تصديق أن الجنود قد تركوا المدنيين خلفهم وهربوا. من الطبيعي أن يكون الجنود آخر من يركب الطائرة. وكلّما فكّرت بالأمر، ازددت اقتناعًا بأن ما قالته [روين] عن عدم وجود ناجين كان هو الحقيقة.
تساءلت ما إن كان [جاك] يعلم بأنّ روايته غير منطقية. محاولته التأثير عليّ عاطفيًّا كانت أسوأ من الصمت. لقد بقيت على قيد الحياة حتى الآن لأنني كنت أحكم كل موقف بعقلٍ بارد، وأتّخذ قراراتي على أساس أفضل الاحتمالات الممكنة. أمّا المناشدات العاطفية الفارغة، فلم تكن إلا وقودًا لغضبي.
وبعد أن وصلنا إلى المهاجع، شكرتُ الجنود على جهودهم، وطلبت منهم أن يستحمّوا ويرتاحوا. شكروني، ثم دخلوا. وبعد أن تأكدت من دخولهم جميعًا، هرعت عائدًا إلى المأوى حيث ينتظرني قومي.
وما إن دخلت، حتى بادرني [تومي] بقلقٍ واضح:
"السيد [لي هيون-دوك]، هل كانوا فقط الجنود هذه المرة؟ لا توجد إمدادات؟"
أجبته بنبرة جادّة: "أعتقد أن [جاك] قد اكتشف الأمر."
[تومي] أمال رأسه وحدّق بي في حيرة.
أخذت نفسًا عميقًا: "الأمر سيقع اليوم."
"عفوا؟ أيّ أمر سيقع؟"
"الجنود الذين وصلوا اليوم… سيقتلونكم."
ظهرت علامات الذهول على وجه [تومي].
"انتظر، لماذا؟" سألت [إلينا] وهي تقف إلى جانبه. "هذا مفاجئ تمامًا. ما الذي يجعلك تعتقد هذا؟"
"هل سبق لك أن سمعت عن قاتلٍ يمنح ضحيته إنذارًا مسبقًا؟"
أما الناجون الروس في الخلف، الذين كانوا يصغون لما يدور، فقد عقدوا حواجبهم بانزعاج. بدا عليهم أنهم لم يستوعبوا لماذا أفكر في أمرٍ كهذا.
“حسنًا، لكن قتلنا سيكون بمثابة حفر قبورهم بأيديهم. أتعتقد فعلًا أنهم سيقدمون على قتلنا؟”
"لا، أنت مخطئ في هذا. حتى لو متّم أنتم… [جاك] لن يموت. هو يعلم أنه لن يموت."
"لكننا نملكك أنت… هل تنوي التخلّي عنّا؟"
"لا، ليس هذا ما أقصده. فكّروا جيدًا. من سيتولّى تطوير العلاج إذا متّم أنتم؟" قلتها بهدوء.
تنفّس الجميع بعمق، وأومئوا برؤوسهم، وكأنهم فهموا أخيرًا ما كنت أحاول قوله. إن مات الباحثون الروس والناجون هنا… فلن يتبقّى أمامي سوى خيارٍ واحد.
كان [تومي] يفرك ذقنه وكأنه أدرك أخيرًا خطة [جاك] الكاملة. "أأنت تقول إن الباحثين الكنديين كانوا يربّون الثقة بينك وبينهم طوال هذا الوقت كي تُسقط حذرك، والآن بعد أن اعتقدوا أنك وثقت بهم، سيكشفون عن وجوههم الحقيقية؟"
"نعم. لو لم تكن [روين] قد زوّرت فعالية التخدير، لكانوا قد خدعونا بالكامل."
زمّ [تومي] شفتيه بإحكام، وقطّب جبينه بقلق.
تنفّس ثم قال: "حسنًا، ما خطتك؟ سأساعدك."
"الآن، عودوا إلى مهاجعكم. أتباعي سيكونون هناك. لا تفزعوا، فقط اختبئوا في خزانات الملابس أو أي مكانٍ آخر."
"ثم ماذا؟ ما الخطوة التالية؟"
"لا تخرجوا حتى أصل بنفسي."
"تريدنا أن نبقى في الداخل؟ هذا سيجعلنا نبدو أكثر إثارةً للريبة."
"وهذا هو الهدف. علينا أن نبدو مريبين، حتى يُسرّعوا تنفيذ خطتهم."
"ألا يمكننا فقط أن نهاجمهم ونقتلهم جميعًا الآن؟" قال [تومي] وهو يحكّ رأسه.
"لا. فكّر بالأمر. إذا علموا أنهم سيموتون، ماذا تظن أنهم سيفعلون؟"
"… هذا معقول…"
"ماذا لو فجّروا قنبلة يدوية داخل المختبر؟ لديهم أيضًا قذائف هاون. أترى أنهم سيكترثون للبحث العلمي وهم على حافة الموت؟"
“…”
"علينا أن نقضي عليهم دفعة واحدة. يجب أن نُنهيهم بطريقة تمنعهم من إلحاق أي ضرر بنا." قلتها بنبرة حاسمة.
أومأ [تومي] برأسه. "أنت تعني أننا يجب أن ننتظر حتى يبادروا بالهجوم، أليس كذلك؟"
"بالضبط. لذا، عودوا الآن إلى مهاجعكم."
"إذن… أترك الباقي بين يديك، أيها السيد [لي هيون-دوك]."
خرج الجميع من قاعة المأوى، فيما أخذتُ نفسًا عميقًا وأعددت نفسي لوليمة العشاء الأخيرة.
بذلت جهدًا حتى في ذبح بعض الخنازير لإعداد العشاء للجنود. كنت أغلي من الغضب وأنا أقدّم اللحم لهؤلاء الذين سأقتلهم قريبًا، لكنني رأيت في الأمر وسيلة لإخفاء نواياي عن [جاك] المتنبّه دومًا. بدا [جاك] متحمّسًا لفكرة حفلة الشواء في الهواء الطلق، إذ لم يتسنّ له الاستمتاع بها منذ زمن طويل.
"بالمناسبة، أين [تومي] والباقون؟"
"قال إنه يشعر بتوعك. زرته في المهجع قبل المجيء إلى هنا."
"ههه، أتُراه يعاني من أعراض جانبية للقاح؟"
قهقه [جاك] وهو يشاهد لحم الخنزير يشوي ويُصدر طقطقته الشهية، بينما كان عبق الدخان يتصاعد في الأرجاء. كان يبتسم، لكن ارتجاف أصابعه فضح توتره. بدا أنه عاجز عن إعطاء الأمر للجنود بالهجوم ما دمتُ واقفًا بجانبه. فقرّرت أن أمنحهم فرصة تنفيذ خطتهم.
اقتربت من الشواية، وقلت للجندي الذي يمسك بالملقط:
"أعطني الملقط، سأشوي بنفسي."
مددت يدي اليمنى، لكن الجندي نظر إليّ بذهول ورفض إعطائي الملقط. بدا وكأنهم لا يفهمون الإنجليزية. في الحقيقة، لم يكونوا جنودًا على الإطلاق، بل مجرد إرهابيين.
وحين أشرت بأصبعي نحو الملقط، تنبّه الجندي وقال شيئًا غير مفهوم، ثم ناولني إياه.
"سأحرص على أن يكون مشويًا لذيذًا." قلت لـ[جاك] بنبرةٍ مرحة.
حين سمع صوتي، استدار فجأة ونظر إلى أحد الباحثين الكنديين، فتبادلا النظرات، ثم أومأ برأسه مبتسمًا. عرفت عندها أن خطّتهم قد بدأت.
وفي اللحظة نفسها، أصدرت أوامري لأتباعي عبر التواصل العقلي:
"أنتم في المهاجع، انتبهوا. اقتلوا أي إنسان يقترب وهو يحمل سلاحًا. واحموا من أمرتكم بحمايته فقط."
وحين وصلتني ردودهم، أرسلت تعليماتي للمتحولين من المرحلة الأولى و[جي-أون]:
"انتظروا أمام الجدار الخارجي. وحين أعطيكم الإشارة، اقفزوا فوقه."
كان هذا هو السبب في إقامة حفلة الشواء قرب الجدار الخارجي لمقرّ الأبحاث، بدلًا من ساحة أوسع. كنت قد أقنعت الكنديين بأنّ هذا أفضل مكان لرؤية النجوم، لكن الحقيقة أنّه كان موضعًا مثاليًّا لكمين. المكان بعيد عن المختبر، ومكشوف بشكل يسمح برؤية أيّ تحرك.
الآن، لم يبقَ سوى أن أنتظر حركتهم الأولى. وما إن يتحرّكوا… سأقضي على كلّ من هنا. كنت قد وضعت علاماتٍ ذهنية على كلّ فرد، حتى لا يفلت أحد منهم حين تصدر الإشارة.
لكن، إن لم تُنفَّذ خطّتهم في تلك الليلة… فلن يكون أمامي خيار سوى الشكّ في [روين]. كنت آمل أن يؤدّي تسرّع [جاك] إلى وقوع الأمور كما رسمتها.
نظرت إلى الباحث الجالس قرب [جاك]، شعره بني داكن. كنت أنوي إبقاءه على قيد الحياة، حتى لو قتلت الباقين جميعًا. فهو من يُخفي بيانات العلاج، وسأنتزعها منه بالتعذيب شيئًا فشيئًا حتى ينهار.
بانغ—!
في تلك اللحظة، دوّى صوت طلق ناري في أرجاء المكان.
"وآااا!!!"
"غرررر!!"
تعالت صرخات الزومبي وعويل البشر في أنحاء المختبر. تمامًا كما توقّعت، جاءت من مهاجع الناجين الروس. لمع وهجٌ أزرق في عينيّ، فأرسلت أوامري لأتباعي:
"لقد حان وقت التنفيذ."
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
ترجمة:
Arisu-san