القصة الجانبية: حكايات من روسيا (9)
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
تأقلم الباحثون الكنديون بسرعة مع بيئتهم الجديدة.
أبدى بعضهم إعجابًا بتنظيم المعهد الروسي، بينما أبدى آخرون اهتمامًا بثبات التيار الكهربائي فيه. أما [جاك]، فلم يستطع كتمان حماسه بعدما تفقّد مرافق المختبر الروسي.
قال:
"بصراحة، كنا ننظر إلى [روسيا] نظرة دونيّة من الناحية التقنية حتى الآن. لكن بعد رؤيتي لهذا المرفق، أظن أن الحمقى كنّا نحن."
قابل [تومي] صراحته بابتسامة.
"إنه حقًا أمرٌ مذهل. بصراحة، إن كنا نتحدث عن التكنولوجيا فقط… فهل تظن أن هناك دولة تتفوّق على [كوريا]؟ دكتور [جاك]، هل سبق أن زرت [كوريا]؟"
أجاب [جاك]:
"لم أفعل. لكنني سمعت كثيرًا عن تفرّد التكنولوجيا الكورية. هل تعتقد أنها أفضل من هذه التي نراها هنا؟"
"ستُذهل لو رأيت ذلك بنفسك. لولا بيانات أبحاث اللقاح، لبقيتُ أُجري بحوثي في [كوريا]."
كنت أتنصّت على حديثهما وذراعاي معقودتان. وتغيّرت ملامحي فجأة، ما دفع [كيم هيونغ-جون] للتعليق:
"أيها العم، ما بك تتجهّم هكذا؟ ما الذي يزعجك هذه المرّة؟"
"هاه؟"
"تبدو وكأنك ابتلعت ليمونة. لا بد أن شيئًا ما يضايقك الآن."
"فقط… الأمر بات غريبًا بعد تزايد عدد الناس هنا."
"أوه، لا، أنا أعرف تمامًا أن هذا ليس السبب الحقيقي. هل هو بسبب العلاج؟"
عضضتُ شفتي وحدّقت بعيدًا. بعد سنوات من العيش معًا يوميًا، بات من المستحيل علينا إخفاء مشاعرنا أو أفكارنا. كنا نقرأ بعضنا البعض من تعابير الوجه فقط. لقد عرف فورًا ما كان يجول في خاطري. أردت أن أعرف إلى أي مدى تقدّم الباحثون الكنديون في تطوير العلاج.
سخر [كيم هيونغ-جون] وتابع:
"أعني، إن كنت بهذا الفضول، فقط اذهب واسألهم."
"لا بأس. ثمّ ما الفائدة من التصرّف بتوتّر؟ على الأرجح لن يكونوا سعداء إن طلبت منهم مشاركة بياناتهم البحثية الآن، وهم بالكاد وصلوا."
"لا، هذا لا يُعد توتّرًا. تذكّر، نحن من قبلنا بانضمامهم إلينا. لذا أقول إن سؤالك عن العلاج أمرٌ طبيعي تمامًا."
"حسنًا إذًا، إن كنت بهذا الفضول، لمَ لا تذهب وتسألهم بنفسك؟"
ابتسم [كيم هيونغ-جون] وقال:
"أيها العم، أنت تعلم أنني لا أتحدث الإنجليزية."
أخذني على حين غرة، ولم أتمالك نفسي من الضحك.
هذا الماكر… جرّني للحديث ثم انسحب في اللحظة الأخيرة.
لكنّه كان محقًا. لن يضرّ أن أسألهم مباشرة. ومع ذلك، تنهدتُ وتقدّمت لأقف بين [تومي] و[جاك]، قاطعًا حديثهما.
قلت:
"أعتذر لمقاطعتي، لكن وددت أن أعرف إلى أيّ مدى وصلتم في تطوير العلاج."
بدا الارتباك على وجه [جاك] من سؤالي المفاجئ، لكن ابتسامته سرعان ما عادت.
"ما الذي تودّ معرفته؟"
"نحن نعلم أن الفيروس له علاقة بالسيروتونين. أودّ أن أعرف ما اكتشفتموه أنتم، الكنديون، عن هذا الفيروس."
فرك [جاك] ذقنه بتأنٍّ بعد سماع كلامي، ثم أجابني بعد لحظات. لكنّ إجابته كانت مليئة بالمصطلحات العلمية الغريبة التي لم أفهمها، كما أن سرعته في الكلام لم تساعد. وقفت مشدوهًا، لا أعرف ما أقول. فتدخّل [تومي]، وهو يحكّ صدغيه.
سألني:
"السيد [لي هيون-دوك]، هل تفهم كل ما يقوله الدكتور [جاك]؟"
"بصراحة… لا."
"بما أنني لا أعرف تفاصيل العلاج بدوري، فسأجلس معه وأترجم لك ما يقوله لاحقًا. هل يناسبك هذا؟"
"نعم."
وعندها، قاطع [تومي] حديث [جاك] ودعاه إلى الداخل لمواصلة الحديث. هزّ [جاك] كتفيه وابتسم بسعادة. كان يملك ملامح رجل طيب من الجيران.
شرح لي [تومي] باختصار ما فهمه من [جاك]. أخبرني أن تطوير العلاج يتطلّب أولًا فهم سبب التليّف.
التليّف.
كنت قد سمعت كثيرًا عن تليّف الرئة، وتليّف الكبد، وتليّف الجلد، لذا كنت أعلم ما هو هذا المرض، وأعراضه المصاحبة.
سألته، وأنا أدلك صدغَيّ:
"هل تقصد أن جسدي يمرّ بمرحلة تليّف؟"
"بالضبط. قال إن السبب وراء صعوبة تطوير العلاج في الوقت الحالي هو التليّف. وكما تعلم، لا يوجد علاج للتليّف."
"أليس التليّف… مرضًا يصيب من يدخّنون كثيرًا؟"
"بدقّة أكثر، أغلب الحالات ناتجة عن التعرّض للإشعاع، أو تصلّب الرئتين بعد امتلائهما بالسوائل. لكن حتى أشخاصًا عاديين قد يصابون بتليّف الرئة."
تنهدتُ وحككت رأسي. لم أدرِ كيف أتعامل مع هذا الشعور بالمرارة في صدري. لم يكن هناك علاج للتليّف قبل أن يتغيّر العالم إلى هذا الحد، ما يعني أنه علينا الآن تطوير علاج للفيروس والتليّف في آنٍ واحد. لم يسعني إلا أن أشعر باليأس، كأنه أمر مستحيل.
سألته، وأنا أُرجع شعري إلى الخلف:
"هل من طريقة؟ لا، دعني أُعيد صياغة السؤال. هل هذا البحث يستحق العناء؟"
"بالنسبة للقاح، يمكننا الاستفادة من السيروتونين والإندورفين لإعادة الجسد إلى حالته قبل ظهور التليّف. لكن، بالطبع، علاج من هم مصابون بالفعل سيكون بالغ الصعوبة."
"ألم تقل إنني أستطيع الشفاء؟ لقد قلت لي أن أؤمن بك!" عبست في وجهه.
نظر إليّ [تومي] بدهشة.
"سأجعل ذلك ممكنًا. مهما حصل، سأُكمل تطوير العلاج قبل أن أموت."
"وكم سننتظر بعد؟"
"ذلك…"
"ابنتي في [جزيرة جيجو]. جئت إلى [روسيا] من دون أن أُودّعها كما ينبغي. وها قد مرّت أربع سنوات… كم عليّ أن أنتظر بعد؟"
دون أن أشعر، وجدتُ نفسي أواجهه بعاطفتي، مدفوعًا بالإحباط. بلّل [تومي] شفتيه الجافتين، وأشاح بنظره، غير قادر على الرد.
لقد تركتُ [سو-يون] ذات الأعوام الثمانية، وهي الآن في الثانية عشرة من عمرها. أولئك الذين أثق بهم يحمونها ويقفون إلى جانبها… لكن التأخير المستمر كان مؤلمًا لي للغاية. السبب الذي دفعني إلى تطهير الزومبي، كان في الأصل لأتخلّص من هذه الأفكار الكئيبة.
كان لا بد لي من التحرك، أو أن أفعل شيئًا على الأقل، حتى لا أفكر في رغبتي الجامحة بالعودة إلى [جزيرة جيجو]. وبينما كنت أشدّ شعري بصمت، تنحنح [تومي] وتكلّم.
"يحدث التليّف أيضًا عند ابتلاع السموم. ويزداد سوءًا عند التعرّض للأوكسجين."
"الأوكسجين يسرّع المرض؟"
"نعم. لهذا السبب، بعض الأطباء يتوقفون عن إعطاء الأوكسجين للمرضى في المراحل النهائية من التليّف."
"يقطعون الأوكسجين؟ هل تعني أنهم يُخضعونهم للقتل الرحيم؟"
"حسنًا… إن لم يتنفسوا سيموتون، لكنهم سيموتون حتى إن تنفسوا. كأنهم أحياء لكنهم ليسوا كذلك."
تنهدتُ ونظرت إلى وجهه بذهول. لم أفهم لمَ كان يخبرني بهذا. هل يريدني أن أموت؟
رأى [تومي] ملامحي، ولوّح بيده بسرعة، وقال:
"بالطبع، لا أطلب منك الخضوع للقتل الرحيم! كلامي لم يكن واضحًا… أعتذر."
"إذن، ما الذي كنت تحاول قوله؟"
قال [تومي]، وقد بدت عليه الجدية:
"ما كنت أحاول قوله… إن التليّف الذي نعرفه، والتليّف الذي تُعاني منه، قد لا يكونان متماثلين."
"هلّا أوضحت أكثر؟ لا أفهم…"
"التليّف يتسارع بسبب زيادة الأوكسجين. لكن كيف هو حالك وحال البقية؟ أنتم تركضون أفضل من أي أحد آخر، وتملكون قدرة رئوية ممتازة."
هدّأ هذا الجواب اضطرابي شيئًا فشيئًا كلما فكّرت فيه. كانت الأعراض التي أعاني منها مختلفة تمامًا عن تلك التي يسببها التليّف العادي. لم يسعني سوى أن أتساءل عن طبيعة التليّف الذي يتحدث عنه [جاك] و[تومي].
بلعت ريقي وحدّقت في [تومي] الذي تابع كلامه:
"النسيج الجلدي للمخلوق الأسود تحوّل إلى اللون الأسود. وهذا يعني أن الفيروس الذي يستهلك السيروتونين يستطيع أيضًا أن يلتهم نسيج الجلد البشري، ما يعني أن الأعضاء الداخلية لن تتصرف بطريقة مختلفة."
"وماذا بعد؟"
"ربما التليّف الذي يحدث لك وللآخرين سببه سمّية فيروس الزومبي. وهذا النوع من التليّف يُشبه ما نعرفه حتى الآن، لكنه يختلف عنه في جوهره."
“…”
"بدراسة حالتك وحالة الآخرين، قد نتمكن من تطوير علاج للتليّف لم نستطع التوصّل إليه من قبل."
"انتظر. إذًا الأمر ليس كأنني أُضرب ثم أحصل على قبلة شفاء، بل كأنني أُضرب مرتين لاستخلاص علاج؟ أليس هذا شبيهًا بمقولة (خطآن لا يصنعان صوابًا)؟ أيّ نوع من المنطق هذا؟"
نظرت إليه بذهول، وأومأ [تومي] برأسه بثقة. وإن كنت قد فهمت كلامه بشكل صحيح، فإن فيروس الزومبي يلعب دور السمّ، مما يسبب استجابة تليّفية. وبسبب ذلك، أصبح من الممكن الآن تطوير علاج للفيروس وللتليّف في آنٍ معًا.
لكن بالنسبة لشخصٍ عادي مثلي، بدا كلّ هذا محض هراء. وضعت وجهي بين كفّيّ وطرحت سؤالًا آخر:
"قلتُ هذا سابقًا… لكن كيف يختلف هذا عن القول إن بالإمكان علاج الإيدز باللوكيميا؟"
"ذلك، بالطبع، هراء. ولكن، انطلاقًا من هذا الهراء، استطعنا تطوير عيّنة تستطيع القضاء على المخلوقات السوداء."
“…”
"لا توجد إجابات صحيحة في هذا العالم. حين يُجرى البحث بنيّة الوصول إلى إجابة، قد تنشأ فيروسات لم تكن مقصودة، وقد يُطوَّر علاج لأمراض أخرى دون قصد."
أغمضت عينيّ. ذكّرتُ نفسي بأنه شخص يسعى جاهدًا لعلاجي. صحيح أن نظرات [إلينا] لي، وكأنني عينة بحث، كانت تبعث فيّ القشعريرة، لكنها بدورها كانت تبذل جهدها لتطوير علاج.
تنهدت بعمق.
"إذًا، ماذا تريدني أن أفعل؟" سألت [تومي].
"أول ما يجب فعله هو أخذ صورة أشعة، لنتفقد مدى تقدم التليّف."
"هل بإمكاننا أخذ صور أشعة؟ لا نملك الأجهزة اللازمة."
"بلى. هناك معدات في المستشفى العام في [فلاديفوستوك]."
"إذن، فلنذهب. لنُنهي هذا الأمر ونحن على ما نحن عليه."
حين نهضتُ مستعدًا للمغادرة، أومأ [تومي] بحماسة وبدأ هو الآخر بالتحضير. [جاك]، الذي كان يراقب حديثنا بصمت، راح يحدّق بيني وبين [تومي] في حيرة. كان من الطبيعي أن يرتبك، فنحن تحدّثنا بالكورية طوال الوقت. فطمأن [تومي] الباحثين الكنديين وشرح لهم باختصار سبب خروجنا المفاجئ.
وما إن أدرك [جاك] السبب، حتى أشرق وجهه وتمنى لنا السلامة. عرضت [إلينا] و[أليوشا] مرافقة الباحثين الكنديين إلى أماكن إقامتهم وإرشادهم إلى الكافتيريا.
فجأة، ناداني [كيم هيونغ-جون] من خلفي:
"أيها العم."
استدرت، فوجدته يقترب مني وهو يفرك عنقه.
همس في أذني:
"أيها العم، أنت تفتقد بعض الأعضاء، أليس كذلك؟ هل تظن أنهم يعرفون ذلك بالفعل؟"
"سنتحدث في ذلك لاحقًا. رأسي يؤلمني من كثرة ما قاله [تومي]. ثم إنهم سيتبيّنون الحقيقة بأنفسهم حالما يرون صور الأشعة."
"ما الأعضاء التي تفتقدها مرة أخرى؟"
"كل شيء بين معدتي وأمعائي الدقيقة."
"آه، إذًا رئتاك لا تزالان سليمتين؟ لا عجب أنك كنت بارعًا في الجري."
"أوه بحقك… هل هذا وقت المزاح؟"
قطبت جبيني، بينما ابتسم [كيم هيونغ-جون] وقال:
"أيها العم، لا يمكن أن تسوء الأمور أكثر من هذا، أليس كذلك؟ ثم إنك إن كنت مضطرًا لفعل هذا، فافعله على الأقل بابتسامة."
“…”
لم يكن لديّ ما أقول، لأننا كنّا في القارب ذاته. فكما أن [سو-يون] كانت في [جيجو]، فإن زوجته وابنه أيضًا كانا هناك. والآن، بعد مرور أربع سنوات، فالطفل الذي لم يكن قد تعلّم الكلام حين غادر [كيم هيونغ-جون]، لا بدّ أنه بات الآن قادرًا على المشي، والركض، والكلام.
لم أستطع أن أتصوّر مقدار الشوق الذي يعتصر قلب [كيم هيونغ-جون] لرؤية ابنه. ومع ذلك، لم يُظهر ضعفًا قط. كان دومًا دعامة قوية لي، يعتني بي كي لا أنهار. وكنت أظن أحيانًا أنه أنضج مني.
هدّأت نفسي وأخذت نفسًا عميقًا، ثم نظرت إليه:
"أنا سعيد لوجودك معي."
"أوه، لا أصدق أنك قلت هذا من دون أن ترتجف حتى!"
"دعك من ذلك… هل وصلتك رسائل من الآخرين؟"
"سمعت أنهم انتهوا من تطهير [كوريا الشمالية] قبل أيام؟ أظن أنهم يستعدون للنزول إلى [كوريا الجنوبية] قريبًا."
"تأكّد من تنبيههم إلى الألغام في المنطقة منزوعة السلاح. يجب أن يُرسلوا تابعيهم أولًا قبل أن يتحركوا هناك."
.
حتى العام الماضي، كنّا أنا و[كيم هيونغ-جون] نقوم بتطهير الزومبي، ثم قررنا أن نأخذ أدوارًا بالتناوب، مراعاةً لـ[دو هان-سول]، و[كيم داي-يونغ]، و[جونغ جين-يونغ]. ففي فترة غيابنا، كانوا يركّزون على الدفاع. وكانوا بحاجة إلى أن يتنفسوا هواءً نقيًا، وأن يحرّكوا أجسادهم المتيبّسة. فتبادلنا المهام، فأصبحنا الآن أنا و[كيم هيونغ-جون] في موقع الدفاع، بينما يتولى الآخرون تطهير شبه الجزيرة الكورية.
أومأ [كيم هيونغ-جون]:
"حين تعود من المستشفى العام، سأذهب لتفقّدهم. لا تتأخر، أيها العم."
"أوه، كدت أنسى. تفقد الكشافة في طريقك إلى شبه الجزيرة. راجع الحدود بين [كوريا الشمالية] و[الصين] مجددًا."
"حسنًا، حسنًا. انطلق الآن، أيها العم."
ضحكت وربّتّ على ساعده بخفّة، ثم نظرت إلى [تومي].
"لنذهب. أمامنا علاج لنُكمله."
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
ترجمة:
Arisu-san