▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الخاتمة: وجهة نظر [سو-يون]
❃ ◈ ❃❃ ◈ ❃❃ ◈ ❃
أبي، أبي! لا تذهب…! لا تذهب!!!
مهما صرخت، لم يلتفت [أبي] إليّ. وعلى الرغم من أنني بذلت قصارى جهدي للحاق به، إلا أنه ابتعد عني أكثر فأكثر.
كنت أرغب في أن يعانقني مرة أخيرة، لأشعر بدفئه.
كنت أرغب في أن يداعب رأسي بيديه الخشنتين.
كنت أرغب في أن يناديني باسمي بصوته الرقيق.
لكن [أبي] استمر في المشي، وكأن لا شيء يدعوه إلى الالتفات. وكلما تركني هكذا، كنت أجلس على الأرض وأبكي، أصرخ فيه ألا يذهب، وأثور عليه غضبًا. كنت أبكي من الحزن وأنا أراه يبتعد، وأشعر بالاختناق، خائفة من ألا أتمكن من مواجهة ما ينتظرني، غارقة في فكرة الوحدة التي سأحياها وأنا أعيش وحيدة في هذا العالم المظلم.
ولم أستطع الهرب من هذا الكابوس الرهيب إلا بعد أن بكيت حتى فقدت الوعي.
عندما فتحت عيني ببطء، لاحظت أشعة الشمس الدافئة تتسلل عبر النافذة. كان زقزقة العصافير ونسيم الربيع المنعش يخترقان الشقوق حول النافذة، ويتسللان إلى داخل بطانياتي الدافئة، يداعبانني. نهضت ببطء، ونظرت إلى العالم خارج النافذة وأنا أمسح دموعي.
"هاه…"
إنه الحلم نفسه مجددًا. تساءلتُ إن كنت سأتمكن يومًا من الهرب من هذا الكابوس اللعين. كنت لا أزال أعاني من نفس الحلم، عن شيء حدث قبل عشر سنوات. تركني [والدي] في جزيرة [جيجو] بينما كنت نائمة. في ذلك الوقت، لم أستطع تقبّل حقيقة أنه رحل عني.
عندما استيقظت، جبت الحي بأكمله، أبحث يائسة عنه. لكن الشيء الوحيد الذي وجدته كان الرياح الشتوية الباردة والمخيفة. لم يكن هناك أي أثر لـ[والدي].
شعرت وكأنني تُركت وحدي في هذا العالم. وعلى الرغم من وجود كثير من الأعمام والأخوال إلى جانبي، فإن غياب [أبي] جعلني أشعر دائمًا بالوحدة، كأنني غريبة في أرض لا أعرفها. ترك ذلك اليوم أثرًا صادمًا في نفسي. لم أتحدث إلى أحد لفترة طويلة، وقضيت ليالٍ كثيرة بلا نوم وأنا أبكي وحدي.
ورغم وجود الكثير من الأشخاص الطيبين من حولي، إلا أن الشعور بالوحدة الذي تملكني حتى بينهم، جعلني أزداد بؤسًا، وأشتاق إلى [أبي] أكثر. في سن مبكرة، أدركت المعنى الحقيقي للشوق المؤلم.
جلست على سريري برهة، ويداي على جبيني. ثم طرق أحدهم باب غرفتي.
طرق… طرق…
وانبعث صوت [هان سون-هي].
"يا [سو-يون]، هل أنتِ بالداخل؟"
أزحت خصلات شعري جانبًا. "نعم، تفضلي بالدخول"، قلت.
"يبدو أن أحدهم استيقظ مبكرًا."
"لقد استيقظتُ للتوّ"، أجبتها بابتسامة لطيفة.
حدّقت [هان سون-هي] في وجهي بعناية، وارتسم القلق على ملامحها.
"هل رأيتِ نفس الكابوس؟" سألت.
"آه…"
يبدو أن الدموع التي سالت على خديّ قد تركت أثرًا. شعرت بالإحراج من أنني استقبلتها بوجه مبلل بالدموع، فسارعت إلى إخفاء وجهي بين يدي، لكن تعبيرات وجهي لم تزد إلا مرارة.
جلست [هان سون-هي] بجانبي، وراحت تتأملني بعناية، ثم عانقتني دون أن تنبس بكلمة.
"عمتكِ تفتقد والدكِ أيضًا."
“…”
"وصدقيني، لستِ الوحيدة. الجميع هنا يفتقدونه. [السيد لي هيون-ديوك]، و[السيد كيم هيونغ-جون]، و[السيد دو هان-سول]، و[السيد كيم داي-يونغ]، و[السيد جونغ جين-يونغ]… جميعهم يفتقدونه بشدة."
عضضتُ شفتي السفلية، لكنني لم أجد ما أقول. كان عناقها دائمًا دافئًا، وكنت أشعر بأنها تحاول مواساتي قدر استطاعتها. لكن مهما بلغ حجم الحب الذي أتلقاه، ظل الفراغ في قلبي قائمًا، فراغًا لا يبدو أنه سيُملأ يومًا. لم أكن أعرف كيف أملأه. على الأقل، هذا ما كنت أظنه في ذلك الحين.
لمست [هان سون-هي] خدي برفق.
"هل نتناول الفطور أولًا؟" سألت.
وحين أومأتُ برأسي، ابتسمت [هان سون-هي] بسعادة.
"سأنتظركِ في الخارج. استعدّي وتعالي."
"حسنًا."
ثم غادرت [هان سون-هي] الغرفة، فيما أخذتُ نفسًا عميقًا قبل أن أنهض. كنت أعلم سبب رحيل [والدي]، وبعد مرور عشر سنوات… كنت أعلم، أكثر من أيّ أحد، أن خطته لم تنجح.
كنت أعلم أن من الأفضل ألّا أعيش في الماضي؛ كان عليّ أن أركّز على الحاضر، على الواقع الذي أعيشه.
مشيت إلى الحمام لأستعد لبدء يومي.
❃ ◈ ❃
كنتُ من فريق الإعاشة. عندما دخلت مطعم الفندق، استقبلتني العمات والأخوات اللواتي كنّ قد بدأن في تناول الطعام.
"[سو-يون]، لقد استيقظتِ!"
[تشي دا-هي]، التي كانت جالسة مع الجميع، نادتني أولًا وهي ترفع ملعقتها. كانت دائمًا محور الفريق، بفضل طريقتها الحيوية في التعبير. لكنها، بالطبع، لم تكن مثالية؛ لم تكن طاهية ماهرة مثل [هان سون-هي]، لذا كان الناس يذكرونهما دائمًا معًا.
أومأت لها برأسي قليلًا.
"خالتي [دا-هي]، لقد استيقظتِ باكرًا أيضًا. ماذا لدينا على الفطور اليوم؟"
"حساء الأعشاب البحرية مع البيض المقلي. وبعض بقايا الأطباق الجانبية."
"كم تبقّى لدينا من الطعام؟"
"يمكننا التحقق لاحقًا. تناولي طعامك أولًا. كلما أسرعنا في الأكل، أسرعنا في إطعام الآخرين."
كانت صباحات فريق الإعاشة تبدأ قبل ساعة من سائر الفرق. كنا نتناول الإفطار أولًا، ثم نُعدّ الطعام حتى يحصل الجميع على حصصهم المتساوية.
أومأتُ برأسي، ثم سكبت بعض الطعام في طبقي ومشيت إلى الطاولة حيث كانت [تشي دا-هي]. فقامت [كانغ أون-جونغ]، الجالسة إلى جانبي، بقرص خدي.
"يبدو أنكِ تزدادين جمالًا يومًا بعد يوم!
أليس كذلك، يا جماعة؟".
"هاه…؟"
"أنا فقط أشعر بالغيرة، هذا كل ما في الأمر. انظري إلى نعومة بشرتك!"
كانت [كانغ أون-جونغ] عمة ودودة. ذكرياتي عنها ضبابية قليلًا، لكنني أتذكّر أنها كادت تموت ذات مرة بعد إصابتها بالكزاز. لحسن الحظ، نجت بفضل العناية المكثفة والصادقة من [كيم بوم-جين].
نظرت [تشي دا-هي]، الجالسة على الجهة المقابلة من الطاولة، إلى [هان سون-هي]، ثم همست لي كأنها تخشى أن يثير سؤالها غضبي.
"بالمناسبة، يا [سو-يون]، كيف تسير الأمور بينك وبين [سيوك-هوي] هذه الأيام؟"
"هاه؟"
اتّسعت عيناي من الدهشة، فابتسمت [تشي دا-هي] ابتسامة ماكرة.
"هل يعاملكِ [سيوك-هوي] بلُطف؟" سألت.
"أنا… لا أعرف ماذا تقصدين. أنا مجرد صديقة لـ[سيوك-هوي]…"
"لا بأس، لا بأس. عمتكِ تعرف كل شيء. أليست علاقتكِ بـ[سيوك-هوي] من ذلك النوع؟"
"أوه، لا، لا."
"إذًا، هل حبيبتنا [سو-يون] مُعجبة به؟"
صفعة!
صفع أحدهم [تشي دا-هي] على مؤخرة رأسها. نظرت خلفها بوجه حائر، فرأت [هان سون-هي] واقفة خلفها بابتسامة لطيفة. أمالت [هان سون-هي] رأسها قليلًا ونظرت مباشرة إلى عيني [تشي دا-هي].
"أنتِ بالتأكيد تعلّمين [سو-يون] شيئًا مفيدًا للغاية، أليس كذلك؟"
"أوه، [أوني]!"
"أنهِ طعامكِ حالًا!"
"أوه، لا تهتمي، [سو-يون]. لا تذهبي إلى [سيوك-هوي]. أن تكون لكِ حمات مثلها؟ يا للهول."
انفجرت النساء المجتمعات في المطعم بالضحك على نكتتها. احمرّ وجهي خجلًا، ووضعت ظهر يدي على خدي، وأطبقت شفتيّ بإحكام. كنّ مجموعة شقيّة جدًا حين يتعلّق الأمر بمثل هذه المزاح.
ومع ذلك، وبفضل [تشي دا-هي]، استطعتُ أن أبدأ يومي بمزاجٍ حسن.
❃ ◈ ❃
أنهيت عملي حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر. كان فريق الإعاشة يعمل بنظام المناوبات. إحداها كانت مسؤولة عن الإفطار والغداء، والأخرى عن العشاء. لذا، بعد تنظيف المكان بعد الغداء، كان يُسمح لي بالمغادرة.
قدت دراجتي الهوائية على طول الطريق الساحلي الهادئ. ظهر ميناء [جيجو] في الأفق، إلى جانب مزارع الأسماك المقامة قربه. وعندما اقتربت، رأيت [سيوك-هوي] يعمل مرتديًا مئزر العمل.
رنَّ الجرس… رنّ… رنّ.
أشرت إليه، فالتفت حوله ورآني قبل أن يلاحظني أحدٌ سواه.
"هاه؟ [سو-يون]!"
ابتسم [سيوك-هوي] ابتسامة مشرقة، خلع قفازيه المطاطيين، وبدأ يركض نحوي، لكن [لي جونغ-هيوك] أمسك به من الخلف.
"لن أدعك تذهب إذا حاولتَ الهرب مستخدمًا [سو-يون] كذريعة مرة أخرى"، قال، وهو يمسك بقميصه.
"ماذا؟ أهرب؟"
اقترب رجل ذو لحية شعثاء من [لي جونغ-هيوك].
"ما الذي يحدث؟" سأل.
"[هيونغ-نيم]، إنه [سيوك-هوي]. هذا الرجل يحاول الهرب مجددًا."
"الهرب؟ هل [سو-يون] هنا؟"
نظر [لي جونغ-هيوك] حوله، ثم ابتسم لي ابتسامة مشرقة ولوّح بيده اليمنى. نزلت عن دراجتي وانحنيت له. أشار إليّ أن أقترب. وبينما كنت أمشي نحوه، نظرت إلى [سيوك-هوي]، فرأيته يبتسم كأن السعادة لا تسعه، ولم أتمالك نفسي عن الابتسام حين رأيته.
ثم، [لي جونغ-هيوك]، الذي كان لا يزال يمسك بملابسه، لكمه على رأسه.
"هيه، [سيوك-هوي]!" صرخ.
"آه! لماذا تضربني!"
"كدت أفقد بصري من بريق عينيك!"
ضحك [لي جونغ-هيوك] ضحكة عالية، واحمرّ وجه [سيوك-هوي] وأطرق رأسه. ثم انضم [لي جونغ-أوك] إلى الضحك وهو يراقبهما.
"لماذا تضايقه؟" قال. "هل تود أن تقع في مشكلة مع السيدة [هان سون-هوي] مجددًا؟"
"لهذا السبب أضايقه عندما لا تكون موجودة. ألا تفهم؟"
"أنت الأسوأ، يا رجل."
شخر [لي جونغ-أوك] وهزّ رأسه. أخرج سمكة طازجة من الماء، وبدأ فورًا في إعداد الساشيمي. وما إن انتهى من تجهيز طبق من الساشيمي الطازج، حتى غمّس شريحة كبيرة منه في بعض [تشوغوتشوجانغ] وقدّمها لي.
"[سو-يون]، قولي: 'آه'."
"ماذا؟ ألن تتورط في مشكلة مجددًا بسبب هذا، [عم جونغ-أوك]؟"
"أنا؟ مع من؟"
"أعلم أنك تورّطت في مشكلة مع [جي-تشول العجوز] عندما أعددت الساشيمي سرًا في ذلك اليوم."
ضحك.
"هل تظنين أنني أعددت هذا الساشيمي لنفسي؟ أنتِ تعلمين أنه من أجلكِ يا [سو-يون]"، قال.
لم يكن من سبيلٍ لإيقاف [العم جونغ-أوك]. تناولتُ قطعة السمك التي قدمها لي بسرور. كان طعمه طازجًا، وقوامه ناعمًا يذوب في الفم، كأن السمكة لا تزال حية. كان السمك الطازج، ومعجون [تشوغوتشوجانغ]، وفمي المتلهّف، في انسجامٍ تام؛ لم يخيب الساشيمي الطازج ظني قط.
"أنت… أنت، [لي جونغ-أوك]!"
صرخ أحدهم باسمه من الخلف. التفت [لي جونغ-أوك]، وعيناه متسعتان. كان [بارك جي-تشول] يركض نحونا حاملاً سكين مطبخ، وإلى جانبه [كانغ جي-سوك]، الذي كان في أواخر العشرينات من عمره. ركض الاثنان نحونا، يلهثان، مشيرين إلى [لي جونغ-أوك].
"كم مرة أخبرتك ألا تقطع الساشيمي بنفسك؟! هل تسيء استخدام سلطتك كقائد؟"
"لا، [جي-تشول هيونغ-نيم]، عليك أن تستمع إلي. أتظن أنني أصنع الساشيمي لنفسي؟ لقد جاءت [سو-يون] من مكان بعيد؛ كيف لي أن أدعها تغادر من دون أن أقدّم لها شيئًا؟"
يبدو أن عشر سنوات كانت كافية لتقويض النظام الهرمي القديم. كان [بارك جي-تشول] و[لي جونغ-أوك] يتحدثان سابقًا باحترام متبادل، أما الآن، فقد أصبحا أقرب إلى أخوين، كأنما بينهما علاقة أخ أكبر وأخ أصغر. حتى قائد الحراسة، بات بإمكانه توبيخ القائد علنًا دون حرج.
وحين أدخلني [لي جونغ-أوك] بلطافة في الحديث، صفق [بارك جي-تشول] بلسانه وطعن السكين في لوح التقطيع، ثم وضع بعض الساشيمي المتبقي في فمه مباشرة.
"يا للهول! سأغضّ الطرف عن هذا لأن الساشيمي لذيذ!" قال وهو يمضغ.
كان بجانبه [كانغ جي-سوك]، الذي رفع حاجبيه.
"[عمي جي-تشول]!" صرخ. "ظننت أنك قلت بأنك ستلقّنه درسًا اليوم!"
كان [كانغ جي-سوك] قد عانى كثيرًا على يد [لي جونغ-أوك] و[لي جونغ-هيوك]، لذا اختار البقاء إلى جانب [بارك جي-تشول] ليجتاز عقدًا من الزمن معهم.
وبالطبع، كان الجميع يعلم أنهم يمزحون، لكن في أعماقه، كان [كانغ جي-سوك] يستمتع برؤية [لي جونغ-أوك] و[لي جونغ-هيوك] يتعرضان للتوبيخ. ابتلع [بارك جي-تشول] قطعة السمك، ثم نظر إلى [كانغ جي-سوك]، وغمس قطعة أخرى من الساشيمي في الـ[تشوغوتشوجانغ] ووضعها في فمه.
اختفى العبوس عن جبين [كانغ جي-سوك] عندما ذابت الساشيمي في فمه. وقبل أن ينطق بشيء، أسرع [بارك جي-تشول] بوضع قطعة أخرى في فمه.
"حسنًا، أظننا أصبحنا شركاء في الجريمة الآن"، قال ضاحكًا.
"ماذا؟ لقد دفعتَها في فمي!"
"ومن قال لك أن تأكلها؟ كان عليك أن ترفض إن لم تكن تريدها."
"واو، هكذا إذًا؟"
"هاهاهاها!"
ضحك الجميع واستمتعوا بوقتهم.
❃ ◈ ❃
مرّ بعض الوقت، وتفقّد [لي جونغ-أوك] ساعته.
"لقد تجاوزت الساعة الخامسة. أعتقد أن وقت العشاء قد حان."
"إذن، [هيونغ-نيم]، دعنا نكمل ما كنّا نفعله وننهي العمل."
"حسنًا."
عاد [لي جونغ-أوك]، و[لي جونغ-هيوك]، و[بارك جي-تشول]، و[كانغ جي-سوك]، ولحق بهم [سيوك-هوي] أيضًا. لكن [لي جونغ-أوك] استدار نحوه فجأة.
"ماذا تفعل؟" سأل.
"هاه؟"
"لماذا تأتي؟"
"عفوًا؟ بالطبع يجب أن أساعد أيضًا"، أجاب [سيوك-هوي]، وعلى وجهه علامات الحيرة.
نظر [لي جونغ-أوك] خلفه، فتلاقت عيناه بعينيّ.
"هل ستترك [سو-يون] وحدها؟" قال، بنبرةٍ تشير إلى أن [سيوك-هوي] لا يزال بحاجة إلى تعلّم قراءة المواقف.
"آه…"
لم يستطع [سيوك-هوي] إلا أن يبتسم بعد سماع سؤاله. وما إن خلع مئزره وقفازيه المطاطيين، حتى ابتسم له [لي جونغ-أوك] بهدوء.
"[سيوك-هوي]،" قال بصوت منخفض.
"نعم، عمي؟"
لوّح [لي جونغ-أوك] بالسكين الذي كان يحمله.
"إذا حاولت أن تفعل شيئًا غبيًا مع [سو-يون]، فستكون في عداد الموتى."
ابتلع [سيوك-هوي] ريقه وأومأ برأسه بسرعة.
"اذهب."
"نعم، يا عمي!"
"أنتم ذاهبون إلى [سونغسان إيلتشولبونغ] مرة أخرى، أليس كذلك؟ تأكدوا من التوقّف عند المستشفى في الطريق وتعقيم أيديكم."
أومأ [سيوك-هوي] برأسه بقوّة ومشى نحوي. أملت رأسي، متسائلة عمّا يتحدث عنه [العم جونغ-أوك].
"تطهير؟ هل أصبتَ في مكان ما؟"
"أوه، ليس بالأمر المهم. أصبتُ بجرح صغير في يدي أثناء العمل."
"دعني أرى."
أمسكت بيده اليمنى لألقي نظرة على الضمادة.
"آه! هذا مؤلم!"
رغم أنّني لم ألمس الجرح إلا برفق، سحب يده بسرعة، وهزّها بعنف كأنما صُعق بالكهرباء. رأيت كم كان يتألّم، فعبست في وجهه.
"ألم أقل لك أن تكون حذرًا؟"
"إنه مجرد جرح صغير…"
"وماذا لو أصبت بالكزاز بسببه؟ أنت تعرف ما مرت به العمة [يون جونغ]."
"آسف…"
"أقسم، إن استمررت في إيذاء نفسك…"
عبست في وجهه وحدّقت به بحدة، فأدار نظره عني بابتسامة خجولة. في تلك اللحظة، أدركت كم كنت قلقة عليه.
"حسنًا، لا تهتم. لنذهب إلى المستشفى."
"هل أنتِ غاضبة؟"
"كأنني غاضبة!"
ركبت دراجتي وبدأت ادوّس، متقدمة عليه بخطوة.
"[سو-يون]! انتظري! [لي سو-يون]، لا تتركيني خلفك!"
ركب [سيوك-هوي] دراجته متأخرًا، وبذل جهدًا كبيرًا للحاق بي.
❃ ◈ ❃
أثناء تلقّي [سيوك-هوي] العلاج في المستشفى، سألت عن أحوال [كيم غا-بين]، و[كيم سيوك-وون]، و[كيم جين-جو]. نادرًا ما كنت أراهم خارج أوقات الطعام، لذلك كان من الصعب عليّ بدء محادثة معهم في البداية.
صرير.
بعد وقت قصير، خرج [سيوك-هوي] و[كيم بوم-جين] من غرفة العلاج.
"إذا جرحت جسدك، فعليك معالجة الجرح فورًا. ستقع في ورطة إذا حدث أمرٌ كهذا مجددًا."
"أنا آسف. وشكرًا لك."
أومأ [سيوك-هوي] برأسه لـ [كيم بوم-جين]، ثم نظر إليّ بابتسامة طفولية. ابتسم [كيم بوم-جين] بدوره بسعادة حين رآني، ثم التفت إلى [سيوك-هوي] متحدثًا بنبرة ماكرة ومرحة:
"أتساءل كيف سيتدبّر [سيوك-هوي] أمره من دون [سو-يون]. إنه لا يستطيع حتى أن يدرك أنّه مريض."
"ليس الأمر كذلك… فقط لم أرِد أن أقلقها."
قفزت من مقعدي عند سماع كلمات [سيوك-هوي].
"مهلًا! من قال إنني قلقت عليك؟!" قلت بسرعة. "أحضرتك إلى هنا لأنك كنت تتصرّف بحماقة ولم تتلقَّ أي علاج. هذا كل ما في الأمر!"
بعد انفعالي، سعل [كيم بوم-جين] ووجّه نظره إلى باقي الأطباء.
"أمم… جميعًا؟ دعونا نذهب لتناول العشاء ونترك هذين الاثنين يتصالحان."
نهض الجميع في الغرفة مبتسمين بلطف. أما أنا، فقد غادرت المستشفى بانزعاج، وركبت دراجتي. كانت الشمس تقترب من الغروب، تغوص ببطء خلف الأفق. وبدافع الغيظ، دوّست بسرعة نحو قمة [سونغسان إيلتشولبونغ]. وبعد جهد، وصلت إلى القمة، ورأيت التماثيل المنصوبة هناك.
>سونغسان إيلتشولبونغ: جبل بركاني في جزيرة جيجو> وبعرف انك مش مهتم.
جلست تحت أحد التماثيل، أحدّق في الأفق عند الغسق. وبينما كنت غارقة في أفكاري، سمعت صوت [سيوك-هوي] خلفي.
"كنت أعرف أنك ستكونين هنا."
كان يعبث بيده اليمنى المضمدة، وكأنّه بذل جهدًا كبيرًا للحاق بي، وهو يقود دراجته بيد واحدة. لم أجب، بل ضممت ركبتي إلى صدري وغطّيت وجهي بهما.
جلس [سيوك-هوي] إلى جانبي.
"هل أنتِ غاضبة؟" سأل.
"لا يعجبني ذلك."
"ماذا؟"
"طريقة معاملة الناس لنا."
عندما اعترفت بما في قلبي، حكّ [سيوك-هوي] ذقنه.
"حسنًا، أنا أحبها"، قال. "لهذا أحبكِ حين تكونين عابسة، وتشْكين، وتنفجرين غضبًا."
"هاه؟"
كان يتصرف بسخف. لم أستطع تصديق أنه يستمتع بكيفية معاملة الآخرين لنا، وهو لا يملك حتى الجرأة للاعتراف بمشاعره. نظرت إليه بازدراء، لكنه كان يحدّق في غروب الشمس، بتعبيرٍ جاد على وجهه. لم يكن يبدو على طبيعته.
وبينما أحدق في وجهه المتلألئ في ضوء الغروب، بدأ قلبي ينبض بخفة. سبب غضبي منه هو أنني أعلم أنني أكنّ مشاعر له، ويبدو أن [سيوك-هوي] هو الآخر يبادلني الشعور… لكن خجله، وعدم قدرته على التعبير، كانا لا يُطاقان بالنسبة لي.
واصلت التحديق فيه بنظرة حائرة، وبعد برهة، وقف.
"لن أطلب منك الخروج معي"، قال.
"ماذا…"
كدت أنطق بشيء غير لائق، لكنه تابع حديثه وكأنّه لم يسمعني، وعيناه على التمثال خلفنا.
"ليست لدي الشجاعة… الشجاعة لأطلب منك الخروج قبل أن أصبح شخصًا أفتخر به."
"ما الذي تتحدث عنه؟…"
"دعيني أسألك: لماذا تأتين إلى هنا؟"
"لا أعرف. أعتقد أن المنظر جميل."
"أنا آتي إلى هنا لزيارة من هم هنا."
التفتُّ أنظر إلى التماثيل خلفنا. كان بعض أفراد فريق إدارة المرافق، الذين يجيدون النحت، قد أقاموا تماثيل تكريمًا للأبطال الخمسة. في المنتصف، تمثالٌ لوالدي. وعلى أحد جانبيه، تماثيل لـ [كيم هيونغ-جون] و[دو هان-سول]، وعلى الجانب الآخر تماثيل لـ [كيم داي-يونغ] و[جونغ جين-يونغ].
تغيّر لون التماثيل بمرور السنين، ربّما لأنها كانت بجوار المحيط، لكنها لا تزال تحتفظ بوقارها وعظمتها الأصليّة. حدّق [سيوك-هوي] في تمثال والدي وواصل حديثه:
"قال لي والدك ذات مرة أن أكبر، وأصبح رجلاً صالحًا، حسن السلوك، وأحميك."
"أنت تتصرف بشكل مثير للشفقة…"
في الحقيقة، لم أرغب في الحديث عن والدي. لم أعرف السبب، لكن كلّما تطرّقتُ إليه، شعرتُ بضيق في صدري، وغمرتني مشاعر لا توصف من الوحدة. وعلى الرغم من ذلك، واصل [سيوك-هوي] الحديث عنه:
"لا أستطيع نسيان نظراته. عندما كان الجميع يتردّد في اتخاذ خطوة واحدة إلى الأمام، كان والدك يتقدّم دومًا، كرجل لا يعرف الخوف، بوجه هو الأكثر تصميمًا رأيته في حياتي."
“…”
"لم نكن لنصل إلى هذا الحد لولا أن [العم هيون-ديوك] مهد لنا الطريق. لقد حمانا من العاصفة. وهذا الشخص… نظر في عيني وقال لي إنّ عليّ أن أحميك."
“…”
"سأكون صادقًا معك. أنا مُعجب بكِ، [سو-يون]."
عند اعترافه المفاجئ، اتّسعت عيناي ونظرت إليه. كنتُ في حيرة من أمري بسبب هذا الاعتراف المفاجئ، خاصّة أنّه أخبرني قبل لحظات أنّه لا يعتزم الاعتراف. لم أعرف كيف أتعامل مع هذا.
"مهلًا، ألم تقل إنّك لستَ…"
"نعم، لكن الآن… أنا أخرق في كل شيء، وضعيف. سأبذل قصارى جهدي حتى أصبح فخورًا بنفسي، حتى أكون الرجل الذي يوافق عليه والدك."
“…”
التقت نظرات [سيوك-هوي] بعيني، وكانت مليئة بالعزيمة.
"عندما يحدث ذلك، سأعترف لكِ بمشاعري مرّة أخرى. كرجل أفضل، وأكثر ثقة."
بدا لي أنّه كان جادًا بشكل مبالغ فيه.
"وكيف يختلف هذا عن الاعتراف بالفعل… أيها الأحمق…" تمتمت، محاوِلةً تهدئة قلبي النابض.
تذكّرت فجأة عبارة من كتاب قرأتُه تقول إنّ حبّ المراهقين دائمًا ما يكون أخرق، ولا يكون مثاليًا أبدًا. تلك العبارة تصف [سيوك-هوي] تمامًا.
وربّما كان الآخرون يرونني كما يرون [سيوك-هوي] تمامًا. تساءلتُ إن كان ذلك هو السبب في محاولاتهم المستمرّة لتوفيقنا.
لكنني لم أكن أعرف الجواب.
بدلًا من الاستغراق في التفكير، حدّقتُ إلى الأفق البعيد دون أن أنبس بكلمة. ظل [سيوك-هوي] صامتًا بدوره. كانت أعيننا مثبتة على نفس المشهد، والريح تداعبنا وتداعب أفكارنا.
وور، وور، وور…
في تلك اللحظة، اخترق صوت خافت متقطّع الغيوم ثم اختفى.
كان صوتًا غريبًا، ومع ذلك مبهج. قفزتُ ونظرت حولي لأرى من أين ينبعث. ثم، في الأفق البعيد، رأيت جسمًا طائرًا، نقطة صغيرة تمرّ عبر غروب الشمس، كما لو كانت تنزلق عبر الأفق المظلم.
في اللحظة التي رأيتُ فيها تلك النقطة تخترق السماء، بدأ قلبي، الذي ظل ساكنًا لفترة، ينبض بقوّة كأنّه موجة عاتية. لم ألتفت للخلف حتّى؛ عدتُ مباشرةً إلى حيث تركت دراجتي. ولم يكن [سيوك-هوي] مختلفًا عني؛ فقد بدت ملامحه وكأن قلبه ينبض بقوّة مماثلة. تبادلنا نظرة واحدة، ثم هرعنا عائدين إلى الفندق.
امتلأت أذناي بصوت الريح التي تهبّ بجانبي. انشدّت عضلات فخذي، وكان قلبي يسابق أنفاسي الثقيلة. ومع ذلك، لم أشعر بأيّ تعب. دفعتني موجة من الأدرينالين، وفكرة أنّ شيئًا رائعًا في انتظاري، للاستمرار.
وأنا أُدوس على الدواسات على طول الطريق الساحلي، كانت عيناي مثبتتين على الطائرة في السماء. في الأفق، بدأت الطائرة التي كانت تحلّق في دوائر بالهبوط تدريجيًا نحو مطار [جيجو]. كانت الطائرة، التي بدأت في الهبوط، تشبه تمامًا تلك التي رأيتها في أحلام طفولتي. بدت مألوفة، ومع ذلك، وكأنها شيئ لم أره من قبل.
بدت صدئة، وقد فقدت بريقها السابق… ولكنني كنت واثقة أنها طائرة نقل عسكريّة روسيّة.
ربّما رأيتها في أحلامي ذات يوم. بدا كلّ شيء كما لو كان حلمًا. لم يكن في ذهني سوى خفقات قلبي، وشعور لا يوصف بالحزن.
لهثت أبحث عن الهواء، ولم أستطع منع نفسي من البكاء. كنت أعلم أن الطريق لا يزال طويلًا أمامي. لكن الشمس كانت قد غربت بالفعل، والسماء غارقة في السواد. كان الظلام دامسًا.
كنت أعلم أن عليّ أن أسرع. أسرع، نحو تلك الطائرة. لكن جسدي المنهك، ورئتَيّ اللتين كانتا على وشك الانفجار، وعقلي المضطرب، والظلام من حولي، كانت كلّها تحاول منعي من الوصول إلى سعادتي.
فليك، فليك، فليك…
بدأت أضواء الشوارع الممتدّة على طول الساحل تضيء، واحدة تلو الأخرى. كان [لي جونغ-أوك] هو من أضاءها، تلك المصابيح اللامعة الحمراء المائلة إلى الأصفر — شيئ لم يفعله من قبل، إذ كان يراها دومًا مضيعة للطاقة. هذه الأضواء، التي لم أرَ مثلها منذ عشر سنوات… بدت جميلة لدرجة يصعب تصديق أنّها من صنع البشر.
مع إشراق الأضواء، اشتدت المشاعر في داخلي. صككتُ أسناني، ودفعت الدواسة بقوّة أكبر. ثم، في الأفق، على نهاية الطريق الساحلي، رأيت رجلاً يركض نحوي بلا توقّف.
أربعمئة متر… ثلاثمئة… مئتان… مئة… وأخيرًا، خمسون مترًا.
توقّفتُ عن الدواسة ونظرت إليه. كان يحدّق بي أيضًا، أنفاسه متقطّعة.
"آه… آه…"
"[سو-يون]."
قال الرجل اسمي بصوت ناعم ودافئ. جعلني صوته أرتجف من الداخل. لم يذكر سوى اسمي، ومع ذلك، بدأتُ أبكي فورًا حين طغت عليّ مشاعري. الدموع التي كبحتها طويلاً، انهمرت أخيرًا، وغسلت وحدة قلبي. جعلتني الدموع عاجزة عن الرؤية بوضوح.
غطّيت فمي بيدي وركضت نحو الرجل، أحاول تهدئة قلبي المتألم. كان وجهه متوردًا، شاحبًا من الركض، لكنّه عضّ شفته السفلى وفتح ذراعيه على مصراعيهما.
"أبي…!"
"[سو-يون]!"
"أبي، أبي!!"
لم أكن أعلم أن كلمة "أبي" يمكن أن تحمل كلّ هذا الوجع والحنين معًا. الأب، الذي لم يكن حتى يمسك يدي في حلمي، توقّف أخيرًا ليسمعني. اندفعتُ إلى صدره، وبللت قميصه بدموعي. وبينما أبكي، تحوّلت مصابيح الشوارع الحمراء والصفراء إلى ضوء شمس دافئ بدّد كوابيسي.
بعد عشر سنوات من الانتظار… اختفى أخيرًا الفراغ من قلبي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة:
Arisu-san