▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان كيم داي-يونغ رجلًا فطنًا وسريع البديهة، لكنّ ملامحه لم تُخفِ قلقه. قبضت على ياقة قميصه مجددًا وكرّرت سؤالي:
"أجبني بوضوح… ماذا كنت تقصد حين قلت إن أحدهم سيتأذى؟"
فردّ، متجاهلًا نبرتي الغاضبة:
"قبل ذلك، اسمح لي أن أطرح سؤالًا واحدًا. إن أجبتني بصدق، فسأخبرك بكل شيء."
حدّقت فيه ببرود: "تملك بعض الجرأة، لكن لو كنت مكانك، لتخليت عنها."
ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
"الآن بدأت أفهم… كان عليّ أن أستوعب الأمر حين منعت ذلك الرجل هناك من قتلي، وحين رأيتك تتصرف بثقة، ومع ذلك تستمر في الإنصات إليّ… هل تقاتل من أجل الناس أيضًا؟"
ارتجفت حاجباي عند سماع سؤاله. وضعت يدي اليسرى على جبيني ودلّكت صدغيّ.
"أنت تحفر قبرك بيديك."
"هاه؟"
"بما أنك لاحظت ذلك، فقد قلّت أسباب إبقائك حيًّا."
سألني بنظرة جادّة وهو يحدّق في عيني:
"ولو قلت لك إنني في صفّك، هل كنت لتقتلني أيضًا؟"
زممت شفتيّ بتردد، ثم قلت:
"وكيف لي أن أصدّق كلامك؟"
"بإمكانك أن تذهب بنفسك وتتحقق."
رفعت حاجبيّ وسألته: "وإن كان فخًّا؟"
هزّ كتفيه بلا مبالاة.
"حينها لا أملك شيئًا لأقوله… لكن إن كنت مصممًا على قتلي، فهل يمكنك فقط أن تنتظر عشر دقائق؟"
"ولمَ تحتاج عشر دقائق؟"
"أريد أن أُصدر أوامر لأتباعي بالمجيء. لقد طلبت منهم حماية من اريد حمايتهم. وإن متّ الآن… فستنهار سلسلة القيادة، وقد يهاجمون ناسي من دون قصد."
كان ما قاله منطقيًا. لم يكن خصمًا يسهل التعامل معه، ولم أستطع أن أُخضعه كما أردت. لم أتمكن من تهديده أو قتله بسهولة. في الحقيقة، لم يكن هو المتوتر، بل أنا.
أعدت ترتيب أولوياتي: كيم هيونغ-جون كان قادرًا على التعامل مع الزومبي في المحطة، ودو هان-سول كان يحرس الطائرة. أي أن "منظمة تجمع الناجين" كانت آمنة.
لكن، هل قتل كيم داي-يونغ الآن ــ باعتباره تهديدًا محتملاً ــ هو القرار الصحيح؟ وهل أملك الحقّ في تقرير مصير الناجين الذين يزعم أنّهم تحت حمايته؟ ماذا لو كان صادقًا، وكان فعلًا من الناجين من جيجو؟
بينما كنت غارقًا في أفكاري، بدأت أطراف كيم داي-يونغ تتجدّد.
صرخ كيم هيونغ-جون من خلفي:
"أيها العجوز، ماذا تفعل؟!"
أغمضت عيني ووضعت يدي على جبيني.
كان لا بدّ لي من اتخاذ قرار. لم أتوقع أن أُجبر على اتخاذ خيار مصيري كهذا فور وصولي إلى جزيرة جيجو. تنفّست بعمق وحدّقت في كيم داي-يونغ.
"خذني إلى حيث يوجد شعبك. أريد أن أراهم بنفسي."
رمقني بنظرة مرتابة وقال:
"ليس هناك ما يضمن أنك لن تهاجم شعبي. أليس من المفترض أن تُريني أنت الناجين الذين جئت بهم أولًا؟"
تشنّج وجهي غضبًا، وصررت على أسناني.
"إياك أن تتجاوز الحدود. استفزّني أكثر، وسأقضي عليك وعلى كل من تتحدث عنهم."
"ماذا…؟"
"لا تظنّ أنك في موقع قوة. أعد ترتيب أولوياتك جيدًا… عائلتي هي أولويتي القصوى، ولا تهمّني حياة شعبك."
تعمّق تجهمي ليكشف عن عمق غضبي. ابتلع كيم داي-يونغ ريقه، وبقي صامتًا. وبحلول ذلك الوقت، كانت أطرافه قد تجددت بالكامل، فنهض واقفًا ونظر إليّ. دفعت ظهره بقوة.
"هيا، تقدّم."
قال وهو يحاول التماسك:
"اهدأ قليلًا…"
صفعة!
صفعته بقوة على وجهه.
"تتفوّه بكلمة أخرى، وستموت قبل أن تدرك ذلك."
وضع يده على خده وأذنه المتألمَين، ونظر إليّ بدهشة.
تساءلت في داخلي عمّن يراني كيم داي-يونغ الآن. على الأرجح، لم يكن يعلم أنني في صفّه. لكنّ الوقت لم يكن في صالحي، والتلكؤ يعرّض شعبي للخطر. سواء أردت أم لا، كان لا بدّ من فرض الهيبة.
كنت بحاجة للتفكير مليًا، لكنني كنت مضطرًا كذلك لاتخاذ قرارات حاسمة بسرعة. هذا ما حفظ حياتي وحياة عائلتي طوال هذا الوقت.
تردد كيم داي-يونغ للحظة، ثم تنفّس بعمق:
"اتبعني."
وما إن تحرّكت خلفه، حتى أمسك كيم هيونغ-جون بطرف قميصي على عجل:
"إلى أين تذهب، أيها العجوز؟ أتصدق كلام هذا اللعين؟"
"قال إن هناك ناجين. سأتحقق وأعود. اعتنِ بالزومبي هنا."
"دعنا نقتله فحسب، لسنا ملزمين بإنقاذ الجميع."
"أجل، لسنا مضطرين لإنقاذ الجميع… لكننا أيضًا لا نملك الحق في قتل بشر عاديين."
حين يتعلّق الأمر بقتل الزومبي أو البشر، أردت أن أتأكد أولًا من طبيعتهم… هل هم أخيار أم أشرار؟
حدّق كيم هيونغ-جون في وجهي مطولًا، ثم تنهد أخيرًا، وعلامات التردد بادية عليه. اقترب مني وهمس حتى لا يسمعه كيم داي-يونغ:
خذ أتباعك معك، احتياطًا.
…
إن لم تأخذ أتباعك، فلن أسمح لك بالذهاب. أنا وأتباعي سنتكفّل بهذه المنطقة، فخذ معك أتباعك.
سأترك جي-أون هنا، إذًا.
أومأ كيم هيونغ-جون موافقًا، ثم عاد إلى تطهير المنطقة من الزومبي. أعطيت أوامر لمتحوّلي المرحلة الأولى أن يتبعوني على بُعد ثلاثمئة متر. كان كيم داي-يونغ يمشي أمامي، يقود الطريق.
كان الظلام قد حلّ بالكامل، خلافًا لما كان عليه الوضع عندما دخلت المحطة. شحذت كل حواسي بينما تبعته.
"إلى أين نحن ذاهبون؟"
"إلى شركة لتأجير السيارات."
قادني كيم داي-يونغ نحو منطقة تقلّ فيها أعداد الزومبي. سألته وأنا أراقب المكان من حولي:
"هل تقول إن شعبك داخل شركة لتأجير السيارات؟"
"المكان مثالي للدفاع. يقع في زاوية منعزلة، وإذا اصطدم الزومبي بالسيارات، تُطلق الإنذارات، فتكون بمثابة حراس لنا."
"وماذا إن تجمّع الزومبي بعد سماع الإنذارات؟ ألم تفكر في ذلك؟"
"لدينا طريق هروب، بالطبع. أما بخصوص الإنذارات… فهي وسيلة لحمايتنا من كائنات أخرى غير الزومبي."
رفعت حاجبيّ: "كائنات أخرى؟"
قطّب جبينه وقال:
"الكلاب."
"الكلاب؟"
كان نطقه للكلمة مشحونًا، وكأنها اسم لجماعة بعينها. إن كان كيم داي-يونغ فعلًا زومبيًّا يقاتل من أجل حماية الناجين، فربما تكون "الكلاب" مجموعة تصطاد البشر.
ربما كانت الأوضاع في جيجو مشابهة لما كان عليه الحال في سيول، حيث تواجدت "العائلة" من جهة، و"منظمة الناجين" من جهة أخرى.
سألته:
"هل تُشكّل هذه الكلاب تهديدًا للبشر؟"
"أجل."
"هل هم زومبي أم بشر؟"
"زومبي. يفكرون مثلنا تمامًا."
"كم عددهم؟"
"لا أعلم بالتحديد. لكنّي متأكد من أن كثيرًا منهم يملكون عيونًا حمراء."
يبدو أنّ عددهم كبير. لكن الأرقام لا تعني شيئًا بالنسبة لي. المهم هو زعيمهم، ومعرفة قدراته.
نظرت إلى كيم داي-يونغ وسألته:
"هل يوجد بين الكلاب زومبي له عيون زرقاء مثلي؟"
"لم أرَ أحدًا. بالمناسبة، أردت أن أسألك… لماذا عيناك زرقاوان؟"
"ليس من شأنك أن تعرف."
لم أكن مستعدًا لشرح كل شيء كلمةً بكلمة، ولم أرغب بذلك أصلًا. ما زالت الشكوك تراودني بشأن كيم داي-يونغ، لذا لم يكن من الحكمة أن أُفصح له عن كل ما أعرفه. زد على ذلك، أنه لم يتناول بعد دماغ أحد الكائنات السوداء، وذلك سبب آخر يجعل من الصعب مصارحته بالحقيقة.
توقف فجأة وحدّق فيّ وكأن كتماني للحقائق أثار استياءه.
قال:
"أعلم أنك تتحفّظ من ناحيتي، لكن كما قلت من قبل… أنا أيضًا أقاتل إلى جانب البشر."
أجبته بنبرة ثابتة:
"ما زال ذلك محلّ شك."
قطّب جبينه وقال:
"لماذا أنت متحفّظ بهذا الشكل؟"
"لو لم أكن كذلك، لكنت قضيت نحبي منذ زمن بعيد."
عندها، توقّف كيم داي-يونغ عن طرح الأسئلة. سرنا في أزقة ضيقة حتى خرجنا إلى الشارع الرئيسي، وهناك رأيت الزومبي مجتمعين في نقطة واحدة، يطلقون صرخات متكررة تردد صداها في الهواء. كان هذا النداء الجماعي نذير موجة زومبي وشيكة.
تساءلت إلى أين يتجهون. كنا بعيدين نوعًا ما عن مطار جيجو. ضيّق كيم داي-يونغ عينيه وهو يحدّق في المشهد، وكأنّه شعر بأن شيئًا ما ليس على ما يرام.
قال متوترًا:
"هل تمانع إن أسرعنا الخطى قليلًا؟"
سألته:
"هل شعبك في هذه الجهة؟"
"خط الدفاع الأول قريب من هنا."
خط الدفاع الأول… تذكرت أن شركات تأجير السيارات كثيرة في محيط مطار جيجو. يبدو أن كيم داي-يونغ استخدم تلك السيارات لبناء حواجز دفاعية.
نقر لسانه بضيق وقال:
"بما أن الزومبي احتشدوا عند المطار، كنت أظن أنهم لن يتواجدوا هنا بهذا الكم… لكن عددهم يفوق التوقّعات."
“…”
ثم رمقني بنظرة حادة وأردف:
"وهذا بفضلكم أنتم."
قطّب جبينه وحدّق في عيني.
سألته بهدوء:
"لدي سؤال لك."
"ما هو؟"
"هل تعرف شيئًا عن الكائنات السوداء؟"
اتسعت عيناه فور سماعه للاسم، وارتبك وجهه. من ملامحه، تأكدت أن هناك كائنًا أسود على جزيرة جيجو أيضًا. وهذا أمر منطقي. بل في الحقيقة، من الغريب أن لا يوجد، خصوصًا وأن عدد سكان الجزيرة بلغ 670 ألفًا قبل تفشي الفيروس.
بلل شفتيه الجافتين ثم قال:
"وإن كنت أعرف؟ ماذا ستفعل حينها؟"
"ما لونها؟"
"كائن أسود… ألا يعني ذلك أنه أسود؟ هل تأتي بألوان مختلفة؟"
"أعني عينيه. هل كانت عيناه سوداوتين أيضًا؟"
تلفّت كيم داي-يونغ للحظة، كمن يسترجع ذكرى ضبابية، ثم أجاب بعد قليل:
"آخر مرة رأيته فيها كانت قبل شهر، لذا لا أذكر بدقة… لكنهما كانتا بلون عينيك."
"أمتأكد؟"
"نعم. علمت آنذاك أن الكائنات السوداء تملك عيونًا زرقاء. لكن الرجل الحاد الطباع الذي كان معك في المطار عيونه زرقاء أيضًا. ما الفرق بينه وبيني؟"
أجبته:
"الفرق هو في القوة."
تشنّج وجهه وسأل بتوتر:
"أنت… كم عدد التابعين الذين يمكنك التحكم بهم؟"
"لا حاجة لأن تعرف."
"ألن تخبرني؟"
"لو أن الزومبي في المطار قبل قليل اعتبرك خصمًا جديًا وهاجمك حقًا… لكنت الآن في عداد الموتى، دون أن تدرك حتى ما الذي أصابك."
عندها فقط، أدرك كيم داي-يونغ موقعه الحقيقي بيني وبين كيم هيونغ-جون، وأطبق شفتيه بصمت. يبدو أنه استوعب كم كنا متساهلين معه حتى الآن.
تنحنح قليلًا ثم قال:
"إن كنت بهذه القوة… هل يمكنك مواجهة جماعة الكلاب؟"
"هل يمكنك أنت قتالهم وجهًا لوجه؟"
"أستطيع مقارعة ضباطهم."
إن كانت قوة الضباط توازي قوة كيم داي-يونغ، الذي يتحكم في ألف تابع، فلن يكونوا قادرين على إلحاق الأذى بمنظمة تجمع الناجين، حتى لو هاجمونا بكامل قواتهم.
تطلّع إليّ بحذر وسأل:
"أنت… من أين أتيت؟"
"من سيول."
"سيول؟ هل سقطت سيول أيضًا؟"
من الواضح أنه يجهل ما جرى في البر الرئيسي. لكن، للإنصاف، لم أكن أعلم شيئًا أنا الآخر قبل أن ألتقي بتومي الروسي. لذا، كان رد فعله مفهومًا. نظرت إليه بشفقة وتنهدت.
"لا يوجد مكان آمن للبشر في هذا العالم بعد الآن… سوى كندا."
"العالم كله… انتهى أمره؟"
"لماذا تظن أنني قطعت كل هذا الطريق إلى جزيرة جيجو؟"
“…”
فتح فمه بدهشة، وغرق في شروده. ثم ابتسم لي ابتسامة دافئة.
"أنت حقًا زومبي يحيا لأجل البشر."
“…”
"تحاول تطهير جزيرة جيجو من الزومبي، أليس كذلك؟ لأنّها ستصبح ملاذًا آمنًا إذا قضيتَ عليهم جميعًا."
لم أُجبه، لكنه واصل حديثه بابتسامة راضية.
"هل يمكن لشعبي الانضمام إليكم؟"
"ذلك يعتمد على أمر واحد."
نظر إليّ مباشرةً، وقال:
"أرجوك… أعرني قوتك. أنا… لم أعد واثقًا من نفسي."
"بخصوص ماذا؟"
"لقد أصبح الأمر ثقيلًا. الكلاب… توقعات الناس… كل ذلك أرهقني."
أمالت رأسي متعجبًا وسألته:
"هل كنت تقاتل الكلاب وحدك؟"
أجابني بابتسامة حزينة:
"وماذا كان بوسعي أن أفعل؟ لم يكن هناك زومبي آخرون لمساندتي."
ضحكته المريرة جعلتني أُعيد التفكير في كلماته.
قال بصوت خافت:
"سيكولوجية الجماعة مخيفة فعلًا."
“…”
"لا يهم ما كان عليه المرء قبل انهيار العالم. حين يغدو كل شيء خرابًا، فإن أي كائن ينجو وسط الفوضى… لا بدّ أن يجن، سواء أكان إنسانًا أم زومبيًا."
نظرت إليه بهدوء، بدا في أوائل الثلاثينات من عمره، ويمكنني أن أفهم الثقل الذي كان يحمله على كاهله. طوال الوقت، حتى ونحن في "ملجأ هاي-يونغ"، كنت أشعر بثقل التوقعات، مهما اجتهد الجميع. فحين يعلّق الناس كل آمالهم بك، يغدو التنفس عبئًا، والحياة اليومية معركة داخلية.
ولم يكن هذا يعني أنّ تلك التوقعات سيئة، بل إنها تجعل من الصعب عليك أن تظل لطيفًا. سيصفك البعض بالأحمق، ويتهمك آخرون بأنك لا تهتم إلا بنفسك. ومع كل ذلك، تبقى مضطرًا لأن تنجز المهمة. أمثالنا كثيرًا ما يُطلق عليهم لقب "أبطال".
صفعت كيم داي-يونغ على ظهره صفعة قوية، حتى تردّد صداها.
نظر إليّ في ذهول، فانفجرت ضاحكًا من تعبيره المندهش.
قلت مبتسمًا:
"هيا بنا، لا وقت لدينا."
"حقًا؟ هل كان لا بدّ أن تضربني؟ أما كان من الأسهل أن تقولها بالكلام؟"
تمتم بتذمر وأشاح بوجهه، لكنه واصل القيادة باتجاه شعبه. وأنا أنظر إلى خطواته، خطر ببالي أنه قد يكون رجلًا جديرًا بالثقة. وإن كان كل ما قاله صحيحًا… فمكانه بيننا مضمون.
كل ما أرجوه… أن يكون أتباعه بشرًا عقلاء، لم يفقدوا إنسانيتهم بعد.
فذلك وحده هو ما يجعل الإنسان… إنسانًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪