▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ارتطمت قبضتي بمؤخرة جمجمة الزومبي الذي أمامي، فانغرزت الجمجمة إلى الداخل، وتهاوى من خلفه الزومبيون كأحجار البولينغ حين تُضرب ضربةً قاضية.
وما إن رأى الباقون سقوط رفاقهم، حتى ارتدّت أنظارهم نحوي. ومع أن نظراتهم كانت خاوية، خالية من الوعي، إلا أنني رأيت فيها ترددًا لحظة التقت بوميض عينيّ الزرقاوين المتّقدتين.
لكن الأمر لم يكن بحاجة إلى أن يأتوا إليّ… كنت على أتم الاستعداد للذهاب إليهم.
انهلت عليهم باللكمات كالسيل، ضربةً تلو الأخرى، بلا هوادة، حتى سقطوا فوق القضبان كما تتهاوى أوراق الخريف اليابسة. هشّمت عظامهم، دهست أطرافهم، وسحقت بقاياهم، واضعًا حدًّا لوجودهم الذي لا يستحق أن يُسمّى حياة.
كان الناجون يتابعونني بذهول، تتنقل أعينهم بيني وبين حشود الموتى، تتملّكهم الحيرة… وما إن انقضى المشهد، حتى تنفّسوا الصعداء وأطلقوا صيحات النجاة. غير أن أحدهم، حين التقت عيناه بعينيّ، صرخ فزعًا:
"زو… زومبي! ذلك الرجل زومبي أيضًا!"
وفي لحظة، تسلّل الرعب من جديد بين صفوفهم، ووجّه بعضهم فوهات أسلحتهم تجاهي. ومع ذلك، لم يجرؤ أحدهم على الضغط على الزناد.
خوف… ارتباك… شكّ.
كنت أقرأ كل ذلك في وجوههم، كأنّها صفحة كتاب مفتوح. كانوا بلا شك يفكرون:
ماذا لو هاجمنا إن تحركنا؟
لم أرد أن أزيدهم رعبًا، فآثرت أن أواصل تطهير السكة الحديدية من الزومبي، والقلب في صدري ينوء بمرارة لا يراها أحد. كنت أعلم يقينًا أنّ أسلحتهم لا تستطيع إيذائي، حتى لو أفرغوا رصاصهم كله في جسدي. تمامًا كما هو حال الزومبي في الشوارع، لا تمثّل تلك البنادق أدنى تهديد لي.
وحين انتهيت من تطهير المكان، بصقت على القضبان ومسحت الدم عن وجهي بثيابي، ثم استدرت نحوهم. كان هناك أربعة عشر شخصًا على كل جانب من السكة، يحدّقون بي كما لو أنني كائن من عالم آخر.
"هاه؟ أنت… أنت…"
خرج صوت مألوف من بينهم، وحين نظرت إلى مصدره، رأيت "مين جونغ".
"الجرحى،" قلت بجدية.
"عذرًا، سيدي؟"
"كم عدد المصابين؟"
"آه… أ-لا أحد، سيدي."
جاء ردّها متوتّرًا، وقد لجأت فجأة إلى اللغة الرسمية، تتنقل بنظرها بيني وبين من يقف بجوارها، كأنها لا تدري إلى من يجب أن توجّه اهتمامها. وبعد لحظة، تجمّع بعض الناجين حولها، وبدأت الهمسات تدور:
"هل تعرفينه؟"
"لا، رأيته أول مرة بالأمس."
"هل هو معنا؟"
"إن كنتَ تسأل إن كان عدوًا… فلا يبدو كذلك."
لم أكن أسترق السمع، لكن همساتهم كانت عالية بما يكفي لتصل إليّ. تنهدت، ومررت يدي الملطّخة بالدماء على وجهي.
"مين جونغ! كيم مين جونغ!"
التفتُّ فرأيت "يون جونغ-هو" يركض على امتداد السكة باتجاهنا، متأخرًا بعض الشيء. وما إن بلغ محطة "آنسيم"، حتى راح يبحث عنها بعينيه القلقتين. نزلت "مين جونغ" من على الرصيف، وارتمت في حضنه، وعيناهما تبرقان بالدموع.
مسحت الدماء العالقة على يديّ بثيابي، ورفعت بصري نحو الأعلى. الزومبيون على السكة قد أُبيدوا، لكن السؤال الأهم لم يُجَب بعد:
من أين جاءوا؟
نظرت إلى من تبقّى من الناجين فوق الرصيف، وسألت:
"هل قدم الزومبيون من جهة غاكسان؟"
"هاه؟ أ… أكنتَ تخاطبني؟"
"أيًّا يكن، أجبني."
"نعم، ظهروا فجأة قبل نحو ثلاثين دقيقة."
ثلاثون دقيقة؟ هذا يعني أنهم خرجوا فجرًا. ما لم يكونوا تابعين لأحد الزومبي القادرين على التحكم بجحافل من أمثالهم، فلا شيء يبرّر تحركهم في وقت كهذا. وبما أنهم مجرد زومبيي شوارع… فهذا مستحيل.
إذاً، لا بد أنهم نزلوا تحت الأرض هربًا من أشعة الشمس. ومع ما سمعته عن سقوط "ديغو" بيد الزومبي منذ أسبوع فقط، يبدو أن هؤلاء الموتى بدأوا يدركون وجود عالمٍ تحت الأرض، فانسلّوا إليه، بحثًا عن الظلمة الأبدية التي تقيهم لعنَة الضوء.
تأملت أسلحة الناجين المتهالكة، فلم أجد ما يبعث على الاطمئنان. لم يكونوا أفضل حالًا من ملجأ "هاي-يونغ" في بداياته، حين كان الناس يغامرون بأرواحهم مسلحين برماح فولاذية بدائية. إن استمروا بهذا الضعف، فلن يصمدوا طويلاً.
الهجوم الذي رأيناه لم يتجاوز ثلاثمئة زومبي، ومع الوقت، ستتضاعف الأعداد بلا شك. تمامًا كما حدث في "غوانغجانغ" في سيول، حين اجتاحت موجة من عشرات الآلاف كل ما اعترض طريقها، سيبدأ زومبيو ديغو بالحشد والزحف معًا، مدفوعين بغريزة الجوع.
كنت أجهل ما إذا كان يجب عليّ التدخل. قادة هذا الملجأ، "جونغ جين-يونغ" و"يون جونغ-هو"، سبق أن عبّرا عن عدم رغبتهما في الانضمام إلينا.
وقفتُ غارقًا في أفكاري، وملامحي يطغى عليها التردد. عندها اقترب مني "جونغ جين-يونغ"، وقد ظل يراقبني بصمت لفترة.
"هل هناك سبب واضح لهذا الهجوم؟" سألني بحذر.
أدركت حينها أنه أذكى مما ظننت، إذ استنتج شيئًا من خلال سؤال بسيط. أومأت برأسي، وشرحت له استنتاجاتي بهدوء. استمع بانتباه، ثم قال:
"وماذا تقترح علينا أن نفعل؟"
"الأمر عائد لكم أنتم."
نظر إليّ لحظةً بصمت، بدت على وجهه دهشة خفيفة من ردّي. انخفض رأسه قليلًا، كأنّ عبئًا ثقيلًا استقرّ على صدره. وبدت على ملامحه علامات الصراع.
كنت أعلم أن الخوف سيبدأ بالتسلل إليهم مع كل غروب شمس. لم يكن في مقدوري تخيّل أنهم سيتمكنون من الصمود طويلاً في هذا الظلام.
وحين رفع "جونغ جين-يونغ" رأسه مجددًا، نظرت إليه بثبات.
"أصغِ إليّ جيدًا."
"نعم؟"
"سأحدثك عن كل ما أعلمه عن الزومبي ذوي العيون الحمراء."
أومأ لي بجدّية، وتقلّدت ملامحه صرامة مفاجئة. ورغم أنني كنت أرغب في ضمّهم، لم أكن لأرغمهم على شيء. ومع ذلك، ومن أجل هؤلاء الناجين، ومن أجل المبادئ التي تأسّس عليها تحالفنا، كنت مستعدًا لأن أمدّ لهم يد العون.
جلست معه، وأخذت أسرد عليه خصائص الزومبي أصحاب العيون الحمراء، واحدًا تلو الآخر. ذُهل مما سمع، وراح يردّد همهمات التعجّب. لكن أكثر ما أدهشه، وأرعبه في آن، هو ما أخبرته به عن قدرتهم على السيطرة على الزومبي وجعلهم أتباعًا لهم… بل وإمكانية التحدث بمنطق ووعي، إن هم التهموا دماغ إنسان.
"هل يعني هذا… أنك أكلت دماغًا بشريًّا؟"
"حين تعيش كزومبي، ستجد نفسك أمام طرق متشعّبة، وأسئلة مربكة، وخيارات لا ترحم. وكل مرة، فكّر بالناجين أولًا. إن تركت مشاعرك تتحكم بك، فستعرّض كل من وثق بك للخطر."
"سآخذ ذلك على محمل الجد…"
هزّ "جونغ جين-يونغ" رأسه بقوة، وعيناه تلمعان بعزمٍ جديد. وفي تلك اللحظة، اقترب "يون جونغ-هو" منا.
"السيد لي هيون-دوك؟"
"نعم؟"
"أعلم أنني تأخرت… لكن، أردت أن أشكرك. من أعماق قلبي، شكرًا."
انحنى انحناءة عميقة، بكل احترام، وظل على حاله دون أن يرفع رأسه. نظرت إليه، وابتسمت بخفوت.
"لا بأس… ارفع رأسك، رجاءً."
"أنا… لقد كنت أشكّ فيك طيلة هذا الوقت…
"من الطبيعي أن يُقابَل اللقاء الأول بالحذر،" قلت بهدوء، "وأعتذر إن بدا تصرّفي قاسيًا أو عنيفًا."
ظل "يون جونغ-هو" صامتًا، يحدّق بالأرض، ثم رفع رأسه ببطء. دارت عيناي بين الوجوه المتعبة للناجين.
"كم عدد من تبقّى هنا؟"
"ثمانية وثلاثون، جميعنا."
"وهل بينكم أطفال أو شيوخ؟"
"نعم… كل من في المحطة من العجزة والصغار، عدا أولئك المكلّفين بحراسة السكك الحديدية."
حينها، ارتفعت في أنفي رائحة الخطر، رائحة لا تخطئها حواسّ من اعتاد النجاة في عالمٍ التهمته الكوارث. حككت ذقني ببطء، وقلبي يثقُل بشعور، نذيرٌ لا يُخطئ
لم تكن أعداد الزومبي في هذه المنطقة مقلقة، خاصة وقد طهّرت غاكسان من بقاياهم، ولن تُصبح ديغو مهدّدة ما لم تظهر موجة جديدة. لكن ما لم يُحسَم بعد هو ما ينتظرنا في مدينة الابتكار، المدينة الفاصلة بين غيونغسان وديغو… هناك حيث يتربّع معهد أبحاث الدماغ الكوري.
استدرت إلى الخلف، وناديت:
"تومي."
"هاه؟ نعم؟"
"ستبقى هنا."
رمقني بدهشة لم يُخفها، وقلت:
"سأتوجّه إلى مدينة الابتكار بنفسي. سأتولى أمر الزومبي هناك، وأعود فور انتهائي. وحتى ذلك الحين… الزموا مكانكم."
"ألن يكون من الأفضل أن نذهب معك؟ وجودنا سيجذبهم إليك، فنسحقهم دفعةً واحدة."
أمال تومي رأسه قليلًا، وابتسم ابتسامة خجولة سرعان ما تلاشت:
"إذا ذهبت وحدك، فستضطر إلى ملاحقتهم واحدًا تلو الآخر… قد يُهدر ذلك وقتًا لا نملكه."
أومأت له بتفهّم، لكنّ ما دفعني لرفض اقتراحه لم يكن الوقت، بل احتمال أن تندفع موجة زومبيين جديدة نحو المترو هربًا من الشمس. لا يزال هذا خطرًا واردًا.
ومع أنني أعلم أن الجنود الروس مسلّحون بما يكفي لصدّ هجوم متوسط، فإن احتمال المفاجأة لا يُستهان به.
ضحكتُ بخفة، كأنني أزيح عن نفسي سُحب القلق:
"سأعود ما إن أفتح الطريق نحو المعهد. افعلوا ما أقوله… من أجل سلامتكم."
"إن كنت تصرّ…"
"أنا من لا يطمئن."
رضخ تومي صامتًا، ثم أصدرت أوامري إلى "جي-أون" بحماية الناجين، وغادرت المحطة برفقة متحوّلي المرحلة الأولى. كانت المدينة، التي غمرها الظلام ذات يوم، تُشرق تحت شمس متوهّجة في كبد السماء.
استخرجت الخريطة من جيبي، وحدّدت الموقع. ثم رفعت صوتي:
"توزّعوا على الجانبين، واقضوا على كل زومبي تصادفونه. سواء أكلتموهم أو حطمتموهم، تأكّدوا فقط أنهم لا يعودون للوقوف أبدًا."
كيااااه!!
أطلق المتحوّلون زئيرًا وحشيًّا، وانطلقوا كضباع أُطلق سراحها في أرض صيد.
وسرت خلفهم، أراقب الخريطة بعينٍ لا تغفل.
❃ ◈ ❃
شوارع مدينة الابتكار كانت مرسومة كشبكة هندسية واسعة، كما هي معظم المدن الحديثة في كوريا، مما جعل تعقّب الزومبي أمرًا يسيرًا.
كل حيّ في المدينة كان يحتوي على حديقة صغيرة، والمباني متباعدة بما يكفي لجعل الرؤية واضحة من مسافات بعيدة، دون الحاجة للاعتماد على الشم أو السمع. بدا أن المدينة لم تمسّها الفوضى كثيرًا، تمامًا كما وصف "جونغ جين-يونغ". بدا واضحًا أن معظم الزومبي جاؤوا من غيونغسان.
الزجاج لم يُكسر، والنباتات ما زالت خضراء، والطرقات نظيفة نسبيًا. لم تكن هناك آثار معارك أو اجتياح دموي.
واصلت السير شمالًا، أنثر الموت على الزومبي في طريقي كظلّ يبتلع الفجر، حتى وصلت إلى ساحة واسعة تحيط بمجموعة مبانٍ حكومية. وفي قلب الساحة، انتصب تمثال كبير على هيئة دماغ بشري، وقد كُتِب عند قاعدته:
"معهد أبحاث الدماغ الكوري"
ها أنا ذا، في قلب الهدف الذي طالما تحدّث عنه العلماء الروس منذ وطئت أقدامهم أرض كوريا. بجوار التمثال، كانت هناك خريطة طبوغرافية للمنطقة.
ثلاثة مبانٍ رئيسية:
المبنى (A) في المقدّمة.
المبنى (B) على اليمين.
مختبر الحيوانات على اليسار.
ولكن قبل أن أتمكّن من التقدّم، دوّى صوت زمجرة غريبة قادمة من جهة المختبر. رفعت رأسي بتوجّس، وإذا بي أرى المئات… لا، الآلاف من الزومبيين يصطفّون في الساحة أمام المبنى (A)، صفوفًا كثيفة حدّ أنني ظننتهم جدارًا من اللحم والعظم.
كانوا جميعًا واقفين، يواجهون المختبر بصمت قاتل، وكأنّ أحدًا أمرهم بذلك. لكن اللافت أنهم لم يحملوا العيون الحمراء… لم يكونوا تابعين لأحد.
"ما الذي يجمعهم هنا؟"
اتّسع الشك في قلبي، ولم يكن معي بشر لأرسلهم، لذا عقدت العزم على أن أتحرّك بنفسي. التفتُّ إلى متحوّلي المرحلة الأولى، فرأيت بعضهم يلعق دماء الزومبي التي لطّخت أفواههم. كنا قد فتَكنا بما لا يقل عن خمسمئة زومبي في الطريق… وبدا عليهم الاكتفاء.
"ابقوا هنا. إن ناديتكم، تعالوا فورًا."
كيااااه!!
كان هديرهم كالرعد، لكن فجأة… تغيّرت ملامحهم. بدا أنهم شمّوا شيئًا ما.
استنشقت الهواء ببطء، أعَدْتُ الخريطة إلى جيبي، وتقدّمت وحدي نحو الساحة.
غرررر… كااااه… كرووو…
استدار الزومبيون نحوي ببطء، كأن أجسادهم تتحرّك وفق إيقاعٍ واحد. وما إن اقتربت، حتى رأيت وجوههم…
واتّسعت عيناي.
عروقهم كانت متضخّمة، نابضة، كأنها توشك على الانفجار. أجسادهم مشدودة بتشنّج مخيف، ووجوههم مشوّهة بألمٍ غير مرئي. لعابهم يسيل بكثافة، وكان كل واحد منهم يرمقني بنظرة متّقدة، مليئة بالجوع والجنون.
غروووووو!!
أطلق الزومبي الأقرب إليّ زئيرًا مدوّيًا، وتلاه الآخرون، في جوقة موتٍ رهيبة.
ثم، وكأن بوّابة الجحيم قد فُتِحت، اندفعوا نحوي دفعةً واحدة…
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪