* * * * * * * انقضاء سبع سنوات * * * * * * *
قضمتُ ثمرةً ونزعتها من الغصن، ثم بسطتُ جناحاي وسقطتُ عن فرع الشجرة الذي كنتُ أقف عليه، ودعوتُ الهواء يفتح جناحيَّ ويدفعني في انزلاق رشيق. هبطتُ لأستقر على صخرة عند حافة جدول ماء؛ فقد كان مكاناً ممتازاً للاستمتاع بأشعة الشمس وتناول شربة ماء مع الطعام. رمقتُ الممر المعبّد بعيني وراقبتُ بحذر الكائنات الفضائية الثلاثة المارة عليه. على سبيل العدالة الساخرة، وبعد نحو ثلاثة أشهر من إبادة الجنس البشري على يد جنس أبيض من الفضائيين، جاء جنس ثانٍ وردّ الجميل. ويا للعجب، فقد استطعنا فهم لغة هذا الجنس أيضاً. أطلقوا على أنفسهم اسم الكيماري، وكانوا يختلفون تماماً عن الغزاة الأوائل. اتخذوا هيئة تشبه البشر إلى حد ما، لكن قاماتهم بلغت نحو عشرة أقدام وبنوا بنية جبارة. أظهرت أجسادهم المفتولة بالعضلات قوتهم، رغم قدرتهم على التحرك بسرعة فائقة متى أرادوا ذلك. امتاز الجميع بجلد أخضر داكن وشعر أسود. ربما بلغت ثخانة كل خصلة من شعرهم الأملس سمك قطعة معكرونة سباجيتي، مما منحهم مظهراً منسيابياً غريباً عند التفات رؤوسهم. لسبب غريب للغاية، امتلكت جميع الدريغونيت معلومات عن كلا الجنسين من الفضائيين، وكأننا أخفينا معارف أو ذكريات داخل عقولنا. أطلقنا على تلك الفتات من المعلومات عديمة المصدر اسم «ذكريات الدم»، إذ بدا أنها ولدت مع أجساد الدريغونيت الخاصة بنا. كان هؤلاء الفضائيون جماعة من المقاتلين، لا ينعمون بالسلام إلا مع أبناء جنسهم. تذكّرني ثقافتهم بطريقة أو بأخرى بالثقافة اليابانية القديمة، أو هكذا فهمتها من الأفلام القديمة. تسامحوا مع الأجناس الأخرى إن ربطتهم بهم علاقات طيبة أو من أجل التجارة، وكان هذا كل ما في الأمر. اعتاد هذا الجنس مهاجمة أي فضائي يخرج عن الطاعة أو يثير المشاكل في المنطقة التي تسيطر عليها، والتي بدا أنها تمتد عبر مجرات عدة. لم يكونوا جنساً يرغب أحد في مقاتلته، إذ يتكاتف الكيماري جميعاً في ردّ عنيف ومميت. فحصتُ الثلاثة وهم يسيرون ببطء على طول الممر. ارتدى الذكور غالباً دروعاً على صدورهم أو سواعدهم واعتادوا حمل سلاح واحد أو اثنين على الأقل. لم أرى أنثى ترتدي درعاً قط، رغم أنهن اعتدن حمل سكين ثقيلة على أحزامهن. حمل كل ذكر رأيته نوعاً غريباً من الرماح القابلة للتمدد والتي تنطوي لتصبح بأنبوب بحجم كف اليد. حمل عدد من الذكور أيضاً نوعاً من أسلحة الطاقة. فضلتُ هذا الجنس على الجنس الأول وسررتُ لإزاحتهم الفضائيين البيض. احترم الكيماري الطبيعة،وضمت كل مدينة عشرات الحدائق في جوفها. لم يعد أثر للبشر باقياً في هذه المرحلة. لا مبانٍ، ولا سيارات، ولا إطارات مطاطية، ولا حتى قطعة نفايات واحدة. محا الكيماري كل أثر يدل على مشي البشر يوماً على هذا الكوكب. بنوا مدناً مترامية الأطراف وواسعة تؤوي الآلاف من بني جنسهم، وأحاطوها بأسوار عالية. لم يحبذوا العيش بتكدس مثل البشر، وهو ما مثّل راحة لنا لقلة عددهم الذي يتوجب علينا مراقبته. حتى الآن، لم يدرك الكيماري أن الدريغونيت أكثر من مجرد حيوانات عادية، فمالوا إلى تجاهلنا لأننا لم نضايقهم يوماً وبقينا بعيدين عن طريقهم. رغم ذلك، ظللنا نرى من الحكمة تجنبهم قدر الإمكان. لم نتجول في شوارع المدينة واكتفينا بالبقاء في الحديقة الرئيسية. عشنا جميعاً داخل الحدائق لأن حيوانات غريبة وفتاكة لا تنتمي إلى هذا الكوكب باتت تتربص خارج أسوار المدينة. أُطلق معظم تلك المخلوقات إما عن قصد أو عن طريق الخطأ بواسطة الفضائيين البيض الأوائل. كانت الحيوانات شرسة لدرجة دفعت الكيماري إلى بناء أسوار واقية تمنعها من التسلل إلى مدنهم خفية. كما خطرت خطورتها ببالهم لتعتبر الدريغونيت وجبة خفيفة مثالية، مما أجبرنا على الاحتماء داخل مدينة الكيماري. بسطتُ جناحاي لأتلقى أشعة الشمس وأنا أقضم الثقطة التي التقطتها من الشجرة. نشأ هذا النوع من الأشجار في عالم آخر، رغم أن ذكريات الدم أخبرتني أن الثمرة قابلة للأكل. وأثبتت الذكريات جدارتها وجدارتها بالثقة مرة تلو الأخرى. بفضل تلك الذكريات، استطعت تسمية كل نبتة تقريباً هنا، سواء أكانت أصلية على الأرض أم لا. التفتُ أنظر إلى الخضرة وأنا أمضغ الثمرة الحلوة؛ فقد زرع الكيماري عشرات الأنواع المختلفة من الأشجار المثمرة والزينة، فضلاً عن ترك عدد من الأشجار المحلية. تقع هذه الحديقة بالذات في قلب المدينة، وتُعد الأكبر داخل أسوارها. غطت مساحة هائلة. استغرق مني الأمر نحو أربع ساعات للطيران عبرها، ولم أكن بطيئاً قط في الطيران. التفتُ عندما ركض طفل كيماري بجانب البالغين الثلاثة. كان الأطفال نادرين بين هذا الجنس ويحظون بحماية شرسة ضد أي تهديد محتمل. وهذا سبب إضافي لتجنبهم... حين سمعت صوت طرطشة المياه والزقزقة بالقرب مني، التفتُ وابتسمتُ بينما كانت صغار دريك تلهو عند حافة الماء. صحيح، سيجد الحب طريقه دائماً. مهما يكن ما تغير في جيناتنا، فقد تورث بصدق وثبات. ربما فقط فقس الدريغونيت الأصلي من بيض ضخم في المختبر، لكن بيضنا جاء أصغر حجماً من بيض الدجاج. دأبت كل حضنة على إنجاب بيضتين بيضاوين كاللؤلؤ. لحسن الحظ، ورث الصغار ذكاء والديهم وقلوب البشر. استطاع الصغار الطيران في غضون خمسة أيام تقريباً، رغم استغرق الأمر نحو خمس سنوات ليبلغوا تماماً. في عمر سنة واحدة، بلغوا ذكاء إنسان شاب يافع، مما سهل الأمور علينا كثيراً. حتى الآن، فقط فقس أربعة وعشرون صغاراً منذ تدمير المختبر. بدا لون الصغار عشوائياً إلى حد ما مقارنة بالآباء، مع ظهور الألوان ذاتها مراراً وتكراراً. أحمر، أرجواني، أخضر، أزرق، ذهبي، وفضي بألوان لامعة وبراقة. حملت الصغار ذات الألوان الحمراء أو الخضراء أو الذهبية إناثاً دائماً، بينما حملت الألوان الأرجوانية أو الزرقاء أو الفضية ذكوراً دائماً. لم يكن لدي رفيق؛ إذ زادت أعداد الإناث كثيراً مقارنة بالذكور حين هربنا من المختبر. رغم بلوغ عدة أفراد من الجيل الجديد سن الرشد، بدا لي الأمر أشبه باغتصاب طفولة إن فكرت في الارتباط بأحدهم. ارتبط تقريباً كل الذكور في هذه المرحلة، وبقوا مخلصين لرفيقاتهم. لم يختر عدة ذكور رفيقة لهم، لكنهم لم يبدوا أي اهتمام بالارتباط. بدا أن الأزواج يتشكلون لمدى الحياة، وكأن الأمر كُتب في دمائنا. يشبه ذلك جنساً آخر رأيته. التفتُ أنظر إلى الفضائيين الأربعة وهم يغادرون مجال رؤيتي. يتزاوج ذكور الكيماري لمدى الحياة، وإن ماتت رفيقتهم، رفضوا تماماً التفكير في غيرها. تتزوج الإناث أحياناً إن مات رفيقكن وكنّ ما زلن صغيرات في السن، ولكن بعد مرور سنوات طويلة تسمح لهن بتجاوز أحزانهن. لم يبلغ عدد الدريغونيت ما كان عليه من قبل؛ فقد انخفضت أعدادنا خلال عامنا الأول من الحرية بسبب الحوادث والإصابات والحيوانات البرية بينما تعلمنا النجاة في هذا العالم الجديد. لم يبقَ سوى اثنين وسبعين من الدريغونيت الأصليين من أصل مائة وثمانية تمكنوا من الهرب، ولكن مع الأطفال، ارتفعت أعدادنا أخيراً لتقترب من المائة. أنهيت الثمرة وتفحّصت السمكة الصغيرة التي تجرأت على أكل الحشرات قرب سطح الجدول بطيء الحركة. رغم شبيهنا بالتنانين الصغيرة، فقد فضلنا الفواكه والنباتات. أحياناً، اشتهينا السمك أو اللحم في حالات نادرة. ساعدتنا مخالبنا الحادة القابلة للسحب وأسناننا في اصطياد سمكة تصل إلى نصف حجمنا أو إسقاط أرنب أرضاً. ولم يصمد أي طائر أمامنا إن رغبنا في تناول الدواجن على العشاء. كنا أشراراً بما يكفي لمواجهة أي شيء بحجمنا أو أصغر. وكانت سرعتنا في الهواء مذهلة،وحتى على الأرض، تمتعنا برشاقة فائقة. امتلكنا بعض الحيل التي منحتنا تفوقاً حتى على المخلوقات الأكبر حجماً. استطعنا إطلاق النار من أفواهنا. تماماً مثل التنانين. كان الأمر بمثابة منحنى تعلّم حين اكتشفنا تلك المعلومة الصغيرة. تراكمت الحرارة في مؤخرة حلوقنا الطويلة ويمكن إطلاقها في تيار يشبه قاذف اللهب أو بثقها على شكل كرة من النار. حين تقدمت لتلك المنحة الدراسية الكبرى في سنتي الرابعة بالجامعة، لم أظن قط أنني سأنتهي هنا بعد خمس سنوات من الآن. الانتقال من طالب جامعي إلى سداسي ينفث النيران لم يكن ضمن أي من التفاصيل الدقيقة التي وقعت عليها. بمرح، غمست طرف أجنحتي في الماء ولوحت به نحو الصغيرين. قفزا مفزوعين حين أصابهما الماء البارد. "هي! ما الذي يعنيه هذا؟!" ابتسمتُ لغضبهما المرح. "لا سبب سوى رغبتي في ذلك." قفزتُ مباشرة في الهواء وضربتُ بجناحيَّ لأكتسب زخماً بينما لحق بي الاثنان في مطاردة. عبرتُ بين أغصان الشجار وحول جذوعها في مطاردة عالية السرعة بخفة خفاش. بُنينا للسرعة وقابلية المناورة، رغم أن الصغيرين شبه البالغين ورائي ما زالا يحملان خرقة الصغار. نسجتُ طريقي بسهولة عبر هذا الجزء من الغابة بينما عانى الصغيران لإبقائي في مجال رؤيتهما. لمحت صقراً كبيراً يطير بجواري فقمت بانعطاف سريع لأخدش ريش ذيله بصفير حاد. سارع بزيادة سرعته واكتسب ارتفاعاً محاولاً مغادرة المنطقة بأسرع ما يمكن. يمكن لصقر بحجم هذا أن يهاجم صغيراً، وقد فقدت الكثير من الأصدقاء بين الدريغونيت خلال عامنا الأول في الغابة لدرجة تمنعني من التفكير في ترك ديك رومي ضخم يؤذي أحد أطفال سربنا. احترس كل منا بشدة لحماية أي صغير أو فرخ. غطستُ مجدداً في مظلة الأشجار بينما استأنف الصغار مطاردتهما. بعد فترة وجيزة، هبطتُ على صخرة بالقرب من والدهم. "دريك، أرجوك تحكم بصغارك." حمل صوتي مزاحاً، وعرفت أنه لن يأخذني مأخذ الجد. رمش بكسل من حيث استلقى بجانب رفيقته. "إن كنت مخطئاً، فأنت من بدأ تلك." ابتسمتُ وتمددتُ باسطاً جناحيَّ في الشمس. أجبْتُ: "أنت محق." هبط الفرخ الصغير بخفة على ظري، صارخاً بمرح: "مسكتك!" كانت مخالبه مسحوبة ولم تخترق حراشفي. أدرتُ عنقي الطويلة لأنظر إليه بترفيه. "بالنظر إلى أنني كنت مستلقياً، لو لم تمسكني، لاضطررنا للجلوس في حديث مطول." ضحكت شقيقته بينما ابتسم هو وتدحرج من على ظري ليهبط في الماء الضحل للجدول. التفتُ مجدداً نحو دريك. "هل لديك أي فكرة عن مكان إقامة ترنيمة الصباح غداً؟" تثاءب قائلاً: "قرب شجرة البلوط الكبيرة في حقل الزهور ذاك، شمال تفرع الجدول تماماً." أجبْتُ: "إنه مكان جيد. لم نذهب إلى هناك منذ مدة. قد يضلل ذلك متفرجينا." شخرت رفيقة دريك بتشكك. وقالت: "أشك في ذلك كثيراً. إنهم مثابرون للغاية." صفرتُ بموافقة خفيفة على رأيها قبل أن يصمت الجميع ونحن نستمتع بأشعة الشمس.