حتى الموت؟ (النسخة المنقحة) الفصل 105

اقرأ حتى الموت؟ (النسخة المنقحة) الفصل 105 باللغة العربية على مانجا تايم.

***المدينة البلّوريّة*** ***سيريا***

ما هي إلّا لحظة بعد تعثر سيليس داخل الخزنة حتى ينشط الحاجز الواقي وينتزع مصير الأكوان المتعددة من بين يدي. مهما كانت عاقبة أفعالي، فلن أكون أنا من يصوغ مصائر الجميع. الأمر في أيديهم الآن. أسقط على ركبتي وأستمع إلى أصوات الناجين الباكين إثر هذا النزاع الأخير. كل ما بيدي فعله الآن هو انتظار الفناء المحتوم. وفجأة ينخفض الحاجز ليكشف عن أمي مرة أخرى. تخرج من الخزنة متغيرة وتبدو مختلفة عن الشخص الذي دفعته للتو إلى الداخل قبل لحظات.

لباسها هو نفسه لكن سيليس تبدو أطول الآن. تتمايل بطريقة مختلفة، وتعبير وجهها أقل توتراً ومليء بالثقة، وخالٍ من الغضب الصارم لقرينتها الأخرى، بل تشبه أكثر تلك الشخصية التي أحفظها في ذاكرياتي. الملكة التي لا تُقهر لكل ما في الوجود. وما يلفت الانتباه أكثر هما الجناحان الجلديان اللذان يبرزان من وركيها واللذان لفتهما حول نفسها كالتنورة لتوحيا بمخلوق أسطوري حقيقي. لقد عادت لتكون تلك الشخصية التي كانت دائماً إلى جانب المشرق في اللوحة الجدارية التي تزين الحرم الداخلي.

تُضيق المرأة الواقفة أمامي عينيها وتنظر إليَّ مطولاً ثم تدير نظرها في أنحاء الغرفة متفحصة الأشخاص الذين يراقبونها بصمت مذهول في انتظار حدوث شيء ما. يخرج أنغرود شاحباً إلى حد ما من خلفها متفرساً في الغرفة بنظرة ناقدة بالدرجة نفسها وتفحص عيناه كل تفصيل.

"أتمنى لو أننا أصبنا الكبد هذه المرة لأني مللت من محاولة هذا مراراً وتكراراً وتكراراً..."

تعقد سيليس ذراعيها أمام صدرها.

"وسنحاول هذا مليون مرة أخرى إلى أن ننجز الأمر بالطريقة الصحيحة! مشكلتك أنك تكتفي بحلول ناقصة."

"يا لك من باحثة عن الكمال ملعونة! من يكترث إن كان سجادك بلون مختلف؟ انظر، الجميع هنا وهم أحياء، أليست هذه هي المسألة المهمة؟"

يتوجع ملاحظاً جسداً متفحماً على الأرض.

"وه, ينبغي لأحدهم مساعدة كارن. يبدو مقرمشاً بعض الشيء."

يستدعي عصاه من العدم ويخوته بخطوة إلى الأمام ناخساً الجسد.

وعندما يثير النخس الملحوظ ارتعاشة مؤلمة المظهر من الجثة يومئ أبو الخليقة واضطرام الرضا يبدو كافياً مع رد الفعل ليعلن: "حي!"

أعبس وألتفت متفحصاً بطل الحريم خاصتنا. ألم يتعرض للقلي حتى صار رماداً قبيل دخول أنغرود الخزنة؟ كيف يمكن أن يكون حياً؟ لكن أبي محق. كارن ملقًى بالقرب ويبدو في حال سيئة لكنه حي بدلاً من أن يكون كومة رماد.

"ما-"

أفغر فاهي أمام استحالة المشهد غير أن أمي تقاطعني وهي تربت على أعلى رأسي.

"لا تجهد عقلك أكثر من اللازم يا بني. دعنا نقوم بعملنا فقط."

تلوح بيدها الأخرى باحتقار باتجاه أنغرود.

"من يكترث لذلك الأبله."

"مهلاً! إنه أحد القلائل من أصدقائي"

يوضح أنغرود قلقه على الرجل الواقع على الأرض.

"وأنت قتلته. يا لك من صديق رائع..."

تتنهد سيليس.

"لفترة قصيرة فحسب"

يشير زوجها. تعيد تركيزها نحو بقية الغرفة.

"على أي حال. كل تفصيل صغير مهم لأنني لن ألجأ إلى استخدام هذه الطريقة مرة أخرى عندما يعجبني شيء ما لاحقاً. وقد أصبنا كبد حقيقة أن "الجميع أحياء" منذ بضعة آلاف من المحاولات. لكن لا يزال يبدو خدعة رخيصة."

"لم لا تذهب وتتفقد بطانيتك الغبية؟"

يسأل أنغرود بانهاك.

"إنها سجادة!"

تختفي سيليس وتعود بعد جزء من الثانية.

"تبدو السجادة بخير. هل تأكدت من نجاة أبيك في هذه النسخة؟"

ينتعش أنغرود لدى سماع الخبر السار ويبدو حياً أكثر على الفور.

"بالتأكيد وللمليون مرة. هذه المرة لم يرافق العجوز أبداً إلى الموقع المتقدم. أي شيء آخر تريدين التأكد منه؟ أرجو أن تضعي في الحسبان أننا مع كل التغييرات الصغيرة التي أجريناها على الجدول الزمني فلا بد أن تختلف بعض الأمور."

ترفع سيليس حاجبها وتوجه انتباهها نحوي.

"كم يساوي اثنان زائد اثنين؟"

أفتح فمي محاولاً مواكبة محادثتهما لكني أخفق بشدة.

وأخيراً أجيب بنبرة مستفهمة شاكاً في وجود نوع من الفخ: "أربعة؟"

"على الأقل لم تمارس تلك الخكعة مرة أخرى"

تتذمر سيليس ويلغي أنغرود استدعاء عصاه ليرفع يديه دفاعياً.

"عليك الاعتراف بأن الأمر كان طريفاً."

لا تفعل أمي سوى أن تقلب عينيها وتخاطبني بسؤال آخر.

"ما آخر شيء تتذكره؟"

"أنا- أنا-"

أشير إلى مدخل الخزنة.

"دفعتك في اللحظة المناسبة تماماً قبل أن يرتفع الحاجز... لضمان هزيمة الكارثة حقاً هذه المرة. هل نجحتما حقاً في فعلها؟ هل استحق كل ما فعلته عناءه؟"

دهور من الانتظار، دهور من المعاناة، دهور من الوحدة. أرتجف ترقباً منتظراً سماع أن غرض وجودي قد تحقق أخيراً بعد هذا الوقت الطويل. تتجول عيناها ذهاباً وإيَاباً بينهما بحثاً عن إجابة سريعة في تعابير وجهيهما. يرتجف أنغرود ويرفع يداً ليوقفني.

"لا تريد معرفة تفاصيل فنائها، صدقني. دعنا نقول فحسب إن الكارثة لم تعد مشكلة، وإن أحسنت أنا وسيليس الصنع فستتبدد مناطق الفراغ ببطء مع الوقت بينما تعود الأرواح التي علقت داخل الكارثة لتملأ الأكوان المتعددة."

"ما الذي يجري بحق الجحيم!؟"

تقتحم ميروليرو المحادثة معبرة عن السؤال الذي يشتعل على ألسنة كل المستمعين الآخرين في الغرفة.

يلتقط شيفري ذراعه الآلية المفصولة عن جسده من على الأرض مجيباً عن السؤال بلا مبالاة: "لقد فعلوها. دمروا الأكوان المتعددة. ثم أعادوا خلقها. مع أن ما لا أستوعبه هو كيف يمكن أن نكون هنا بذكرياتنا سليمة. دون أن تُدمر الأكوان المتعددة حقاً."

يرفع أنغرود يده بمساعدة.

"آه، هذا سهل الإجابة. أردنا العودة إلى أكوان متعددة قريبة قدر الإمكان من تلك التي تركناها خلفنا. لذا، وبعد محاولات عديدة لمواءمة رغباتنا حققنا النجاح أخيراً!"

يومئ لنفسه.

"يعني هذا أننا اضطررنا لإعادة خلقكم جميعاً بذكرياتكم سليمة. كان ذلك يسيراً بما يكفي إذ منحتكم أرواحكم سهولة الوصول إلى ذكريات الأحداث الأخيرة. لكنها كانت فكرة سيليس بالكامل للتخلص من كل"

— يتخذ أنغرود وضعية لوعة — " "أنا أحترق!"، والتي صاحبت دمارها. بصراحة، لم يكن المفترض أن يكون الأمر سيئاً إلى هذا الحد حتى لو تذكرته. تعويذة الدمار الخاصة بي فعالة للغاية. ومضة بيضاء وفقط لا غير. إنسانية للغاية..."

يتلاشى صوته عندما يلاحظ أن سيليس ترمقه بنظرة حارقة.

"لا داعي لأن يتذكر أي شخص دمار الأكوان المتعددة. في الواقع، كلما قل عدد المدركين لحدوث شيء ما على الإطلاق كان ذلك أفضل."

تتفقد المحيط مقيمة تواصلاً بصرياً مع الجميع.

"سنبقي أفواهنا مغلقة جميعاً وننسى أن هذه الطريقة المجنونة والإبادة الجماعية تنجح حقاً، أليس كذلك؟"

تفحص الأشخاص الحاضرين في الغرفة لبضع لحظات أخرى ويتحول تعبير وجهها إلى الشك أكثر فأكثر مع كل ثانية لا تأتي فيها استجابة فورية بالموافقة.

"في الواقع، لقد أفسدنا الأمر. لنحاول هذا مرة أخرى دون إخبار أحد."

تكون سيليس في طور الالتفاف للعودة إلى الخزنة عندما يوقفها أنغرود.

"مه- مهلاً! دعنا نتحدث عن هذا. كل الناس هنا رفاق متعقلون، وحتى إن لم تثقي بهم فبامكاننا محو عقولهم. لا داعي للمخاطرة بسجادتك مرة أخرى، أليس كذلك؟"

أتنهد بارتياح ويتساقط ثقل عن صدري لم أكن أعلم بوجوده.

"لقد... فعلتُها..."

تتذمر سيليس وتستدير.

"حسناً. لكن هذه المرة تتفقد كل فرد بنفسك."

ثم يكون نيكس إلى جانبي مسحباً إياي للوقوف على قدمي بينما يخاطب أبوينا: "إذن لقد أعدتما خلق الأكوان المتعددة حقاً؟ كيف؟"

تنفلت ضحكة مجنونة من شفتي أنغرود شارفيَة على الجنون.

"من خلال الدمار والخلق والعديد والكثير من المحاولات الفاشلة. لن يكون خاطئاً القول إن هذا الواقع الحالي قد صُمِم في الفوضى وشُكِّل بالنظام."

تربت سيليس على كتفه.

"اغفروه فقد أصبح نزقاً بعض الشيء بعد بضعة أعوام من صقل عينيه للتفاصيل الصغيرة. خضنا نقاشاً طويلاً حول كيفية فعل ذلك وأقنعته أخيراً بأن الحل الناقص لن يفيد أحداً."

يومئ.

"أتمنى فقط لو سمحت لي بتلك التي تحتوي على ذيول القطط."

تزم سيليس شفتيها باشمئزاز.

"كان على كللينا تقديم تضحيات."

وعندها تطل فتاة صغيرة من الغرفة رافعة عدة حاجبين بين المتفرجين على هذا السيرك.

"أماه، أيمكنني الخروج الآن؟"

تومئ سيليس بيدها داعية الفتاة للاقتراب.

"إينيو، دعيني أقدمك لأخواتك."

"إينيو!؟"

أصرخ متذكراً تجربة أنغرود المنحرفة. تبدو نيكس مرتبكة بالقدر نفسه.

"ألم تكن إينيو هي..."

تتوقف عن الكلام عندما ترمقنا سيليس بنظرة لا تطلقها سوى أم لتخرس أطفالها.

بدل ذلك تنحني نيكس وتهمس: "ألم تكن روحها متضررة لدرجة استغراقها دهوراً للإصلاح؟ كم من الوقت بقيتِ هناك؟"

تشير إلى الخزنة.

"وكيف دخلت إلى هناك؟"

يصنع أنغرود تعبيراً بوجهه.

"أجل، فيما يخص تلك... فقد تعلقت بطريقة ما بكاحلي... ولم أدرك إلا لاحقاً أنها استقلت الرحلة مجاناً. لكن تبين أن ذلك ليس أسوأ ما حدث. لولا شيء أعيث به لكنت جُنِنت بينما كانت سيليس تعمل على صعودها و"إقناع" الكارثة بأن الموت أفضل من الحياة. المرة الأولى بحق التي أشهد فيها شخصاً لا يمتلك ذرة من سحر الأرواح يدمر روحاً تماماً..."

يهز كتفيه.

"لقد أصلحت إينيو بطريقة ما وقضيت بقية الوقت في معرفة كيفية جعل وجودها لا يتداخل مع إعادة خلق الأكوان المتعددة. دعونا نقول فحسب إنه من الأفضل عدم الحديث عن مقدار الوقت الذي أمضيته أنا وسيليس في هذا المسعى."

يربت أبي على رأس إينيو.

"لكنها تبدو طفلة لطيفة، لذا رحبوا بشقيقتكم الجديدة."

يتجول بصره نحو نقطة خلفي حيث يعتنق شاريد وأينغوس بعضهما بدموع في عيونهما.

"انهضا ايها الأحمقان! لقد قلت ليكن نور! وعليه كان! لقد نلتما ما يكفي من الوقت لتجتمعا بعد إرجاعكما من القبر."

ألهث عندما أدرك أن أخي عاد هو الآخر بين الأحياء. يمشي أنغرود نحوهما ناشراً ذراعيه.

"امنحا بابا عناقاً أيضاً!"

يعانقهما ويدور دورتين قبل أن يفلتهما. فجأة تقع عينا شاريد على بقايا إينيو داخل الخزنة. وما يعنيه ذلك ليس الفتاة الصغيرة بل ذيل سدادة الشرج المدمر.

"~وهههههه! لاااا! إرث العائلة!~"

تندفع إلى الأمام وتقبض على البقايا المحطمة كحيوان أليف محبوب. تسرع سيليس بتغطية عيني إينيو المصنوعة من لحم ودم.

"لا قلق! سأصلحها"

ينادي أنغرود خلف شاريد.

"ستكون بحالة جيدة كالجديدة بعدها. أحتاج فقط لروح أخرى. لم لا تستطيع صانعة الأكوان المتعددة إصلاح— أوووف!"

تظهر سيليس بجانب أنغرود فجأة غارزة ركبة طائرة في أحشائه. يهبط على أربع متقاطراً بقليل من الدم.

"لماذا؟"

"أنت تعلم لماذا!"

توبخه سيليس.

"ليس أمام الطفلة!"

قد يكون هناك المزيد للحديث عنه بشأن ما حدث في ذلك اليوم. عن كيف قُدمت إينيو لبقية العائلة، أو كيف روى لنا أنغرود وسيليس قصة مغامرتهما الفاشلة مع الكارثة. كيف أعادا خلق الأكوان المتعددة، أو كيف رُقّيت إينيو لتصبح شقيقة أخرى لنا. كيف كان علينا استرضاء مختلف السفراء من الفصائل الأخرى. لا تزال هناك أشياء كثيرة ينبغي فعلها لكنني كنت مسروراً الآن فحسب. مسروراً لأن الخطة الكبرى قد نجحت.

مسروراً لأن الأمور عادت إلى ما ينبغي أن تكون عليه. وحتى لو شعرت بأنني مخادع القصة فقد كنت قنوعاً بكوني بطلها الحقيقي.