بعد غداء تخلله اجتماع مع النقابة، كان الجميع غارقين في التعب، فقررنا تكرار تمرين الصباح للأيام القليلة القادمة وترك الفترات المسائية حرة ليفعل أعضاء نقابتي ما يحلو لهم. لا أتوقع الانضباط من الجميع، لكن الأعضاء المهمين كانوا يعرفون مسبقاً ما يلزم للبقاء في القمة، لذا فلن أتدخل.
"وأخيراً، القليل من الوقت لأنفسنا!"
تمطت ريا كقطة على سرير قصري شديد الاتساع. كان المنظر بلسماً لروحي، وبينما كنت منجذباً للانضمام إليها في بعض المرح، كان عليّ المقاومة.
"لنترك هذا للمساء، نحتاج إلى التحدث."
تجمدت، ثم جلست متربعةً، ترمبنني بوجه يطفح قلقاً.
"ما الأمر؟ هل حدث شيء؟ هل أخطأت في شيء؟"
رفعت يدي بحركة مسكنة.
"مهلاً، اهدئي، لم تخطئي في شي، لكننا تجنبنا طوال الأيام القليلة الماضية الحديث عن الأحداث الأخيرة، وأردت أن تظلِ على اطلاع. في الواقع، يمكنني الاستعانة بمساعدتك، فأنت الوحيدة التي أثق بها تماماً..."
لان تعبيرها.
"مم، حسناً، إذن... عما أرَدتَ إخباري؟ أنت تعلم أنه يمكنك التحدث إلي، وإذا كان بإمكاني فعل شيء، فما عليك سوى الطلب."
حسناً، سيستغرق هذا بعض الوقت.
"أنتِ ترين، الأمور هكذا..."
شرعت في شرح كل ما يتعلق بميفلين، ودروسي، وتدريب تطور الصفة، وكيف كانت لعنتي مكبوحة بينما تؤثر عليّ الجديدة، والأشخاص الثلاثة الذين ماتوا على يدي، وأدريان ومخاوفى بشأنه، وضفادع الزراعة، وكوين التي تتجسس لصلي، وكل ما حدث في الإحداثيات بين ذلك كله. لم تقاطعني ولا مرة، لكن وجهها صار شاحباً أكثر فأكثر كلما توغلت في الحديث. ربما ارتكبت خطأ... خصوصاً فيما يتعلق بأن تصبح قاِتلاً.
كان ذلك... نعم، ربما كان ذلك أكثر مما ينبغي. لكنني شعرت أنني بحاجة إلى التحدث مع شخص ما. كانت التجربة تمضغني من الداخل. على الرغم من أقصى جهودي لتجنب التفكير في الأمر، لم أستطيع التظاهر بأنني لم أقتل ثلاثة أشخاص، وأن اثنين آخرين توفيا بسبب أفعالي مع الضفادع.
"هذا... الكثير."
قالت. حسناً، لم يكن ذلك مبشراً حقاً.
"أعلم، لكنني احتجت إلى التحدث إلى شخص ما... أنا خارج حدود قدرتي تماماً هنا."
أخذت نفساً عميقاً، ثم شرعت في الكلام.
"إيلى، كنت سأقول لك أن تذهب إلى معالج نفسي في هذه الحالة، لكن نظراً لمكان وجودنا... فهذا غير ممكن حقاً. ربما يمكنني البحث عن واحد..."
لم أكن قد فكرت في ذلك حتى. هل يجعلني هذا شخصاً سيئاً؟
"لكن دعني أولاً أخبرك بشيء آخر، شيء أحتاج إلى إخباره لك. لست سعيدة بموت ثلاثة أشخاص. لا أظن أنني قد أكون كذلك أبداً، بغض النظر عما إذا كانوا يستحقون ذلك أم لا. لكن..."
التفتت أصابعها على قماش كمها.
"أنت لم تطاردهم. لم تستيقظ في ذلك الصباح رغبةً في قتل أي شخص، أصحصيح؟ لقد هاجموك. وكنت تحمل تلك اللعنة، وما زلت تفعل. لم تكن تفكر بوضوح. كان واضحاً عندما عُدت إلى الحانة في تلك الليلة أنك لم تكن نفسك."
شددت تعبيراتها.
"هذا لا يجعله أمراً جيداً. لا يجعله شيئاً يثير الفخر على الإطلاق. لكنه لم يكن جريمة قتل."
لقد كان كذلك، خصوصاً لأنني امتلكت القدرة على إيقافهم. سواء أضعفتني اللعنة أم لا، فقد امتلكت القدرة على إيقافهم دون قتلهم. لقد اخترت فقط إنهاء التهديد بدلاً من جلب المزيد من المتاعب لنفسي. نهضت من السرير وخطت أقرب إلي.
"لقد دفاعت عن نفسك. لو لم يهاجموك، ولم يحاولوا سرقتك، لكانوا أحياء حتى الآن. لقد كانوا قطاع طرق، نقطة وانتهى الأمر. لو لم تكن تلك اللعنة تنهش فيك، لربما سارت الأمور بشكل مختلف. أستطيع أن أرى الفرق هذه الأيام. ظننت أنه بسبب الإجهاد، وبعنتك 'العادية'... لكن في كل الأحوال، حدثت الأمور ونحن هنا الآن."
فتشت عيناها وجهي. لم أكن أعلم ما وجدته في وجهي، لكن ما رأته بدا أنه يشد من عزيمتها.
"مع ذلك، لا تجلس هنا وتخبرني أنك نوع من الوحوش بسبب هذا."
لم أفعل، لقد عرضت الحقائق فقط، لكن ربما كنت كذلك. بعد توقف، أصبح صوتها أكثر صلابة.
"لكن لا تفعلها مجدداً."
خرجت الكلمات وكأنها توسل.
"أرجوك. لا تدع هذا يصبح أمراً أسهل في المرة الثانية. لا تقنع نفسك بأنك لمجرد أنك نجوت من هذا، وبأن الناس يستطيعون تبريره، فهذا يعني أنه طريق يجب عليك الاستمرار في سلوكه. لا تسلك هذا الطريق..."
مدت يدها نحو يدي. كانت دافئة وصغيرة في يدي. كانت كفاها متعرقتين قليلاً، لكن قبضتها كانت محكمة.
"تعلم من الأمر. احمله معك إن اضطررت. انْدَمْ عليه إن اضطررت... فقط لا تألفه."
"لن أفعل"، أخبرتها، وكانت تلك هي الحقيقة.
لم أكن أريده. لقد كنت أشياء كثيرة، لكنني لم أكن وحشاً، ولا شخصاً يتلذذ بالقتل. كنت أتتلذذ بالفوز، وكنت استمتع بالقتال، نعم، لكن هذين كانا شيئين مختلفين. حل صمت آخر بيننا.
"لا تخبر الآخرين"، قالت ريا بعد توقف طويل.
هزت رأسها قبل أن أتمكن من الرد.
"لا. استمع إلي."
عبرت وجهَها ابتسامة حزينة.
"ربما كان يجب أن يعرفوا. ربما، في عالم مثالي ما، لَفهم الجميع جميع الظروف وحكموا بإنصاف. لكن هذا ليس العالم الذي نعيش فيه."
أبعدت نظرها لحظة.
"لم يكونوا هناك. لا يعرفون شيئاً عن اللعنة أو تأثيراتها. لم يروا ما حدث. سيسمعون 'ثلاثة رجال ماتوا'، وهذا كل ما سيسمعونه أبداً."
عليّ أن أكون صادقاً، لم أكن أستعرض هذا منها، ليس لأنها كانت صغيرة، بل لأنها كانت دائماً إيجابية للغاية، وطيبة للغاية، لدرجة أن فكرة إخفاء هذه المعلومات لصالحي لم تبدُ وكأنها تنتمي إليها. على ما يبدو، على الرغم من خبرتي في التعامل مع الناس، ما زلت أنجح في الحكم على أقرب الناس إليّ خطأً... ربما يجب عليّ إعادة التفكير في الكثير من افتراضاتي المتعلقة بمن حولين. على الأقل، يمكنني اتخاذ هذا درساً.
"لست ساذجة إلى الحد الذي يجعلني أظن أن كل شيء سيبقى على حاله لو أخبرتهم. بعضهم سيخاف منك، حسن، أكثر مما يفعلون بالفعل... وبعضهم سشكك في كل خيار اتخذته قط. وبعضهم سينظر إليك ليرى أولئك الموتى قبل أن يروك أنت."
عصرت يدي برفق.
"علينا إبقاء هذا بيننا."
أخذت نفساً مهتزاً.
"أنا أعرف الرجل الواقف أمامي. هذا يكفي بالنسبة لي. الآخرون بحاجة إلى قائدهم الشجاع. لقد قُدت الجميع حتى هنا، أرواح مقدسة! بعد اليوم الأول لم نفقد أي شخص آخر أبداً! وهذا بفضلِك. لا يمكننا السماح لهم بالتشكيك في كلمتك."
ثم بعد لحظة، "فقط اعطني عهداً بأنه لو كنت يوماً بتلك القرْب من الحافة مجدداً، ستأتي إلي أولاً. لا تدع اللعنة تنتصر، أرجوك..."
كنت مصدوماً ومؤثراً، وشعرت بمزيج من المشاعر التي كانت عادة تبقى محبوسة بأحكام تطفو على السطح، لتعقد حلقي في عقدة.
"شكراً لك، ريا، حبيبتي... شكراً لك..."
تمكنت من قولها بصوت خشن. كنت بحاجة إلى هذا أكثر مما ظننت. كيف أصبحت الشخص الأهم في حياتي بهذه السهولة المفاجئة، لم أكن أدري، لكنه كان شيئاً لن أضيعه. لن أعتبر وجودها أمراً مفروغاً منه أو أبقيها في الظلام مجدداً أبداً. قد لا أكون الأفضل فيما يتعلق بالمشاعر، لكنني أقسم أنني سأبذل جهداً لجعل هذه الفتاة سعيدة.
"أنا أحبك"، قلت لها، واضعاً يدي على وجنتيها.
ثم قبلتها بعمق.
"وأنا أحبك أيضاً، أيها الأحمق"، ردت بابتسامة.
"لكن الآن، علينا تخطيط خطواتنا القادمة، وأعتقد أنني أدرك ما ينبغي فعله..."
أدركت؟
"حسناً، إن كان لديك حل، عزيزتي، فأنا أسمع"، قلت.
لنرى ما طبخته هذه المرة. لقد انتهيت من الاستخفاف بصديقتي. إن كانت تملك طريقة لإصلاح بعض مشاكلنا، فأنا أردت سماعها.