ذابت الغرفة في السواد وشعرت بنفسي أهوي إلى الخلف، لأجدني أقف وفقط. لم أكن في متجر ميفلين بعد الآن، كلا، لقد عدت.
"أهلاً بك مجدداً في فضاء روحك".
تكلم صوت بلوري صافٍ من خلفي. استدرت بغتة، فغدت محيطاتي تشويشاً من ألوان وانطباعات مبهمة، شعرت وكأنني داخل لوحة لأعظم رسامي الانطباعية، تدفقت محيطاتي بلا قافلة ولا سبب أستطيع إدراكه، فلم أكن خبيراً فنياً عظيماً في نهاية المطاف. لكن وسط الفوضى، كانت ميفلين واقفة هناك، وكانت، لعدم وجود مصطلح أفضل، سماوية. شعّت قوة بطريقة لم يستطع العالم اليقظ التعبير عنها، أو لعلّي لم أستطيع استيعابها على الأرجح، ولكن هنا، كان جوهرها مكشوفاً، وبدت قوتها واضحة وضوح الشمس، شمس تتقدم شعلتي.
شمس متألقة حجبها الظلام العظيم الرابض خلفها، ظلام عظيم بدا معه حضورها ضئيلاً للغاية، ظلام حالك لدرجة أنه قادر على وأد نورها في طرفة عين. خطوت نحوه خطوة، لأدرك للتو أنني بلا قدمين، بل إنني عجزت عن الرؤية، وكنت أشعر بكل ما يحيط بي، وبدأ تدفق المعلومات يغدو غريباً، مما جعلني أشعر بغثيان يكاد يطبق عليّ، وكأنني تناولت طعاماً أكثر من اللازم.
"أوه صحيح، أنتم الكائنات اللحمية تعانون حقاً في التأقلم بالبداية، دعنا نجرّب هذا..."
بعد لحظة تغيرت محيطاتنا، فتباطأت الألوان والانطباعات المتدفقة والتحمت، وتشكّل حاجز متحوّل حولنا، ليحجب روحي عن حواسي، بينما ظهر رصف أبيض تماماً تحت أقدامنا. في ثوانٍ معدودات صرنا في فضاء فارغ، وبدا لا متناهياً لحواسي، وأضفى الأرض الأبيض صفة مرعبة عليه، إذ خلا من بلاط أو أي نوع من التمييز.
"ماذا فعلتِ؟ لا أستطيع الإحساس بروحي بعد الآن، هل ما زلنا في فضاء روحي؟"
اقتربت ميفلين مني، ليُصعق بصري بحضورها مرة أخرى.
"بالطبع نحن كذلك، لقد فصلتُنا فقط عن بقية هذا المكان، فسيكون ساحة تدريب مثالية".
"كيف ذلك؟ وكيف استطعتِ دخول فضاء روحي؟"
ابتسمت لي بتهكم.
"من تظنني أكون؟ شخص مثل فيكس أوران لن يستطيع أبداً في طوال حياته فعل شيء كهذا، لكنه بالنسبة لي أسهل من تحريك إصبع".
كان ذلك مرعباً حقاً، إن استطاعت التفاعل مع هذا الفضاء... مع روحي بهذه السهولة، فالضرر الذي يمكن أن تلحق بي سيكون كارثياً.
"أنت حذر مني، ولا داعي لذلك، ولكن من الجيد إدراك المخاطر. هنا داخل حدود المرشد السياحي ستواجه عواقب هائلة إن فعلت شيئاً ضاراً بك، ولكن في الخارج؟ سيكون ذلك متاحاً لأي شخص يتمتع بنفس قدرات مثلي، علماً بأنه ليسوا كثر".
"حسنًا، هذا يطمئنني، ولو قليلاً، لكننا لم نأتي لنطمئن".
"حقاً، نحتاج إلى البدء في إعدادك وفقاً لذلك، عليك أولاً أن تتعلم تجسيد نفسك بالكامل داخل فضاء روحك".
"كيف؟"
"باستخدام الهالة بالطبع، كيف غير ذلك؟"
قالت بنبرة تكاد تكون ساخرة. ًإذن فأنت لست هنا حقاً...
"آه، لقد التقطت ذلك سريعاً جداً، كلا، أنت محق، هذا إسقاط هالة لنفسي، يمكنني دخول فضاء روحك، لكن فعل ذلك سيقتلكم، لذا، جاء الإسقاط".
"لماذا سيقتلني، أستك كائن هالة؟"
"نعم، لكني أكثر بكثير مما أبدومنه في الخارج، ستسحق روحي روحك لو دخلت هذا المكان. في الواقع، مجرد ضغط هالت وحدها سيهلكك".
تبا، كيف للمرء أن يشرع في الدفاع عن نفسه ضد شخص مثله؟
"ألم تقولي إن روحي كانت عتيقة وقوية؟"
أردت معرفة كل شيء عن ذلك، إن استطعت اكتساب المزيد من البصيرة حول من كنت... تخيل القوة التي يمكنني كسبها. لكن في الوقت ذاته كنت خائفاً من أن تتبدد هويتي في الذكريات الأخرى، ففي النظام يمكن للمرء أن يعيش آلاف السنين، ماذا لو اكتسبت ذكريات نفسي السابقة وظننت حياتي بأكملها مجرد عطلة مما كنت أفعله من قبل؟ أثقلت هذه الأفكار كاهلي، وتصارعت مع فضولي، ومع ذلك لم يكن هناك فائز في الأفق.
"حسنًا، شكراً لعدم إهلاك روحي، أيتها المعلمة العظيمة كلها، والآن كيف ينبغي لي أن أشرع في تجسيد نفسي هنا؟"
"يمكنك أن تكون غبياً حقاً في بعض الأحيان، ألا تمتلك مهارة تسمى تجسيد الهالة؟ إنها مثالية حقاً لهذا المسعى".
أزعجتني نبرتها، ويرجع ذلك في الغالب إلى أنها كانت على حق، فقد كان بإمكاني الوصول إلى هذا الاستنتاج بنفسي.
"حسنًا، إذن يمكنني استخدام مهارات هنا، هل يمكنني استخدام حتى—"
"المعالجة المتسارعة؟ نعم، بل يجب عليك تماماً بعد أن تجسد نفسك أن تستخدمها، فستضاعف الوقت الذي يمكننا التدرب فيه بشكل كبير، لكني أحذرك الآن، ستشعر وكأنك خرقة بالية".
لماذا بدت متحمسة لهذا الاحتمال؟
"حسنًا، سأجر— مهلا... كيف تعلمين أنني أمتلك المعالجة المتسارعة؟ لم أحدثك قط عن تلك المهارة".
"لا أحتاج أن تخبرني بمهاراتك، يمكنني رؤيتها من هنا".
أخذت نفساً تخيلياً.
"ميفلين، لقد كنت في المرشد السياحي لأقل من أسبوعين، وليست لدي تعليم رسمي أو معرفة متأصلة بكيفية عمل كل هذا، لذا فلا تجعلني أسألك ألف سؤال، أرجوك، اشرحي نفسك ببساطة".
تأففت، ونقرت بقدمها على الأرض البيضاء تماماً مرة واحدة.
"من امتيازات التلميذ طرح الأسئلة، ومن امتيازات المعلم الإجابة".
"كم مرة قمت بالتدريس حقاً حتى الآن؟"
"ستكون الأول!"
قالت بنبرة مرحة. ولسبب ما كنت أتوقع ذلك، فككت تنهيدة أخرى، كانت مستعدة لتعليمي على الأقل.
"رائع، فكيف ترين مهاراتي إذن؟"
يبدو أنني لن أظفر بإجابة بلا سؤال، لذا يمكنني كبح توقعاتي جانباً والمضي قدماً وفقط.
"ببساطة، إنها بنيات سحرية تدور حول روحك، ولديك إدراك ضئيل جداً بالآليات الداخلية لفضاء روحك لتتمكن من استشعارها، لا سيما مع تدخل لعنتك وتسرب ذكرياتك المشوهة إلى هالتك وغمرها لهذا المكان".
"حسنًا، هذا لا يبدو منطقياً... لكن بضعة أشخاص في مجموعتي استطاعوا لمس المهارات وتغيير وظائفها قليلاً، أو على الأقل تغيير معاييرها، فلماذا يستطيعون فعل ذلك بينما لا أستطيع حتى استشعارها؟"
"أووه، هذا مثير للاهتمام، قد يعود لسببين، أحدهما، قد يكونون موهوبين للغاية، أو ثانيهما، روحهم جديدة إلى حد ما، وفضاء روحهم واضح جداً، على أي حال سيتعين عليك العمل قليلاً قبل أن تتمكن من تغيير مهاراتك مباشرة. في الواقع، كيف شرعت في فعل ذلك حتى الآن؟"
"أجبرتها فقط. فرضت إرادتي على المانا أو قوة الحياة ثم دفعت المهارة حيث أردت لها أن تذهب، وأعلم أنها طريقة غاشمة بعض الشيء، لكنها نجحت حتى الآن. لقد حصلت على تجسيد الهالة بهذه الطريقة".
"وكدت تقتل نفسك بسببها... هاا... حسنًا، لنبدأ بالأمر. يمكنك فرضه أليس كذلك؟ افعلها إذن، ادفع تلك المهارة لتجسيد نفسك هنا، أنت الآن جزء من الوعي، كائن محدود لا يستطيع حتى التفاعل مع روحه، امنح نفسك جسداً، فهالتك موجودة في كل مكان هنا، سخرها فقط".
حسنًا، تجسيد نفسي هنا وفقط، كيف ينبغي لي أن أمضي في ذلك؟ حاولت العثور على ذلك الشعور الخارق للطبيعة الذي عادة ما سمح لي بتوظيف مهاراتي، فوقعت الهالة في تلك الفئة، لكن كان بإمكاني التحكم بها حتى بنفسي، وإن كان ذلك بصعوبة أكبر بكثير. شعرت بها تستجيب، ففي مكان ما من فضاء روحي كانت مهارة التلاعب بالهالة الخاصة بي تدندن لحناً مخيفاً، لحناً استطعت توجيهه والتحكم به.
كنت وعياً في هذه الحالة، وكانت الهالة في كل مكان، مما يعني أنني كنت الإرادة متجسدة حرفياً، لذا إن لم أكن مخطئاً بشدة فسيكون بإمكانني ضخ نفسي في الهالة مباشرة، بالطريقة ذاتها التي ضخت بها المانا أو قوة الحياة بإرادتي. فعلت ذلك تماماً، وأرَدت لنفسي دخول الهالة المحيطة، وتهيئتها، وتشكيلها بقصدي، فقد احتجت إلى جسد. وعاء من الهالة يمكنه احتواء وعي، وشعرت بنفسي أتغلغل في الهالة المحيطة بي...
لقد كان... غريباً، ولكن ليس مؤلماً على الإطلاق، أو مجهداً، بل بدا وكأنني أدخل حماماً دافئاً، كنت أستحم في تيارات هالتي، وكان ذلك جيداً، وبدا صائباً. تدفقت تيارات الهالة باستمرار داخلي، وشكلها عقلي الباطن بينما كان عقلي يطفو في هذه الحالة الهادئة، ولم أستطع تحديد الوقت المنقضي، ولكن ما إن فتحت عينيّ حتى استطعت الرؤية حقاً، وأدركت حينها أن لدي عيوناً. وبالنظر إلى أسفل رأيت يديّ، وذراعيّ، وكنت عارياً ليراه الجميع، وكان شكلي شبيهاً بشكل ميفلين، فقد منحتني الإلهام لهذا الوعاء، إذ كانت في نهاية المطاف ما كنت أحاول تحقيقه تماماً، جسداً من الهالة يحتوي عقلي، وقادراً على العمل في فضاء روحي.
غير أن شكلي، بخلاف شكلها، لم يكن مؤلفاً من تلك الهالة المضيئة، بل كان رمادياً داكناً، مع بعض أشرطة الفضة والألوان الفاتحة تتدفق فيّ طوال الوقت، وكنت كبيراً جداً، كبيراً جداً بوضوح.
"أخيراً! لماذا استغرقت كل هذا الوقت بحق الجحيم؟ وما هذا الشكل؟"
نظرت إلى أسفل، متجاوزاً يديّ وعلى ارتفاع ركبتي وقفت ميفلين، كانت ضئيلة للغاية بالمقارنة، لكني أدركت أن شكلها كان أكثر رصاً بكثير من شكلي، فقد كانت هالتها مكثفة، وأكثر قوة، وأقوى بمراتب عديدة من هالتي.
"لا أعلم، لقد جربت فقط ما قلتيه، كم من الوقت كنت غائباً؟ وكيف أجعل نفسي ضئيلاً؟"
رفعت يديها وكأنها تفقد صبرها.
"لقد استغرق الأمر منك بضع ساعات. دع كل تلك الهالة الزائدة ترحل فقط، وبلغ طولاً عادياً أرجوك، سيجعل ذلك الأمور أسهل".
حاولت فعل ما قالته، لكن بدا وكأن جسدي الجديد هنا لا يريد الاستغناء عنها، فقد كان وعيي منغمساً في كل الهالة التي كانت تؤلفني الآن، فكيف أجعلها ترحل؟ أأكتفي بالإرادة؟ حاولت ولم ينجح الأمر لسبب ما. لذا شرعت في ذلك بطريقة أخرى. حاولت عكس العملية التي جلبتني إلى هذا الوضع، فسحبت إرادتي من الهالة المؤلفة لجسدي. كان الإحساس غريباً، وشعرت بنفسي أزداد استقراراً بينما كنت أتخلى عنها، وبدأت أشرطة الهالة من كل درجات الرمادي تفلت مني كالماء من بالون مثقوب، وش شيئاً فشيئاً تقلص شكلي، إلى أن وقفت بعد بضع دقائق أطول قليلاً من الأوريال التي أمامي، وبنفس فارق الطول الذي كان بيننا في العالم الحقيقي.
"أخذت وقتك الممتع، ألا تعتقد؟ أأنت مستمتع بجعل معلمتك تنتظرك؟"
"لم تكن نيتي، لكني أستوعب الفكرة الآن، وسيسغرق الأمر وقتاً أقل في المستقبل".
"تأكد من حدوث ذلك، وسيتعين عليك التدرب بمفردك في وقت فراغك، لدخول هذا المكان، وللخروج، ولخلق وعائك، سيكون هذا كافياً في الوقت الحالي، لذا سنبدأ بدرس بسيط".
"أنا أستمع".
"سيدي".
"ماذا؟"
"أنا معلمتك وأنت تلميذي، وستخاطبني بالشكل اللائق".
تنهدت، لماذا كانت هكذا، كانت في بعض الأحيان كلها وحيدات قرن وأقواس قزح، ثم تصبح جادة تماماً، ثم مرحة، والآن صارمة، واستطعت أن أدرك أنها تعني ما تقول، ولن تقبل بأن أناديها بأي شيء آخر. سأتراجع، فثمن قليل أدفعه مقابل تعاليمها.
"أنا بانتظار توجيهاتك، يا سيدي".
انتشرت ابتسامة على محياها الشبحي، ثم عادت إلى الجدية.
"سنبدأ من الأساسيات، ولن أعيد كلامي، لذا استمع جيداً..."