مجلس الخال! الفصل 8 — مجلس الخال! 8

اقرأ مجلس الخال! الفصل 8 — مجلس الخال! 8 باللغة العربية على مانجا تايم.

الحقيقة مفهومٌ معقد ومتعدد الأبعاد أثار اهتمام الفلاسفة عبر العصور. فمن منظور أفلاطون، الحقيقة ليست ما نراه أو ندركه بحواسنا، بل هي في عالم المُثُل، عالم الأفكار المثالية الذي يتجاوز الظواهر الحسية. يرى أفلاطون أن ما نراه هو مجرد انعكاس أو نسخة مشوهة للحقيقة المطلقة التي لا تُدرك إلا بالعقل.

أما من منظوري وخاطرة الكثير من العلماء، أن الحقيقة هي "مفهوم" ولكل شخص لديه حقيقته الخاصة، وما دام أن شخص يؤمن به حتى إذا كانت مجرد كذبة فإنها ستبقى حقيقة.

ومثال على ذلك هي حكاية التي سأرويها عن شخص عاش مطاردًا للحقيقة.

هذا الشخص… هو أنا.

تبدأ حكايتي في يوم كسائر الأيام. ولأعرف لكم عن سائر الأيام التي أقصدها، فيجب أن أعرف نفسي أولًا.

أنا.. آه.. حسنًا، في وقت كتابة هذا حكاية التي تقرؤنها لم اعد متأكد مما أنا عليه، لذا ساعرف عن ذاتي التي كنت عليها ذات يوم.

كنت فتى اسمه ريان، في أحد الليالي، كنت محمل بأسلحة.

كان الليل ثقيلًا على صدري، وكأن السماء تُطبق عليَّ بأسئلتها التي لا إجابة لها. جلست وحيدًا في غرفتي، أحدّق في السقف، وأفكّر. لم تكن الأسئلة جديدة عليَّ، لكنها هذه المرة حملت ثقلًا أكبر. همس صوت في ذهني:

"ما الذي تبحث عنه؟ أهو هدف؟ أم مجرد هروب؟"

قفزتُ واقفًا، كأني اهرب من فكرة تطاردني، واتجهت إلى الشرفة. النجوم بعيدة، لا تبالي بما يحدث هنا. قلت بصوت خافت:

"كيف يمكن أن يكون كل هذا بلا معنى؟ وكيف يمكن أن يكون لكل هذا معنى ونحن غارقون في الفوضى؟"

لكن صوتي الداخلي كان أكثر قسوة، يتمتم بصدى يحمل تحديًا:

"لو كان هناك معنى، لما كنت هنا تتساءل. ولو كان هذا العالم نظامًا، لما كنت تبحث عن نفسك في فراغه."

في اليوم التالي، قررت أن أغادر غرفتي، كنت أريد الفرار من هذا الحوار الداخلي. وجدت نفسي في مكتبة قديمة، اجلس بين أرفف مكتظة بكتب لا تحصى. كانت عيناي تتجولان بين العناوين، لكني لم استطع التركيز. كنت ابحث عن شيء ما، ولكني لم أكن متأكدًا عن ماذا ابحث.

"هل يمكنني مساعدتك؟"

التفت نحو الصوت. كان رجلًا عجوزًا، يجلس بجانب رف قريب، يحمل كتابًا صغيرًا يبدو قديمًا.

"لا أعلم… أعتقد أنني أبحث عن إجابة."

ابتسم العجوز وقال:

"هذا ما نظنه جميعًا. لكن قل لي، هل تعرف ما ستفعل إذا وجدتها؟"

حدقت فيه، ثم قلت بصدق:

"ربما سأرتاح."

ضحك العجوز، ضحكة خفيفة لكنها تحمل ثِقلًا:

"الراحة؟ المعرفة ليست راحة يا بني، بل عبء. كل إجابة تجدها تُفتح بها أبواب لأسئلة جديدة. هل أنت مستعد لذلك؟"

لم أجب، لكني شعرت أن السؤال كان موجهًا لأعمق جزء في داخلي.

—

في الليل، عدتُ إلى غرفتي، لكني لم أعد كما كنت. الكلمات التي قالها الرجل العجوز كانت تثقل عليَّ كاهلي، لكنها بطريقة ما، أعطتني وضوحًا غامضًا. جلستُ أمام شمعة صغيرة أشعلتها، وأغمضت عيني.

تردد صدى الكلمات في عقلي:

"المعرفة ليست راحة. بل عبء."

كان كل ما عرفته عن الحياة مجرد طبقات متراكمة من محاولات لفهمها. كنت ابحث عن المعنى وكأن المعنى حقيقة ثابتة، لكني بدأت أدرك شيئًا آخر. ربما لم يكن "المعنى" شيئًا نصل إليه، بل شيئًا يتغير مع كل خطوة نخطوها.

تذكرت كلمات قديمة قالها لي أحد معلمي:

"الحقيقة ليست ما تراه أو تسمعه، بل هي ما تشعر به حين تسكت كل الأصوات من حولك."

تأملت وفتحت عيني. لم يكن لدي جواب، لكن الغريب أني لم أعد بحاجة ماسة إليه. لقد أدركت أن الرحلة نفسها هي الجواب، أن معاناتي مع الأسئلة كانت تشكّل ملامحي، تجعل مني شخصًا مختلفًا في كل لحظة.

—

في اليوم التالي، عدت إلى المكتبة. الرجل العجوز لم يكن هناك، لكن أثرًا مني ظل يلازمني. بين الرفوف، وجدت كتابًا صغيرًا بلا عنوان. فتحته وقرأت العبارة الأولى:

"السؤال الحقيقي ليس 'ما هي الحقيقة؟'، بل 'هل لديك الشجاعة لمواجهتها؟'"

ابتسمت، ليس لأن العبارة كانت الجواب الذي ابحث عنه، بل لأنها كانت تُذكّرني أن كل خطوة في طريقي كانت تُضيف شيئًا جديدًا إليَّ. وفي تلك اللحظة، أدركت أن رحلة البحث عن المعنى ليست هروبًا، بل هي طريق يقوده إلى ذاتي.

نظرت إلى السماء التي بدت صافية بعد أيام من الغيوم، وتمتمت:

"لست بحاجة للإجابة الآن. يكفيني أن أواصل السير."

—

مرت السنين سريعًا. أنا، الذي كنت يومًا ما شابًا متعطشًا للإجابات، أصبحت الآن رجلًا عجوزًا يحمل على وجهه آثار الزمن وأعباء الأسئلة. وفي إحدى جولاتي بين المدن، دخلت مكتبة صغيرة لاجد نفسي بين أرفف مكتظة بكتب، كما كنت منذ سنوات.

لكن هذه المرة، كنت أنا الرجل العجوز الجالس بجانب رف، يحمل كتابًا صغيرًا، أراقب فتى يقف ضائعًا بين العناوين. تقدمت نحوه وسألته بصوت هادئ:

"هل يمكنني مساعدتك؟"

التفت الفتى، وعيناه تحملان ذات القلق الذي كان يملأ عينيه يومًا. أجاب بصوت خافت:

"لا أعلم… أعتقد أنني أبحث عن إجابة."

ابتسمت، وكأن الحياة أعادت نفسها وقلت:

"هذا ما نظنه جميعًا. لكن قل لي، هل تعرف ما ستفعل إذا وجدتها؟"

النهاية…

————————

ما رويته إليكم الآن بكتابة "حارث زياد".

وهذه أول جلسة ليست بحكاياتي، وبالتأكيد ليست الأخيرة.

أمطرونا بالنقد البنّاء. فمن الممكن أن تصبحوا كالعجوز في المقال فوق، تقولون جملة تغير حياة الغير للأفضل.

أراكم في جلسة غد. مجهز لكم حكاية جميلة للغاية، من كاتب رائع. .