أدرك ريان بعضاً من طبائع ملوك وملكات نظام الاختبارات، وكانوا كثرة كاثرة. كان بمكانه تسميتهم جميعاً، وتصنيفهم، ووصف أحوالهم تقريباً. عُدَّ المَلِك ثيسكار مَلِكاً غريب الأطوار. يفعل ما بدا له غالباً، ويُحدث تقلبات لا يمكن التنبؤ بها، وغالباً ما كانت تثير غضب المغامرين. مع أنه ما كان مفترضاً أن يبلغ من ‘غرابة الأطوار’ حدّ السماح بالعبودية في مملكاته أو تعذيب المغامرين تسليةً.
غير أن العبودية وقعت. ولهذا السبب أُخذ ريان على حين غرة في هذه المرة. أدرك أن اختباراته كانت من بين أندر الحالات الاستثنائية، ولكن عبودية؟ لم يستطع تذكر المَلِك ثيسكار يسمح بمثل هذا في التاريخ القريب. غريب أطوار، يفعل ما يشاء، وغير متوقع البتة، لكن معظم المغامرين الذين حظوا به مَلِكاً انتهى بهم المطاف عادةً بتحقيق إنجازات أعلى في المتوسط. لم تُكشف دوافعه قط لأي مغامر آخر.
أو بالأحرى، لم يُدقق ريان طويلاً في دوافع المَلِك ثيسكار. فقد اعتقد أن الاختبار الخامس لن يمثل مشكلة، وها هو قلة البحث تعضه في مؤخرته. يا له من خطأ غبي. فالمغامرون يعدون العدة دائماً لمهماتهم، صغارها وكبارها. كانت مسيرة يوم كامل. وكلما حاول التوقف رأفةً بأغرينث، أبى الفتي الاستراحة وعدا حتى ينهار. بعد ذلك، أدرك جدوى عدم الاستراحة، فاستمر ريان في العدو بلا توقف. أخذت الطرق تصبح أكثر عناية مع تزايد المارة فيها.
كانت العربات التي تجرها الخيول تصاب بالذعر لدى رؤيته، ولم يكن صعباً معرفة الوجهة. فكل الطرق تؤدي إلى مدينة المملكة المتوجة. معقل متألق للحضارة. للحياة والازحار. أسوار مسحورة عالية، وقصر شامخ لامع يشرف على كل شيء في المنتصف. تلمع أضواء ذهبية وخضراء وشارقة على طول واجهة القصر. براعة سحرية تُنْبِئُ بالحماية للعامة وتشكل تهديداً للغزاة. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا المشهد المزدهر، لم يكن هناك شخص واحد في الأفق.
لم يكن أحد يصطف متجهاً نحو البوابات، ولم يكن هناك جيش بالقرب من المكان. بل وقف فارس طويل وحيد بينه وبين المدينة. ارتدى درعاً ذهبياً والأخضر، وربما كان في المرتبة السادسة من الارتقاء. ليس بدرجة مغامر، مما يعني أنه على الأرجح في المرتبة الخامسة من القوة. أظهر وميض الخوف على الأقل أن هذا الفارس بلامع الدرع لم يكن مستعداً تماماً للموت. أومأ الفارس برأسه حين اقترب ريان وأغرينث.
"لقد جئت لأرافقكما إلى المَلِك".
"تقدّم".
تُركت البوابة مصراعين مفتوحين، وخُلِّيَت الشوارع. فمدينة كان المفترض أن تكون مزدهرة ونافجة، أُخليت تماماً من أجل وصوله. ورغم كونها موقعاً مثالياً لذلك، لم يُنصب له أي كمين في الشوارع، بل ساد صمت موحش. وكأن الجميع فرّوا من كارثة طبيعية. واصلا طريقهم نحو مركز المدينة، حيث استقبلهما درَج مهيب أمام القصر. استمرا، ولا أثر لكمين أو خطر يستشعره ريان. ولا حتى خوف. لقد أُفرغ هذا المكان حقاً وفعلاً بصدد وصوله.
كان القصر الملكي نفسه فخماً بصورة مقززة. مظاهر ثراء مبالغ فيها حقاً. ثريات بلورية تشع مانا، ونقوش زخرفية منمقة تُستخدم لتعزيز مظهر الروناس المتلألئة على جدران القصر. وعندما فُتح الباب المفضي إلى قاعة العرش، بدا الأمر أبسط بكثير. لا يزال ملكياً ومهيباً، لكنه يحمل طابعاً قمعياً متحفظاً. شبيه بقاعة محاكمة. جلس المَلِك ثيسكار على العرش. وعلين عيناه وميض من الاهتمام. لحدقة اللحظة، تحدّق في ذراع ريان اليمنى فاشتد اهتمامه أكثر.
وهنا بدأ الاختبار الخامس الحقيقي.
— استطاع ريان تبيّن أمور عدة من هالة المَلِك ثيسكار.
لم يكن هذا مَلِك أمراء حرب يقاتل في الخطوط الأمامية، ولم يكن رجلاً صعد على أكتاف قهر أعدائه. بل كان رجلاً مُنح حق الحكم منذ يوم ولادته. رجلاً فخوراً يعتقد أن له الحق في الحكم لأنه وُلِد له. لم يعني ذلك أنه كان صغيراً، ولم يستهن ريان بهذا الأمر أيضاً. حملت هالة ثيسكار ثقل شعبه بأسره. لقد تحمّل ذلك العزر وبدا عظيماً به. وقفت صلبة في وجه هالة ريان، مطالبة الجميع بالانصياع لقوانينه ما دابوا في مملكاته.
فتح المَلِك ثيسكار كفه.
"أخيراً، نلتقي وجهاً لوجه. أنا المَلِك ثيسكار، ابن المَلِك ويلسكار الثالث. أنت تقف داخل مملكاتي".
لم يكن ريان يهتم بالمظاهر والشكليات. كان مزيجاً غريباً من طاغية ومخرب، والأهم من ذلك كله... مغامر.
"أستكون هذه كلماتك الأخيرة يا ثيسكار؟"
سلّ الفارس الملكي سيفه في حركة خاطفة، وأمسك به ليضرب في أي لحظة.
"توقف!"
دوى صوت المَلِك ثيسكار، مقطباً حاجبيه في وجه فاره الملكي.
"اخرج!"
"صاحب الجلالة!"
"إن كنت عاجزاً عن فعل ما آمر به، فاخرج".
وقف الفارس قابضاً على سيفه بقوة، في صراع بين الواجب والأوامر. رمق ريان تلك الوقفة المهددة بلا مبالاة، فقد أدرك الأربعة في قاعة المحكمة ألا حظ للفارس البتة. لانتي ملامح المَلِك ثيسكار.
"صديقي القديم، الأمر بخير. سنلتقي مجدداً، عاجلاً أم آجلاً، وأنت تعلم هذا".
أخفض الفارس وقفته أخيراً، ووضع قبضة على صدره وانحنى للمَلِك. ثم استدار وغادر. كان ذلك مثيراً للاهتمام، إذن فقد أخبر المَلِك فارسه الملكي بأن كل هذا ما هو إلا اختبار يتكرر. تنهد المَلِك ثيسكار.
"إن كنت ترغب في محادثة أكثر ودية فربما كان ترك الطفل في الخارج أفضل؟ أعدك بألا يصيبه أذى".
أصدر ريان صوتاً في حلقه، مفكراً في الأمر قليلاً. ثم التفت إلى أغرينث. حدق الفتى بغضب في ريان، إذ لم يمتلك الشجاعة الكافية ليحدق في المَلِك ثيسكار.
"لن أرحل".
"كنت أسأل فحسب".
مازحه ريان، ثم أعاد وجهه إلى المَلِك.
"الفتى باقٍ، وهو يستحق على الأقل اختيار مصيره بنفسه".
حكّ المَلِك ثيسكار لحيته المشذبة بإتقان، ملاحظاً آثار الكدمات حيث كانت سلاسل أغرينث وطوقه، ثم التفت إلى ريان وبعينيه مرح واضح.
"مثير للاهتمام. حسناً إذن، أيها الممتحن، كيف تود المتابعة؟"
"مغامر، شكراً جزيلاً لك".
بدا أن ثيسكار فوجئ بذلك.
"حقاً؟"
"نعم، المغامر أرتيجان، هنا لأرَى إن كانت هناك مشكلة وحوش في هذه المدينة العظيمة".
لم يفوت المَلِك فرصة للرد.
"أوه-هو. هذا أمر ساحر حقاً. لأنه إن وُجدت بالفعل مشكلة وحوش في مملكاتي، فأخشى أن هناك ما يزيد عن وحش واحد يعيث فيها فساداً. وحش يستحيل حتى عليك القضاء عليه".
"بالتأكيد، لا يزال هذا الوحش الأكبر مشكلة أحاول فهمها. لكن في الوقت الحالي، إزالة وحش واحد تعني وحشاً أقل يرهب المملكة".
استمتع كل من المَلِك ثيسكار وريان بجولتهما الكلامية. أما أغرينث، الذي أصرّ على البقاء والاستماع، فكان واضحاً عجزُه عن مواكبة الحديث. بدأت عيون ثيسكار ترقص بلهيب هالتها، عارضة إياها للعيان جليّةً. كانت هالة مهيبة عظيمة من الملكية والفخر، فخراً حقيقياً بالنفس وبالشعب من شأنه أن يعمي أي شخص آخر بحضوره.
"إذن أخبرني، أيها المغامر أرتيجان. ما هو تقييمك؟"
أثار التوهج الصارخ للهالة جزء الطاغية في ذراعه. استشعر انفصالاً هناك بين مَلِك وطاغية، وأراد ثيسكار تحت قبضته، ليخضع له. لحسن حظ ريان، كان أفضل بكثير، بكثير، من مجرد رتبته. مرح، وذكاء، وفضول، وفخر. عرض المَلِك ثيسكار روحه على العيان فكانت شيئاً مذهلاً ورائعاً. اكتفى ريان بضحكة خافتة.
"لست خبيراً في تقييم الهالات، لكن يبدو أن القصص لا تنصفك".
"لا بد لي من الاعتراف بفضولي. أرجوك، كيف تسير قصصي بالضبط؟"
"أنك مَلِك غريب الأطوار يتلذذ بجعل حياة المغامرين صعبة".
"ممتاز".
وفي مفارقة مثيرة للدهشة، انسجم المغامر والمَلِك. أدرك المَلِك ثيسكار فوراً ما يمثله ريان وكيف يريد لهذه المحادثة أن تسير. وفي الوقت نفسه، كان يراعي الفتى القريب بحذر. لقد فهم المَلِك ثيسكار القصد. لقد وعاه.
"إذن لمَ العبودية؟"
حدّق المَلِك والمغامر في بعضهما لحظة. ثم استطرد ثيسكار.
"اسمح لي بالإجابة عن سؤالك من منظور المحدود".
نهض المَلِك ويداه خلف ظهره، ناظراً إلى ريان بعينين حادتين وبصيص متقد. لم تكن نظرة عدائية، بل كانت نظرة تقييمية خاصة به.
"قرية ميلرستون، ذُبحت عن آخرها ومعها ثلاثة أجسام أجنبية مجهولة في صراع واضح التلاعب. وجد كشّافتي ثلاثة مغامرين أجانب مجهولين. قزم واحد، وإنسان مجهول الهوية وسط القرويين المذبوحين. وعُثر على جسد دريك واحد في حجرة سيد الهياكل العظمية، قُتل بما بدا أنه كمين. وتحطمت جمجمة سيد الهياكل العظمية. حركت رجالي للتحقيق، مطاردين الدريكس والأقزام. بداية صراع الممالك كلها التي تراها".
كان المَلِك يشير إلى اختبار ريان الأول وكيف سارت الأمور منذ ذلك الحين. كان ثيسكار يحاول رسم صورة مضحكة، صورة تلقي باللوم عليه.
"لهذا السبب فإن مملكة عنصرية للغاية، بالطبع. هؤلاء الجنود اللعينون من الأرض دمروا كل شيء".
تجدر الإشارة إلى أن لم تكن كل ممالك البشر في الاختبارات عنصرية إلى حد إنكار المساعدة المفيدة كما فعلوا مع فريق فاليز. لم يكن يدرك أن صراعه مع الجنود كان السبب الجذري لكل ذلك. أومأ المَلِك ثيسكار برأسه، ولا زالت نظرة المرح في عينيه.
"بعد هذا الحدث، بثلاث سنوات فقط، أخبرني شعبي أن أحدهم قتل استراتيجي الشياطين وجنرالي الأبرز. شاب بشري مجهول الهوية".
أعطى المَلِك ريان نظرة خبيرة، وكأنه يقول إنه يعلم أن مظهر ريان الحالي كجنيّ لا بد وأنه تنكر.
"تلك هي، بالطبع، وجهة نظري كمَلِك على مملكاتي. وفي دوري الآخر الحقيقي، رأيت شيئاً مختلفاً".
تغيرت هالة المَلِك هذه المرة. لم تعد ملكية وفخرة بل صارت باردة وحاسبة. كان التغيير سلساً لدرجة جعلت ريان يندهش، فقد أيقن أن هالة المَلِك الملكية لم تكن مزيفة، لكن هذه الهالة التحكيمية الرزينة لم تكن كذلك أيضاً. جوانب متعددة للشخصية، شيء فاته. جعله ذلك في حالة تأهب. اكتفى المَلِك بالإيماء لحذره وتابع.
"رأيت شخصاً يفهم العالم جيداً لدرجة يجعله ملعبه. رأيت شخصاً إما أنه في ورطة مع سلطات عالمه أو أنه سيطعن أي شخص في الظهر لكي يصبح أقوى. لقد تصرفت بناءً على ذلك. أفتهم؟"
"إذن، كل شيء خطئي هاه؟ ودون أي مسؤولية عن أفعالك الخاصة؟"
أصبحت هالة المَلِك ثيسكار أبرد، الجانب الآخر الذي يحتاجه أي حاكم حقيقي لأي أمة. ذلك الذي يدرك أن الخيار الصحيح أحياناً هو التضحية بالبعض من أجل الكل.
"قد يكون المَلِك أركتوس قد فقد بصر مسؤوليته، لكنني لم أفعل قط. كل ما حدث، كله كان النتيجة النهائية لأفعالك. الازحار المؤقت من هيمنة مملكة فقدت مَلِكها. السماح لأقوى الفئران بتولي مقاليد مملكاتي من الثغرات التي خلقتها أنت. قد لا أكون حاربتهم بكل قوتي الممكنة لكن هذه هي النتيجة النهائية. في النهاية، انقسمت سلطتي بين أولئك الأكثر قوة ونفوذاً. مملكة ستنهار عاجلاً أم آجلاً إلى فصائل متحاربة".
بدا المَلِك مقرفزاً من المراهق الشيطاني. وكانت عيناه مسمرتين على آثار العبودية الباهتة. فحتى بالنسبة لهذا المَلِك قاسي القلب، كانت هناك خطوط يكره تجاوزها. انتقلت عيناه إلى ريان.
"لقد أريتك ببساطة ما يكمن في نهاية طريقك. حيث القوة تقرار الحق، ولا شيء مقدس في سبيل قوتك. الأقوى سيصعد ليضع قوانينه الخاصة، وأولئك الساعون وراء القوة ليسوا أبداً الأشخاص المناسبين للحكم. لم تكن الدوقسة روداليا سوى إحدى أولئك الأشخاص".
عندما وضع المَلِك ثيسكار الأمر هكذا، بدأت جميع القطع تترابط في مكانها. لم يكن هذا مَلِكاً غريب الأطوار يفعل ما يشاء أو يثور ضد نظام الاختبارات. كان هذا مَلِكاً يفعل ما وعد به منذ عصور خلت. للإشراف على الممتحنين وتوجيههم حتى النهاية المأساوية، بغض النظر عن المكان الذي تقودهم إليه خياراتهم. كان هذا هو السبب وراء ميل المغامرين لتحقيق إنجازات أعلى تحته. ليس بالضرورة لأن الاختبارات كانت أصعب مع المَلِك ثيسكار، بل لأنه كان يقود دائماً نحو النتيجة النهائية لخيارات المغامر.
باختصار، كان هذا وضعاً مريراً حيث أساء المَلِك ثيسكار تماماً تفسير أفعال ريان المضطرة. وقرر أن هذا لم يكن وحشاً ليُقضى عليه. رغم أن ريان كانت لديه مشكلات مع تصريح ثيسكار.
"لديك نقطة واحدة خاطئة رغم ذلك".
"وما هي؟"
"قلت إن أولئك الذين يسعون وراء القوة ليسوا أبداً الأشخاص المناسبين للحكم. حسنٌ، أنا من مكان حيث نجح الأمر. أعلم أنه ممكن".
"حقاً؟"
بدا المَلِك مريباً، وكأنه يشكك في كلامه. وهو أمر عادل بالنظر إلى ما يعرفه عن اختبار ريان الأول. اكتفى بدحرج عينيه.
"نعم، أعتقد أنه مرّ خمسون عاماً فقط منذ تولي الرواد السلطة، لكنهم جعلوا عالمهم مكاناً لطيفاً حقاً بعد كل هذا الوقت".
"خمسون عاماً. مجرد ومضة في الزمن".
سلّم ريان لتلك النقطة أمام المَلِك ثيسكار. وفوق ذلك، حتى المَملك بدأ يظهر شقوقاً عميقة. الحاكم الخيّر لا ينفع إلا ما دام الحاكم خيراً، وقد توقفت الساحرة الطاغية عن كونها خيرة. من ناحية أخرى، كانت تلك مشكلة لا يزال يحاول حلها. وهي ليست بالغة الأهمية لعالم أغرينث، لا، فمملكات المَلِك ثيسكار شبيهة بشيء آخر.
"لقد ذكرت أن سلطتك انقسمت بين أكثر الناس نفوذاً وقوة أليس كذلك؟"
همهم ريان، مفكراً في الأمر قليلاً.
"همم، عالم قسم فيه الأوليغاركيون العالم بينهم وبدؤوا في تنفيذ قوانينهم الخاصة بينما لا تزال الحكومة المتوجة تبسط نفوذها تقريباً على الجميع".
ابتسم ريان.
"يبدو أرض اختبار رائعة".
ابتسم المَلِك بلطف.
"هذا ما نحن هنا من أجله".