جلس [مُغنٍ] و[صعلوك] في شقة ضيقة تابعة لطائفة الأوبسيديان. لم تكن هذه حكاية تُروى حول موقد النار بعد صراع عظيم. ولم تكن أعقاب حدث هادئ يتبدل فيه كل شيء. رغم ذلك، بدا أن هذه اللحظة تعني الكثير في عقْدِ [المغنّي]. فالماضي ينبئ بالمستقبل، وماضي أرتيغان ربما كان مستقبل العالَم. قدّم أرتيغان نفسه باسم رايان روبنسون فحسب، وكان هذا اسماً بشرياً عادياً كأي اسم آخر.
"حسناً، بدأ الأمر في روضة الأطفال. يلعب الجميع بالعصي البلاستيكية والدروع الصغيرة. نلوّح بالسيوف ونتظاهر بإلقاء التعاويذ السحرية على بعضنا البعض. تحسّباً لاحتمام اختيارنا لنكون من المختارين والحصول على فرصة لنظام التجارب. أظن أنني كنت في عامي الثاني بالمدرسة الابتدائية حين بدأت أظهر وميضاً من الموهبة. بصراحة، لست متأكداً حتى كيف قررت المعلمة أنني أفضل من البقية، لكنها خصّتني بالذكر أمام والداي..."
— قبل خمسة عشر عاماً...
"السيدة روبنسون، ابنك أحد أكثر الأولاد موهبة ممن صادفتهم قط. أقترح حقاً رعايته وتنمية موهبته. عليك البدء معه مبكراً إن كنت تريدين حصوله على فرصة رعاية. إليك بطاقة شخص أزكيه شخصياً. لقد كان على بُعد مراكز قليلة فحسب من نيل رعاية خاصة بنفسه!"
بعد بضعة أعوام...
"أهلاً! أتحسب أن بإمكانك أخذ استراحة في التجارب؟ واصل التحرك وإلا متَّ! حافظ على حراستك مرتفعة! وقفة النقطة الطويلة الآن. أسرع. هذا ما يحدث إن لم تتحرك بالسرعة الكافية!"
اكتسح المدرب الذي بلغ الرابعة والثلاثين ساقي طفل في الثامنة. اصطدم رأس الصبي بالحصيرة حين أخفق في استعادة توازنه. نيكسترا، هكذا أحب المدرب أن يُدعى، صار أكثر قسوة كلما أظهر تلاميذه موهبة أكبر، وبدا أن الصبي كان من أرفعهم موهبة بين من دربهم طوال حياته. لم يكن ذلك كفاي قط، استطاع الصبي دائماً التحرك بسرعة أكبر، واستطاع دائماً جعل هيئته أكثر انسيابية وكمالاً. لم يتذمر الصبي ولا مرة واحدة.
لقد فهم أنه ينال معاملة خاصة. اراد اثناهما له النجاح. قليل من الألم هنا كان ثمناً يستحق الدفع.
— رايان روبنسون، في العاشرة من عمره.
كان لا يُقهر. العبقري الحامل للسيف، هكذا سموه. اعتقد الجميع في المدرسة الابتدائية أن رايان سيشق طريقه إلى مدرسة خاصة للمرشحين لتلقي المغامرات. كان يصارع طلاب الإعدادية بندية بالفعل. وكان طبيعياً تماماً أن يحصل على منحة دراسية في إحدى المدارس الخاصة للمغامرين الطامحين، ليصبح [محارباً] ويصعد. رُفض طلبه للمنحة في النهاية. وذهبت المقطعة لفتاة نصف جنية لم تكن بحاجة إليها على ما يبدو.
فقد ظن والداها ببساطة أنها ستكون طريقة جيدة لتزيين سيرتها الذاتية مبكراً. كان ينبغي لتلك أن تكون الإشارة الأولى، لكن رايان كان أصغر من أن يدرك. من السهل خداع النفس. وهناك آخرون بخلفيات تبدو عادية وقد نالوا منحاً دراسية. لا بد أنه لم يمحُ جهده بالقدر الكافي فحسب. دفع والداه ثمن المدرسة الخاصة بدلها. كانا يعلمان أن حصول ابنهما على فرصة يتطلب منه الانغماس في أفضل بيئة تنافسية.
— "لو عاد بي الزمن لكنت أخبرت نفسي الصغيرة ألا تكترث."
هكذا تفكر رايان متحدثاً إلى أوزييل. كان [المغنّي] مستمعاً جيداً، فلم يصدر أصواتاً ولا تعجبات. كان يستمع إلى الكلمات التي لم تُقل، تماماً مثل تلك التي قيلت.
"لمَ تقول ذلك؟"
"لم أدرك حجم التضحيات التي قدمها والدايا لإدخالي إلى مدرسة خاصة. يا له من ضياع. لم تتوقف المنافسة عند هذا الحد، ولم أكن أفهم أن كون المرء بين الأفضل في مدرسة خاصة لا يكفي أبداً. لم تكن تلك المدرسة قريبة حتى من الأفضل. بل كانت أشبه بمدرسة لأبناء الأغنياء تتمتع بعلاقات عامة جيدة. لم أدرك ذلك إلا لاحقاً بكثير."
— حتى في بيئة أكثر تنافسية، كان الصبي رايان بين الأفضل.
كان يجاري أطفالاً ينحدرون جزئياً من سلاسة مغامرين. وكان بعضهم أطفالاً منبوذين لذوي عوالم منخفضي المستوى. بلغ قمة سنته الدراسية في المدرسة الخاصة الفارهة وبدَت الأمور واعدة. لقد آتت جهوده الكثيرة أُكُلَها. فقد الصبي دماءً وعرقاً ودموعاً في سبيل ذلك. للأسف، خسر رايان في أحد الأيام ما هو أكثر من ذلك بقليل. طقطقة. تردد صدا انكسار ذراع الصبي في قاعة التدريب، مما جعل الجميع يلتفتون ويحدقون.
لوّح نيكسترا بقوة أكبر بقليل وبسرعة أكبر بقليل. نظر المدرب إلى ذراع الصبي المكسورة وشتم.
"تباً."
لم يصرخ رايان، بل حدق مطولاً في ذراعه المكسورة ثم عاد بنظره إلى مدربه.
"ماذا نفعل الآن؟"
— حتى بذراع مكسورة، تدرّب رايان مستخدماً أسلحة مختلفة.
هذه المرة بالسيوف أحادية الحد، والدروع، وسكاكين الرمي. حين علمت السيدة روبنسون أن نيكسترا، مدربه، هو من فعل ذلك، صرخت في وجه المدرب حتى خاب صوتها. مدفوعة بإحساس بالذنب لعدم إدراكها مبكراً مدى قسوة المدرب. ثم أخبر والدا رايان ابنهما ألا يلتقي بنيكسترا بعد الآن أبداً. قالا له ذلك بينما كان يتدرب في الفناء الخلفي بذراع مكسورة ملتصقة في جبيرة.
"لم يكونا والدين سيئين. لم يكن ذنبهما أنهما لم يدركا ما آل إليه ابنهما. فبعد كل شيء، أيُّ والديْن صالحين يمنعان أطفالهم عن محاولة تحقيق أحلامهم؟ وإن كانا قد حاولا جعلي أحظى بطفولة عادية بعد ذلك. لكن رايان الصغير ظل رايان. تسلل وذهب إلى نيكسترا مجدداً. نظر المدرب إلى الذراع المكسورة باشمئزاز وعاد لشرب جرعته من الجعة. "والداك لا يدفعان لي المال.
لن أتدربك مجاناً."
تلك كانت المرة الأولى التي يواجه فيها رايان الصغير واقع المال وجهاً لوجه. كانت الفكرة سخيفة بالنسبة لماضيه. ظن رايان الصغير أن نيكسترا مرشد حقيقي–أشبه بما يُحكى في قصص المغامران. مخضرم مرسّ مِحَن جيل المستوطنين، يسدي للوافدين الجدد دروساً قاسية. لكن تحت تلك القشرة الصلبة، كان يُفترض بهما أنيهيهتمان بصدق. كان يُفترض أن يكون هذا حلمهما. المال؟ اللعنة، من كان يكترث لأمر المال؟
رأى "المرشد"
العجوز المخضرم عكس ذلك.
"أتريد الحقيقة؟ أنت لست جيداً بما يكفي. ظننت أنك قد تمتلك فرصة لكن والديك لا يستطيعان تحمل ثمن جرعة شفاء لإصلاح ذراعك المكسورة. هكذا تسير الأمور فحسب، يا رايان. أطفال المغامرين؟ الموهوبون بحق؟ يتحملون كل قسوة في العالم. ثم يستحمون بجرعات الشفاء ويتدربون تحت إشراف آبائهم. يسافرون حول العالم ليحاربو ويتعلموا تحت إدرات مدارس مختلفة. أنت قمة فئتك العمرية في مدرستك؟ لنيل رعاية قبل سن الثامنة عشرة، سيتعين عليك احتلال المركز الأول على مستوى الولاية، وربما لا يكفي ذلك حتى. ثلاث بوابات في أمريكا. ثلاثة مقاعد لبوابة واحدة في اليوم. يوجد مرشحون لوظيفة [محارِب] أكثر من عدد الأسماك في البحر، ولن يُخصص معظم أولئك لأطفال مثلك. لن تفوز بالبطولة، ولن تنال رعاية قبل بلوغ الثامنة عشرة. ولن تظفر بأي فرصة بعد ذلك، وسترى بنفسك."
لكن رايان لم يكن يجيد يوماً الاستماع إلى من يخبرونه بما لا يستطيع فعله.
— بعد أعوام قليلة.
كان الأمر شيئاً معلوماً لكنه غير مجرب. وُجدت أكاديميات وعائلات مغامرين على الأرض. لم تكن هذه المؤسسات مخصصة للأغنياء فحسب بل لذوي النفوذ. نادراً ما ظهر هؤلاء الأطفال في البطولات المحلية. فقد تدربوا قرب بوابات النظام على الأرض، حيث يتنافس الأفضل والألمع أمثالهم. حتى إن الشائعات سرت بقدرتهم على الارتقاء إلى المستوى صفر. رفض رايان تصديق أن الفارق قد يكون بذلك الاتساع.
لقد تنافس ضد جن من قبل، وحتى ضد أورك. لم يكن الفوز مستحيلاً. مع ذلك، كان هؤلاء الأطفال الموهوبون بحق يزهدون في المنافسات المحلية المقامة في أماكن أخرى. لم يكونوا ليتكلفوا عناء الحضور، ولا حتى من أجل آلاف الدولارات في جوائز مالية. لكن ما إن بلغوا السادسة عشرة، حتى كانوا يظهرون. يتفرعون إلى ولايات مختلفة حيث يقيمون بشكل ما، ويسحقون المنافسة المحلية ليحصلوا على ترتيب جيد في بطولة المفتوحة الحقيقية تحت سن الثامنة عشرة.
فهم رايان كل هذا منطقياً، لكنه أبى أن يصدق أنهم قد يكونون متفوقين إلى هذا الحد. كان يعيش في كاليفورنيا، إحدى أكثر ولايات أمريكا تنافسية، ومع أنه لم يكن الأفضل، إلا أنه لم يكن بعيداً عن ذلك. كانت هناك دائماً أمثلة على بعض العباقرة الصاعدين الذين يخرجون من العدم ويحصلون على رعاية. وكان واثقاً من أنه قد يكون أحدهم. لقد عمل بجهد أكبر من أي وقت مضى لغيظ مدربه، ولم يبطئه سوى الإصابات والإرهاق.
ثم تعلم رايان كيف يدير ذلك أيضاً. جُدْوِلَت التدريبات لتحسين التعافي. وخلال ذروة الإرهاق، كان يرقد في السرير ليدرس الحيئات وأشرطته القديمة. ثم درس تحت إشراف سيد مختلف. كان ذلك عصر الإنترنت، حيث يمكنك تعلم كل شيء تقريباً عبر الشبكة. كان زاهيرو، جبهة سيوف المستوطنين، مرشده المفضل على الإنترنت. جعل [السياف] الياباني السابق من مهمته إتقان كل أسلوب سيف بشري على وجه الأرض وفي العالَم.
وعلى الرغم من إدارته لمدرسة مرموقة الآن، إلا أن فيديوهاته الأصلية ظلت مجانية دائماً–سُجلت في الفترة التي لا يزال يحمل فيها إصابة روحية. علامة تلت مقتله على يد الطير الماهر نفسه.
"هذه هي طريقة القبضة [لضربة كاسر الاتزان]. لقد وجدْتُ أن توسيع المسافة بين يديك بمقدار سنتيمترين يعطي نتائج أفضل كبشري. بالطبع يعتمد ذلك أيضاً على حجمك وبنيتك وطول سيفك، لكن الفكرة الأساسية تظل واحدة. لوّح بهيئة مثالية، مع إبقاء خمسة وعشرين بالمائة من وزنك على قدمك الخلفية. ولا تندفع للأمام إلا عندما التأكد من تحقيق الاتصال. تدرّب على هذا مائة مرة مع تنويعات لحالة عدم الاتصال. ثم تدرّب عليه مجدداً كل يوم حتى تصبح هيئتك مثالية كصورة. سننتقل إلى ما بعد ذلك حينها."
اضطر رايان إلى إحضار مسافة لفهم السنتيمترين. ثم أدرك أنه بحاجة لاكتشاف مسافة قبضته الخاصة. وعلى الرغم من غياب مدرب شخصي، تسارعت وتيرة تقدمه بالفعل تحت إرشادات زاهيرو، وقدمت الفيديوهات وضوحاً وتركيزاً لم يوفرهما نيكسترا أبداً. كان السياف الحكيم كل ما لم يكنه نيكسترا. سيد ساقط انحدر من قمم سابقة برشاقة. تغير المشهد التنافسي حين بلغ رايان السادسة عشرة. شارك في التصفيات المفتوحة لمن هم دون الثامنة عشرة للمرة الأولى ظهر جني لم يسمع به أحد قط.
لم تكن المرة الأولى التي يواجه فيها رايان أجناساً أخرى. وخلافاً لبطولات الفنون القتالية المختلطة، لم تكن الأسلحة ثنائية اليد تخضع لفئات وزنية. وما كان ينبغي لذلك أن يهم. طالما أنه بلغ البطولة الوطنية وحظي بترتيب عالٍ، فستكون هناك فرصة جيدة لنيل الرعاية. كان الجني هو هيرستين فوررانر، من عائلة فوررانر. زوجان من المغامرين من الجيل الذهبي أنجبا طفلاً زائداً واحداً على ما يبدو.
كان هيرستين في الخامسة عشرة، أصغر منه بعام واحد. وربما انضم إلى البطولة المفتوحة للشباب بغرض الممارسة مثل رايان. هكذا ظن على الأقل. كان رايان متحمسساً لمقارعة شخص مماثل، فستكون الاختبار الأمثل. ألقى بنفسه على الصبي ذي الأذنين الطويلتين. ثم خسر رايان. هكذا ببساطة. نزال من خمسة أشواط وخسر رايان بثلاثية نظيفة. وحين تفقد الأشرطة لاحقاً أدرك حجم الهوة السحيقة بينه وبين الصبي الجني.
حاول خداع نفسه. كان هيرستين عبقرياً فحسب، هذا كل ما في الأمر. فأحياناً يظهر أمثال هؤلاء ويفسدون الأمور على الجميع. علاوة على ذلك، كانت هناك دائماً مقاعد محجوزة لمن لا ينتمون لعائلات مغامرين. وكان الرعاة يبحثون دائماً عن الأطفال بلا خلفية مغامرين. لن يصيبه اليأس من هزيمة واحدة. ثم واجه أوركاً. كان هذا الأخير مشهوراً، لذا كانت الخسارة مقبولة. ثم خسر أمام بشري ظهر من العدم.
فتى يحمل لقب كينغسترايك. لقب عائلة مغامرين. ولم يدرك حقاً كم كان الجبل شاهقاً إلا مع نهاية تصفيات الولاية الأولى. لو أنه توقف عند هذا الحد فحسب.
— رفض رايان التراجع.
كان أمامه عامان إضافيان لتقليص تلك الفجوة. كان اثنان ممن هزموه يكبرانه بعامين. أرهق جسده أكثر مما ينبغي. وكان محبطاً عجزه عن مواكبة جدول تدريبي أكثر كثافة. جرب كل شيء. مسدسات التدليك، حمامات الثلج، الساونا، التحكم التام بنظامه الغذائي. آملًا بيأس أن يساعده أي من ذلك في تعافي عضلاته. للأسف، لم يكن هناك نظام تجارب لأمثال رايان. لم تكن الأرض تكافئ العمل الجاد والمواجهة ضد احتمالات مستحيلة.
أحياناً تبذل قصارى جهدك، وتستنفد كل طاقتك، وترغم على الفشل. حين تمزق عضله للمرة الثالثة في غضون خمسة أشهر، بدأ يفقد الأمل نهائياً. انطوى في غرفته، يدرس أشرطة البطولات السابقة. فلم يكن هناك ما يفعله. لم تكن هناك تسجيلات كافية للأشخاص الأكثر تنافسية. فقد أبقوا نزلاتهم الأخيرة سرية، محاولين الحفاظ على أكبر قدر ممكن من التفوق. قريباً، قُضِيَ وقت أقل في مشاهدة فيديوهات زاهيرو ومزيد منه على شبكة العالَم.
عمل تحت حساب زاهيل، وبدأت الأمور تأخذ طعماً مراً بعض الشيء. - ألم يكن لديك [شق] احتياطي؟ لو استخدمته في الدقيقة 2:04 في الفيديو لما اضطررت لمخاطرة الأشواك من الأساس. @زاهيل (غير موثق) - هذه خيارات مهارات فظيعة حقاً. كان يجب عليك اختيار [تسريع] لتكتمل فريقك. @زاهيل (غير موثق) - بصراحة، لست مهتماً بمشاهدة فريق يعتمد التقليدية البحتة. لن تذهب بعيداً باتخاذ قرارات آمنة.
@زاهيل (غير موثق) - بصراحة، أنت تتخذ خيارات مهارات غريبة. لا توجد طريقة لتذهب بعيداً بهذا الشكل. أنا ألغي متابعتي وسأتابع فريقاً آخر. @زاهيل (غير موثق) — ضحك رايان موجهاً كلامه إلى أوزييل.
"لن أکذب، كنت وغداً صغيراً في ذلك الوقت. اعتقدت أنني أستطيع القيام بعمل أفضل من معظم المغامرين الذين شاهدتهم، وكنت أشعر بالمرارة لعدم حصولي على فرصة قط. الفرق التي ضايقتها عبر الإنترنت لم تستحق ذلك."
لقد كانت نقطة حساسة، شيئاً لم يحب الحديث عنه. ورغم ذلك، ساعده كل ذلك، كل قطرة منه، في وضعه في هذا الموقف لفعل هذا اليوم. حلّ شعور بالهدوء على رايان وهو يستعيد ذكريات الأجزاء الأكثر خزياً من ماضيه. لسبب ما، تلاشت تلك المرارة التي بدت أزلية. ولعل السبب هو مرور الوقت، أو ربما حقيقة أن رايان كان يواجه باستمرار مشكلات أكثر خطورة بكثير. أو ربما لسبب آخر تماماً. مثل حقيقة أنه بات غنياً حقاً الآن.
أصدر أوزييلهمهمة.
"يبدو لي أن نفسك الصغيرة كانت محقة. كان بإمكانك أن تفعل ما هو أفضل في نفس الموضع."
ابتسم رايان وهز رأسه.
"لا، ليس بعد. لن أعرف يقيناً حتى ألتقي بالمدير."
"ولمَ ذلك؟"
نظر رايان إلى ذراعه اليمنى.
"أحتاج لمعرفة مدى التلاعب الذي تعرضت له لوضعي هنا. أريد أن أقول إنني تحررت، لكن بعض الأيام تجعل الأمر حاضراً دائماً في مؤخرة عقدي. أحياناً أشعر وكأنني ما زلت أجري في مسار صممه المدير."
على الرغم من إصرار باري على أن هذا محض جنون، لم يستطع رايان إلا التساؤل عن خطط المدير. وإن كان صادقاً، فالكثير مما فعله كان لإغاظة المدير. للتمرد على فكرة كونه مفتاحاً نهائياً مصمماً بعناية لنظام تجارب مستحيل. ورغم ذلك، ففي كل مرة ينجز فيها شيئاً، لم يكن يملك إلا أن يشعر بظلال المدير تخيم على كل أفعاله. جلس [المغنّي] صامتاً لبرهة. وللمرة الأولى، قدم أوزييل نصيحة عوضاً عن الاكتفاء بالاستماع والحث.
"أنصحك بسؤال الآنسة غاميل عن كيفية عمل الإنجازات. أعتقد أن لديها منظوراً سيغير الطريقة التي تنظر بها إلى الأمور. أنت لا تركض في المتاهة التي تعتقدها، أو هكذا أعتقد على الأقل."
"ماذا يعني هذا؟"
هز [المغنّي] رأسه.
"إنها تفهم نظام التجارب أفضل مني. سيكون من الأفضل سؤالها."
عاد رايان إلى قصته بعد ذلك. لم يكن هناك الكثير ليُروى، سوى قصة صبي يتقبل ببطء حقيقة أن أحلامه كانت مستحيلة. وأن ستة عشر عاماً من شبابه قد ضاعت هباءً. زاد الأمر سوءاً حين اكتشف أن والديه أخذا رهناً عقارياً على منزلهما لتمويل رسومه الدراسية. ثم اصطدم بالعالم الحقيقي بكل ثقله.
"أصابتني نوبة هلع. لقد تركت كل شيء تقريباً ولم ألمس السيف مرة أخرى. انتقلت إلى مدرسة حكومية في سنتي الأخيرة وطالبت والديّ بالسماح لي بدفع قيمة الرهن العقاري. ثم بدأت العمل في مطعم مانا برغر وواصلت إرسال المال لوالديّ."
ضحك رايان بمرارة. ما زال هذا الأمر يطارده حتى يومنا هذا.
"لقد أعاداني في النهاية، قلصا مساحة منزلهما وتخلصا من كل الديون حتى لا أجد سبباً لأستمر في إرسال المال لهما. حسناً... لم ينجح الأمر تماماً. لا يمكنني دخول منزلهما الجديد والشعور بالراحة فيه أبداً مرة أخرى."
لقد وعد نفسه بأنه سيصبح ثرياً ويسترد منزل طفولته. وبأنه سيدفع ثمن أخطائه. والآن بعد أن امتلك المال، لم يعد تفصله سوى مسألة وقت حتى يُسدَّد دينه ويُشترى منزله القديم مجدداً. كان والداه يستحقان ذلك. كانا يستحقان ذلك وأكثر بكثير وكان سيحصل على كل شيء من أجلهما. بعد ذلك، كانت قصته عادية كأي قصة أخرى. بدأ رايان، بهدف وحيد هو أن يصبح ثرياً، خطته... في الحصول على وظيفة عادية والنجاح بطريقة اعتيادية.
طبعاً إلى أن ذهب يوماً ما [هائج] سابق ضخم جداً إلى المنضدة.
— في نهاية المطاف، انسحب أوزييل إلى غرفة شقة أخرى.
ومع كل ما قيل، شرع في تنسيق النوتة الكاملة لرايان روبنسون. تطور اللحن–واكتسب عمقاً كما أراد. لم يعد مجرد لحن للصخب والحيوية. لقد فهمه تماماً كما فهم القصة الماثل أمامه. نقر [المغنّي] المتناغم مع التناغم على لوحة مفاتيح حاسوبه، كاتباً بقية الحكاية في أغنية. لقد كان محقاً، فالماضي ينبئ بالمستقبل. لم يكن أرتيغان سوى جسر–مرحلة انتقالية للرجل المسمى رايان روبنسون. ولن تنتهي السفونية هنا.