6 أيام تفصلهم عن البطولة الرابعة. —يا تاريس! يا تاريس! أسمعتِ؟ أرتيغان يغادر الطائفة! —ماذا؟! أيفعل؟ أليس هذا سيئاً؟؟ رغم أن طائفة السجى كانت منعزلة إلى حد كبير عن بقية العالم، إلا أن الأخبار كانت تصلها بانتظام. مغادرة الطائفة تقتضي حضور بالغ مؤهل، أو أن تكون بالغاً بنفسك. وفي غضون ذلك، كان هؤلاء البالغون يجلبون معظم الأخبار الأخيرة عبر أقراص بيانات صلبة يمكن للجميع الوصول إليها في غرف التقنية الآمنة.
لم يكونوا متوحشين يختبئون في الكهوف بمعزل عن شؤون البشر. ولكن بسبب ذلك، حدث تأخير طفيف في نقل ما فعله أرتيغان تحديداً في لازهن. حتى الكبار ترددوا في نشر المعلومات عندما جاء الجني مرتدياً رداء زعيم الطائفة. مع أن إخفاء المعلومات كان مستحيلاً في طائفة السجى المفعمة بالثرثرة في النهاية. وحالما استوعب الجميع الأمر، تحولت النظريات حول أرتيغان إلى نظريات مؤامرة متكاملة.
في البداية، كانت الشائعات تقول إن أرتيغان مشروع فائق السرية. شخص أُنشئ ليتبع درب الطغاة. بدا الأمر منطقياً. فرغم أفعاله الجنونية، ظل عدد ضحايا أبناء العالم صفراً. لا بد أن أيدي الطغاة الموجهة وحدها كانت قادرة على تدبير ذلك. الارتباك حدث حين بدأ أرتيغان يتعرض لعقوبات متكررة. ثم تطورت الشائعات، مصورة أرتيغان كشخص أسرته السيدة غامييل وجلبتْه إلى الطائفة لإعادة تأهيل قسري.
قرر الكبار المساعدة في إعادة التأهيل هذه، عبر استفزاز الجني ذي الشعر الفضي لكبح غضبه. حاولت تاريس وأصدقاؤها النيل منه، فلم يجنوا سوى الإخفاق مرة تلو الأخرى. ثم حلّت الكارثة. ظهرت شجرة ذهبية ضجت بها وسط الطائفة وفجأة بدا أن أرتيغان قد رفع درجته في العالم بمقدار درجتين! لم يكتفِ بتحطيم حواجز العالم العظمى، بل اجتاز تطور العالم الخامس المستحيل الصعوبة. قال البعض إن أرتيغان كان في العالم الرابع بالفعل، ورغم أن ذلك ظل نادراً، إلا أنه لم يكن جنونياً تماماً.
انتشرت تلك الشائعات، قبيل أن ترى الطائفة بأسرها زعيمها يُقذف بوحشية نحو الحاجز المسحور، ويهوي جسده الهامد على الأرض بينما تقدمت موجة حمراء أخرى لتجهيز عليه. رأى الجميع غامييل توقف المبارزة هناك. لقد حاول أرتيغان قتل لاريخ. فقدت الأمور الكثير من متعتها بعد ذلك. إن التذكير بأن المتنافسين كانوا بمثابة مختاري السماء مقارنة بهم قد وقع على الطائفة بأسرها كصاعقة وقتل تلك الحماسة.
عندها شرع الكبار في الحديث عن تقدم أرتيغان في همسات خافتة. كان لاريخ هو عبقري العالم المفترض أن يضع طائفة السجى تحت الأضواء برؤوس مرفوعة. شخص قادراً على هزيمة المغامرين بينما كان في العالم ذاته! شخص متعمق في العالم السادس! وحتى لو كان أرتيغان موهوباً أو وحشاً، فلم يكن سوى في العالم الثالث قبل أسبوعين. وحتى لو أتم أرتيغان التجربة الرابعة —ولم تكن تاريس متأكدة من حدوث ذلك— لظل ذلك تقدماً مثيراً للسخرية.
فحتى المارقة كان مفترضاً أن يخضعوا لفترة تأقلم إن قفزوا بهذه السرعة! لم يكن الأمر عادلاً، فالمتنافسون أنفسهم لم يكن مفترضاً أن يبلغوا تلك القوة وبهذه السرعة. لا بد أنها السيدة غامييل. لابد أنها أنفقت موارد لا تُحصى لرفع أرتيغان، وهي موارد كان يمكن استخدامها لصالح طائفة السجى عوضاً عن ذلك. وها هو أرتيغان يغادر الآن؟! أجنّت السيدة غامييل؟! لم يتعلم ذلك الوحش أياً من تواضع طائفة السجى وروحها.
لقد أغوى أوزييل بعيداً عن الطائفة برمتها على ما يبدو. لقد قضيا ساعات معاً في غرفة ضيقة بينما كان نصف الطائفة يلصق آذانه بالباب! يا لها من فضيحة! لا بد أن السيدة غامييل قد وقعت في غواية أرتيغان هي الأخرى! حسنًا، لن تنطلي الحيلة على تاريس. أرتيغان وسيم من الخارج فقط. مجرد غشاش يحصل عليه جميع المتنافسين لإعادة تشكيل مظهرهم. لعدم العدالة كرة أخرى! احتاج أرتيغان إلى سنة واحدة على الأقل، بل خمس سنوات وحينها ربما يُسمح له بالتجوال في العالم مرة أخرى.
من الواضح أن تاريس لم تكن الشخص الوحيد الذي يفكر في هذا. تجمعت طائفة السجى بأسرها، تتبع موكب المزارعين الساخطين نحو قلب الطائفة، حيث تقف تماثيل الطغاة الشامخة تحرس المكان. وهناك، كان أرتيغان يستعد للمغادرة. لم يكن بوسع الضيوف الرحيل إلا عبر المنصة المرتفعة، وإما أن يواجهوا تماثيل الطغاة أو التدقيق الجماعي للطائفة نفسها. وقف أرتيغان بكل غرور متنافس قديم. ارتدى رداء زعيم طائفة بليل السواد والسخرية ترتسم على وجهه.
وقف غراب أزرق عملاق إلى جانبه، يحدق بغضب في التماثيل. لم تبدُ أعداد المزارعين الغاضبين الغفيرة مكترثة به. عرفت تاريس أن أرتيغان كان قادراً على الشعور بالخعار، وعرفت أيضاً أن السماح له بالرحيل الآن فكرة سيئة، سيئة للغاية. سيعود حتماً ويبدأ في إرهاب العالم بترقيات قوته الأخيرة. وقف أرتيغان الجني المغرور أمام الجميع. وظهره مسند إلى تماثيل الطغاة. وقف المزارعون، مستعدين للانقضاض على الجني وإخضاعه.
— انحنى رايان.
لم يكن انحناءة ممثل، بل انحناءة احترام، انحناءة مزارع. قبضة في كف. جعلت كل مزارع يتوقف.
"أخبرني عورج عجوز غاضب يوماً عن أهمية إخبار فريقك بكل شيء. لم أستوعب الأمر في البداية. كان الكذب أسهل بكثير. أن تبقي كل شيء خفياً، لكنني أفهم ذلك الآن. الأمر يتعلق بمنحهم الحقيقة كي لا يتقيح السر. فالسر يذوي وهو مخفي، وحين يسلط الضوء عليه حتماً، يمكنه أن يحطم أساس العلاقة ذاته".
ترك رايان حكمة باري تتردد في الأجواء.
"مع أن طائفة السجى ليست فريقي إلا أنني أود شكركم جميعاً على استضافتي في منزلكم. لذا سأكون صادقاً قدر الإستطاعة. سر مقابل سر في المقابل. أرتيغان هوية مزيفة، ابتكرتها ساحرة الطغاة لكي تتوفر لدي كل المبررات التي أحتاجها لأكون بلا رحمة قدر ما تشاء في العالم".
لم يكن اتهاماً صريحاً. فحشد كهذا لن يتقبل الحقيقة حتى لو عرضها عليهم. في أسوأ الأحوال سيظنونه كذاباً، وفي أفضلها سيظنون أنها تحرك قطع شطرنج في بعد رابع وأن الأمر برمته جزء من مؤامرة خيرة. كان الأفضل إبقاء الاتهام غامضاً، وجعله متعلقاً به هو عوضاً عن ذلك.
"أعلم أن الأمر قد لا يبدو كذلك، لكنني رفضت المسار الشيطاني المعروض عليَّ. أحاول ابتكار عالم يطابق المبادئ الأصلية التي حارب من أجلها الطغاة. آمل أن أتمكن ذات يوم من العودة إلى طائفة السجى وأروي لكم قصتي الحقيقية برأس مرفوعة".
رفع رايان رأسه، لا بغرور، بل بكبرياء. حدق في طائفة السجى بعينين صافيتين.
"وحين يأتي اليوم الذي تخرج فيه طائفة السجى من الظلال. حين تسقط السماء ويجب توظيف كل قطعة سجى كسلاح. أود أن أكون معكم هناك، أحارب في خطوط الدفاع الأولى".
— جلست غامييل مع الشيوخ، محدقة في تاريس المسحورة.
شعرت بلمحة من الاشمئزاز من السرعة التي أسر بها رايان تلك الطائفة التي كانت معادية فيما مضى. وخزها الشيخ ليندريد بمرفقه.
"عليك أن تسلم له بالأمر. الصبي يعرف حقاً كيف يتعامل مع الحشد".
"سأكون أكثر إبهاراً لو استطاع كبح نفسه عن إثارة الاستعراض أينما حل".
ضحك الشيخ غودريل بخفة.
"يبدو أن أحدهم يغار من طريقة استحواذه على الطائفة".
"ماذا؟ لا، الأمر برمته كان خطتي منذ البداية".
ضحك كلا الشيخين على غامييل المستاءة. حكت أذنها، وهي غير متأكدة من المستقبل الذي ينتظرها، ومن الطاغية النامي الذي كان يخوض حربه الهادئة ضد والدتها بالفعل. على الرغم من كونه مجرد ذراع في العالم الخامس إلا أن هالة الطاغية مدت مخالبها لتشمل الطائفة بأسرها. معلنة إياها ملكاً له، جاذبة انتباههم، وحامية للجميع من تأثيرات هالة الترهيب العاتية. رمشت غامييل، ثم هزت رأسها.
لم يكن فرد واحد من أعضاء طائفة السجى ينظر إلى رايان بخوف. على الأقل بدا أن الفئة تحمل نوعاً من المسؤولية متأصلة فيها. صفعت بعنف مخبلاً مفاهيمياً حاول الوصول إليها.
"ما زلت أغضّ من أن تفعل ذلك أيها الأحمق الغبي".
— ارتفعت المنصة، حاملة رايان وسيرول معها.
صعود بطيء حيث لوّح بكسل لأعضاء طائفة السجى. الحشد الغاضب الذي جاء من أجل رأسه كان مرتبكاً، يتمتمون فيما بينهم أو يحدقون إليه بتعبير متأمل. أيها المغفلون. حوّل انتباهه إلى الهاتف في جيبه. كان أوزييل قد انتهى من الأغنية ورفع الموسيقى على هاتفه ومنحه قرص تخزين. لم يكن رايان متأكدًا مما يجب أن يشعر به حيال أغنية السمة الكاملة التي ابتكرها أوزييل. لقد جاءت في أربع مراحل والأجزاء الثلاثة الأولى كانت رائعة.
المرحلة الثانية كانت شبيهة جداً بالقرع الإيقاعي في مقاطع أرتيغان المصورة. المرحلة الثالثة احتوت حتى على اللاتينية! كان ميلوك محقاً تماماً بشأن كونها مثالية لموسيقى الزعماء. لم تكن المشكلة في ذلك. بل القسم الأخير، المرحلة الرابعة هي التي أزعجته. كانت كلها خاطئة. كانت مبهجة أكثر من اللازم وبطولية، أكثر من اللازم... بعض الشيء. لكان الأمر منطقياً لو كانت تتعلق بالمغامرين الذين سيهزمون أرتيغان، لكنها كانت مصنفة بوضوح كمرحلة أرتيغان الرابعة.
ومع ذلك أصر الشاعر على أنها صحيحة. وعلى أنها ستتناسب في النهاية وأن أوزييل يود التواجد حين يقبلها رايان. عقد حاجبيه تضجراً من التلميح. بطل؟ كان ذلك خطأً بحتاً. انظر كيف خدع الحشد بأسفله، لم يكن رايان عائداً إلى طائفة السجى. القتال مع هؤلاء الحمقى سيكون عبئاً لا مكسباً. سيكون حالهم أفضل لو بقوا هنا مخفيين ويمارسون الزراعة حتى ينتهي كل شيء. لم يكن هو الوحيد الذي عقد حاجبيه سخطاً.
كان سيرول يحدق بغضب هو الآخر بالأسفل. الطائر–الذي يبدو متلهفاً للابتعاد عن الأطفال الفضوليين الذين لم يبدُ أنهم فهموا أنه وحش مرعب من القطاع الثاني عشر. لكن رايان أدرك حينها أن الطائر لم يكن مركزاً عليهم على الإطلاق. بل كانت نظراته الحادة مثبتة على تمثال معين: تمثال الطاغية السلبي. متشاطراً المزاج نفسه، دفع رايان شريكه الجديد في الجريمة بمرفقه.
"قالت غامييل إنه لا يمكنك التغوط على هذه الأراضي، ولم تذكر شيئاً البتة عن سوائل جسدية أخرى".
ضيق سيرول عينيه نحوه، ظاناً أنه يقوده إلى نوع من الفخ. اكتفى رايان بإمالة رأسه نحو التمثال عوضاً عن ذلك. أشرقت فكرة في عقل الغراب الأزرق. سدد هدفه. راقب مزارعو طائفة السجى برعب شديد قطرة بصاق ضخمة وهي تطير إلى الأسفل، لتصيب وجه تمثال الطاغية السلبي مباشرة.
"أتجرؤ!؟"
"أوه تبا إنه ليندريد! هيا! لا تطر بعيداً وتتركني!"
ألقى رايان جذور هالته ولفها حول ساق سيرول. أطلق الغراب نعيقاً مذعوراً ثم حدق بأسفل نحو المارق المربوط بساقه. ثم لاحظ الشيخ الغاضب لطائفة السجى وهو يقفز من على الهواء المتصلب وقرر أن الطيران هو اولويته القصوى.
— حين ارتفعا عالياً في الجواء تلألأت ريشات سيرول في النور.
على ما يبدو، تعلم سيرول مهارة جديدة خلال فترة تواجده في طائفة السجى. خدعة تتجاوز إدراكه بأنه يستطيع البصق على الأشياء. بدأت ريشاته تتغير ألوانها، متكيفة بسرعة مع السماء فوقهما. ثم نظر إلى الأسفل مجدداً. كانت مخالب الهالة لا تزال ملفوفة حول ساقه وشعر بالإغراء لمحاولة العودة إلى مهمته القديمة المتمثلة في محاولة ضرب رايان بفضلاته. ثم تذكر تلك اللكمات المصحوبة بالهالة وقرر اتخاذ مسار آخر.
أنزل نفسه نحو الأرض، مطلقاً سراح المارق ثم لوّح بجناحيه. قطب رايان جبينه.
"ماذا الآن؟"
ثم أسقط سيرول حمولته على الأرض.
"هذا مقرف، أهذا جاد؟ ألم تستطع فعل ذلك أثناء الطيران كما تفعل عادة؟"
هز سيرول رأسه ثم أشار بجناحه نحو رايان ثم عاد ليشير إلى الروث. رفع مخلباً وبارزاً مخفياً واحداً، ثم تظاهر بغمس المخلب في الفضلات. ثم أشار إلى رايان. ثم أنزل ظهره. فهم رايان ذلك على أنه 'إن كنت تريد استخدامه كمتطيّة فعليك لمس قذارتي'.
"هذا هوس مقرف حقاً في هذه المرحلة".
نعق سيرول في وجهه، ثم غطى عينيه بجناحيه، ثم استدار وشار مجدداً نحو فضلاته بمنقاره. ثم قفز خمس أقدام واستدار، ثم أشار بمنقاره نحو الفضلات مجدداً. كرر هذا ثلاث مرات أخرى حتى استوعب رايان الأمر.
"فضلاتك تساعدك على التنقل؟"
أومأ الغراب برأسه ثم هزها. لم تكن إجابة صحيحة تماماً لكنها لم تكن خاطئة أيضاً. أشار سيرول بقدمه نحو رايان ثم... أدرك رايان الأمر أخيراً.
"أنت تستخدم غائطك للتتبع".
كان رايان قد لاحظ السحر يسري في فضلات سيرول من قبل لكنه ظل يتجاهله كطريقة لجعلها تنتشر في مساحة واسعة. لم يكن يتوقع وجود سبب شرعي لكونه مهووساً جداً بوضع علامات عليه.
"كنت تفعل ذلك لتتمكن من تتبع التهديدات. تبا، بات الأمر منطقياً الآن. كم يدوم أثره؟"
هز سيرول رأسه. لا؟
"أتقول إنه يدوم للأبد؟"
رفع الغراب رأسه بكبرياء في الهواء. ضيق رايان عينيه لكنه كان واثقاً تماماً من أن فرخ الغراب الأزرق لم يكن قادراً على الخداع إلى هذا الحد بعد. أمدّ بإصبعه، مقترباً تدريجياً من الكومة. انغرزت عينا سيرول الكبيرتان والمستديرتان عليه واقترب ببطء. ظهر [ساحر] طافٍ يحمل هاتفا مسجلاً المواجهة بأكملها. تنهد رايان. دفع يده اليمنى داخل اللزاجة ثم فجرها نحو الخارج بهالته. كانت غامييل سريعة، إذ اختفت لحظة انفجارها.
لكن سيرول لم يكن محظوظاً إلى هذا الحد.