95. الاختفاء: ويريمو تواريتُ عن الأنظار ثم تحولتُ إلى التخفي وعدتُ أدراجي لآخذ تاوكي. كنتُ أدرك أنني أنزف، لذا سيتمكن أي شخص يملك مهارة الشم أو التعقب بعيدة المدى من اقتفاء أثري. عجزتُ عن فعل شيء حيال النصل المكسور في ظهرِي حينها. بدا أن عظام الجرانيت قد أنقذَت تاوكي أيضاً إذ انحرف طعن النصل عن عموده الفقري، لكنه جزّ قدراً لا بأس به من جلده. أطعمته نصف جرعة شفاء وتجرعتُ النصف الآخر بنفسي.
لم أملك سوى واحدة أخرى. ستبدأ عملية التعافي الذاتي وحدها، لكني شككتُ في أن نملك متسَعاً من الوقت لانتظارها. غادرنا المكان فيما رفعت نيكس الظلال الغامرة، وسمعتُ جلبةً تامر بالاصطفاف للبحث عن خاطفي رهينتهم. أكان هذا نحن الذين سرقنا ضحيتهم المختطفة؟ نلتُ مستوى في الرمح والضربة السريعة من القتال، غير أن هذا كان كل شيء. يصبح رفع المستوى أصعب بكثير بعد بلوغ رتبة المتمرس.
تساءلتُ عن عدد المستويات التي جناها ذلك السياف من القتال. إن لم تقتل خصمك، فسيغدو أقوى. اقتربنا من نقطة اللقاء المتفق عليها مع تابيثا، فالتقطتْ حواس الرابطة رائحة دم قوية، وكان ذلك مقلقاً. تابعتْ سماعاتي مطاردينا الذين أمسكوا بأثرنا وأقبلوا في جماعة. لم نملك سوى دقائق معدودات. بلغتُ الفسحة فوجدتُ تابيثا وماياكو هناك. ظلتْ ماياكو فاقدة الوعي وكانت تابيثا تضمّد جرحاً غائراً في ساقها.
سألتُ: "أتريدين عوناً في ذلك؟"
أجابت: "أجل. اللعنة على قطاع الطرق."
قلتُ: "أعرف أنه بإمكانك انتزاع نصل من ظهرِي بعد هذا. لا وقت لدينا."
لم تستغرق ساقها وقتاً طويلًا في التضميد، ثم شرعتْ تعبث بنصلها في ظهرِي لتستخرج القطعة المكسورة.
ثم قالت تابيثا: "أود حقاً العودة إلى أوبالنو، لكنني لا أستطيع حمل ماياكو بهذه الساق."
قلتُ: "بإمكاني حملها، لكنني لستُ واثقاً أن أوبالنو مكان آمن لها الآن. نحن على مقربة من منتصف الطريق إلى قرية روكو. أستطيع أخذها إلى هناك لأيام معدودة."
سألتْ تابيثا: "لا أعلم ما أصابها، أتركتها ضربة قوية أم خُدرت؟ أمتأكد أنك تريد رعايتها وتستطيع التخلص من المطاردين؟"
"ما لم نكن ننفث الدماء، فسنفلت منهم بلا عناء. يوجد كهف نختبئ فيه على بعد أقل من ساعة من هنا. ذاك الذي يسكنه عنصري الرمل. طالما رغبتُ في العودة لأنني أعتقد أن ثمّة المزيد لأتعلمه هناك."
كنتُ أبحث عن فرصة للعودة.
"حسناً، ها هي مؤونتي. أعطيتُ ماياكو جرعة صحة وملكتُ الأخرى، لكن بحوزتي بعض الطعام والماء ومستعجلات الإسعاف الأولي. سأبعث نيكس برفقتكم، وسيساعدكم ذلك في التخلص من هذا الحشد."
ناولتنِي تابيثا محتويات حقيبتها فحشوتها في حقيبتي.
"إذن أراك بعد أيام. تستطيع نيكس حمل الرسائل."
حملتُ ماياكو.
"لا تقضِ الوقت كله في الصيد"
كانت تلك كلمة تابيثا الأخيرة قبل أن تذوب بين الشجيرات. انطلقتُ نحو الساحل، حريصاً أشد الحرص على ألا أترك أثراً. لم تمتلك نيكس معانقة الظلال بخاصية كتم الصوت والرائحة، بيد أنها ملكتْ الظلال الغامرة لتظليل بقعة ما، فطلبتُ منها فعل ذلك مباشرة خلفنا كي لا يُلمح لنا أثر من الوراء. بدلنا اتجاهنا مراراً حتى تيقنتُ أن عملية البحث عنا تبتعد شيئاً فشيئاً. عثرتُ على مسلك ينحدر نحو الشاطئ، واضطررنا لقطع المسير على ساحل مكشوف لفترة، لذا سررتُ بظلال نيكس.
لو كنتُ مكانهم، لوضعتُ مراقبين على الساحل. أمكنني رؤية صاري سفينة بعيداً على الساحل، وقدّرتُ أنها سفيرتهم. كان المد في منتصفه، لذا سيكون الماء عميقاً عند خوضه نحو الكهف. كلما اقتربنا من الكهف، تملّكني شعور بأن نيكس تزداد توجساً. وعند المدخل، اختفى الظل، وتكوّن لدي انطباع قاطع بأن نيكس قد رحلتْ. عناصر الظل وعناصر الرمل لا يأتلفان، على ما أظن. تصاعدت موجة خفيفة وبلغ الماء صدري، فرفعتُ ماياكو والحقيبة عالياً كي أتقي بللهما.
غمرتني السعادة للوزن الإضافي الذي منحته إياي عظام الجرانيت إذ ثبّتني وسط الأمواج وأنا أخوض داخل الكهف. استقر تاوكي عالياً على كتفي، فلم يصبه البلل. شققتُ طريقي بحذر نحو الجسد الرئيسي للعنصري وأقمتُ معسكراً مصغراً هناك. شكّلتُ الرمل هيئة فراش لماياكو وأمعنتُ النظر فيها. لو كان الأمر مجرد إغماءة، لأفاقتْ بفعل جرعة الصحة، لذا غلب على ظني أنها مخدرة وسيستغرق الأمر وقتاً لتتخلص سمومها من جسدها.
سقيتُها بعض الماء متأسفاً لغياب روكو بقدرته على الترطيب. لحسن الحظ، كانت قرب الماء قد سُحرت بواسطة ماياكو لتكثيف الماء من الهواء، لنستطيع المكوث هنا ما دام الطعام باقياً. غادر تاوكي كتفي لينكمش على نفسه في الرمل تاركاً التعافي الذاتي يعالج جروحه. جلستُ لأمد حواسي داخل العنصري باحثاً عن التعلم منه. استعملتُ في الغالب حاسة الروح وحاسة الجرانيت معاً. ركّزتُ على الحبيبات الصغيرة التي شكّلت مجتمعة جوهر الوحش للعنصري.
لقد انتشرت في أرجاء الكائن الضخم، وحين تتبعتها وجدتُها مبعثرة أيضاً في الرمال وصولاً إلى المحيط. لا بد أنها تتواصل أو تندمج بطريقة ما، لكن حواسي كانت منخفضة المستوى، أو لعلني افتقرتُ لمهارات الاستشعار الملائمة. والأرجح هو الاحتمال الثاني. أخذتُ استراحة وتفقدتُ ماياكو وتاوكي. بدا تاوكي نائماً، لكن ماياكو بدت وكأنها تتحرك. أنتْ وفتحتْ عينيها. سعلتْ وتمطتْ.
سألتْ: "مرحباً؟ من هناك؟"
أجعتُها: "هذا أنا. أنا آسف لنسيانك أنك لا تملكين سوى الرؤية الليلية لا رؤية الظلام. لستُ واثقاً إن حملتُ ضوءاً معي."
لقد اعتدتُ رؤية الظلام لدرجة أنني أنسى افتقار الآخرين إليها. تتطلب رؤية الظلام عند القطط قدراً من الضوء لتعزيزه وتمكينها من الإبصار. نحن في كهف يخلو تماماً من الضوء. أستطيع العثور على أداة إشعال النار، لكنني لا أحمل خشباً لإشعالها، ولا أعتقد أن الكهف يملك منافذ تهوية كافية للنار. استرخَت حين سمعتْ صوتي وتعرفتْ عليه.
"لا بأس. دعني أجرب بعض المهارات."
صمتتْ لدقيقة، ثم سمعتُ صوتاً مذهولاً يقول: "يا للوهل. أين نحن؟"
"نختبئ في كهف مع عنصري رمل. كنتُ أرجو البقاء هنا يوماً كاملاً على الأقل، وربما أكثر، لنفلت من خاطفيك. ماذا ترين؟"
أجابت: "حين أفعل الرؤية الروحية، يتوهج كل شيء بحسب كمية الطاقة الروحية فيه. أرضية الكهف تتوهج ببريق شديد، يكاد يعشي الأعين."
سألتُ: "أنا أناولك قربة ماء. أترينها؟"
"لا، لكني أرى ذراعك والطاقة السارية في سحر قربة الماء. سيحتاج الأمر لتجديد قريب."
التقطت القربة وتجرعتْ منها رشفة طويلة.
سألتُ: "ماذا تذكرين من المحجر؟"
"كنتُ برفقة موتاليل وإلايا، وتعرضنا لهجوم."
توقفَت ووضعتْ يديها على فمها بذهول، واهتز صوتها: "أهم... أهم أموات؟"
"نجح موتاليل في تناول جرعة وسيعيش. قُتلتْ إلايا. وجميع أفراد عائلتك الآخرين أحياء"
زففتُ إليها الخبر، وقررتُ ألا أطلعها على الإصابات والذراع المفقودة. كان بالإمكان إصلاح كل ذلك. انهارت باقية في البكاء. حاولتُ مواساتها، بيد أنني لم أبرع في ذلك. جلستُ معها في العتمة طويلاً. كانت تجهش بالبكاء بين الحين والآخر. أظنها كانت تفكر في أهلها. غرقتْ في النوم أخيراً. وغفوتُ أنا أيضاً بعد حين. استيقظتُ على حركة ماياكو. اعتيادي على التوحّد طويلاً أثناء الصيد جعلني خفيف النوم.
لكنتُ سعيداً لو أنني تركتُ فخاً انصبّه في النفق. شربنا وأكلنا طعام السفر الجاف واستقررنا ننتظر. عدتُ إلى الاستشعار، وأظن أن ماياكو كانت تفعل المثل. ركزتُ هذه المرة على الحافة حيث يلتقي عنصري الرمل بالصخر المحيط. ثمة تفاعل جرى هناك، فأمعنتُ النظر فيه. لقد كان تفاعلاً روحياً يحك الصخر ببطء ليحيله رمداً. أخبرني توافقي والتمييز أن بمقدوري كسب مهارة بتعلم طريقته. وضعتُ يدي على الصخر بجانبي وحاولتُ محاكاة ما يفعله العنصري.
لقد استعمل القوة الروحية والرشاقة المصفاة عبر التوافق، لكن الأمر شابه أيضاً التلاعب بالجرانيت بطريقة ما. حاولتُ مراراً وتكراراً وتيقنتُ من صحة صنيعي، غير أنه لم يجد نفعاً وبدأ الإحباط يتسرب إلي. ثم أدركتُ كم كنتُ أحمق. كان توافقي الجرانيت، وهذا الصخر لم يكن جرانيتاً. صنعتُ شوكة جرانيت لأرى إن كانت ستعمل مع الجرانيت المصنوع من قبلي. قد يتطلب الأمر جرانيتاً طبيعياً.
نجح الأمر مع الجرانيت المصنوع، وكان ذلك كافياً لإطلاق مهارة جديدة، رمل الجرانيت. سهّلت المهارة العملية وأصبح بمقدوري الآن خلق الرمل تماماً كما أصنع شوكة الجرانيت. سيصنع كمية صغيرة من الرمل إما في يدي أو على سطح ما. وستنمو كمية الرمل وسيطرتي عليه مع ارتقاء المستوى. في رتبة المبتدئ، أستطيع إطلاقه من يدي تماماً كما يفعل روكو باندفاع الماء، وفي رتبة المتمرس، توفرت كمية تكفي لحفرة رمل مصغرة أو ضغط رمل قوي إلى حد ما إن وجهته عبر فتحة ضيقة.
استطعتُ تخيل استخدامات عدة لتعزيز فخوني، وقد يكون إطلاق الرمل مؤذياً للجلد العاري. أما في رتبة المبتدئ، فسيلزم استهداف العينين أو الحلق لإلحاق الضرر، غير أن المهارات ترتقي بسرعة نسبية حين تكون منخفضة.
هتفتْ ماياكو فجأة: "هكذا يعمل الأمر إذن!"
سألتُ: "ماذاك؟"
"السحر المدعوم بقلوب الوحوش. ظللتُ أحاول اكتشاف آلية عمل الطاقة واستخدامها في السحر، لكنني لم أفلح بعد قرابة عام، حتى مع قلب الوحش الذي أمددتمونا به. ظننتُ أنني سأضطر للعثور على من يعلمني، لكنهم غالباً ما يرتبطون بعقود تفرض علي فعل الشيء نفسه"
أجابتْ.
استفسرتُ: "وما الذي تغير إذن؟"
"قلب هذا العنصري الرملي متشظٍ ومنتشر في جسده بأسره. أدركتُ كيف تتواصل تلك الشظايا فيما بينها. يكاد يشبه عقلاً جماعياً. لكنني أراه!"
هتفتْ قائلة: "إنه نادر الحدوث لقلة الأفعال الجارية، لكن ثمة روابط روحية بين قطع القلب، وحددتُ نبضات التواصل، وهي ذات نوع الطاقة الذي أستهدف استخلاصه من القلوب. أظن أن بمقدوري نسخه والتلاعب به. سأنتظر عودتي إلى العربة لأجرب ذلك فحسب."
"أبإمكاني رؤية هذا؟ لقد حاولتُ البحث عنه حقاً."
لقد تملّكني الفضول حتماً.
أجابتْ: "أشك في ذلك حتى مع الاستشعار الروحي بمستوى الخبير. أملك التدفق الروحي، وهو ما يجعلني أكثر حساسية لحركة الطاقة الروحية، والحساسية الروحية، التي تعزز هاتين المهارتين إضافة إلى رؤيتي الروحية، لتصير أكثر حساسية، لا سيما تجاه نوع الطاقة الروحية."
لقد كانت حقيقة جليّة أنني افتقرتُ لتلك المهارات. لستُ واثقاً إن امتلكتُ الصبر أو الرغبة في تعلمها. وافتُضِر أن تتطلب جميعها مهارات السحر. عادت هي لملاحظاتها وعدتُ أنا أتدرب على مهارتي الجديدة. في غمرة تفكيري، كانت هذه المهارات هي ما غاب عني حين حاولتُ إدراك ما فعله كبير الغوبلن عند خلقه شامان الغوبلن. ظلّت تلك الحادثة تدور في خلدي منذ أن عاينتها. ذكرتُ الأمر لتابيثا، لكننا لم نأت ِعلى ذكره لأحد سواهما.
كانت مهارة الحساسية الروحية وتوافقات الطاقة الروحية جديدة برمّتها علي. لقد أبرز الأمر مقدار ما أجهله. لا أملك الوقت ولا الميل لتعلم كل شيء، وشككتُ في رغبة ماياكو بمرافقتي لاصطياد الوحوش. أشك أن كبرياءها سيسمح لها بذلك حتى لو أرادت. انتظرتُ ما ظننته يومين، مع صعوبة التقدير داخل الكهف، ثم قصدتُ تفقد المد. كان الوقت نهاراً ومدّاً عالياً، فانتظرنا حلول الليل والجزر لنشق طريقنا إلى الخارج.
أُذهلت ماياكو لوقوع جوهر العنصري الرملي مغروساً في الرمال طوال الطريق حتى مدخل الكهف. وما إن غادرنا الكهف حتى أمكنها رؤية العنصري ممتداً في المحيط، متجاوزاً قدرتها على الاستشعار. تملّكني شعور بأن ثمّة المزيد لأتعلمه من العنصري لو أنني أنفقتُ الوقت في ذلك. غير أن الوقت لم يكن مناسباً الآن. كان صاري السفينة قد اختفى، لذا أملتُ أن المهاجمين قد رحلوا هم الآخرون، لكنني لم أراهن بحياتنا على ذلك.
فقد يكونون تركوا مراقبين وقتلة. غادرنا الشاطئ عاجلاً وشققنا طريقنا نحو قرية روكو. وحين بلغناها، اقتحمنا كوخه واستقررنا براحة. وعلمتُ أن الهجوم وقع قبل يومين. وتستعد تابيثا للثأر، إذ سئمنا كلانا دور الضحية المستهدفة. تساءلتُ كيف سيكون تقدمها في ذلك.