٢٥٢. أنفاس عميقة: ويريمو ألقيت إحدى مقذوفاتي الذهبية نحو زعيم العصابة، لكنها ارتدت عنه وكأن شيئاً لم يكن. من الطبيعي أن يمتلك دفاعات ذهنية، وإلا لكان الزكر هم من يحكمون المدينة.
خطا الزعيم خطوتين نحو الحارسين وانتزع عصا أحدهما، وتمتم ساخطاً: "هذه الخامسة والثلاثون".
تقدم نحوي ليهاجمنا بالعصا. ظن أنه يريد إفقادي الوعي مجدداً، لكنه كان يسحب سيفه أيضاً، لذا أرجح أنه قد يقتلني وحسب. ظللت بلا حركة طوال هذا الوقت، وهوت العصا مستهدفة رأسي. لو تركتها تصيبني، فربما أموت لا محالة. في تلك اللحظة بالذات، تحطم الباب واهتز حين حاول أحدهم اقتحامه قسراً. ظهرت بعض الشقوق في الحجر الذي استخدمته لإبقائه مغلقاً. لن يصمد طويلاً. عجزت ساقاي عن الحراك، على الرغم من أنني شرعت في إصلاح اليمنى.
بساق واحدة، يمكنني البدء بالقفز على الأقل. لم أملك سوى خيارين هنا حقاً: الصصد أو الابتعاد عن طريق الضربة. ابتعدت بالتدحرج عن الطاولة إلى الجانب المقابل للزعيم. وأثناء تدحرجي، أمسكت بالسكين المغروس في أحشائي وانتزعته، محرقاً اللحم بالحرارة لوقف النزيف. كانت هذه أولوية منخفضة لتجديد خلاياي في الوقت الحالي. بلغ هذا الألم مبلغاً لا يطاق مع العظام المكسورة واللحم المحترق، لكنه أخرجني من بركة الماء والسكين الثاني.
هبطت عصاه مهشمة الطاولة ومحدثة رذاذاً في الماء. جعلتني قوة الضربة تساءل عما إذا كان بمكاني صدها. لقد وفرت على نفسي وقتاً بإصابة الزكر إصابة بالغة على الأقل. آمل أن يموت، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدته في ذلك. بيد أن الزعيم يبدو في مزاج يقطر قتلاً، لذا يجب أن أبقي نفسي حياً أولاً. مفاصل الركب معقدة بشكل مؤلم لإصلاحها. تمثل خاطري الأول في إحراق كل شيء في الغرفة لعلمي بأنني سأنجو من ذلك، وينبغي أن يعيق هذا الزعيم ويقتل أولئك الطريحين بالفعل.
لسوء الحظ، لا توجد مواد قابلة للاشتعال بكثرة في هذه الغرفة، وليس برفقتي بويا لتحويل الأرضية إلى حمم بركانية. ينبغي لي توفير طاقتي. استعادة قدرتي على الحركة هي أولويتي القصوى. كان الزعيم يلتف حول الطاولة شهاراً سيفه في يد وعصاه في الأخرى. مهاراتي الأعلى مستوى هي الأكثر اقتصاداً أيضاً. سنام الجرانيت جاهز للارتقاء إلى مستوى الأستاذ، و ظل دائماً مهارتي الأساسية المفضلة.
كنت مستلقياً على الأرضية الحجرية، وكان الزعيم قريباً، وكل ذلك جعل الأمور أسهل. وجهت ستة سناميات جرانيتية، اثنتان نحو قدميه، واثنتان نحو ساقيه من على الأرض، واثنتان نحو صدره من الجدار والطاولة. اخترق السنام الأول القدم اليسرى، لكنه رفع قدمه اليمنى ملتفاً بجسده. تسبب هذا في احتكاك أحد سنامي الساق بحراشفه. بينما لم يخترق الآخر سوى مسافة قصيرة في فخذه الأيسر. أعتقد أنه يملك مهارة لتصلب الحراشف.
انزلق أحد سنامي الصدر عن سترته الجلدية، وبينما اخترق الآخر السترة، لا أظن أنه بلغ بعيداً عبرها والحراشف الصلبة. فجأة، استنشقت ملء رئتي غباراً وأصابتني نوبة سعال لا يمكن كبحها. من أين أتى هذا الغبار؟ كان المفترض بالماء أن يبقي أي غبار رطباً. دفعت ضربة العصا بضعف، فتخطت رأسي لكنها أصابت كتفي بقوة. حاولت التقاط نفس منعش لكنني لم أنل سوى دفعة أخرى من الغبار في رئتي. شعرت وكأنني سأختنق إن لم أظفر ببعض الهواء.
احتجت إلى التنفس. أدركت في أعماق عقلي كم كان الأمر مثاراً للسخرية؛ لقد شللتُ ثلاثة أشخاص وربما قتلتهم عبر استنشاق بخار السم، وها أنا ذا أعجز عن التنفس. لم أكن أصد ضربات الزعيم بشكل جيد بينما كنت أحاول السيطرة على سعالي، فتلقيت طعنة في صدري. خطتي قضت بإجهاز حاسم عليه، لكنني أنا من يخسر هنا. كان يعرج، بينما كنت أتدحرج على الأرض. الكاحلان أصعب إصلاحاً من الركب بعشرات المرات.
جذب الباب بعنف من الخارج فتصدع الحجر. ضربة أخرى وسينفتح، وينقض الحراس عليّ أيضاً. لا بد أن الغبار صادر عن الزعيم. أبحمله معه، أم أنه تقارب عنصري؟ لم أشعر به يلقي شيئاً. لو كان تقارباً عنصرياً، أأنه تقارب هواء ينفخ الغبار أم تقارب غبار مباشر؟ لو كان هواء، فليس لديه سوى كمية محدودة من الغبار. لو كان هواء، لكانت استنكار الهواء من رئتي أجدى من نفخ الغبار. تقارب الغبار في الصحراء يبدو منطقياً على أي حال.
تلقيت ضربة عصا على أضلعي صدعت عظامي الجديدة. كان قوياً وسريعاً. عجزت عن التنفس، وكنت على وشك الهلاك بلا هواء. ما الذي بوسعي فعله؟ فجأة، تسلل الغبار إلى عيني السليمة أيضاً. لم يؤثر عليّ كثيراً إذ لم أكن استعملها. أملك عظاماً جرانيتية. أيمكنني امتلاك رئتين جرانيتيتين؟ تتطلب الرئتان الحركة لضخ الهواء، والجرانيت صلب. لن تجدي الرئتان الجرانيتيتان نفعاً، لكن الرئتين البركانيتين قد تفعلان.
حاولت ضخ صخور منصهرة في رئتي لإحراق الغبار وإخراجه. تلقيت ضربة عصا كسرت ذراعي لأنني لم أكن منتبهاً للزعيم إلا بنصف عقل. باستشعار الحرارة، استطعت استشعار رئتي وما يحيط بي، لكن التركيز شاق. أذابت الصخور المنصهرة الغبار في رئتي فامتصصته. لقد صُنع من طاقة روحية، لذا كان تقارباً عنصرياً بلا أدنى شك، لكن رئتي امتصتا تلك الطاقة مما خفف بعض الشيء من الطاقة المطلوبة لهذا.
مع ذلك، استطعت التنفس مجدداً. استنشقت دفعة أخرى من الغبار فحصلت على طاقة وأكسجين. أدركت أن امتصاص الأكسجين لم يكن بقارب كفاءة الرئتين اللحميتين، لكنه أدى الغرض. تدحرحت مجدداً، لكن هذه المرة، لم يكن ابتعاداً عن الزعيم بل تقرباً إليه، مطيحاً بساقه من تحتي ليهوي فوقي. السيوف والعصاعص أطول من أن تفيد في هذا القتال المتقارب. السكاكين هي الأفضل في مدى الاشتباك. أبعد أحد سكاكيني سيفه عني، بينما غار الآخر في صدره.
لطخ الزعيم وجهي بالغبار، فأخذت نفساً عميقاً. طعنته بركبتي في بطنه، غارزاً سناماً من ركبتي في أحشائه. ترك جرحاً فاغراً لكنه تحول بعدئذ إلى غبار. بدا الجرح محشواً بالغبار أيضاً، إذ لم ينزف دماً. هل كان يملك دماً أصلاً؟ السكين التي انغرست في صدره كانت سكينه الفولاذية وليست سكيني الحجرية. أظن أن سكيني الحجرية قد تحول إلى غبار وتمنحه قوة كما يمنحني غباره القوة. دفعني بمرفقه في رأسي، دافعاً إياه للخلف نحو الأرض بينما انتزعت السكين وطعنته مجدداً، محاولاً إصابة مقتل.
صد سكين الحجرية، متخلياً عن عصاه لكنه حاول ضبط وضعية سيفه ليطعنني. استخدمت ساقي السليمة ضد ساقه المصابة وتدحرجت، دافعاً بمرفقه نحو الأرض. لم يؤذه ذلك، وتصاعدت سحابة من غبار لطّفت وقع رأسه. ضربني بمقبض السيف، فطعنته مجدداً بسكينه. هذه المرة، استعملت مقذوفاً بركانياً أيضاً لإضرام النار في ملابسه وإحراق لحمه. انطفأت النار سريعاً داخل سحابة غبار. أرجو أنني أصبت رئته هذه المرة لأنه واجه صعوبة في التنفس.
صفع المقبض في رأسي مجدداً وهو يحاول دفعي بعيداً، لكنه كان ملاصقاً للأرض وغارت سناميات الجرانيت في جمجمته وقلبه ورئتيه. هذه المرة، بقيت في مكانها وتوقف عن الحراك. تدحرجت خارج سحابة الغبار إذ احتجت إلى الأكسجين. سمحت لرئتي بالعودة لحالتهما اللحمية وأخذت عدة أنفاس عميقة. كان الأمر بالغ القُرب من الهلاك. حولْت انتباهي نحو الباب. توقعت أن يكون الحراس قد اقتحموا المكان بحلول هذه اللحظة، لكن الباب ظل مغلقاً.
لمع في استشعار حرارتي ثم تحطم فجأة وسط وابل من الحمم البركانية حين اخترقه ذيل تاوك الضخم بضربة قوية. فجأة، صفا رابطي واستطعت استشعارهم بوضوح مجدداً مع تحطم القفص الروحي. زحفت نحوهم ورفعت نفسي صعوداً على ظهر تاوك بينما عاد بويا لينضم إلينا، وكلاهما أمدّني بالطاقة. ركزت على إعادة ساقي الأخرى إلى العمل بينما حملني تاوك عبر الممر الذي كنا فيه. مررنا بالكثير من الجثث، لكنني لم أعدها.
ما كان ينبغي لهم الوقوف في طريق تاوك وبويا. كلما مررنا بغرفة، ألقيت فيها مقذوفاً بركانياً. ستحترق هذه البقعة عن آخِرها إن مشى الأمر على هواي. راودتني لحظة تأمل. لن ترغب كيلدا في إحراق المكان. إنها شديدة الحرص على عدم إيذاء الأبرياء بنيرانها. الخدم هنا وربما عدد آخر كانوا أبرياء من جرائم سيد المدينة. كيلدا ليست هنا، لكن كان لها تأثير هائل عليّ. كانت النيران من خلفي تعلو والدخان يزداد كثافة.
تستطيع كيلدا، بتقاربها الناري، التحكم بالنيران. بينما لا أستطيع أنا بتهارب الحمم البركانية. سيحترق المكان على أي حال، ولم يكن تاوك ليضبط نفسه. سمعت أجراس الإنذار تبدأ بالقرع. بلغنا مجموعة من السلالم الخشبية، فأضرمت النار فيها من خلفنا. صادفنا أول مقاومة عند قمة السلالم، فبصق تاوك حمماً بركانية وهز البناء بزلزال جرانيتي. لم أكن أدرك حتى أنه تعلم زلزال الجرانيت مني.
تراجع الحراس، وواصلنا إحراق المكان.
كانت أجراس الإنذار تقرع بلا توقف الآن، وتعالت صرخات "حريق!"
بينما تدافع الخدم والحراس هرباً أو محاولة لإخماد النيران. حظاً سعيداً في ذلك. خرجنا إلى فناء محاذٍ لسوار القصر، ولم يبدو أي حراس في الأفق. أخمّن أنهم كانوا يتدافعون لإخماد الحرائق ومعرفة ما يجري. ستفتقر تنظيماتهم إلى الكفاءة من دون الزعيم. كان الوقت ليلاً، لكنني لا أعلم حقاً عدد الليالي التي مضت منذ أُسرت. لم يتبطأ تاوك حتى وهو يتلوى صعوداً على الجدار. استطعت استشعار الاستخدامات الدقيقة لتلاعب الجرانيت التي كان يوظفها.
كانت عظامي قد التئمت الآن مجدداً، وشرعت في العمل على العضلات والأوتار. الكاحلان أكثر تعقيداً بكثير، لكن تجديد خلاياي بلغ مستوى الأستاذ الآن، مما جعل الأمر أيسر. أصبحت الصخور المنصهرة في مستوى متمرس أيضاً. اتجه تاوك نحو السوار الآخر، فجمعت عتادي، لكنه لم يتجاوزه. سار بمحاذاته لفترة، مسبباً ضجة بين حشد الاحتفال المتأخر بالليل. وصلنا إلى إحدى الآبار العامة، ووصلني انطباع بأن تاوك يريد مني النزول فيها.
هذه هي البقعة التي أصرّ أومريتي على قصدها، فتسلوت إلى الأسفل، وتقلّص حجم تاوك وعدنا لحالتي حيث أحمله أنا.