الفصل 33 - إنه يفكر في الأبد. يتأمل في بديهيات القوة العليا الأربع: الكل والأبد؛ الثمن والتبادل. أن تعرض الكل ثمناً يعني أن تعرض الخضوع. حين يمنح المرء الكل فلا ثمن يبقى ممكناً أخذه ولا مطلب يمكن رفضه. من أعطى الكل فقد تنازل عن حقوق السيادة لمن تلقى الكل. عاقبة هذا الثمن تختلف: قد يكون السيد كريماً مع خادمه أو قد يترك خادمه بلا شيء. قد يغدق السيد على خادمه عظيم اللطف أو قد يجرّع خادمه أشد القسوة وضاعة.
للسيد أن يكون ويفعل أشياء كثيرة غير أن الخادم لا يملك حق التأثير في سلوك من يعلوه أو رغباته؛ لا خيار أمام الخادم سوى قبول أي معاملة تنزل به فمن منح الكل قد تنازل حتى عن حقوق ذاته وحدها. من عرض الكل فهو عرضة للخطر. لا ينبغي منح الكل بخفة. إنه عادل. يحافظ على الإنصاف. لا يسئ استغلال كُلّيات ما تلقاه. لا يأخذ أكثر من الضروري ولا يأخذ أكثر مما هو عادل. غير أن الكثيرين استغلوا الكل وسيفعلون.
إنه يؤكد: لا ينبغي منح الكل بلا ثقة. ♢♢♢ أن تتبادل الكل بين كائنين فهو اتحاد. خضوع متبادل. رفقة. تبادل الكل هو أطهر أشكال الثقة والمساواة. بين كائنين يربطهما الكل لا يوجد ثمن فلا حاجة لأي ثمن حين يُمنح الكل متبادلاً. تُلبي المطالب بلا نقاش؛ ويُبطل الثمن. وهذا أيضاً يترك المرء عرضة للخطر فلا يمكن رفض أي مطلب حتى ينفصل كُلّاهما. هكذا لا يصبح تبادل الكل ممكناً إلا بين كائنين يتشاركان أقصى درجات الثقة.
تبادل الكل مصطلح نبيل غير أنه مصطلح يُنكث كثيراً جداً: مصطلح يُنكث حين يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه؛ مصطلح يُنكث حين يأخذ المرء ما لا يطيق الطرف الآخر فراقه؛ مصطلح يُنكث حين تضيع الثقة. فتنة مثل هذا المصطلح أقوى من أن تقاومها الغالبية. فتنة الأخذ بلا عطاء مقابل دمرت الكثيرين جداً. بأي سرعة يتجاهل المرء سلامة نصفه الآخر في سعيه خلف مصلحته الخاصة. بأي سرعة ينسى المرء أن نصفي هذا المصطلح هما نفس الشيء.
بأي ثقل يرى المرء صنع المصلحة العامة حين يستطيع أخذ كل ما يريده من نصفه الآخر. بأي صعوبة يجد المرء أن يكون سماوياً رغم المزايا الواضحة لرفع شأن نصفه الآخر وبالتالي ذاته. ♢♢♢ أما الأبد؟ المصطلحات التي تدوم للأبد نادراً ما توجد. وحين توجد، غالباً ما تتجاهل مثل هذه المصطلحات المعنى الحقيقي للأبد. لا يدرك البشر ثقل الأبد. ولو أدركوه لما عرضوا الأبد على الآخرين بمثل هذه السهولة.
إنه يرثي سهولة وعد البشر بما يستحيل. في أفضل الأحوال سيتداعى الأبد البشري مع الزمن. كثير من هذه الأبدات لا تحتمل حتى عناء عمر واحد. لكن حين يتعامل البشر مع كائنات القوة فإن ثمن الأبد هائل. الأبد أثقل من أي كلمة موجودة. ثمن الأبد يربط بصحف تفوق استيعاب البشر. وفي الوقت الذي تقبل فيه كائنات كثيرة من القوة ثمن الأبد فنادراً ما يقدم أحدهم الأبد. الخلود يجعل المرء يدرك أن الأبد ثمن أغلى من أن يُدفع في أي شيء.
هكذا فهو لا يستغل جهل البشر. لا يريد شيئاً ولن يأخذ أكثر مما يُستحق له. ولن يقبل الأبد ممّن لا يستطيعون فهم الأبد. إنه يكرر: ثمن الأبد يعود دائماً بخسارة على من يعرض الأبد. ثمن الأبد ثمن أغلى من أن يُدفع في أي شيء. الأبد أثقل كلمة في الوجود. ♢♢♢ لا يوجد سوى ثمن واحد يحمل عبئاً أعظم: الكل للأبد. الثمن الأسمى. ثمن يعادل العبودية الأبدية إن عُرض. لا حاجة لأن يسهب. الكل للأبد رجس.
لكن توجد جمالية خفيّة داخل البشاعة. إن كان تبادل الكل هو أطهر أشكال الرفقة فتبادل الكل للأبد هو أطهر أشكال السماوي. ذروة السماوي. الحلم العظيم. مصطلح جميل بقدر ما هو مؤسف. مصطلح حاوله الكثيرون. مصطلح جلب الخراب للكثيرين. الحلم العظيم له درب فريد؛ متطلب بسيط لكنه مستحيل: لتحقيق الحلم العظيم يجب على كلا الرفيقين ألا يريدا شيئاً للأبد من الآخر سوى المصلحة العامة. السماوي.
خلق شيء من لا شيء. لتحقيق الحلم العظيم يجب على الكائنين رفع نصفهما الآخر فوق ذاتيهما للأبد. يجب أن يصنعا المصلحة العامة للأبد. يجب أن يكونا سماويين للأبد. بهذه الطريقة وحدها يمكنهما بلوغ ذروة السماوي. أن ترتفع بلا نهاية عبر التراكم المتبادل للمصلحة العامة. أن تصوغ برجاً سماوياً بلا أساس سوى الثقة التي يضعها كل نصف في الآخر. أن تراهن بالكل للأبد على برج من المصلحة العامة يبدأ بالتداعى متى أراد أي نصف شيئاً من الآخر.
وأن تفعل كل هذا للأبد. هل مثل هذا الإنجاز ممكن؟ أن تملك الثبات والقناعة لرفع نصف الآخر فوق ذاتك للأبد؟ أن تكون متأكداً أن الحلم العظيم هو الدرب الوحيد للأمام؟ أن تكون مسؤولاً عن كليّة كائن آخر؟ أن تزرع السماوي في كل ما تفعله؟ وأن تثق أن نصفك الآخر سيفعل المثل؟ وأنه سيواصل فعل ذلك للأبد؟ هل مثل هذا الإنجاز ممكن؟ إنه لا يعلم. لقد وجد منذ أززلية الأزمنة لكنه لم يعش للأبد.
الأبد بلا نهاية. ولن يعلم أبداً إن كان الحلم العظيم ممكناً. إنه يتردد. البشرية إيمي، زوجته، تود تبادل الأبد. رغم قيود الجسد البشري فإبدية إيمي التي تعرضها هي أبد حقيقي، كلمة القوة. وهو يعلم أن إيمي تصدق فيما تقول فحين تتحدث إيمي عن الأبد تحمل كلمات إيمي ثقل الأبد. لذا فهو يتردد. إنه لا يرى كل الدروب لكن في كل الدروب التي راها ظلت إيمي هي إيمي. ظل إحساس إيمي بذاتها هو إيمي إلى الأبد حتى الآن وهو يتوقع أن تظل إيمي هي إيمي طالما بقيت إيمي حية.
لذا فهو يتردد. الأبد ليس مستحيلاً. القناعة مطلوبة للأبد. الثبات مطلوب للأبد. المسؤولية مطلوبة للأبد. الثقة مطلوبة للأبد. اليقين مطلوب للأبد. السماوي مطلوب للأبد. بتجسيد هذه الكلمات يصير الأبد ممكناً. علاقة إيمي به كانت تجسيداً لكلمات القوة هذه وأكثر. لذا فهو يتردد. لقد تبادل الكل مع إيمي. هو ملك لإيمي وإيمي ملك له طالما عاشت إيمي. مصطلح قصير المدة. جزء من رمشة عين. فترة تجريبية.
إنه غير قلق من أن تتردد إيمي أو يتردد هو في هذه الحياة. ولم تتردد إيمي أو يتردد هو في أي من الدروب التي رآها. لكن ما تطلبه إيمي منه هو تبادل الكل للأبد. ذروة السماوي. الحلم العظيم. لذا فهو يتردد. كم واحداً منذ فجر الزمن اعتقد أنه يستطيع إنجاز ذروة السماوي؟ كم واحداً منذ فجر الزمن حاول تحقيق الحلم العظيم؟ كم من هذه المحاولات منذ فجر الزمن استمرت عبر العصور؟ إنه يعرف إجابة كل هذه الأسئلة.
لذا فهو يتردد. الأبد ثقيل. الأبد يحمل ثقل عدم اليقين. الأبد يحمل ثقل المجهول. الأبد يحمل ثقل الزمن. الأبد يحمل ثقل المسؤولية. الأبد يحمل ثقل الثقة. الأبد يحمل ثقل السماوي. الأبد أثقل كلمة في الوجود. إنه يخاف، إذ لا يعلم إن كان يستطيع تحمل ثقل عدم اليقين والمجهول والزمن والمسؤولية والثقة والسماوي ناهيك عن ثقل الأبد. إنه يخاف، إذ لا يعلم إن كانت إيمي تستطيع تحمل الثقل أيضاً.
لقد رُفع بفضل المصلحة العامة لإيمي التي لا تريد منه شيئاً. وهو، الذي لا يريد شيئاً من إيمي، رفع إيمي بالمصلحة العامة. كلا النصفين كانا سماويين حتى الآن. لكن الأبد ثقيل. الأبد ليس شيئاً يمكن معرفته. الأبد ليس شيئاً يمكن الوعد به بيقين تام أو قناعة. المستقبل غير مؤكد. والأبد ليس كذلك. الكائنات تتغير مع تدفق الزمن. والأبد لا يتغير. الأبد هو الأبد. الأبد ظل الأبد منذ فجر الزمن.
والأبد سيظل الأبد حتى غسق الزمن. الأبد أمر مستحيل طلبه من أحدهم. والأبد أمر أشد استحالة تبادله مع أحدهم. وتبادل الكل للأبد يتفوق على ذلك بأضعاف مضاعفة. لكن... إنه يريد التجربة. لذا فهو يتردد. لا يريد شيئاً. يريد كل إيمي للأبد. مفارقة. أن تريد شيئاً من نصفك الآخر هو خرق للمتطلب الوحيد للحلم العظيم. لا بد أن توجد المصلحة العامة وحدها. لا بد ألا يوجد سوى السماوي. لا يمكن أن توجد رغبات.
لقد فشل قبل أن يبدأ. لذا فهو يخاف. لذا فهو يتردد.