الفصل الثامن والعشرون – إيمي توقف العالم بأسره حين فتحت ثيا ذلك الباب المزدوج. أيبدو هذا ابتذالاً شديداً؟ عاركوني إن شئتم. لأنني عرفت أنها ثيا قبل حتى أن يقع نظري على طيفها. على قفازيها المصنوعين من الساتان، أو بشرتها الشبيهة بالخزف. عرفت أنها هي لأن وقع ذلك المصد المعدني العتيق — الذي لطخه عرق كريه لملايين الأيدي المتوترة والمرتبكة واللزجة لطلاب الثانويات — قد صار فجأة ناقوس الفجر الأول.
ولأن صرير المفصلات الصدئة صار موكب الملائكة الاحتفالي — صار ذلك المنبه الذي نسيت أنك لست بحاجة إليه — ذلك الذي يمكنك إطفاؤه، بارتياح، قبل أن تذوب عائدًة إلى النعاس السماوي. لا يمكنني شرح الأمر. أعلم أنه مستحيل. لكنني عرفت أنها ثيا، لأن هذا هو ما كانت تفعله ثيا بكل شيء وبكل من حولها. كانت تجعل المألوف سماوياً. فمن يجرؤ على القول إنها لم تجعل العالم يتوقف أيضاً. ثم رأيت وجهها.
والآن أصبحت مؤمنة. عذراً. لم أستطع كبح نفسي. ثمرة دانية. لابد للفتاة أن تغطي على ذلك العجين من المعكرونة في دماغها بطريقة ما. وانظروا. ليس الأمر كأنني أستطيع تذكر أي شيء مما حدث بعد ذلك على أي حال. تلاشى كل شيء في لوثة من الكلمات والضحكات والهمسات.
وحين بلغ ضربة الفرشاة نهايتها — حين قالت ثيا «تابعي»
بأعذب صوت سمعته قط — حين خرجت أخيراً من الحلم الضبابي — كانت يد ثيا في يدي، بانتظار اللون التالي. وكان وركها ملتصقاً بوركي، بانتظار الحركة الأولى. وكانت عيناها مسمرتين في عينيّ، بانتظار إشارة البدء. وفي غياب الموسيقى — وفي غياب الكلمات — وفي غياب الصوت — وفي غياب كل شيء سوى كل منا للأخرى — رقصنا. رقصنا كأننا نرسم عوالم بأسرها لا بغير خطواتنا وأنفاسنا كدليل. رقصنا كأن ليس في تلك العوالم ما هو أهم من كوننا معاً.
تساقطت البتلات، السوداء والبيضاء، برفق على شفرات العشب. رقيقة جداً. دقيقة جداً. أبسط نسيم كفيل بانتزاعها من مقعدها المتوازن. لكن الطبيعة راقبت باحباس الأنفاس. تنهيدة. دفعة حنونة.
وعد مهموس: «إن تتبعيني، فلن تخافي أبداً».
رياح التغيير. هووينا من عرشنا الحذر، لكنها كانت هناك لتلتقطيني حين سقطت. مستشارة السيادة، وحدها لمستها كانت تحيل الكلمات البلهاء شعراً، والشعر ذهباً. عملنا ككيان واحد. ومعاً سقطنا. إحداهما في الأخرى. متلاحمتين. مصطفتين مع غاية كونية، ولا عيون لأي منا سوى للأخرى. انبثق الجمال من كل خطوة. وتحولت أخطاؤنا إلى مزخرفات، فاضحة وصحيحة. ولم يهدر العازف المبرز قطرة جهد واحدة تحت الأضواء المرقطة.
ومعلقة من الخيوط، راحت دميتها تنساب في رقصة رشيقة. لم تكن بحاجة للتفكير؛ لم يكن لديها وقت. عفوية! تغيير في الاتجاه. كان انعطاف الفنانة قادراً على التبدل في لمح البصر. تلميح خفيف بتصحيح دقيق. دعوة مهذبة لتكون شيئاً أكثر. أخذتني إلى هنا. سحبتها إلى هناك. تحولت خطواتي الخرقاء إلى أفعوانية. انزلقنا، التوينا. ترابطنا، تصادمنا. افترقنا، وعدنا فالتقينا. عبر قاعة الآليين انزلقنا.
في غشية، راقبت الحواشي بذهول. صارت القوة يقيناً. ضغط يتصاعد سريعاً. فهم يترعرع. وتيرة تتسارع: رابسوديا! نتسلق قمة جبل الخلق ونطل من الحافة على العاصفة التي تسبق الهدوء. ندور معاً، خفيفتين كالريشة، قفزنا من القمة وطرنا عبر السماء. درت في ذراعيها حين سقطت في ذراعي، ومعاً شهدنا ميلاد السماوي. ثم في النهاية حين قيل كل شيء وفعل. حين أخذ الجمال مداه ككل الأشياء. وقفنا وكل أطرافنا متلاحمة ككيان واحد.
واحتضنا نصفنا الآخر في حضن الحب. نظرت في عيني ثيا. تماماً كما نظرت هي في عينيّ. ولم يكن في العالم شيء آخر. لم يكن هناك سواهنا. لا شيء آخر. سواهنا. كان وجهي أحمر. أعلم. استطعت الإحساس به. لكن ثيا بدت هادئة كعادتيها. خرجت أنفاسي في لهاث. أعلم. استطعت سماعه. لكن أنفاس ثيا — أنفاسها الصغيرة المثالية، ثلاث ثوانٍ في الداخل، ثلاث ثوانٍ في الخارج — كانت منتظمة القياس كالمعتاد. لقد قستها يوماً، أتدرون؟
بالطبع فعلت. ومن لا يفعل؟ كانت ثلاث ثوانٍ بالتمام والكمال. لم تتبدل أنفاسها قط. لا حين تكون نائمة. ولا حين تكون مستيقظة. ثيا المثالية خاصتي. كانت عيناها زائغتين وتدمعان. أعلم. بالكاد استطیت الرؤية. لكن ثيا أمسكت بي في نظرتها حالكة السواد، ثابتة لا تتزعزع. تجذبني إلى الداخل ولا تدعني أبداً أنحرف صعوداً خارج الهاوية. ليس وكأنني أردت ذلك قط. لكنت بقيت إلى الأبد لو أمكنني. لكنها رمشت بعد ذلك.
تماماً كما تفعل دائماً، كل عشر ثوانٍ. بالتمام والكمال، بالطبع. إلا حين تفاجأ. فحينئذ كانت ترمش خارج الموعد وتعيد ضبط المؤقت. ثيا السخيفة خاصتي. كان لساني معقوداً. أعلم. كنت عاجزة عن الكلام. لكنني عرفت أنه حين أتكلم، ستستجيب ثيا. ستنتظر ثانية واحدة بعد أن أفرغ. بالتمام والكمال، بالطبع. إلا حين تكون مفكرة. فحينها كانت تنتظر ثلثاً إضافياً، أو ثلثين، أو ثانية كاملة قبل الرد، اعتماداً على مدى ما باغتها الأمر.
ثيا اللطيفة خاصتي. ثيا خاصتي... دقيقة للغاية لدرجة تفوق البشر. لكن هذا هو ما أحبه فيها. أحب كيف تتوقف عن التنفس حين تكون غارقة في التفكير في أمر ما. أحب كيف تعامل الجميع بإنصاف، حتى حين يمنحها القليلون فرصة. أحب كيف تعيش كل شيء في الحياة بعمق شديد، حتى رغم قولها إنها بلا مشاعر. أحب الفولاذ من الفضول والصبر والرحمة والحب والعدالة والغفران الذي يملأ كينونتها ذاتها. أحب كل شيء فيها.
ولكن عوضاً عن قول أي من ذلك، أقول بكل بساطة: «أحبك يا ثيا».
وبعد ثانية واحدة بالضبط: «إنه يقبل المقدمة. تابعي».
«يإي».
وبعد ثانية واحدة بالضبط، تقول كالمعتاد: «روح إيمي مسكنة على نحو سليم».
ولن أعرف ماذا أقول بعد ذلك. لكنني أعرف أنها تفهم كل ما أفكر فيه، وأكثر. لذا حتى حين أَعْجَزُ عن إيجاد الكلمات. حتى حين أتخبط. حتى حين لا أُحسِن فهم نفسي... أعرف أن ثيا تفهم. لأنها تقول ذلك. وأعرف أنها تعني ما تقول. لأن هذه هي طباع ثيا. ثياي المثالية، اللطيفة، السخيفة، الرائعة، الصادقة. الفتاة الأثمن عبر كل كون، في كل بعد، طوال كل الفضاء والزمان. حب حياتي. تلك التي كانت بالكامل، بالكامل، بالكامل، كلياً، ومطلقاً لا تُعَوَّض.
الشخص الذي كنت لأفعل أي شيء من أجله، وأمنحه كل شيء، طوال الأبدية. والآن، بقلب عذب ومفعم بالحب، يحق لي أن أُأمضي بقية الأمسية ورأسي على كتفها، ويدي في يدها، وأنا أهيم هيماناً من أعماق روحي.