شعرت دلتا بنشوة رضا حين رأَت غريم متجمّداً في ذهول صادم أمام مشهد أدغالها. انعدمت تماماً رؤية ما وراء الأشجار من المدخل الآن. اختلف الأمر كلياً عمّا بدأ به. صندوق فارغ تحول إلى أرض خضراء مزدهرة. مدّ غريم رقبته بينما ارتفعت الأشجار التي ألفت جدران طبيعية صلبة وعرة إلى الأعلى بعيداً. استنشق الهواء حين نثرت شجرة وين في الأعلى المانا الخضراء عليه برقة مع حركة خفيفة لأغصانها الشبيهة بالصافت.
— منعنع...
تمتم وهو يخطو خطوات مترددة إلى الأمام قبل أن يتوقف.
— سيكون عليّ تجاوز ذلك الأبله الشبيه بالخنزير في طريق الخروج...
تُف، كان يجدر بي شراء طارد للديون أو ربما طلب لفافة هروب من أبي فعلاً... لكنّه كان سيطالِب بالسبب وحتماً لا يمكنني القول إنني كنت ذاهباً إلى زنزانة، تنهد غريم بصوت عالٍ.
— ربما يجدر بك عدم ارتياد زنزانة وإثارة المشاكل؟
حسناً، قد يحاول غيرها قتلك بصراحة لكنني حاولت جاهدة حقاً جعل حياتك سهلة وسمحت لك بالانصراف، تذمّرت دلتا ممّا جعل الفتى يتوقف كأنه سمع شيئاً على حافة نطاق السمع.
— أدغال مخيفة، قال أخيره ورفعت دلتا حاجباً واحداً بوجه ظهره.
— أوه هلّا توضح كيف تكون أدغالي الرائعة مخيفة؟
إنها جميلة وخضراء، وتضم بشراً ضفادع ونحلاً! عدّدت بأصابعها لكنها توقط حين قطّب غريم جبينه نحو الأشجار.
— لا توجد طيور...
لم أعلم قط أن الأشجار يمكن أن تكون سيئة إلى هذا الحد من دون كائنات تعيش فيها، ارتجف وبدأ يسير في الممر النحيل الذي شقّ الشجيرات البرية المزهرة وبقع العشب التي نمت بقليل من الكثافة على الدرب. ملّت دلتا النظر إلى غريم ثم إلى أشجارها. أنصتت وتأكدت تماماً... لم يلقها سوى الصمت سوى هدير الماء المتساقط بعيداً.
— اللعنة...
نسيت إضافة أجواء إلى أدغالي، لعنت نفسها وهي تدوس بقدمها خلف غريم بينما حام لمحة خارقة من الخزي فوق رأسها. لم يفعل الفتى اللعين شيئاً سوى الإشارة إلى نقاط الضعف وإهانة زنزانتها أكان يملك الجرأة للشكوى منها؟ أبرقت دلتا غضباً. إلى أن يفقد غريم تلك الحقيبة، ستتحمله الفتاة. ولم يكن في جعبة الفتى ما يقدمه حقاً سوى المزيد من الضغط في هذه المرحلة.
* * *
أزحف غريت موشي مجساته الشائكة حول مساحته المغلقة بينما ومض صندوق مراراً وتكراراً في وجهه. مثلت المسألة شقين بالنسبة إلى وحش الفطريات. أولاً، اتسم الصندوق بسطوع بالغ وبالنسبة إلى الكائن الذي لم يعش سوى في أطکّن بقاع زنزانة الأم، بدأ هذا يؤذي عينيه. مع ذلك، وحين ومض الضوء انقطاعاً ووصلاً، كأنه يكشف غريت لجمهور خفي، وجد وحش المشروم نفسه مستمتاً بالضوء نوعاً ما. تمثلث المشكلة الثانية في حقيقة جهل غريت بالقراءة.
تأمل هذا للحظة قبل أن يغلق عينيه. لم يكن ذلك صحيحاً تماماً... استطاع غريت الاستماع إلى الموسيقى التي تنساب من الأم، نغمة تلو أخرى. ما كانت خربشات الكلمات هذه سوى نغمات الصوت؟ رمش غريت فاتحاً عينيه وأطلق فحيحاً بقهقهة. شدّ كيان الأم المتوهج من الصوت والفرح النابض. مثلت الموسيقى المفتاح. حرفاً بحرف، بدأ يطلق بصوت خفيض فحيحاً بالرسالة المكتوبة على الصندوق.
نقر غريت كرمة بفكر عاطل. مع وجود هذا العدد القليل من الضيوف... لم يملك غريت ما يفعله سوى الإصغاء إلى موسيقى الأم لقتل الوقت ومحاولة محاكاة الأصوات بنفسه. من كان يظن أنها ستؤتي أثمارها؟ الارتقاء... نعم... لقد اختبر ذلك من قبل. من صغار البصاق الصغير إلى حالته الراهنة. مثل هذا النمو... مثل هذا الإمكان. منحته الأم الأدوات لتحقيق هذا. كان قلبها المفتوح، الممتلئ عن آخره بهذه الموسيقى البهيجة، شيئاً جذبه بعناية.
شعر... بالخلع من أن يلحقه تلف إن صار طماعاً. غدت الفكرة عصية على الاحتمال، فقبض على كرمته ووخز لحمه توتراً من الفكرة. كان غريت أحد أبنائها الأوائل. شيئاً شعر حياله بزهو عظيم وبينما ربما لم... يكن محبوباً بقدر أخيه، مستر، حاول إبهار الأم بطريقته الخاصة. أحبت موسيقاه وهو ما جعل غريت يحبها أكثر في المقابل. لم يحب قط من قبل وراح الشعور يحكه كالحشرات داخل قلنسوته. محكك لكن...
غير مرفوض. شكلت هذه فرصته لجعل الأم أسعد وليرى غريت مدى ابتعاد الموسيقى به. إن اعترض أي أحمق طريقه والموسيقى التي أرسلها إلى الأم... فسيريه لِمَ عُدّ الأخ الأخطار بفارق شاسع.
— ن...
عَم، أطلق فحيحاً بجهد، مسيلاً اللعاب حامضاً مع الجهد.
أوجدت الكلمات، بعدما أنشدها، توقف غريت بقليل من القلق.
لم يكن ذلك ليطمئنه تماماً ولكن لم تكن له حيلة في التراجع الآن. تشدّد جسده حين تدفقت الطاقة في كل مسامّ جلده الإسفنجي. أطلق غريت هيساً مباغتاً حين بدأت أحشاؤه تلتوي. لم يكن التواءً يخصّه وحدَه بل شمل الممرّ بأسره. أطلق غريت هيساً محبَطاً وهو يشرع في النموّ، ممتداً ومرتفعاً أكثر فأكثر. انتفخ النفق الذي مثّل ملجأه من حوله كأنه مصنوع من ماء، دافعاً الفضاء بطرق غريبة بعثت موسيقى لم يسمع غريت بها من قبل.
كان جسده يتحرك مع اتساع النفق وازدياده عرضاً، فبرز شيء صلب الملمس من الأرض بينما سُحب جسده برفق ليستقرّ عليه. غري... لا، لم يعد غريت مجرد غريت. تنفس هيساً جشِئاً وعالياً بينما غاصت مجساته الشائكة السابقة في الأعماق. عميقاً فأعمق، ثم انبسط. بدأ المشروم-الذي-كان-يُعرف-سابقاً-باسم-غريت يطلق صرخات جعلت الجميع في الطابق يصمتون مذهولين ومفجوعين. ملأت ضحكات خرقاء مجنونة الزنزانة المسالمة.
تدفقت من كل جدار وكل أرضية لتملأ كل غرفة في الطابق الأول.
جاء صوت مخملي قوي متمطّط: "أوه يبييييه!".
وعندها لاحظ المشروم شيئاً آخر. شيئاً رائعاً.
"يا للهول، يا للهول! لم أكن أرى مغزى لكل هذه الجلبة والثرثرة من قبل، لكنني الآن جربت بنفسي... حسناً... ماذا يقول المشروم سوى هذا؟ أهلاً أيتها السيدات وغولاتي، هذا أنا نجمكم الجديد والمحسّن للطابق الأول. المايسترو! دعوني أعزف لكم مقدمة..."
قال ذلك وهو يعلم، بل ويقين تام، أنه يُسمع في أنحاء الطابق الأول كافة. بدأت يداه تنقران، وراحت الطبول الطبيعية المحيطة بجسده تدقدق.
ضحك المايسترو بابتسامة ماكرة: "أسمّي هذه المقطوعة الصغيرة... أهلاً بكم في الأدغال".
قطف برفق عدداً من الأوتار المتصلة بقلنسوته والتي كانت تربط السقف كحبال نجاة لتصدر أصواتاً شبيهة بالأوتار العازفة.
ضحك مسترسلاً: "لا داعي لتخبروني، أعلم تماماً أنها رائعة للغاية!"
وهو يترك لسانه، الذي كان كرمة شوكية، يلعق شفتيه. كان قلقاً من أن يفقد مظهره المخيف، لكن إن كان هناك ما حدث... فقد ازداد جمالاً فحسب! الجمال. مفهوم لم يخطر ببال المايسترو قط! موسيقى، جمال، أضواء، حركة! كان على المايسترو أن يمتلك ذلك كله! استدار وانطلقت النغمة التي ينبض بها نحو الطابق الثاني، حيث بلغت جذوره أخيره.
نادى بضحكة قوية: "آمل أنك تسمعينني يا أمّاه! ها قد أتى ابنك النجم ليصعد بشعبية زنزانتك إلى عنان السماء! بمحبتك، ويا لطافة السيدة، وبصوتي، لا أحد يستطيع إيقافنا!".
غذّى المايسترو العناكب بقليل إضافي من الموسيقى مستخدماً أحد مخارجه الصوتية الجديدة بينما بدا أنها تُبعث من جديد برغبة جامحة في الرقص. وكان المايسترو سعيداً جداً بتلبية الطلب. انطلقت صيحة الأمّ المُبتهجة من الأسفل مباشرة، فنظر المايسترو إلى أسفل مندهشاً من مدى ضخامته. ربما أضاف الزقورات الذي يستقرّ فوقه الآن في هذه الغرفة العملاقة بضع بوصات إلى هذه الحقيقة، لكن المايسترو نفض تلك الفكرة عن رأسه.
"آه يا أمّاه، تمالكي حماسكِ! جسدي الجديد ما زال يبرد!"
ثنّى يديه الجديدتين وعدّل رفّه الجديد حول رقبه. قطعة إكسسوار لحمية! كانت ساحرة للغاية وتلائم شكله الجميل. كانت الأمّ لا تزال تصرخ ابتهاجاً وهي تهرع الآن خارج الغرفة. أخفى المايسترو ابتسامة خجلة لتفاعل أمّه. كانت الأمّ ستخبر الجميع عن شكله الجديد. همهم ثم انطلق في الغناء بصوت عميق مرتعش. ---- كانت دلتا لا تزال تصرخ رعباً وهي تلوذ بالفرار عائدة إلى الطابق الثاني. كان الغناء يلاحقها كأنه ينبض من الأرض.
كانت تتبع غريم فحسب بينما كان يتيه في درب الأدغال حيث توقف ليأخذ استراحة طعام عندما لمحة إحدى المقاعد القليلة التي صنعتها دلتا. أخرج غريم السطام ومشروباً بعد أن تفقد المقعد بحثاً عن فخاخ وحيل، فتسمّر مكانه برفقة دلتا حين ظهرت الموسيقى والصوت. وجدت دلتا غريم في المكان ذاته الذي تركته فيه.
أنينت: "لماذا الأرانب والنحل هي المخلوقات اللطيفة الوحيدة التي أصنعها منذ البداية؟"
بينما كان منظر الشكل المُتطور لغري المكسوّ بالأعشاب يطاردها. المشروم الشيطاني جالس فوق شيء يشبه الهرم الحجري. كرمات سميكة طويلة تنتشر في كل مكان كرواق فضائي مسخ وتلوّث جدرانها بأعفان غريبة وتغني في الوقت ذاته! نظر إليها وبدا وكأنّه يبتسم. استقبلها فاك الموت وعينا الشيطان. أنياب... أيدٍ تشبه الرماح ونموّات تشبه الأورام تعمل كجوقة تحيط بجسده. أطنان من المشروم... الصغير...
الصارخ، وكلها تلتفت إليها بتناغم. ارتجفت بينما الأصوات الصاخبة لضربات الطبول مع النبضات المتراقصة تملأ الأدغال، مانحة إياها شعوراً ثقيلاً بالطاقة.
حدث غريم نفسه وهو يحزم أمتعته مستعداً للانطلاق مجدداً: "حسناً، هذا يغدو غريباً وكل ما حصلت عليه حتى الآن هو قطّ شبحي".
تذمرت منه دلتا بلا طائل: "وما ظنك بي؟ هذه زنزانتي..."
ركّز غريم وقطع غصناً قريباً ليبدأ بتعليق الدرب بأفضل ما يمكنه. لم تستطع دلتا الغضب من الفكرة لأنها كانت منشغلة جداً بتعرّضها لصدمة عمرها. لم يمضِ وقت طويل حتى وجد غريم النهر. تراجع غريم متقهقراً بمرارة عند رؤية التيار الهادئ. رمشت دلتا حين لم يخرج غريم فوراً مجفف أنهار سحرياً أو جسراً سحرياً.
نادى بصوت عالٍ وهو يخطو بحذر على مسافة معقولة من حافة النهر: "تبّاً... لا بدّ من جسد أو ما شابه... ربما أرجوحة كرمات؟".
كانت الطريقة التي يتحرك بها تذكّر دلتا بنفسها بالقرب من... حسناً، كل شيء. كان يتحرك ببطء كافٍ كي لا يندفع في هلع.
تمتمت دلتا بتنهيدة: "إنه لا يحسن السباحة...".
كانت تلك خسارة حقيقية، فقد كانت تأمل نوعاً ما أن يفقده المزيد من الأشياء لصالح مياه النهر. تحرك شيء ضخم قرب سطح الماء ولمحت دلتا ريل لفترة قصيرة قبل أن يغوص إلى قاع النهر حيث اندمج مع الطين في القاع بشكل مدهش. أومأت دلتا موافقة على حرص ريل. إن سقط غريم فسيُحفظ سالماً على الأقل. إن استمر الضفدع على هذا المنوال، فقد يفتح باب تطور خاص يمكنه إنقاذ الناس بشكل أفضل...
توقف دلتا عند صورة تحول ريل إلى أسطورة بحرية ضفدعية بثلاثة رؤوس ليؤدي عمله بشكل أفضل وتكتم نحيباً.
صلّت للظل المتحرك: "أرجوك فقط أن تنبت بعض... أجنحة ماء أو صفّارة...".
---- جذع شجرة. لم يكن هناك جسد أو معبر طوبي آمن أو حتى مساحة ضحلة للعبور. كشّر غريم عن أنيابه بصرخة غاضبة كادت تفلت منه. ماء... ماء! لم يكن غريم يطيق الماء بكميات تفوق ما تتطلبه شؤون النظافة. رمق بنظرات غاضبة لافتات ساخرة تعلن عن وجود نهر وتحذر من البلل. أيام المطر، معارك الماء، أيام السباحة في الصيف، فيضانات أي حادث سحر متعلق بالماء مثل فيضانات الجبن العظيمة قبل 4 سنوات شتوية خلت.
جعل الوجود المحض للماء طاقته الضعيفة بالأصل معدومة. لم تكن طاقة غريم تعمل مع الورق التالف! كان الممزق مقبولاً إن لم يكن ممزقاً أو خشناً للغاية، لكن الورق المبلل كان عديم النفْع بالنسبة له كأي شخص آخر... مثّل هذا النهر مشكلة واستعرض غريم ترسانته من الأدوات. كان بحوزته حبل عادي يمكنه محاولة ربطه بالشجرة عبر النهر لكنه لم يكن يدري البتة ما الذي قد يجذب انتباهه أيضاً أو يصيبه عن طريق الخطأ.
علاوة على ذلك، كانت ضربات الطبول المتلاحقة التي تردد صداها كالموسيقى تفقد عقله قدرته على التركيز وتشتته بسهولة. رأى بعض الكرمات التي بدا وكأنها ربطت يوماً ما بعقد غريبة لكنها تتأرجح بسهولة بين الأشجار ولم تكن شيئاً يثق به غريم في هذه اللحظة. لذا كان أمامه خياران. جذع الشجرة أو... تتبع النهر نحو المنبع والأمل في إيجاد مريب حول المشكلة. استدار غريم ومضى متجاهلاً الجذع تماماً.
لمح بعض النحل الأحمر يحوم حول بعض النباتات المزهرة وشعر بتحسن قليل. علامات الحياة أفضل من صمت الأدغال وضربات الطبول. تحرك بحذر حول النحلة لئلا يغضبها ويغضب خلاياها المخفية في مكان ما. فبعد كل شيء، المكان الآمن الوحيد من سرب نحل هو... تحت الماء. أسرع غريم بخطاه بينما ارتفعت الأرض قليلاً في الارتفاع وصوت هدير يتعالى فأصبح أعلى فأعلى. انتصب مفعماً بالحيوية حين رأى أرنباً بلون الدم يندفع مارة من طرف عينه.
قال بابتسامة عريضة بينما ذكرى أمه ترفع معنوياته بشدة في هذا المكان المقفر: "أرنب دموي! أمي تصنع أفضل حسناء بهذا حين تتمكن من الحصول على اللحم!".
توقف ثم قطّب جبينه غاضباً من تصرفاته.
وبّخ نفسه بقسوة: "أنت مغامر... تماسك وركز. ثانية واحدة من عدم الانتباه وستموت".
جاء صوت ناعم من ظل شجرة ضخمة: "نصيحة ممتازة. رغم أنها ليست مشكلة حالياً، إلا أن الوعي بالعالع أساسي".
استدار غريم ويداه تمتدان نحو السكين الذي فقده سلفاً لصالح ذلك المشروم عند المدخل، وصاح: "من هناك!؟"، متفرساً في الظلال ليرى شخصاً جالساً على جذر ضخم ظاهر لشجرة.
بدا الشخص مسترخياً وهو يتفرس في غريم. غطى الوجه قناع خشبي لتوحش محدق. كان الجسد مغطى بغالبيته بتونس وسروال داكنين وبسيطين. كشف الجلد المكشوف الذي استطاع غريم رؤيته أنه لا يتعامل مع أي مغامر زميل.
تأمل الشخص قائلة: "مراقِب. أنت تجتاز هذه الأدغال والأدغال تجتازك بالمقابل. خجول... لكنه ليس خائفاً. أرنب شجاع"، وشعر غريم بثقل حقيبته الظهرية.
كان عليه الوصول إلى شيء للدفاع عن نفسه.
أنكر حاداً: "لست أرنباً. أنا شخص، مغامر!".
فاكتفى الشخص بإمالة رأسه. استمر الصوت الناعم...
صوت أنثوي بالسؤال: "أوه؟ ماذا يبتغي مغامر هنا لا يبتغيه أرنب؟".
رمقها غريم بنظرة خاوية: "الثروات. أغراض سحرية، كتب، مكافآت، أتعلم؟ أشياء مفترض أن تحتوي عليها الزنزانات؟".
وشدّد على كلماته الأخيرة بنقد لاذع. وقفت المرأة... الكائن وثفزت بسهولة لتقف أمام غريم. تراجع للخلف لكن النهر تفجّر بفقاعات تحذيرية من ورائه. اكتفت المرأة بالاستدارة والسير باتجاه صوت الشلال.
تفكّرت بأدب: "الثروات... أما ظفرت بشيء منها؟"، فقطّب غريم جبينه بغضب.
"جُردت من سلاحي بواسطة مشروم، ووُثقت بواسطة عناكب، وطاردت فأرة حول غرفة، واكتشفت ممراً سرياً مليئاً بشيء ينفث الحمض، وطاردني خنزير بري، وأُطلق عليّ بالسهام، واضطررت للتحايل على زعيم، وتهت في هذه الأدغال، ولا يمكنني التقدم بسبب هذا النهر، والآن، لدي عجوز حكيمة ترتدي قناعاً تحاول إهدار وقتي!".
لوح بذراعيه بجنون قبل أن يتسمر مكانه. وجود امرأة هنا... يعني أنها جزء من الزنزانة... وهذا يعني أنها وحش... لقد نطق لتوّه بوقاحة في وجه وحش الطابق الثاني. جمّد غريم مكانه بينما استدارت المرأة نحوه.
دفعت برفق، بينما القناع الخشبي يخفي ما بدا أنه ابتسامة: "ألم يعلمك هذا أموراً قيمة؟".
فتح غريم فمه ليعترض ثم توقف. هوى الإناء وصاح غريموار بانتظار بينما حُشرت ميري.
"لا ترفضني... كأنك الأقوى".
"لا تعطني ظهرك! أنا غريموار بيکتوس وأتداك! أيها اللقيط المتغطرس!".
"أنا..."
ثم تلاشى كلامه ونظر إلى المرأة.
سأل مجدداً: "من أنتِ؟".
شبكت المرأة يديها أمامها: "أنا ديبينا. مقيمة في الغابة. مراقبة ودليلة قبل كل شيء".
تردد غريم قبل أن يتكلم: "غريموار بيكتوس... تائه نوعاً ما، إن لم يكن لسبب آخر"، واعترف وكأن الكلمات قطران، تأبى مغادرة فمه حتى أجبرها على الخروج.
دارت ديبينا عند زاوية من أجمة أشجار وتتبعها غريم ليرى الشلال بكل غضبه العالي.
بدت ديبينا مستمتعة مجدداً: "ما يُفقد يمكن إيجاده لكنك تجد حقاً أشياء ممتعة للغاية خارج الدرب الذي توقعته".
لمح غريم شيئاً غريباً على جانب بركة الماء الكبيرة عند قاعدة الشلال.
أشار بإصبعه: "أهذا... غول؟"، وتصلبت كتفا ديبينا قليلاً.
أجابت ببرود قاطعة: "مشاكس، تجاهله".
تجهم غريم بينما بدا الغول مهضوماً، ومبتلاً، وفاقداً للوعي، ومع ذلك كان لا يزال يلعن بحالته تلك. ارتجف الغول وبصقت عصاه السحرية بعض الشرر. كانت لافتة أخرى قريبة. احذر المياه الساقطة وبوب-نو.
أشارت ديبينا إلى بركة الماء الكبيرة: "كما ترى، لقد ارتفع منسوس الماء ولا يوجد طريق جاف للعبور عبر النهر، حتى هنا. للمتابعة، عليك مواجهة خوفك".
تشكك غريم بنظرة ضيقة: "لا أستطيع السباحة، مواجهة خوفي تعني الموت في هذه الحالة. علاوة على ذلك، النهر أضيق في الأسفل، فلماذا أعبر هنا؟".
التقطت ديبينا برفق ورقة شجر من سترتها وألقت بها على سطح الماء. لم تتحرك بالكاد لفترة قبل أن تنجرف برفق في النهاية إلى فتحة النهر وكلما اقتربت من الفتحة، اكتسبت سرعة ثم فُقدت سريعاً في مجرى النهر.
قالت ديبينا برفق: "التحدّي الأكثر وضوحاً ليس هو الأخطر دائماً. أنا مستعدة لربط حبلكم بالصخرة عبر البركة لتتمكنوا من استخدامه للسباحة عبره والتشبث به لكن هل أنت مستعد للسباحة بنفسك إن كان هذا ما تبغيه؟".
تجهم غريم عند الفكرة لكنه أشار إلى اللافتة.
سأل بغتة مما جعل ديبينا تُميل رأسها: "من بوب؟".
"مقيم لكن تلك مغامرة عليك خوضها ما لم ترغب في اتخاذ طريقك الخاص عودة فوق الجذع؟"، ونظرت مجدداً إلى أسفل نحو النهر وكأنها ترى الجذع.
فكر غريم بجنون.
حاول المساومة: "أيمكنني أن أطلب من هذا 'بوب' إن كان بإمكانه مساعدتي؟ ربما يعلم طريقاً آخر للعبور؟".
ظن غريم أنه رأى ظلاً يتحرك من النهر إلى البركة لكن كلمات ديبينا ملوكه: "قد يتمكن بوب من مساعدتك، لا يمكنني إنكار هذا. لكن لإيقاظ بوب، سأطلب أولاً مقابلاً للخدمة"، بدأت ديبينا بسلاسة فتجهم غريم.
سأل قلقاً بعض الشيء من التلميح: "أي نوع؟".
أومأت ديبينا نحو حقيبته الظهرية: "شيء لم تتلقه بالفعل في هذه الزنزانة، لا أطلب الكثير، أليس كذلك؟".
بدت ديبينا في غاية السرور والاستمتاع. شعر غريم بأن شيئاً ما كان خاطئاً لكن ديبينا كان بإمكانها نصب كمين له أو ما هو أسوأ، لذا كان عليه التساؤل عن الصفقة. نزع غريم حقيبته، ومبقياً عينيه على المرأة المقنعة، بدأ يبحث عن شيء ما.
سأل ببعض السخرية: "هل سيحتاج هذا البوب إلى مقابل أيضاً؟".
صدرت ضحكة قصيرة، تشبه طائر مغرد أو شيئاً بلحن مماثل: "لن يفعل بوب ذلك"، ووعدت فسحب غريم بعض العناصر التي كان واثقاً تماماً من أنه يستطيع التخلي عن دون عناء كبير.
"لدي بوصلة، وبعض كتيبات الإسعافات الأولية الأساسية وكتب أخرى، وقِدر وبعض أشياء إشعال النار، وفأس يد لقطع الأشياء الصغيرة... أم... بلورة ماء للزمزمية-"
كان سيكاستمر لكن ديبينا رفعت يدها. بدت وكأنها توقفت كأنها تنصت لشيء ما.
"بلورة الماء، اشرح غرضها، من فضلك".
نظر إليها، وبدا شكلها غريباً بعض الشيء في المنطقة المكشوفة وكأن الأشجار نفسها أعارت جزءاً من زيّها.
عرض بصدق: "يمكنني إسقاطها في بعض المياه المتسخة الأساسية لتنقيتها للشرب بسرعة أو يمكنني توجيه بعض المانا إليها لصنع مصدر للماء... لها استخدامات أخرى لكن ذلك يعتمد على مهاراتك وما تحاول استخدامه لأجله. بلورتي ليست عالية الجودة أو كبيرة لذا فهي لا تفعل الكثير أو تدوم طويلاً".
كانت ديبينا... مهدئة. كان أمراً غريباً بشكل عجيب ومع ذلك استمتع غريم بالتحدث إلى وجه ودود لن يغرس سهماً في وجهه.
طلبت: "سأخذ البلورة مقابل الأجر"، ورمى غريم الحجر الأزرق الصافس الذي اتخذ شكلاً يشبه قليلاً قطعة مرجان نحو ديبينا.
كان شيئاً متيناً لذا لم يتدحرج إلا حتى التقطته ديبينا بين إصبعين كبيرين مكففين.
"قُبل الأجر وسأفي الآن بجانب من الوعد"، وضعت البلورة في جيبها واستدارت نحو البركة، ممسدة الماء.
تغنت: "بوب... يمكنك الظهور الآن"، واقترب غريم قليلاً، فضولياً بشأن المخلوق الخفي.
لمح غولاً آخراً يظهر من خلف الشلال، يرتدي بعض ملابس الفرو ويجرّ هراوة ببطء. كان غريم على وشك أن يسأل من يكون ذلك الغول قبل أن تفور البركة بجنون. تراجع غريم بينما ارتفع الماء في عمود ضخم قبل أن ينكمش الماء كاشفاً عن كائن دودي جهنمي وهو يطلق صرخات في الهواء، غامرًا الشلال بسهولة. كان غريم مثبتاً في مكانه بينما جعله خوف بدائي يسكن تماماً لدى رؤية مفترس متفوق. كان أرنباً وكان على وشك أن يصبح حساء هذه الدودة، هكذا كان الأمر فحسب.
خسارة حقيقية حقاً.
نادت ديبينا: "يا بوب، كن ظريفاً واحمل الضيف عبر النهر"، فصرخت الدودة والتوت.
جسدها يتألق بلمعان قوس قزح. استدار 'بوب' ليواجه غريم ولم تكن له عيون. انحنى وشرع غريم في الصراخ، ضجيجاً حاداً فصرخ بوب ردّاً. كان الوحش فوقه واندفع سرطانان أحمران صغيران من رأس بوب ليقبضا على عروة حقيبة ظهر غريم ويزجا بها في فم بوب. كانت الكلابات تتلوى كالسكاكين. استمر غريم بالصراخ ثم رُفعت وغادرت الأرض سريعاً. لمست قدماه الأرض الصلبة بعد لحظة لكن غريم استمر في الصراخ، مطهماً في الفراغ بينما تتكر مراراً وتكراراً صورة الفك.
كانت ديبينا بجانبه بعد لحظة ومخلوق آخر، رجل ضفدع أقصر لكنه عضلي للغاية.
قال رجل الضفدع: "أنت تتحدث البوبية بشكل جيد للغاية. إنه يثني على قواعد نحوك"، وهزّت ديبينا كتفه برفق لكن غريم انطلق جاداً فحسب، وأصبح صوتاعه أجشّاً بينما كان لا يزال يصرخ وهو يندفع إلى الأدغال.
--- نظر ريل إلى ديبينا بتعبير حائر بينما ضحك الأم يملأ المكان بقهقهات عالية.
سأل ديبينا، وبدا توتره حيال الضفدع الآخر أقل حدة بقليل الآن بعد مرور بعض الوقت لكنه لم يكن متأكداً كيف يتحدث معها حقاً عندما بدت وكأنها تفادي نظرها: "لماذا لم يستخدم الجذع فحسب؟".
نزعت ديبينا قناعها وطبطبت برفق على رقبتها حيث تسللت المياه. مسحت البلل ببطء على كتفها بإصبع واحد. أجابت بصوت غريب.
ثقيل قليلاً كأنها تحاول تنظيف حلقها: "بدا أنه أراد اتخاذ الطريق الأسهل. أعتقد أنه سيتعلم أن بعض المخاطر تستحق العناء الآن".
طبطب ريل ظهرها بسهولة: "صوتك أجش... أكثر من المعتاد بالنسبة لجنسنا. يجب عليك الراحة والاستمتاع بهذه الموسيقى الجديدة! أتسال كيف جعلت الأم ذلك يحدث..."، فسدّت ديبينا القناع مجدداً بقوة على وجهها.
انطلقت ديبينا بزمجرة صارخة: "نعم، حسناً. أنا سعيدة لأن هذا ما تركز عليه! الموسيقى وكم يبدو صوتي فظيعاً!".
رمشت ريل وراقبها وهي تختفي.
ترنم بوب فأومأ ريل: "جنس الإناث غريب. لا أفهم ما الخطب معهن. سأسأل الأم قريباً!"، أشرق وجهه ثم تنهد.
تمتم: "كنت أريد إنقاذ الصارخ"، وجذب بوب صخرة عملاقة قريبة بفمه.
انتعش ريل: "نعم! دعنا نتمرن مع الصخرة، إنه تمرين جيد!"
وافق بينما بدأ بوب يسحب الصخرة تحت الماء وحاول ريل إنقاذها. بالقرب من هناك، ارتعش كويز وبدأ السرطانان الأحمران بقرص أنفه حين لعن حتى بدت عصا الغول السحرية تتسرب جزراً محترقة. تلاشت بعد لحظة لكن السرطانان فعلا ذلك مجدداً وأصدرت العصا صوتاً غريباً وهي تطير بعيداً في الأفق. رقصا ضاحكين وهما ينطلقان للعثور على شيء آخر يفعلاه. توقفا وتتبعا صوتاً. صوت غريم وهو لا يزال يصرخ.