اومأ هالدي لفتيات الخبز الجديدة حين رتبت تشكيلة جميلة من الخبز والمعجنات والحلويات الشهية في واجهة العرض خاصتها. ابتادت مقابله فشعر هالدي بوخزة خفيفة من السعادة. شخص لا يبدو وكأنّه يفضّل ألا يكون هنا حين يراه. واثق هو من أنَّ ذلك سيتغيّر قريباً إن بقت المسكينة الفكيّة تمكث في دورينس. رفع الصندوق بين ذراعيه أعلى قليلاً وهو يتجه صوب منزله. لم يقصد هالدي قط أن يجعل الناس على خلاف تامّ معه.
استطاعت ميلا أن تتحمله، وكذلك بيك ولكن لأنّهما كبرا معه. وشاهدا... أطواره تتطور لتصل إلى الحال التي هو عليها الآن. سار كويز من خلف الزاوية وتوقف في منتصف خطوته. تظاهر هالدي بأنّه لم يلحظ الفتى الصغير، داهماً حارس السلام بالانسحاب وملامح الراحة ترتسم على وجهه. أخفى هالدي تنهيدة وهو يدفع بابه فاتحاً. متى ساء الأمور إلى هذا الحدّ؟ لقد كان ثرثاراً على الدوام لكنّه لم يتطور في السنوات القليلة الماضية إلا ليصبح دماراً تاماً لحياته الاجتماعية.
"بإمكاني سرد عشرات وصفات الأجبان المنسية من العالم التي يمكنها قتل تنين أو شفاء الأمراض غير أنّني عجزت عن إبقاء فمي مغلقاً بما يكفي لأصنع صديقاً بعد الآن. أهذه دورينس، ماذا كنت لتقولي لي الآن؟"
نظر إلى أسفل كأنَّ صديقه القديم سيدفع بابه في أي لحظة ويضحك لمشكلات الحياة قبل أن يورطهما معاً.
"هال! هيا، كون المرء عنصرياً أمر ممل... ها قد دفعت نصف راتب عامي مقابل هذه المخطوطة القديمة للسحر، ويقال إنها تتيح لك التحكم بأقوى قوة!"
كان دورينس أبله المجموعة وقلبها. الفراغ الذي خلفه موت دورينس جعل هالدي ينظر إلى البلدة النامية بشعور متنامٍ من الفخر وتلميح من الندم.
"أقوى قوة حقاً"، وضع هالدي الصندوق الذي أخرجه من حيث دفن قرب وسط البلدة.
تسللت روائح مختلفة واستنشقها هالدي. بعض المحتويات كانت جاهزة، وأخرى كانت لا تزال بحاجة للوقت... الجبن. الكلمة التي غيرت حياة هالدي. بدأت بمخطوطة حول التحكم بالجبن. أنفق دورينس كل ماله لشرائها من أحد النصابين في ذلك الوقت.
"السحور القوية"
كانت لا تزال سلعة رائجة لغير الحذرين وعرف هالدي أكثر من كافٍ من الفئات الغريبة التي صُنعت بسبب رنين بعض القطع النقدية. أنفق دورينس مالاً كثيراً لدرجة أنّه لم... لم يتمكن من تحمل تكلفة درع أفضل لنفسه. انتفض هالدي وأغلق الصندوق. نقر بيده فاشتعلت شموع الجبن حول الغرفة. ملأت رائحة الجبن العادي إلى حدّ ما المكان وتحرك هالدي إلى مؤخرة الغرفة ليسحب الزجاجات من الخزائن والرفوف.
دورينس، البلدة، أصبحت نابضة بالحياة مؤخراً بسبب ذلك الزانوت الجديد القريب. ثم ارتفع المانا إلى مستوى المانا القياسي 1. لقد فاجأ الأمر هالدي، فقد تجنب اجتماعات المجلس واجتماعات البلدة إذ كان الناس يحدقون به برهبة كلما همّ بالكلام، لذا فاتته الكثير من الأخبار. كانت دورينس خاوية المانا لفترة طويلة، وبالكاد تحيا بما يُعرض. ومع ذلك، جعل المانا تفكيره أسرع، وكلامه أسرع!
تساءل هالدي عما إذا كان سيتحدث حقاً أسرع من نمو الطحلب على حجر. السحر كان مشكلة من هذا النوع. اختار العديد من السحرة والعرافين وغيرهم من الأهل السحريين المتوسّطين سحرهم بعناية إذ إن فتح أنفسهم لسحر معين يبدأ بتغييرهم في المقابل. الجبن، على سبيل المثال في عقل هالدي، بدا وكأنه يتسبب في تشكل أفكار صلبة وناضجة للغاية، ولكن إذا أصبح المانا في المنطقة شحيحاً أو حتى فارغاً، فإن عقل الساحر سيصبح بطيئاً، مليئاً بالثقوب، وله عادة التحدث كحليب متعفن.
غير مرغوب ومتكتل. كان المانا مهماً للساحر، حتى المانا المحيط، لذا فعل الزانوت ذلك مرة أخرى وأصبح المانا بالمرتبة 2! استيقظ هالدي واغتسل، وارتدى ملابس جديدة، وكان بالخارج قبل أن ينصف النهار. كان الأمر رائعاً! استطاع هالدي أيضاً أن يشعر بتحركات السحر تملأ تلك الثقوب السويسرية الفارغة مسبقاً في عقله. آه، الأشياء التي نسيها... الألم الذي انزلق بعيداً عنه.
"هال! هيا! لا أظنك فاشلاً، أنت رائع للغاية بحيث لا تكون أقل من ذلك لأنك صديقي!"
الفجوة التي تركها تتسرب بعيداً. ضرب بيده فقفزت مجموعة من الأشياء واهتزت.
"لقد قطعت وعداً!"
نبح بغضب على نفسه، واستدار ليباشر العمل. دفع هالدي القدر الحديدي فوق الموقد وبدأ يسكب الأشياء في الوعاء.
"رشة من جبن بري أذن قزم، ورائحة معتقة من قشرة محاطة بالديدان. جوهر عشبي من حليب درياد، وقطعة من لانكر بلو..."
حرّك هالدي يده فوق القدر المغلي بينما كانت المكونات تغلي بغضب. توهجت يده اليسرى بهالة صفراء داكنة. المانا المتحول عبر روحه. لا يمكن للمرء ببساطة أن يكون ساحر أرض ثم يصبح ساحر جبن في وقت قصير. خطر آخر محتمل للسحر والتفاني. أصبح جسد هالدي، وعقله، وكيانه متناغماً مع فكرة الجبن ذاتها. لقد تدرب، والتهم، ونام على، وسرق، وشوه، وضحى بالكثير من الجبن لدرجة أنه أصبح هو نفسه يشبه الجبن قليلاً في الداخل.
المانا المتدفق عبره، سواء كان هواءً أو ناراً أو غير ذلك، أصبح مصاباً بالجبن. المانا المثالي لعمل سحره. لن يحقق أي مانا آخر النتائج ذاتها التي يحققها المانا الجبني. لقد فعل هالدي أموراً عظيمة... فظيعة... بالجبن. بعض الأشياء فعلها فضولاً، وبعضها فعلها غضباً... وكلها فعلها في سبيل الوعد لدورينس. لقد أركع اللوردات المتغطرسين، وأحال الملكات الظلمات إلى التقاعد، تفوح منهن رائحة الجبن حتى نهاية أزمانهن.
لقد بث الحياة في هذا العالم بإرادته والجبن فحسب. كان هالدي أحمق ومفعماً بالغضب. وفي إيفائه بذلك الوعد، تخلى عن وعد آخر. بقتا ميلا وبيك كما احتجتا لذلك، ولم يفعل هالدي. انطلق في رحلة. غلا الجبن أسفل في القدر ومدّ مخلب من الجبن البدائي. نقره هالدي فانهار عائداً إلى مرق الجبن. لقد خاض رحلة مرت عبر كل نقابة، وكل لورد ملكي، وكل حارس ملكي متعجرف... إلى أن وقف أمام الملك بنفسه.
تذكر هالدي الخوف في تلك الغرفة حين كان الملك، بسيف مكسور وتاج مائل، على ركبتيه. ما زال يتذكر الخوف... والأسئلة.
"لماذا تفعل هذا؟"
سأل الملك الأصغر هالدي. لم يستطع هالدي إلا أن يتذكر شعوره بالتعب الشديد وهو يرد، ولم يبقه واقفاً أمام الملك القوي والمهزوم سوى الحزن والغضب.
"لأنّه كان يملك أملاً بأن تأتي ولم تفعل. رأيت ذلك الأمل يموت وأنا هنا لأتأكد من أنك لن تنسى ذلك الخطأ أبداً."
ثخن الجبن وفتح هالدي نافذة ليهرب البخار. أواني العفن الخاصة به لم تكن بحاجة لإطعام مفرط. رفع القدر ووضعه على الطاولة وبدأ يغرف كمية مناسبة في دائرة صغيرة.
"اصعد يا حليب الخضوض، وانزل يا محلول ملحي، ودع كلماتي تُسمع. أجعل منك إرادتي، امنح شكلاً لطائر!"
أمر فغلا الجبن وانتفخ معاً. كان العصفور الصغير عادياً جداً، وبدا منقاره مترهلاً قليلاً إذ لم يتصلب الجبن بالشكل الصحيح تماماً.
"همم... يحتاج إلى مزيد من مصل اللبن لكنه سيفي بالغرض الآن. عصفور نابض، سلم هذه الرسالة. لا منعطفات، لا سرقة حليب، ولا وليمة نفهة من الخبز..."
مسح هالدي على وجهه المنحوت إذ بدا وكأن جلده يفقد ملمسه الورقي الذي اكتسبه بعد التوجيه. لن يعود شاباً أبداً ولكن هالدي بدأ للتو يتذكر بالضبط مدى جعل المانا الجبني جلده يبدو أقل بشرية. لم يكن الأمر بالنتيجة ذاتها أبداً وفي إحدى المرات كان لديه حراشف جبنية منتفخة بعض الشيء لبعض الوقت. انطلق الطائر وحام قرب فم هالدي كأنه يسمع سراّ ما. ابتسم هالدي للسحر المطيع.
"إلى رئيس النقابة أوثور، آمنى أن تجدك هذه الرسالة بصحة جيدة. أجد نفسي بحاجة لخدماتك. ستأتي إليّ، أنت تعرف مكان تواجدك. أحضر كل شيء. كالعادة، الرجل الذي كان يمكنه تركك تموت - هالدي."
ليست أفضل تهديدات هالدي لكنها ستفي بالغرض بالنسبة لأوثر. انتعش الطائر وركز هالدي، طابعاً صورة أوثور، صدىً طفيفاً... لمانا الرجل. سيكون ذلك كافياً لجعل الطائر يبدأ.
"لا تطر عالياً، لئلا تذوب في الكبرياء"، تمتم هالدي بينما طار الطائر خارج النافذة.
نظر إلى الخارج ورأى فتاة الخبز التائهة تحاول العثور على مكان ما. ابتسم شبح دورينس له من ذكرى بعيدة المدى.
"لا تكن خجولاً، يا هال. يحبك الناس إن تحدثت عن أي شيء سوى الجبن لدقيقتين، اسألها فقط..."
تلاشى الصوت وأغمض هالدي عينيه. ترتجف يداه ورمش طارداً وميض دموع.
"دور، أتمنى لو كنت تشاهد"، قال وخطوخ خارج الباب.
لقد ولت منذ زمن شغفه الشبابي، وكل ما يملكه هو أذن متعاطفة للإعارة وجبنه.
"أهوي! تبدين تائهة"، نادى ونجح في التحدث دون انقضاء الكثير من الوقت.
استدارت فتاة الخبز وابتسمت.
"السيد هالدي! نعم، كنت أبحث عن مكان أحفظ فيه أرباحي، الخزنة تزداد امتلاءً، ولست متأكدة إلى أين أذهب!"
ضحكت بتوتر ومد هالدي ذراعه.
"سيدتي، يشرفني أن أرافقك إلى البنك. السيد فون ثعلب ذكي، دعيني أتأكد من حصولك على أفضل خدمة ممكنة"، ابتسم وقهقهت الفتاة، مدخلة ذراعها في ذراعه.
غير ضار، تراه شيخاً مهذباً. واثق هالدي من أنها لم تربط بعد بين السيد العجوز هالدي وهالدي الساحر الأشرس، الخارج عن القانون والمطلوب حياً أو ميتاً، ويحبذ ميتاً، في معظم فيلوران. ترك هالدي هذه البراءة تدوم لفترة أطول قليلاً. شعر بنفسه يصعد مجدداً إلى الامتلاء. تدفق المانا من الزانوت وتدفق الكثير منه مباشرة إلى الأرض حيث يؤدي غرضه. لقد حافظ هو، ميلا، بيك، وبالطبع دورينس، على غنى الأرض بالمانا لفترة طويلة.
كان من الجميل الحصول على مساعدة من ذلك الزانوت. تساءل هالدي عما إذا كانت ميلا قد حذرته مما قد يده؟ سيفعل ذلك قريبًا لو لم يكن فقط لأنه يعرف ما سيظنه دورينس بطبيعة ميلا، وتفكير بيك المنطقي غير المنطقي، وجنون... هالدي.
مدين هالدي لهذه "دلتا"
ببعض لطف دورينس. ليس هذه البلدة الصاخبة بل بطل الأرض. لقب نحته هالدي في أهم الأماكن حتى لا يتجاهله أحد أو ينساه أبداً. دورينس القديس، دورينس العظيم، دورينس... أفضل صديق لهالدي. يا للهول، كم اشتاقه هالدي. عرضت عليه الفتاة شطيرة. كان عليها جبن. قهقه هالدي وروى نكتة جيدة إلى حد ما عن الجبن، فقطع على نفسه فور رؤيته أنه انحدر إلى سرد حقائق فرعية. بدت الفتاة مرتاحة وبدأت تنتعش مجدداً، تدردش معه حول مدى هدوء دورينس وسلامه.
سمح هالدي لابتسامة بالظهور إذ لم تهرب.
"علمت أنك تستطيع فعلها! أصدقائي رابحون دائماً!"
مشيا معاً متجاوزين قطعة الزينة الوسطية للبلدة التي تنمو البلدة بأكملها انطلاقاً منها. صخرة مستديرة كبيرة نُحت عليها اسم واحد ونمط مختلف من القطوع أسفلها. دورينس أبله وبطل. أنا آسف جداً. لقد أبليت بلاءً حسناً. استرح الآن. لن أنساك أبداً.