لم يشهد ليان محاكمة بهذا القدر من الأبهة قط. جلس في وسط جمع غريب الأطوار. إلى يمينه ما بدا أنه فارس ملكيّ وفتاة مراهقة تعلو محياها كبرياء تفاحة فجة، وقد ارتدت ألواناً من البني والأحمر ورموزاً للّعب النظيف. وإلى يساره، كاهنة الحقيقة ورئيس النقابة المحلّي، وهو مراهق آخر، ورجل حسن المظهر تفوح منه رائحة الصلصال. وجدْت القديسة ذات الملامح الحيادية جالسة على مقربة منهم في ركن منفصل.
في آخر مرة وُجد فيها ليان في مثل هذا الموضع النافذ، ساعد قرية أهله في الحكم على أفضل كعكة فاكهة لتُعرض.
دار نقاش طويل وعسير حول كعكة "النخالة وقشور البرتقال"، وفطيرة "شرائح التفاح والقمح".
بلغ التشويق ذروته، وتخطّاها كلياً، حين أخرج أحد الخبازين كرزات تزيينية لكعكته.
كان وقتاً طيّباً ولم يمضِ وقت طويل بعده حتى ذهب ليان ليسجل اسمه لفرصة عمل ككاتب ملفات في العاصمة، في قسم حِدوَة الحصان إن ذاكرته لم تخنه، لكنه تشتت وسجّل ليان ليصبح مغامراً بدلاً من ذلك، ولم يرد إحداث جلبة بطلب استمارة تغيير وظيفة يستغرق إنجازها ثلاثة أيام عمل.
تبين أنه بارع حقاً في لغة السيف والقتل، وقادر على إنجاز المهام باتباع الطلبات في وقتها وتجاهل ما بدا أن الآخرين مهووسون بملاحقته، كأشخاص عشوائيين يخرجون من الأزقة المظلمة صارخين بألا يتبعوهم لأنهم ملعونون.
أنصت ليان ومضى في طريقه.
في مرة أخرى، حين ظهر صندوق كنز ملعون لمجموعته، استخدم ليان عصا ودفع الغرض برمته نحو النهر لأن اللعنات تتطلب بعض الأعمال الورقية لتتم معالجتها رسمياً.
حتى إن ليان قبل مهمة تبيّن أن العميل كذب بشأن صعوبتها لأنه كان هارباً وترك ثروته الطائلة وراءه لعمّ شرير، فأعاد ليان للعميلة رسوم مهمتها وقاد مجموعته عائداً إلى بيته، تاركاً الجنية الجميلة الحائرة وحدها على الطريق. تمنى ليان أن تكون بخير.
المشكلة أن مجموعته كانت مُصرة على الضغط على كل زر في كل أطلال أو كهف. أرادوا معرفة ما سيحدث إذا وضعوا جمجمة اللاتش الملعونة داخل بدلة الدّرع الملعونة. أسرهم فكرة استيقاظ شر يعود لألف عام بينما هم صدفة جوار المكان.
كانت ميراندا، صانعة الأسلحة، مصممة على إطلاق النار على كل شيء مرة واحدة لإثبات أن الرصاص هو السحر المطلق.
أراد هاوي، مستحضر الأرواح المسترخٍ لديهم، العثور على عظام قديمة ومنحها بيوتاً جديدة إذا كان بيتها القديم مبعثراً.
ذات مرة تبعته سرب كامل من طيور منقرضة قبل أن يجد لها مكاناً جديداً «لتستريح»
فيه وسط زهور البتونيا الخاصة بأحدهم.
أما آرتشي، الرامي، فكان... حسنًا، كان آلة متنقلة لإنتاج الأعمال الورقية وجمع الغرامات.
ودائماً ما كانت تحدث "مشكلة"
عندما تنفجر بثور قزم تيم حين يرتبك.
أحبهم ليان، لكنه كان يبكي ليلاً حين يحسب حسابات المجموعة، مع قائمة تسوق الخيمياء الخاصة بأيرول الملصقة بكيس النقود كتحذير مشؤوم.
"إذن... كيف يفترض بهذا أن يعمل؟"
سأل ليان بإشراق فنظر إليه الآخرون بينما تناثر سائل مألوف وتلوى عبر الساحة، بينما استقر خلف مكتب نور دوراني تجريدي وجميل وصوت مرافق.
بدا الكيان المعروف باسم ديلتا كامرأة، لكن أي جزء منها لم يكن ساكناً قط، ولا خالياً من الطاقة قط، مما جعل تحديد طبيعتها بدقة أمراً عسيراً.
قالت الفتاة المسماة تو من بفظاظة وهي تنقر بأصابعها: "نستمع إلى المهزلة، ونضحك، ونشجب الزنزانة".
أجاب غريم بجرعة تذمر: "لا أظن أن بمقدورك الضحكة، إنه شعور بشريّ أكثر من اللازم".
أوجز وولوم موجهاً نظرة متوقعة نحوهم جميعاً: "نستمع إلى الحقائق المقدَّمة له ضد إمكانية ديلتا كوجود جديد ونحكم معاً بلا تحيزات من أجل مستقبلها. يتناوب الجانبَان على تناول مسألة مطروحة، مما يتيح لنا تكوين الآراء والخيارات بينما ننصت".
سألت ديلتا ورمش ليان إذ كان صوتها مزيجاً من البيت، وفجر آتٍ، وطاقة متوترة تشبه الشك في إغلاق الباب أو ترك الفرن مشتعلاً: "ما هو البرهان؟".
بدا الأمر وكأنّ الشيء-الملك-الزنزانة يخاطب أرواحهم.
عرض وولوم: "شك معقول في أنه على المدى الطويل، ترككِ على حالكِ لن يؤذي الآخرين. الحكم بناءً على الأفعال السابقة، والخطط الحالية، والتوقعات المستقبلية. لكي أكون صادقاً، وأنا متأكد أن الكثيرين سيرضيهم هذا، إن استطعتِ فقط إثبات أنكِ تحت ميثاق الملك للأخت، سننهي الأمر هنا"، فانكمشت ديلتا على نفسها نوعاً ما، وتمتمت بصوت عالٍ حول "الأخت"
و"الاستثناء اللعين".
عرضت ديلتا وهي تستقيم في جلستها: "ماذا لو أحضرتُ الأخت- هممم- الأخت إلى هنا لكي تتجسد وتشرح الأمور؟".
انتفض الجميع ألماً وتهمهمت ياتينا، الجالسة إلى جانب ديلتا، مصفيةً حنجرتها.
شرحت ياتينا مما جعل ديلتا تبدو حائرة، ومصدومة، ثم مدركة بندم: "قد تكون الأخت والأخ هما الملوك، لكن الناس تفاعلوا معهما بشكل سيء دائماً وما زالوا. ترانا نواتهما أعداءً، وكلماتهما تتركنا بأقل قدر من الثقة، وأفعالهما جرت دائماً ضرراً أكثر من النفع".
بدأت ديلتا ببطء: "لم يكن الأمر بهذه السوء-"
قال المدير ريبدوي ببرود: "أطلق الأخ الوحوش علينا لأجيال عديدة، وعندما تمكن أحدنا أخيراً من التواصل معه، قال لنا: "أوه، ألا يعجبكم؟
يا للخسارة، أنا أستمتع تماماً" وأغلق الباب في وجوههم".
قالت ديلتا وهي تدافع عن الأخ الذي لم يكن لليان أي آراء قوية تجاهه: "أنتم جميعا تعيشون عليه. تنقبون جسده بحثاً عن الموارد... لم يكن بحاجة لفعل ذلك".
كانت الأخت والأخ أختاً وأخاً، وكان هذا كل ما في الأمر بالنسبة لليان.
قال تو من باختصار وسخرية: "هو لم يفعل شيئاً. لقد تعثر!"
ثم ساد صمت بدا فيه أن دلتا تستمع إلى شيء ما.
فقالت في وجه الفراغ بصوت حاد: "ماذا تقصدين... أكسل من أن تنهض؟!"
سألت دلتا الجمع المحتشد: "حسناً، أنتما لا تثقان بالاثنين، لكنكما ستثقان بالمعاهدات التي وضعتها الأخت بشأن الملوك؟ فسرا ذلك".
هتف الفارس زين وهو يسترخي في مقعده، محتفظاً بابتسامة عريضة: "لأن الملوك بدأوا يتصرفون بأسوء بكثير لفترة، لذا لقنتهم الأخت درساً جماعياً قاسياً، مظهرة أن كل ما تعرف فعله هو القوة الغاشمة، أعجبني الأمر، لكن البعض لم يعجبه. إذن، أيها السرادق، هل يمكنك الفوز من دون التشبث بذيل الأخت الكبرى المخيفة؟"
رمش ليان بينما كان نسر قبيح حقاً، بثلاث عيون وريش معدني، يقف على شجرة مجاورة، فحيحاً وبصق غضباً وهو يعتصم بملعقة فضية. وتحرك فتى بالقرب من دلتا، بدا أنه المعني بذلك الوحش الصدى، جانباً فهبط الطير عليه، مسلماً المعلقة إلى كفّه.
همست دلتا ويداهما مضمومتان إلى صدرها: "راهن... جام..."
واجتاح المكان موجة من البهجة الخالصة التي شعر بها ليان. وبدَت دلتا كأنها تكتسب جسداً صلباً للحقظة، متجسدة كامرأة مشدودة الشعر وذات نظرة جادة.
قالت: "أنتم لا تحزرون كم أنا جاهزة لهذا"، فصفق جابس بيديه بينما سخر تو من.
قالت: "كل ما أراه طفرات شاذة ونواة تظن نفسها بشراً. إنه معطوب"، وهنا نهضت دلتا، فضربت الطاولة بيد واحدة.
قالت مشيرة باصبعها بينما اتسعت عيناه تو من: "اعتراض! تشهير!"
قال الهلام الصغير بينما حاول ليان ألا يرتجف متذكراً أن الهلام كان فظاً بعض الشيء في تعبيراته: "ستمتنع هيئة المحلفين عن اطلاق ملاحظات عدائية للتأثير على مزاج موكلتي بما يخدم أجندتهم، أليس كذلك؟".
ومن الجهة الأخرى، تقدم رجل من النزاهة ليلعب دور محامي الخصم، متبختراً نحو المساحة في الميدان كأنه مسرحه الخاص.
قال غريم لليان مفيداً إياه قبل أن يدفع نحوه بكتيب عروض خاص بدار النقابة: "كالين".
قالت كيمي وهي ترمي دلتا بنظرة معتذرة قليلاً، لم تلقَ مقابلها سوى ابتسامة لطيفة: "سأحرص على أن يكون الصدق سيّد الأدلة، للطرفين".
انطلق كالين في الكلام محذراً: "سيمتنع موكلك عن محاولة إغواء المحلفين بنظرات مترفة"، فأطلقت دلتا صوتاً أشبه بوسادة هوائية مرتبكة.
قالت دلتا: "لم أكن أغوي أحداً، كنت مقدرة فحسب لعمل كيمي الجاد لتكون صادقة دائماً"، وأصدر كالين بعض الأصوات.
أعلن بينما حبس الجمع أنفاسه معاً وسارع ليان لقطع تنفسه لئلا يفوته شيء: "بصفتي من يتولى هذه القضية وأعمل بصلاحية النزاهة، سأفتتح هذا الأمر بالمشكلة الواضحة وستنتهي هذه القضية في دقائق".
قال كالين عاقداً ذراعيه كأنه وجه ضربة قاضية إلى دلتا: "السرادق التي ليست مسوخاً لا تغادر مساحاتها المحصورة، أما المسوخ فتفعل".
بدا أن لوييرغون، الهلام، مستعد لهذا إذ انزلق فوق الطاولة أمام دلتا ليصبح في مستوى عينَي كالين تقريباً. ليس أن الهلام يملك عيوناً، لكنه امتلك حقيبة أوراق أنيقة جعلت منه محامياً ممتازاً بحق.
قال لوييرغون بينما بدا كالين غير مقتنع: "هذا غير صحيح، حتى في الأوقات القريبة، أزيلت نواة سرادق وزُرعت في أرض مختلفة تماماً واستأنفت عملها. هذا يظهر أن السرادق لا قادرة على البقاء في الخارج فحسب، بل قادرة على الوجود خارج مسكنها السابق".
قال: "لم أسمع بمثل هذا قط"، وفتح لوييرغون حقيبته كاشفاً عن إسقاط مجسم لعالمهم.
ذهل ليان عندما دار جسد الأخ حتى استقر بالقرب من وركه، مظهراً نقاطاً وامضة.
قال لوييرغون بينما اشتد فك كالين عند الكلمات، لكنه كان مشغولاً جداً بمحاولة إيجاد ثغرة في الخريطة: "لم أكن أتوقع من قائد في النزاهة... عذراً خطئي، يبدو أنك رُقِّيت نزولاً، لكن على أي حال، نحن كسرادق على دراية بالآخرين ومآسيهم".
أشار قائلاً: "قد تكون تعرض هراء لخداعنا"، فرمرفته كيمي بنظرة بغيضة وفتحت فمها، لكن جابس سبقه إلى الكلام.
أشار بينما تساءل ليان لِمَ قد يملك صانع فخار "مصادر": "هذا سرادق حديث، ذو طابع أفعوي إذا كانت مصادري صحيحة. لقد اندمج واستخدم غرضاً سحرياً أساساً له. قد يكون إزالته بسبب حوادث أو طمع".
قال كالين هازاً رأسه: "ربما تكون محقاً، لكن كل ما يعنيه ذلك هو أنه يمكن نقل السرادق، لا أن نواته تستطيع المغادرة والعودة وقتما تشاء".
تحدثت دلتا قائلة: "أنا لا أستطيع في الواقع المغادرة طويلاً. أفقد الطاقة وأحتاج إلى العودة".
صرح كالين فرمشت دلتا ثم بدت مستاءة، وتحركت أطراف شكلها لتشكل عشرات الأسنان الصغيرة جداً ورؤوس فطر غضباً: "إلا إن كنت تملكين بشراً، مثل المسوخ التي تحول البشر إلى هجناء، مستخدمة إياهم كأوعية. مثلما بدأت تفعلين مع ذاك المدعو أمينستار؟".
عروض لوييرغون بصوت عذب كالشيرة: "إلا أن الفتى بخير، ويمكننا حتى جعله شاهداً لك إن كنت قلقاً إلى هذا الحد".
فلوح كالين بيده.
قال رجل وبابتسامة رقيقة: "أظن أنه عانى ما يكفي، أليس كذلك؟".
نادَى هاتف من جهة ألفا لكن شفاه الصبي لم تتحرك أبداً: "كالين يمقت المؤخرات".
تساءل كالين وهو يدور وش شفاه رقيقة: "من قال ذلك؟".
قال ألفا: "لم أكن أنا".
أفادت كيمي: "صدق".
رفع ليان يده ببطء فنظر الجميع إليه.
نادت دلتا كأنها معلمة: "نعم، يا ليان؟"
وحاول ليان ألا تململ بينما نظر إليه الجميع.
قال وسط وقفة أخرى: "يبدو سؤالي هذا شخصياً وفضولياً، لكن هل... نفسك... أو جوهرك... في الصورة المجسّمة؟"
أصرّ الصبي الضئيل الشبيه بالملائكة إلى جانب دلتا وهو يتوهج بالأزرق: "ليس كذلك. إنه حالياً في الطابق الرابع، حيث لن تجدوه أبداً. أودّ لو أراكم تحاولون".
قال كالين وهو يُضيق عينيه: "مَن هؤلاء؟"، ثم أضاف بصوت مرتفع والتفت الجميع نحو الشكلين الأزرق والأخضر: "التشظي والانفصال إلى كائنات مختلفة هو أول ما يفعله القبو عندما يتحول إلى مسخ".
بدأت دلتا بحماس: "أوه، لم يأتيا مني. لقد شجّعتُ..."
قاطعاها: "بل اضطهدتِنا".
تابعت دلتا والجميع يتبادلون النظرات: "...هما على التفكير والتحرك. تمتلك معظم الأقبوة طريقة لإدارة مواردها بقوائم أو شاشات، ونو وُبريم هما هاتان الشاشتان".
قالت كيمي وهي تُميل رأسها: "الحق يقال في الأمرين".
سأل ليان ببطء: "إذن، مادام الجوهر لا يزال في القبو، فوفقاً للتفاصيل التقنية لحرفية القانون... لم تتحول دلتا إلى مسخ؟"
قال كالين ومضت كيمي مؤكدة صدق كلامه: "قد يكون خروج الجوهريات نتيجة محتملة، لكن الأقبوة قادرة على التخلص من القشرة أيضاً، وليس هذا مؤشراً قاطعاً بنعم أو لا".
رفع ولوم يدَفْ.
محرّكاً النقاش إلى الأمام: "سيبدأ هذا الموضوع الآن في الانحطاط إلى نقاط لا يستطيع أي من الطرفين إثباتها. ومادام كالين قد بدأ أولاً، فيمكن للوكيرغون الآن تقديم نقطة دفاعية لصدلتا".
قال السائل بصوت فخم: "أيها السادة والسيدات وكل الآخرين، أثلُم أمامكم لا كمحامٍ فحسب، بل كوحش. هل تبدو دلتا كمسخ؟ هي تفكر، وتتحدث، وتملك زمام نفسها، وتكتوي بالاهتمام، والأهم من ذلك أنها وافقت على حضور هذه المحاكمة. أسألكم جميعاً، أيبدو هذا كسلوب مسخ؟"
أضاف لوكيرغون وبدا كالين كمن يريد المقاطعة لكنه عجز عن الجدال بعد: "من كل الأدلة المقدمة، تبرز المسوخ كوحوش غير معقولة، تهاجم وتلتهم كل ما تستطيع. ولم يثبت حتى أن دلتا تغادر قبوها بأي طريقة سوى إسقاط صورتها".
وجّه السائل السؤال إلى ولوم الذي شبك يديه باسترخاء: "ما الذي يصنف 'المسخ' بالتحديد؟"
بدأ ولوم ولم يعارضه أحد بل اكتفى أغلبهم بالإيماء: "ذُكرت الكثير من الأمور الظاهرية، مثل مغادرة مكان ولادتهم المقيد، وإطلاق الوحوش خارج مساحتهم، وتوسل الأشخاص أو استخدامهم كمواد، وما إلى ذلك".
ختم القديس: "مع أن حقيقة الأمر هي أن الأقبوة تطلق ماناً مطهراً في الهواء تستفيد منه كل الكائنات، ولا أعرف العملية بالتحديد، لكن ثمة فرقاً بين المانا التي 'يملكها' القبو وتلك التي 'يطلقها'. عندما لا تعود المانا الخارجة من مدخل القبو محايدة، ولا تعود برية وحرة، بل شبيهة بفيروس، لقلت حينها إن القبو يعتبر مسخاً بحق".
راودت ليان فكرة جريئة فجأة فرفع يديه.
سأل وتوقفت دلتا عن الحركة باقية كأنها تشعر بالعصبية والذعر فجأة: "إذن، ألا يمكننا جمع بعض المانا 'المطلقة' وتكبيرها؟ لنرى كيف تبدو؟"
قال لوكيرغون: "لست متأكداً من إمكانية ذلك"، لكن كالين قاطعه.
أشار كالين إلى المرأة التي بدت غير مبالية بتوجيه الجميع أنظارهم إليها: "هذا ممكن بطريقة ما، ليس تكبيرًا حرفياً للمانا بطريقتها، لكن يمكننا إسقاط صورتها على سطح كبير للفحص، وأعتقد أن رئيسة علماء فايربلاي الخاصة، جينا فيسب، هنا معنا الآن".
ظن ليان أنها قد تبدأ في جمع أي نظرات عالقة في جرار وتحتفظ بها للاستخدام لاحقاً. كانت تتمتع بذلك الجانب. التفتت فيسب نحو زعيمها الذي أومأ فوقفت فحسب وأخذت تجمع المانا حولها كأنها قائد فرقة موسيقية ومن لا يتبع النوتة الموسيقية بحذافيرها سيُستبعد من العرض.
أمامهم، تلألأ الهواء بينما جُمِعت حبيبات برتقالية تحت سطح غريب يشبه الزجاج ظهر فجأة، مما جعل الأوساخ والزغب وأشياء أخرى غير مرئية تطفو فجأة فوق الزجاج. طارت دعسوقة وبدت تلك الكائنات الصغيرة اللطيفة سابقاً كوحش قبو تحت التكبير. ثنت فيسب يديها وبدأت العناصر الأخرى تتلاشى وتختفي من مجال الرؤية.
كانت تفعل كل ذلك بإرادة وتحكم محضين، ونظراً لعمل ليان مع ساحر ومُحيي موتى؟ كان يعلم أن ذلك لم يكن مثيراً للإعجاب فحسب، بل كان مخيفاً.
ثم ظهرت المانا للعيان وسقط فك ليان.
بدت حُبيبة المانا شبيهة بقطعة هندباء متطايرة، مع استبدال جوانبها القطنية الزغبية بأشواك ومحاليق متحركة. كانت تتحرك هي وثلاث حبيبات أخرى كالكلاب الضالة في الهواء، وبدت مستعدة للشجار والعراك مع أي شيء تراه، كزوجين في منتصف العمر بعد تناول الكثير من الجعة ووجبات أجنحة الدجاج الخفيفة.
قال ولوم دون أي انفعال في نبرته وعلم ليان أن هذه اللحظة كبرى: "أدخلوا شيئاً لنرى إن كان سينقل العدوى".
قد يغير هذا كل شيء. أخرجت فيسب خصلة من شعرها وألقت بها في المنطقة حيث توهج الشعر تحت العدسة المكبرة بحبيبات خضراء أصغر حجماً من طاقة فيسب الخاصة.
في البداية، تفاعلت المانا البرتقالية بمفاجأة، فتجمعت معاً وأصدرت حركات نفخ لتأكيد هيمنتها. وما إن رأت أنه لا يوجد تهديد، حتى تجمهرت المانا البرتقالية، ساحبة المانا الخضراء عن الشعر قبل أن تبدأ في تشكيل هراوات وكراسي قابلة للطي من طاقتها الخاصة لمهاجمة الشعر.
بدت المانا الخضراء ضائعة ومشوشة، لكنها سليمة بينما انقض البلطجية على الشعر يعبثون به.
قالت فيسب: "هذا المانا ينتمي إلى كائن يعتمد القوة الغاشمة في كل شيء ويمضي مقداماً أو ببساطة عجز عن إيجاد طريق ليعكس مساره"، وأضافت: "لكنني لا أرى أي علامات على امتصاص المانا أو تحويله".
سأل زين وقد بدأ حماسه يظهر لرؤية العنف المجهري المتراكب: "هذا مثال واحد، ماذا عن الفيروس؟ هل أصيب أحد هنا بالزكام؟".
أخرج جيبس جرة ببساطة وألقى بها في الحلقة حيث بدأت تظهر مسببات أمراض قبيحة الشكل تبدو كأنها من كائنات فضائية.
قال بلطف: "أحمل تقريباً كل فيروس موجود في مكان ما على جسدي"، وفكر ليان أن هذا...
مثير للقلق، لكنه لم يكن صانع فخار لذا ربما لم يكن يعرف ما يكفي ليعلق.
انجذب الفيروس فوراً نحو مانا فيسب المكشوف، مقترباً منه كفطيسة يشمها مفترس يطلب لحماً طازجاً.
قالت فيسب بينما كانت ياتينا تومئ موافقة وتفرقع قفازات العمل الخاصة بها: "معظم العدوى أو الأمراض تطورت لتصيبنا عبر نقاط التلامس، أو الجروح، أو الانتقال، والآن عبر المانا. لقد اصطاد حمقى سيئو الحظ أمراضاً فظيعة لمجرد لمس لفائف سحرية بلا قفازات أو حماية".
وما إن لوح فيروس الزكام فوق المانا الأخضر الغافل، حتى استدار البلطجية البرتقاليون وهجموا مطلقين صرخة متموجة وانقضوا على الفيروس بطريقة أطاحت به أرضاً حيث تشكلت قبضات شبيهة بقبضات البشر فانهالت على الفيروس ضرباً حتى صار عصيدة، مستخدمين مخاط الفيروس طلاء حرب لصنع أقنعة شيطانية.
قرروا أن المانا الأخضر كان أضعف من أن يُعتد به فربطوه بعمود من طاقتهم البرتقالية وحملوه كأنه أسير، وهم يهتفون في طريقهم بحثاً عن معارك أخرى.
أنينت دلتا قائلة: "هذا يبدو فظيعاً..."
وواصلت فيسب اختبار المانا بطرق مختلفة، مظهرة أنه عدواني تجاه أي شيء تقريباً يسعى لاستهلاك المانا أو مهاجمة مانا يخص الأشخاص أو النباتات. وفي أغلب الأحيان، كانوا يشكلون أسلحة بدائية أو ينتقلون على دراجات مصنوعة من المانا مصحوبة بهتافات مزعجة وصاخبة.
حدث شيء واحد... غريب.
كان فيرفلاي يعد مساحة صغيرة ليجلس المدير ويشاهد الأحداث وهي تتكشف، فبدأ بوضع الكراسي، ثم طاولة عليها شاي ووجبات خفيفة، ولحماية الضباط الكبار في فيرفلاي من الرياح أو الشمس المحتملة، بنوا هيكلاً قائماً بذاته ومفتوح الجوانب ليظللهم.
نادَت فيسب بينما توسعت الشاشة لتظهر أن فرق الدراجين الهشامين المتجولة قد استدارت، كرجُل واحد، نحو شرفة فيرفلاي: "شيء ما يحدث، مانا الزنزانة يتجمع بأعداد مقلقة".
في ثوانٍ، غطى طوفان برتقالي الهيكل فختفى ببساطة، ولم يُختزل إلى شظايا خشب أو نشارة، بل إلى شيء أقل من ذلك حتى.
التفت الجميع نحو دلتا، التي عقدت ذراعيها بتعبير خالٍ من أي شعور.
قالت مفسرة ما لم يفسر شيئاً على الإطلاق: "الأجنحة أو القباب الدائرية متفوقة".
تمتم ولوم.
أعلن قائلاً: "غريب، لكنه ليس خطيئة بحق البشرية"، وتحولت كالين إلى اللون البنفسجي من الغضب.
اكتفى المدير ريبدوي بسكب كوب جديد من الشاي لنفسه وهو يرمي كالين بنظرة. ومضت كالين تومئ، كأنها تسمع أمراً ما، فالتفتت إلى دلتا ولاويرغون.
بدأت قائلة: "يبدو أنك حقاً وجود جديد، نوع خاص من الكائنات"، وشعر ليان فجأة بشعور غريب من القلق.
بدا صوت كالين كأن الأمور تسير كما ينبغي رغم الانتكاسات.
سألت فقالت: "إذن، لتسهيل الأمر على الجميع هنا، هل تؤكدين أنك زنزانة تعلمت كيف تصبح بشراً أم بشر أجبر على أن يكون زنزانة؟"، وساد الصمت في المساحة الخالية.
سألت دلتا: "هل يجب علي ذلك؟"، فكر ولوم في الأمر ثم هز رأسه.
أعلن قائلاً: "لا، كانت تهمتك هي كونك مقززاً لا غير. لم أُعايِن أي دليل على أي فساد. مانا الخاص بك... ممتع! لكنه ليس فيروساً... بل سريع التأثر فحسب"، وزفرت دلتا.
سأل ليان: "أهذا كل شيء أم أن الأمر انتهى بالفعل؟"، وعضت كيمي شفتها، وما زالت تبدو متوترة.
أوضحت كالين بابتسامة بدت باردة: "لا، إن كانت دلتا مجرد زنزانة ذكية فلا بأس، أما إذا قُدِّمَت لها روح بشرية وتحولت، فهذا خرق لقوانين مختلفة، الكثير منها ليس ضمن ولاية قديس".
سألت كالين: "بما أننا قد اجتمعنا هنا بالفعل، فمن الأفضل أن نضرب عصفورين بحجر واحد ونتجنب الكثير من سوء الفهم. إذن، يا دلتا، هل وُلدت زنزانة أم كنت شيئاً آخر؟"، وحدقت بها دلتا، وكان تركيزها ضيقاً لدرجة يصعب معها تجاهل كيف أصبح المانا في المنطقة مضطرباً.
بدا أن كالين قد تصبح قريباً شرفة في النظرية.
وأضافت كالين: "دعيني أكن واضحاً، حتى لو كنت بشراً... فلا يمكنك اتهامك بجريمة، أنت ضحية لست مجرماً"، ورمشت دلتا.
تحدثت كيمي: "صحيح".
سألت دلتا بهدوء: "ومن الذي سيُتّهم إذن؟".
ضغطت كالين قائلة: "من فعل ذلك سيُجبر على الالتزام ليس فقط بقوانين ممالك عديدة وقوانين الدولة، بل بقانون قديم وضعه الأشقاء أنفسهم! العبث بقلب زنزانة يعرضك لخطر فقدان كل ثروتك، وقوتك، ونفوذك، وأكثر من ذلك. لذا، يا دلتا، قبل أن تكوني زنزانة، هل كنت موجودة كبشري؟"، وشعر ليان بقليل من القلق، كأن شيئاً ما يشد أنشوطة محكمة حول الجميع المجتمعين.
رمشت دلتا وفاجأتهم جميعاً بابتسامة.
قالت دلتا: "كلا! أستطيع أن أقول بصدق إنه ليس لدي أي دليل قاطع على أنني كنت بشراً قبل أن أكون زنزانة سوى ذكريات امتصرتها بمرور الوقت لكن تلك يمكن أن تكون أي شيء. تمتص الززانات الكثير وكنت أتجنب التفكير في الأمر طوال الوقت لأنني أرغب بشدة في أن أكون بشراً!"، وجلست كيمي باستقامة.
"صحيح!"
وأضافت: "أيضاً، ما زلت لست زنزانة. أنا سيئة في كوني زنزانة بكل المعايير التي تمتلكونها أيها القوم!".
"ص-صحيح! آسفة..."
قالت دلتا بابتسامة: "لي اربعة طوابق فحسب، وليس لدي صندوق واحد حقيقي لا يخفي فخا!"
"صحيح!"
"حتى انني لم اعد الغنائم بنفسي! كلها تتولد تلقائيا بامر لا ادري كنهه، وكلما حاولت، اجد زر يانصيب ضخما فاضغط عليه!"
نهضت دلتا، وتوهج جسمها الان.
"صدق مطلق."
"انا دلتا فحسب، يا صديقي، ملكة جديدة، زنزانة تافهة بعض الشيء، فنانة مذهلة-"
"كذب."
"فنانة جيدة الى حد ما-"
"كذب."
"احاول!"
"صدق!"
شعر ليان بقلبه يثب حين وضعت دلتا ساقها على الطاولة وبدت مرتاحة.
"ولا اريد قتل احد، اريد ان يقضي الجميع وقتا ممتعا،"
ختمت كلامها فمالت بها الطاولة وتهاوت الى الخلف في مقعدها.
قالت كيمي وعيناها مغلضتان وبسمة على وجهها: "صدق مطلق."
قال زين وهو ينفخ: "تفاهة."
قال ولوم: "انتهت هذه المحكمة."
وكانت نبرته حاسمة لدرجة جعلت ليان يرتجف، كأن مرسوما قد صدر حتى ان كالين لم تجرؤ على الاعتراض.
استدار لوييرغون، وهو يمتخط بدموع غزيرة ومخاط متكتل.
نحيب قائلا: "الوقت الوحيد الذي يبكي فيه المحامي هو حين ينتهي كل شيء."
بينما كانت دلتا تربت على راسه بحنو.
لم يطق ليان صبرا لارسال رسالة الى وطنه ليخبرهم بانه شارك في قضية محكمة. كاد يشعر بلمس الورق الابيض الناصع ذي الخطين المزدوجين بين اصابعه.
ربما يجن ليان قليلا ويدفع ثمن الشحن السريع ليوم غد!