وصلت في النهاية شلحوفيّة ضخمة تجرّ مركبة مزخرفة. لم تشبه المركبة عربات باراكول أو أكانانا السحرية ذات الهياكل الفولاذية. بل امتلكت عُشّاً من الكروم الحيّة على سقفها. تدلّت على الجوانب مشكّلة أبواباً ورقيّة. لمست سائقة الناغوال — شرف لا يناله سوى الإمبراطور — بؤرتها اليشميّة لفترة قصيرة فارتفعت الكروم كاشفة عن مقصورة وثيرة. سافروا برفقة حرس شرف ضخم.
قالت شيكاتل «جهّزي مركبة»
لكنها قصدت حقيقة «اجمعي جيشاً صغيراً».
تتبعها بصفتها إمبراطورة جماعة من الناغوال والخدم والجنود الآن. انضمّت إليهم ثلاث عربات أُخرى تجرّها الشلحوفيات وتتنفّس الوحوش شخيراً وهي تمضي بخطى ثابتة لا تلين. قدّمت شيكاتل إيجازاً أثناء صعودهم الطريق الحجري المحاذي للنهر.
«هجمات الميرفايت في تلاكسواكو نادرة لكنها ليست مستحيلة ومن هنا جاء الحرس. أتخذ الاحتياطات أيضاً كلّما انحرفت انحرافات كبرى عن الخطوط الزمنيّة. وضعي السياسي ليس منيعاً لدرجة تخلو من الأعداء».
تأرجحوا هبوطاً على الطريق. رأت ميريان أن أنظمة التعليق التلاكسواكية تحتاج إلى بعض العمل. سألت جيريكا.
«كم يبعد هذا المعبد المحجوب؟»
«يومان. سننسافر طوال الليل. توجد شلحوفيات طازجة في أوليوتلان وسنببدل هذه المركبة بأخرى أوسع ذات أسرّة. سيكون العدّاؤون قد تحرّكوا مقدّماً بتعليماتي».
سألت جيريكا.
«لا صقور نسيميّة؟»
«لا نستخدمها. أسهل من أن تُلتقط وتُعتراض. يوجد بناء روحي بسيط بما يكفي لاستدراجها ثم قراءة الرسالة وتغييرها».
«أوه! أوه! يمكنك فعل ذلك؟»
ابتسمت شيكاتل للساحرة. لاحظت ميريان.
«يمكن للأنبياء بالطبع اعتراض الرسالة قبل إرسالها».
لكنها قدرة مثيرة للاهتمام. ربما كانت مفيدة عندما كانت تكرّر في معركة تورفيول لكن بدا أن باراكول أو أكانانا افتقرتا لقدرة إسقاط الصقور النسيميّة. لا يوجد سبب لتغيير بروتوكولات الاتصال الخاصة بهنّ. سيعني ذلك رغم ذلك أن إبقاء شيكاتل على اطلاع سيكون مزعجاً. قضت ميريان الوقت بالبحث عن الأرواح في نباتات الميرفايت التي مرّوا بها. امتلأت الريفية في الغالب بالمزارع رغم اختلاف ممارسات الزراعة التلاكسواكية جذرياً عن حقول الزراعة الاحاديّة التي اعتادتها.
سرّت شيكاتل بمناقشة الأمر.
«توجد وفرة من الحشرات هنا وأسوأها ليس ميرفايت في الواقع. تستدرج نباتات الإبريق تلك مجموعة من الحشرات بينما تطرد رائحة تلك الزهور البيضاء هناك مجموعة أُخرى. يُحاط كل حقل بأشجار الشوك لمنع العشبيات الأكبر من الهيام داخله. قيل لي إن زراعتنا أكثر كثافة من حيث العمل مقارنة بزراعتكم لكن زراعيينا يقولون إن كل حقل أعلى إنتاجيّة من نظيره الأكاناني».
بدت البيئة مثيرة للاهتمام لكن ميريان لم تمتلك أدنى فكرة عن الزراعة. برز مع ذلك شيء واحد لها. قالت.
«لا يمكن نسخ أيّ من ممارسات الزراعة هذه بواسطة أيّ من البلدان الأخرى. المناخات مختلفة للغاية. معظم الميرفايت التي تستخدمونها هنا لن تنمو في الحقول المفتوحة».
قالت جيريكا ببهجة.
«حسناً، لدينا الحواجز السحرية».
ثم تابعت بعد لحظة تفكير.
«أوه، صحيح، نحتاج للتوقف عن استخدام تلك. همم. هذه مشكلة. أتقولين إن ذلك الرفيق فيريديان قد يعرف شيئاً أو شيئين؟»
«إنه يعلم، لكن ممارسات الزراعة ستحتاج للتغيير عبر قارتين. ما سرعة انتشار ثورة زراعية؟»
تأمّلت جيريكا ذلك مع أن ميريان قصدت السؤال بلاغيّاً.
«أعتقد أن الأمر استغرق قرابة مئة سنة لتحديث الزراعة الأكانانية وما زالت العملية جارية».
تعتبر تغيير ممارسات الزراعة خطيرة أيضاً حسبما اعتبرت ميريان. قد يؤدي العبث بشيء كهذا إلى مجاعات. انطلقت إصلاحات الأراضي في باراكول مسببة حربين على الأقل من الحروب العديدة في العقود التي سبقت التوحيد. قرأت أيضاً عن أزمة ما أثناء الثلاثية المبكرة حيث اندمجت التغييرات الإدارية في البيروقراطيّة مع جفاف طفيف متسببة بمجاعة مروعة. قالت.
«لدينا الوقت لاختباره. يمكننا استخدام البيوت الزجاجية مثل بيت فيريديان لمحاكاة الظروف المناخية. يمكننا جمع عينات التراب من كل أنحاء أكانانا وبيرساما وباراكول للاستخدام. يمكننا اختبار النباتات الأفضل في طرد ميرفايت المحليّة. ثم يمكن تدرّج الإصلاحات احتياطاً».
رفعت جيريكا حاجباً.
«أتعرفين كم سيستغرق هذا النوع من الأبحاث من وقت؟»
قالت ميريان متنهّدة.
«وقتاً طويلاً».
تماماً مثل كل الأبحاث التي أجريتها. عندما يتذكّر التقدمَ نفرٌ قليل فقط يستغرق كل شيء وقتاً أطول بكثير من اللازم. قالت شيكاتل.
«إنها فكرة جيدة، لكنك ستملكين شهرين فقط من بيانات النمو في أفضل الأحوال. لن يكشف ذلك عن مشكلات مثل استنزاف التربة. قد يخطئ أيضاً بعض الحشرات ذات دورات السبات، والطفيليات ذات الدورات الحيويّة الأطول، والطيور المهاجرة. أرايت قطّ سرباً من غربان الخيوط يفكك حقلاً؟»
لم تر ميريان ذلك. تابعت إمبراطورة الناغوال.
«كما أن حصر التجربة في بيت زجاجي سيعني عدم دراسة تأثير أيّ مجتمعات لم تحضريها معك».
تنهّدت ميريان.
«مشكلة مستعصية أخرى. تبدو أسهل جمعاً من الهواء».
كانت نبرتها أكثر مرارة ممّا قصدت. قالت جيريكا ثم غرقت في التفكير.
«إن استطعنا إيجاد بوابة…»
«ستكون كاشفات خطوط الطاقة عديمة الفائدة لإيجادها هنا. بدت بوات العصور القديمة في مدن ما قبل الكارثة، لكن معظمها طمرته الكارثة. لا أظنك تملكين سجلات تاريخية واسعة النطاق يمكنك البحث فيها؟»
قالت شيكاتل.
«نملكها. أمرتُ ببدء البحث في الدورة الماضية».
قالت.
«آه، جيد».
لم اضطر حتّى لإخبارها، لقد التقطت ببساطة ما يجب فعله من شروحاتي حول اكتشاف البوابات. فما عذر غابرييل إذن؟ استمرت المركبة بينما خفت المحادثة، وحوّلت ميريان انتباهها مرة أخرى إلى النفوس والأرواح التي مرّوا بها.
* * *
امتلأ النهر قرب أوليوتلان بشلالات خلابة ومنحدرات متتالية. امتلكت المدينة الأصغر شبكة قنواتها الخاصة أيضاً. بقوا بالرغم من ذلك طوال الوقت اللازم لتجديد مؤنهم ومبدلين المركبات فحسب. بدت المركبة الأكبر ألطف بكثير، رغم أن ميريان استيقظت بسبب الاهتزاز أثناء انتقالهم من الطريق المعبّد بمحاذاة النهر إلى طرق الريف الترابيّة. أمضت بعض الوقت في الاستماع إلى أصوات أدغال تلاكسواكو ليلاً.
أثار دهشتها مدى صخب الأدغال. تواجد نوع من الحشرات أحدث ضجيجاً متواصلاً، تتخلله نداءات دورية لطيور ووحوش ليليّة. وبينما نظرت من نافذة المركبة، كانت ترى أحياناً وميضاً سحريّاً عندما يستخدم ميرفايت ما تعويذة طبيعية. عادت إلى النوم في النهاية. وجدها اليوم التالي متعرّجة صعوداً عبر منعطفات الطرق الجبلية. بدت الريفية لطيفة، لكن ميريان بدأت تشعر بالملل من بطء السفر. كان الارتفاع والقطارات أسرع بكثير.
أصبح الدرب في النهاية شديد الانحدار والصخر بالنسبة للمركبات وتابعوا على ظهور نوع من الوحوش الغريبة التي لم ترها ميريان أو تسمع بها قط. قالت شيكاتل.
«ويكباكواس. لا تحدّيها في مباراة تحديق وستكونين بخير».
كانت الويكباكواس نوعاً من الثدييات ذات رقبة طويلة وفرو ذهبي كثيف يتوهج قليلاً. امتلكت أقدامها شيئاً متوسطاً بين الحوافر وأصبعين. سألت جيريكا بادية ببعض التوتر.
«ماذا يحدث لو فعلت؟»
«تنفث النار».
أطلقت جيريكا ضحكة عصبية. أدارت ميريان عينيها.
«إن كنت قلقة، فألقي تعويذة درع النار فحسب».
«وأبقيها لعدة ساعات؟»
وجب على ميريان تذكير نفسها بأن الجميع لا يتدربون بهوسها نفسه.
«سيكون تمريناً جيداً».
قالت شيكاتل.
«سيحرص الناغوال على ألا تصبح صاخبة للغاية. لكنها حيوانات ذكية. ستعرف إن كنت تظهرين لها عدم الاحترام. كوني مهذبة ولطيفة فقط وستحملانك بسعادة».
قالت الساحرة.
«هاه! كلمات يُعاش بها».
صنع اكتساب الارتفاع قليلاً لتخفيف شمس الظهيرة الحارقة. كانت الجبال هنا منحدرة ومسننة. حديثة التكوين، على الأقل مقارنة بلينورد، هكذا فكرت ميريان. استطاعوا قريباً رؤية رقع ثلجية مخبأة في الظل. تواجد المعبد المحجوب في قمة الممر. كان ضخماً — بحجم الحرم الكبير بسهولة — وعلى جانبي المعبد جوران هائلان سدّا ما تبقّى من الممر. بدا واضحاً أن المعبد هنا أقدم بكثير من أيّ من المباني التي رأتْها في أوكسالاك.
عُني بالحجر، لكنه بقي متأثراً بالطقس. لُوّن الحجر ساطعاً ذات مرة، لكن الوقت وضوء الشمس تسببا ببهتان الصباغ إلى أدنى تلميحات الألوان. كانت أعمدة المعبد الدقيقة الشائكة الأكثر إثارة للاهتمام. بدا الأمر كأن تماثيل الميرفايت ومخلوقات العصور القديمة لُفّت حول بعضها البعض ثم مُدّت إلى نقاط ضيقة. وممّا يثير الاهتمام أنها تعرّفت على مخلوق قديم واحد على الأقل. تمتمت متأملة.
تبدو تلك مثل الموصل ومقلة العين. أبنِيَت هذه بواسطة أشخاص رأوا مخلوقات العصور القديمة لحماً لحماً؟ سألت ميريان بينما اقتربتا.
«إذن… أهذا هو المعبد المحجوب حيث تقع النقطة التي كشفتها؟»
قالت شيكاتل.
«لا. إنه يحرسها. النقطة التي كشفتها في الوادي الذي يشرف عليه هذا. لو أخبرتك بما وُجد هناك، لكانت الكلمات التالية مباشرة من فمك هي، (أحتاج للذهاب إلى هناك)، لذا آمل أن تغفري لي هذه المزحة البسيطة».
لعبت ابتسامة ماكرة على وجهها.
«ليس الأمر مضحكاً حقاً، لكنه رد فعل لا ترينه سوى مرة واحدة، ووجدت نفسي متشوقة للجدّة بعد عقود التكرار هذه».
فتح حرس شرف يرتدون خوذات وعباءات مزدانة بالريش الساطع بوابات المعبد لهم أثناء اقترابهم. ترجلوا، فأصدرت أبواب الكروم على المركبة صريراً وهي تنزلق مفتوحة. تواجد داخل المعبد فناء ونافورة مصنوعة من اليشم. هدأ المعبد عندما اقتربوا من النافورة، وصنع صفان من الكهنة ممراً ليمشوا وسطه. ركعت الإمبراطورة شيكاتل بجانب النافورة، رافعة ذراعيها وقالت صلاة بالطلاكسا. رددها الكهنة والحرس كجلٍّ واحد.
التفتت إلى زملائها الأنبياء وقالت.
«ما زلنا نحدّ».
عقدت ميريان حاجبيها. تفرّق الكهنة وتحركوا حول النافورة إلى مجموعة أبواب مزدوجة على الجانب الآخر من الفناء. ترددت شيكاتل عند البوابات.
«أرجو أن تبقوا هذا سرّاً عن الأنبياء الآخرين حتى تعترف تلاكسواكو بهم كجديرين بالثقة. لكن إنيريا تأتي أولاً».
أكدت ميريان.
«إنها كذلك».
دفعت شيكاتل البوابات الثقيلة فانفتحت بسهولة. تواجد شرف صخري يطل على الوادي أدناه، ودرج على الجانب أدى إلى درب متعرّج سيصل إليه. وبينما تحرّكوا نحو حافة الشرفة ونظروا إلى الخارج، استغرق الأمر من ميريان لحظة لتفهم ما تنظر إليه. اعتقدت في البداية أنه تشكيل ضخم من اليشم يتألق ببريق ساطع في ضوء الشمس، وتزيّن خيوط غامضة من سحب الأدغال القمم. نمت أشجار الميرفايت والكروم عند حواف تشكيل اليشم، لكن على عكس أيّ شيء رأته قط.
لمعت أوراق الأشجار بضوء منشوري خفي. كانت الكروم ضخمة للغاية، وأزهارها عملاقة بالمثل لدرجة أنها استطاعت رؤية ألوانها الساطعة من التشكيل الذي لا بد أنه يبعد ثلاثة أميال. ثم أدركت أنه ليس تشكيلات جيولوجية على الإطلاق. بدت تلك القناطر الضخمة التي حطّمت في مركزها كقفص صدريّ. بدت صفيحة اليشم المسننة التي بدت محطمة لتلّة مجاورة كجناح تشبه دواماته عيوناً. بدا المرتفعان مثل ذراعين.
ربما شكّلت القبة المحطمة وجهاً ذات يوم، وأعمدة الحجر التي رقدت محطّمة حولها كشعر يشبه الكروم. تواجدت سلسلة من الهياكل الصغيرة في قاعدة الوادي يقطنها أناس، مما أظهر مدى ضخامة الشيء في الوادي. التقطت ميريان أنفاسها عندما أدركت ما — أو من — تنظر إليه. همست.
«زيلاتارفيا».
قالت شيكاتل بتبجيل.
«تبارك اسمها. منقذتنا. سيّدة الحياة. حارسة الموقد. متحدثة العوالم. من علّمتنا عن الأرواح. من أرشدت الضائعين إلى الديار…»
أطلقت جيريكا شهيقاً ثم جرت الدموع على خدّيهما بحرية. انفتح فمهما على مصراعيه ثم سرى فيهما حزن عميق. سقطا على ركبتيهما يبكيان وعجزا عن إبعاد نظريهما عن المنظر. شعرت ميريان بالحزن نفسه لكنها وقفت.
«…وضحت بنفسها للدفاع عن ذلك الديار. سيّدة الحياة، ما زالت تغذي الإنيريا في موتها».
شعرت ميريان بعقلها يحوم. بدا المشهد مألوفاً للغاية. أدركت حينها أين رأت شيئاً مشابهاً — في قبو طائفة زومالاتور توجد لوحة تُظهر جثّة مماثلة؛ جسداً هائلاً من الحجر الأبيض يُستخرج كمحجر. أدركت بصدمة أن اللوحات كانت تصويراً حرفياً. قالت.
«ملوك العلاء».
ممَّ تُصنع البؤرات السماوية إذن؟ الجثث الحرفية لملوك العصور القديمة الموتى؟ كيف يفعلون — لماذا — كيف؟ قالت شيكاتل مغمضة عينيها.
«هذه ليست زيلاتارفيا حقاً. ملوك العصور القديمة تفوق ما يمكننا استيعابه. ليتفاعلوا مع العالم الدنيويّ، خلقوا أوعية. كانت هذه وعاءها».
قالت ميريان مغمضة عينيها.
«ذخائر العصور القديمة».
لهذا السبب ترجم زيبواتل المصطلح هكذا. حتى وإن لم يعرف السبب. فتّحتها مجددة، فرمقت الجثة السماوية — أو الحاوية — بنظرة. جزء يسير ممّا كانت عليه.
«إذن هي ميتة أيضاً».
أومأت الإمبراطور شيكاتل.
«درس كهنتنا الألغاز الكونية لأجيال. يصلنا همس من زيلاتارفيا كل حين. لم أسمعهن قط، لكن لا بد أن أتخيل أنهن شبيهات بما يهمسه الأوميني لنا. إنها ميتة، لكن ليس تماماً إن استطاعت رؤاها الوصول إلينا بعد. لا تختبر الملوك الموت بالطريقة التي نختبره بها».
اجتاح الفهم ميريان. قالت.
«حقول الزمن».
أفعالهم موزعة على استمراريات مختلفة كثيرة، لدرجة أن حضورهم أثر على مسارات عديدة كثيرة، فنستمر في رؤيتهم. قد يستغرق الأمر قروناً لتتلاشى الصدى. قالت شيكاتل.
«آلاف السنين».
لم تستطع جيريكا إبعاد نظريهما عن يشم السماوات أدناه. ظل وجههما مبللاً بالدموع بينما تحدثا بهمست تبجيلي.
«مضت آلاف السنين. ماذا يحدث عندما يصبح الموت نهائياً؟»
غرقت ميريان في التأمل. ما زالت تشعر بذلك الرهبة العالقة. كيف لا تفعل؟ هذه الأشياء التي تعاملن معها — كانت أبعد بكثير عن نطاق البشرية لدرجة تصعب تصورها. ومع ذلك، علينا فهم ما يكفي.
«إنه متصل بانهيار قمر الديفير. جثة الأوميني — أو وعاؤها ربما — هناك. عندما يسقطن إلى الإنيريا… لا بد أنه متصل بذلك الضوء الغريب الذي ينفجر. ذلك الذي يقتلنا جميعاً».
توقفت ناظرة إلى ما بعد يشم زيلاتارفيا محاولة تخيل ارتباطه لا عبر بعد مكاني آخر فحسب بل عبر بُعدين في الزمن. ماذا سيعني التحرك عبر حقول الزمن كطفل يلعب في أيّ اتجاه يخترنه؟ الدوران مرة أخرى وتقاطع المسارات — وماذا يعني ذلك للسببيّة؟ بدت أفكارها مستحيلة النطق. وقفت هناك لوقت طويل واكتشفت عجزها عن التواصل بالكلمات. كانت غير كافية. طفت الرموز والطلاسم في عقلها؛ وبدت تمثيلات أفضل لما حاولت قوله.
تحدثت ميريان أخيراً عن فكرة ذات صلة واحدة استطاعت على الأقل وضعها في كلمات.
«إنه متصل أيضاً بالمراسي الزمنية. ليس مجرد انهيار خطوط الطاقة وإلا لما غيّر إرجاع القطع الأثرية طول الدورة».
هزّت رأسها.
«لكن كيف يترابط كل ذلك معاً؟ أستكفي البوابات والمنظمات؟»
حلّ الصمت حولهم. بدت الأدغال المتعلقة بالجبال صامتة هنا كأن الحشرات نفسها كانت في حداد. الصوت الوحيد كان رياحاً لطيفة تعصف بالأوراق مثل شلال بعيد. تحركت شيكاتل أخيراً متجهة نحو الدرج المتعرّج الذي سيأخذهما إلى الوادي أدناه.
«دعونا نرى أيّ همس ستشاطره زيلاتارفيا».