الفصل الخامس والثلاثون: الحنين إلى الوطن
-منظور فري ستارلايت-
...
...
...
وضعت يدي في جيبي وتجولت في أرجاء المعبد.
خلال الساعات القليلة الماضية، استكشفت أجزاء مختلفة من هذا المكان الواسع، بدءاً من قاعات الدرس وصولاً إلى ساحات التدريب، وحتى مراكز التسوق.
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذا الوقت بالكاد خدشت السطح. كان الحجم الهائل لهذا المكان مذهلاً. لم أكن أشعر وكأنني أتجول في أكاديمية، بل شعرت وكأنني استكشف مدينة بأكملها.
عندما نظرت إلى ساعتي، أدركت أن الوقت قد تجاوز منتصف النهار. وحينها أدركت الحقيقة، فلم أتناول شيئاً منذ الصباح الباكر.
"هل يجب أن أبحث عن شيء لأكله؟"
إن كانت ذاكرتي لا تخطئ، كان هناك شارع شهير داخل المعبد مخصص للطعام وحده. مكان تصطف فيه المطاعم على جانبي الطريق، وتقدم كل منها أطباقاً من ثقافات وأجناس مختلفة.
بعد كارثة البوابة وصعود الإمبراطورية، اختفت الحدود التي كانت تقسم الدول فيما سلف. وعلى الرغم من أن البشرية باتت متحدة تحت حكم واحد، إلا أن تنوع الأصول ظل واضحاً جلياً من منطقة لأخرى.
وقد أخذ المعبد هذا الأمر بعين الاعتبار عند بناء هذا الشارع، وهو ذاته المكان الذي أقف فيه الآن.
بينما كنت أمشي، جعلت نظراتي تتجول عبر العديد من المطاعم وأكشاك الطعام الممتدة على طول الطريق.
كان كل نوع ممكن من الأطباق موجوداً هنا.
تخصصت بعض المؤسسات في المطبخ الفرنسي، بينما قدم البعض الآخر أطباقاً إيطالية استقطبت حشداً هائلاً من الزبائن.
المأكولات البحرية، اللحوم المشوية، المعجنات، كل ما يمكن للمرء أن يشتهيه كان في متناول اليد.
كان الطلاب يتجولون في مجموعات مستمتعين بأوقاتهم بعد نجاتهم من حفل الافتتاح الفوضوي الذي فرضه عليهم المدير بلودمايدر.
ومع ذلك، ولسبب ما، لم يروق لي أي شيء.
حتى الأطعمة التي كنت عادةً حريصاً على تناولها بدت الآن... غير شهية.
"آه... كم أفتقد طهيك... وكم أفتقدك."
في هذه اللحظة، كنت لأقايض باليريون نفسه فقط مقابل فرصة تذوق طعام أمي مجدداً.
يا لها من مفارقة. من كان يظن أن أبسط الأطباق يمكن أن تبدو ذات يوم ثمينة إلى هذا الحد؟
فركت بذهول يدي اليسرى حيث استقر وشم الثعبان العظيم، مطلقة ضحكة خافتة.
"هاها، آسف يا صديقي. لم أكن أقصد ذلك، فلا تغضب."
بينما كنت أعبث بنصلي، تباطأت خطواتي.
لقد جذب شيء ما انتباهي.
منظر غريب... أو بالأحرى، مألوف.
وقف أمامي خيمة ضخمة تذكرني بحكم شكلها بخيام سيرك، ومزينة بفوانيس قديمة متعددة الألوان.
وعند المدخل، كانت لافته خشبية قديمة تعلو المدخل.
"خيمة المأكولات التقليدية."
تجمدت في مكاني وأنا أداوم التحديق في تلك الخيمة المعزولة بتعبير فارغ.
"مستحيل..."
وقبل أن أدرك ذلك حتى، كانت قدماي قد بدأتا بالتحرك بالفعل.
فبعد كل شيء، أُسست الإمبراطورية فوق ما كان يُعرف سابقاً بالقارة الأوروبية. إن احتمالات العثور على هذا هنا... كان يجب أن تقترب من الصفر.
عندما خطوت إلى الداخل، ضربتني فوراً رائحة التوابل الحادة واللاذعة.
كان التصميم الداخلي على نقيض تام مع المطاعم الحديثة في الخارج. تمتع كل شيء هنا بسحر تقليدي. كانت الطاولات والمقاعد منخفضة للغاية لدرجة أن أي شخص غير معتاد عليها سيجد الأمر غريباً.
لكن لم يكن ذلك ما أقلقني أكثر من غيره.
فلم يسبق لي أن كتبت قط عن مكان كهذا في قصتي.
تعمقت أكثر للداخل ووجدت المكان خالياً بشكل مخيف.
وللحظة قصيرة، تساءلت عما إذا كان هناك أي شخص هنا أصلاً.
ثم اخترق صوت أجش الصمت السائد.
"أهلاً؟ ما الذي لدينا هنا؟ هل حصلت على زبون أخيراً؟"
خرج رجل عجوز قصير القامة من خلف ستارة بسيطة. وأطفت لححيته البيضاء الكثيفة ملامح حادة ومتأثرة بزمن.
وعلى الرغم من تقدمه في السن، كان جسده يعج بالعضلات، عضلات لم تنبع من التدريب الدقيق، بل من سنوات من العمل الشاق والمضني.
رمقني بنظرة ملؤها الشك.
"ماذا؟ هل ضللت طريقك وأتيت إلى هنا بحثاً عن الاتجاهات؟"
ابتسمت وجلست على أحد المقاعد المنخفضة.
"لا... جئت لأتناول الطعام."
"أهلاً؟ حقاً؟ هل أنت متأكد من ذلك أيها الفتى؟ ألم تتعثر بالدخول إلى هنا عن طريق الخطأ؟"
أومأت برأسي بينما كانت نظراتي تجتاح المحيط الريفي.
"أخبرني أيها العجوز، هل يقدم هذا المكان المأكولات التقليدية حقاً؟"
داعب الرجل العجوز لحيته، ثم أومأ برأسه برفق.
"هذا صحيح أيها الفتى. هذا المكان ملك لعائلتي منذ أجيال."
"أجيال؟"
"بالفعل."
استقر على مقعد مقابل لي، ووضع قائمة طعام خشبية على الطاولة بهدوء وسلاسة.
لم استطع إلا أن أضحك على موقفه العفوي.
"هل يُعقل حقاً أن تجلس هكذا أمام زبونك؟"
"لا تقلق بشأن ذلك أيها الفتى، فأنت زبوني الوحيد."
التقطت قائمة الطعام الخشبية... ثم تجمدت.
تخطي قلبي نبضة.
"هذا... هذا حقيقي."
زعلوك. شكشوكة. بيصارة.
أطباق لم أكن قد رأيتها قط إلا في حياتي السابقة... في المنطقة التي عشت فيها ذات يوم.
وجدت نفسي أقرأ القائمة مراراً وتكراراً غير مصدق لما تراه عيناي.
وفي غضون ذلك، تحدث الرجل العجوز بصوت هادئ وثابت.
"تعود جذوري إلى إحدى المناطق التي أصبحت الآن أراضي الكابوس الجنوبية."
"وبكل دقة، كان جدي أحد الناجين من شمال إفريقيا."
"لقد ضاع معظم تلك الثقافة الآن... لكن جدي حرص على نقل كل ما يعرفه إليّ. وهكذا ها أنا ذا، أُدير هذه الخيمة، وأقدم طعاماً لا يقدره أحد حقاً بعد الآن. أتبتسم إليّ، أيها الفتى؟"
بنظرات تعج بالشوق، أومأت برأسي.
"أنا أستمع."
"جيد... معظم الشباب في هذه الأيام لا يكلفون أنفسهم عناء الاستماع إلى عجوز مثلي."
توقف قليلاً، ثم سأل:
"إذن؟ هل قررت ما الذي ستطلبه؟"
بدون تردد، أشرت إلى القائمة.
"سأطلب اثنين من هذه."
مال الرجل العجوز إلى الأمام، ملقياً نظرة على خياري قبل أن يطلق ضحكة صغيرة.
"ظفيطي، هاه؟ خيار جريء أيها الفتى. لكن هل أنت متأكد من أنك تستطيع تحمل حصتين؟"
"لا تستهن بي أيها العجوز. يمكنني التعامل مع الأمر على ما يرام."
"هاها، سنرى بشأن ذلك."
وقف وربط مئزراً حول خصيله.
"هذا الطبق بالذات هو المفضل لدي. فهو يعتمد بشكل كبير على مجموعة متنوعة من التوابل القوية، وهذا ما يمنحه نكهته الفريدة."
كان ثرثاراً، لكن لم أمانع ذلك.
فكل كلمة نطق بها سحبتني ببطء إلى ذكريات حياتي السابقة.
تذكرت تلك اللالي التي اعتاد فيها أنا وأصدقائي زيارة إحدى هذه الخيام. كانت مجرد الفكرة كفيلة بجعل يدي ترتجفان.
"أيها العجوز... هل يمكنني معرفة اسمك؟"
كان يعجن العجين عندما تحدثت.
"مم؟ ماذا، أتريد أن تصبح صديقي أو شيئاً من هذا القبيل؟"
"شيء من هذا القبيل."
"هاها، لا تخجل أيها الفتى، أنا أمزح معك فحسب. اسمي شاهين."
رسمت ابتسامة على شفتي.
"وأنا فري."
"فري؟ أتقصد مثل ذلك النبيل سيء الصيت، فري ستارلايت؟"
بدا أن سمعتي تسبقني بغض النظر عن المكان الذي أذهب إليه.
"هذا صحيح. يبدو أننا نحمل الاسم ذاته صدفة."
في الوقت الحالي، سأبقى هويتي مخفية طالما استطعت ذلك.
لم يبد على شاهين أي شك وهو يقطب حاجبيه.
"همف. اسم سيء الحظ. ولكن حسناً أيها الفتى، طعامك جاهز."
وضع وعائين من الخشب أمامي.
"ولا تنس هذا. فالطبق لا يكتمل دونه."
صَبَّ كبيراً من الحليب وجلس مرة أخرى.
ضربتني الرائحة كموجة عاتية.
تلك الرائحة الحادة واللاذعة التي لم أشمها منذ زمن طويل...
كانت هنا بالضبط.
أمسكت بالملعقة ومسحت بها لقمة كبيرة وحشوتها في فمي.
"مهلاً أيها الفتى. هذا الشيء..."
توقف.
وبينما كان يحدق بي، تغير تعبير وجهه.
لقد أكلت لقمة من الطعام الذي طالما اشتهيته، مستمتعاً بالدفء الذي حننت إليه طويلاً.
ودون أن أدرك ذلك...
سقطت دمعة واحدة على خدي.
انتفض شاهين واقفاً.
"هـ-هي... هل تبكي؟!"
صاح وهو يقف، لكني أوقف اياه.
"اهدأ أيها العجوز... أنا لا أبكي."
غطيت وجهي بمرفقي الأيمن عندما فشلت في إيقاف سيل الدموع.
لقد سقطت من تلقاء نفسها، دون إذن مني.
ومع ذلك، كنت ممتناً. ممتناً بعمق.
"شكراً لك... شكراً لك... لا يزال بإمكاني البكاء."
منذ وصولي إلى هذا العالم، ومنذ تحمُّل كل ما في أراضي الكابوس وطائفة الظل...
ومنذ عودتي إلى عائلة ستارلايت والاضطرار إلى إزهاق حياة بشرية للمرة الأولى...
وفي مرحلة ما، أصبحت قاتلاً.
ومهما بلغت من رفض لقبول ذلك، فقد بدأت أفقد صوابي شيئاً فشيئاً.
تساءلت مراراً وتكراراً... "هل سأظل الشخص ذاته عندما أعود إلى عالمي... إلى عائلتي؟"
هل سيكونون سعداء برؤية ما أصبح عليه ابنهم؟
وبينما كنت أضيع في نفسي ببطء، جاء شيء بسيط كهذا ليذكرني بمن كنت عليه سابقاً.
"شكراً لك... شكراً لك أيها العجوز... في النهاية، ما زلت أستطيع سفح الدموع. لم أفقد نفسي بعد."
"ما الذي تتحدث عنه أيها الفتى؟ أكان طعامي سيئاً إلى الحد الذي أبكاك؟"
رأيت الرجل العجوز يمد يده لأخذ الطبق من أمامي، لكني أوقفته.
نظر إليَّ بصدمة بينما كنت ألتهم ما تبقى من وجبتي بسرعة لا إنسانية، دون أن أعطي نفسي حتى لحظة للتنفس.
"تباً لك... تبا لك أيها العجوز... هذا أفضل ما أكلته في حياتي."
في النهاية، اكتفى بالوقوف بجانبي، مراقباً إياي وأنا أنتهي من آخر قضمة بسرعة لا تصدق.
أحرقت التوابل النارية لساني، لكنني لم أتوقف.
وحتى عندما ترتجف جسدي من الحرارة الهائلة، واصلت الأكل حتى فرغ الوعاء تماماً.
وفي تلك اللحظة، ربت شاهين على ظهري.
"لا أعرف ما الذي مررت به أيها الفتى... لكن هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها شخصاً يبكي بعد تناول طعامي. ابق هنا طالما رغبت في ذلك."
"شكراً لك."
لم تكن هناك مرآة لأرى نفسي فيها في تلك اللحظة، ولكن وللمرة الأولى منذ فترة طويلة... ابتسمت.
ابتسامة حقيقية.
أمسكت الكوب الموجود على الطاولة وشربت الحليب بجرعة واحدة.
أطلقت تنهيدة رضا، وصفعت الكوب على الطاولة.
"مهلاً أيها العجوز، إن كانت لديك ابنة فسأتزوجها."
عبس شاهين الذي كان جالساً أمامي.
"أيها الوغد الوقح، أكلت طعامي دون حتى أن تدفع، والآن تريد ابنتي أيضاً؟ على جثتي العجوز أيهاغ اللعين!"
"هاها! هذا الكلام لا يليق بعجوز مثلك. لكنك محق، لم أفع بعد."
مددت يدي إلى جيبي وأخرجت عملة ذهبية مستديرة، ووضعتها على الطاولة.
اتسعت عينا شاهين من الصدمة.
"أيها الفتى... هذا...؟"
"خذها. اعتبرها ثمناً لمتاعبك."
"قلت إن اسمك فري، أليس كذلك؟ هل تدرك ما تفعله حقاً؟"
أومأت برأسي.
كانت ردة فعله طبيعية تماماً. فبعد كل شيء، كانت الوجبة التي تناولتها تساوي بضع عملات معدنية نحاسية فقط، وليست حتى فضية.
كانت عملة فضية واحدة تعادل مئة عملة نحاسية.
وبالمثل، كانت العملة الذهبية الواحدة تساوي مئة عملة فضية.
وبعبارة أخرى، لقد سلمت للتو شاهين ما يكفي من المال ليعيش لشهور طويلة.
تردد للحظة واحدة فقط قبل أن يلتقط العملة الذهبية بسرعة ويدخلها في جيبه.
"بما أنك تعلم ما تفعله، فلن أرفض."
لم يفشل هذا الرجل العجوز أبداً في جعلي أضحك.
"هاه؟ كنت أظن أنك ستحاول الرفض على الأقل. لكن انظر إليك، لقد أخذتها فوراً."
ابتسم شاهين وهو يداعب لحيته أثناء حديثه.
"اسمع أيها الفتى... لقد علمتنا الحياة دروساً كثيرة. وأول درسين هما الأهم."
رفع إصبعين.
"الأول: الطعام. لا تتردد أبداً في أخذ ما يشبع جوعك."
"الثاني: المال. لا تشعر بالخجل أبداً من أخذ ما يملأ جيوبك."
"فت..."
"أنت محق تماماً أيها العجوز."
وبما أنني كنت الزبون الوحيد، فقد انتهى بي الأمر بالدردشة مع شاهين لفترة من الوقت.
وعندما غادرت الخيمة أخيراً، شعرت بالرضا التام.
"أيها العجوز! لقد ربحت للتو زبوناً مخلصاً!"
لوحت لشاهين، فلوح لي بدوره.
"هاها! هذا رائع! احضر أصدقاءك المرة القادمة!"
أصدقاء، ها؟
آسف... لكني لا أملك شيئاً كهذا هنا.
وفي طريقي عائداً إلى سكن النخبة، أطلقت تنهيدة عميقة، زافراً هواءً دافئاً في الهواء البارد.
"كان ذلك منعشاً."
لقد استعدت ما يكفي من الطاقة...
للتعامل مع الشخصيات الرئيسية مرة أخرى.