الفصل 343: السِكّة الحديدية (2)
"لأنها التعويذة التي صنعتها، والمنارة التي شيّدتُها."
…ساد الصمت في تلك اللحظة. حتى الأنفاس انقطعت في المكتب المظلم، لكن كل العيون كانت موجهة إليّ. المشاعر في نظراتهم كانت واضحة، صادقة إلى حدّ مثير للاشمئزاز.
"أم… لِماذا…؟"
سألوا بصوت يشبه أنفاس الموت. وقفتُ من على الكرسي وأجبت:
"إنها مشيئة المذبح."
كان كواي منذ البداية يهدف إلى تدمير القارة.
"لا داعي للدهشة. أليس هذا ما استعددتم له؟ أظنكم قرأتم الكتب المقدسة مرة على الأقل."
لقد حمل كتاب المذبح مَثَلات وأمثالًا لا حصر لها عن دمار القارة.
"لا يمكن أنكم لم تعلموا."
ارتعش ريلين. سأل بحذر، متلعثمًا وكأنه تذكر فقرة متأخرة:
"إذن، المعنى الحقيقي لـ«تطهير القارة» الذي تحدث عنه كهنة المذبح هو…"
"طاغوت المذبح يعتبرنا أحفاد قاتل الطاغوت. لهذا فإن تطهير القارة يعني فناؤها. والمنارة هي الوسيلة لذلك."
عند كلماتي تبادل الأساتذة النظرات.
"لا تقلقوا."
ابتسمت ابتسامة هادئة كما لو لأطمئنهم.
"ستُحفظ أرواحكم بسرور لتسكن عالمًا جديدًا، جسدًا جديدًا، وتُبعثوا في حياة جديدة."
لقد أخبرتهم بما كان كواي قد أخبرني به.
"أن نُبعث في حياة جديدة… إذن نحن…"
سأل ريلين بحذر، إذ لم يفقد الأمل بعد، فقطعت خيط أمله بخفة:
"ستُمحى كل ذكرياتكم الحالية، وتصبحون بشرًا آخرين كليًا."
"ه-هذا يشبه الموت!"
صاح ريلين. وضع يديه على الطاولة. وجهه الشبيه بالخنزير البري احمرّ، ودموع تجمعت في عينيه. فابتسمت بازدراء وأنا أحدّق فيه.
"لقد صُنعت المنارة لأجل ذلك. إنها تعويذة وُجدت لأجل ذلك."
“…”
تصلّبت وجوه الأساتذة. ارتجفوا من الغضب المكبوت، وأنفاسهم صارت خشنة.
"استمتعوا بوقتكم…"
أولئك الذين لم يدركوا الطريق الذي اختاروه، ولم يسعوا إلا وراء المنافع، كم بدوا حمقى. ابتسمت لهم.
"…في هذه الحياة، التي ستنتهي قريبًا."
….
في هذه الأثناء، ظلّ سجن اللوحات قائمًا. صار عالمًا مختلفًا تمامًا عن القارة، وعدد سكانه بلغ أكثر من 5% من سكانها. أناس من بلدان وإمبراطوريات وإمارات وممالك مختلفة، وذوي عيون وألوان بشرة متنوعة، عاشوا معًا بتعاون.
وقد «حفظته» إيفيرين.
"هل تمكنتِ من الخروج؟ بدأ الأمر يثير الشبهات."
تجمّع عدد في مكتب سيلفيا. عند كلمات آهلوس، هزّت صائِغّة هذا المكان رأسها. من غير أن تلقي بالًا بالدمية المحرّكة، تابعت كتابتها.
"هيه؟"
"…أنتِ دائمًا تشكّين. لهذا لا يثق بك ديكولين."
"ماذا تعنين؟ هل نسيتِ ما حدث في جزيرة الصوت؟ الذين وثق بهم ديكولين كانوا إدنيك وأنا—"
كانت تلك الأيام حين غلبت سيلفيا نفسها، واحتضنت حبّ ديكولين إلى أقصى مداه. بالطبع، تذكرت.
"ما هذا، في النهاية وثق بي، لا بكِ. لقد وثق بقراري."
اشتعل كبرياء سيلفيا. كانت فخورة بقرارها أن تقتل من أحبّت أكثر من أي شيء، وتدمّر الفردوس الصناعي الذي كان سيجمعها به إلى الأبد. لذلك، سيلفيا ستنقذ ديكولين مهما حدث. كما أنقذها هو—
"لا. المشكلة أنّ المزيد من الناس راضون هنا، أعني، في هذا العالم المزيّف."
“…”
كان الطعام واللباس والمسكن يُحلّ بفضل سحر سيلفيا وماناها. لم يكونوا بحاجة للصيد، ولا للزراعة. لم يكونوا بحاجة للقلق بشأن مأواهم، بفضل الصائِغّة القادرة على كل شيء، سيلفيا.
"أكثر من ذلك. كيف أعددتِ الدمية؟"
سألت سيلفيا. فاعتدلت آهلوس في جلستها.
"مع أني تمكنت من الاتصال بالدمية في العالم الخارجي، إلا أن نقل الوعي من الطبقات العليا أمر مستحيل."
كانت آهلوس خارج هذا السجن المصوّر. أي إنها نجحت في الاتصال بالدمى المنتشرة عبر القارة. غير أن التحكم الدقيق بالوعي المنقول كان صعبًا.
"هذا المُحرّك اليدوي ضروري."
أظهرت آهلوس آلة مربعة، لوحًا طويلًا عليه عدة عصي، بدا وكأنه من ألعاب الأركيد.
"من خلال هذا أستطيع أن أتحرك وأتكلم. هل يكفي هذا؟"
“…”
حدّقت سيلفيا مطولًا في آهلوس والجهاز. فحصته ببطء، وكأنها تقرأ المانا والتعويذة فيه، ثم أومأت.
"نعم. هذا يكفي."
"حسنًا… همم."
تنحنحت آهلوس. نظرت إلى سيلفيا وسألت بحذر:
"هل ستساعدين ديكولين؟"
"ولِمَ تسألين؟"
ردّت سيلفيا بهدوء وهي تحكّ ورقة سحرية.
"ديكولين لا يريد مساعدتك."
“…”
كان ذلك صحيحًا؛ ديكولين لم يرد المساعدة. ولذلك كانت تنوي أن تنقذه كما تشاء.
"بل إن نواياك الحسنة ستعطل خططه."
حدّقت سيلفيا صامتة في آهلوس. نظرت آهلوس إلى الصيغة السحرية الموضوعة على مكتبها. كانت تعويذة لإنقاذ ديكولين.
"…ما الغرض بالضبط من هذه التعويذة؟"
سألت. أطلقت سيلفيا تنهيدة صغيرة.
"سأرسم له صورة شخصية."
"صورة؟"
"سأحتفظ به داخلها."
“…”
ارتبكت آهلوس قليلًا. حدّقت إلى أعلى رأس سيلفيا ثم هزّت كتفيها.
"حسنًا. افعلي بطريقتك. أنا سأكتفي بالتحكم في الدمى…"
…
منارة الفناء. في الموضع الذي كان يُبجل فيه المذبح، كان كواي يُعجَب بلوحاته. راقب اللوحات الكثيرة المصفوفة في بستان أزهاره، وكل لوحة منها سجنت مجرمين من القارة. وكان اسم آخر لهذه اللوحات، التي سُمّيت سجن اللوحات، هو «خارج العالم».
هذه هي القوة التي ظلّ كواي يُصلّي لأجلها عشرة آلاف عام حتى تحققت.
"إيفيرين. أظنني أعلم ما تخططين له."
لكن، وكأنها تحاول أن تستخدم قوتها ضد قوته، تقدمت إيفيرين ووضعت البشر على هذه اللوحات. كان مقصدها حفظ البشرية. إن «خارج العالم» مكان لا يستطيع كواي التدخل فيه، ولذا كان مفيدًا إن أرادت الإفلات من قبضته…
"لكن لا مهرب."
كان من المستحيل الهرب، لأنه مكان منفصل ومعزول عن العالم. لا تعويذة تستطيع إخراج البشر من داخله. في أقصى الحالات، ما تفعله جولي الآن قد يعدّ المحاولة الأفضل. وكان من الصواب أن يُنظر إليه كمعجزة خرجت عن ناموس الطبيعة، وسبّبها إخلاص جولي لِديكولين.
—أتنظرُ إلى عملك؟
…حينها، جاء صوت من خلفه. التفت كواي، فإذا ديكولين في المرآة.
"نعم. أنا نفسي لا أعلم ماذا يفعلون في الداخل. إنه مكان معزول تمامًا."
—نعم. أنت ناقص أكثر من أن تكون طاغوتًا.
“…”
ابتسم كواي.
"أعرف. وماذا عنك؟ لم يبقَ الكثير من الوقت. ألا تراه بالفعل في السماء؟"
كان مذنّبٌ في الفضاء… بل جرم سماوي بحجم كوكب يندفع نحو القارة. ستغيّر المنارة التي ستُطلق قريبًا مساره بالكامل، وستتحطم القارة. وبعد فنائها، سيتمكن كواي من إعادة صياغة العالم.
—لقد كشف ساحر مجهول غرض المنارة.
"حقًا؟ إذًا، انكشفت؟"
—سأنكشف قريبًا.
دقّة.
خطا ديكولين خطوةً إلى الأمام، من داخل المرآة إلى خارجها.
"لنبدأ تشغيل المنارة اليوم."
كان يحمل عصًا سحرية بيد، وكتابًا بالأخرى.
"وما ذاك الكتاب؟"
"إنه هدية لجلالته كريتو."
"هدية؟"
أومأ دون أن يضيف. فابتسم كواي.
"قل لي. لن أتدخل، أعدك. سأترك كل شيء يجري كما هو."
“…”
"هذا كما تقول، كما يقول الطاغوت."
الطاغوت الذي تحدث عنه ديكولين. إن كان محقًا، فالطاغوت سيأتي مع ذلك الكوكب. كان كواي يتطلع إلى تلك اللحظة. التقت عينا ديكولين بعينيه وقال:
"مفتاح المنارة."
"مفتاح؟"
"إن مجلدًا واحدًا من هذا المؤلّف يمكنه تفسير كل ما في المنارة. إنها هدية لجلالته كريتو."
لقد طُبّقت كل معرفة ديكولين السحرية، موهبة الفهم، بشكل كامل في المنارة. وفي نظر كواي، لقد فاقت نظام السحر في القارة الحالية، وكانت إنجازًا عظيمًا قادرًا على تغيير إطار السحر كله.
أما أن يقول ديكولين إنه يستطيع دمج هذا الإنجاز في كتاب واحد فقط، فكان مذهلًا. لكن ما فعله بعد ذلك كان أغرب.
"خذه."
مدّه ديكولين نحوه. اتسعت عينا كواي.
"ولِمَ تعطيه لي؟"
"أعطه لجلالته كريتو."
"أنا؟"
أومأ ديكولين من غير تردّد.
"أتثق بي؟"
"نعم. أثق بك أكثر من أي نذل فاسد في هذا العالم. لأنك نقيّ في إيمانك، والمفارقة أنك أنقى وأصفى من أي أحد آخر."
حدّق كواي في الكتاب وضحك. كان كتاب ديكولين.
"كواي. قلتَ ذات مرة إنني أشبه موهبة صديقك القديم."
"…نعم."
"تلك القوة تُسمّى الفهم. إنها قوة لا يملكها الآن سواي."
الفهم. كانت موهبة أضافها كيم ووجين إلى ديكولين من غير كثير تفكير.
"حين جئت أول مرة إلى هذا العالم، لم أعلم شيئًا، وكان يلزمني الكثير من المانا لأفهم حتى أصغر المبادئ السحرية."
أفرغ طاقته في تعلم التحريك الذهني، وكان يُرهق بعد تعويذة واحدة. تلك الأيام البائسة صارت الآن ذكريات بعيدة.
"لكن ليس بعد الآن، كواي."
مدّ ديكولين الكتاب مرة أخرى. تناوله كواي، وقرأ العنوان المكتوب بأناقة:
النظرية الأخيرة لِديكولين. عمل بعد الوفاة، كوصية مقدسة.
"…لسبب ما، أشعر أنني أستطيع أن أقترب من وجود الطاغوت أكثر منك."
كانت عبارة متعجرفة للغاية، لكنه لم يغضب. نظر كواي إلى ديكولين.
"فقط بقوة الفهم؟"
سأل. فأجاب ديكولين مبتسمًا وهو يهزّ رأسه:
"ليس الفهم فقط. أكثر من فهم العالم، أكثر من فهم القارة…"
توقف لحظة، ثم نظر في عيني كواي. تجمّعت المانا في حدقتيه، وأدرك كواي.
"…إنه فهم الوجود."
كان فهم ديكولين يقترب من مفترق معيّن. مثل برعم زهرة على وشك التفتح في المطر، كانت موهبة قبيل الإزهار الكامل.
"أنا أفهمك، كواي."
ابتسم كواي بحرارة.
"في هذه اللحظة وكل لحظة قادمة."
كما هو متوقع، كان ديكولين أصعب إنسان يمكن التعامل معه على هذه القارة.
"سأعرفك، أفهمك، وأخيرًا…"
كان يحمل الموهبة الأكثر جوهرية وتفرّدًا هنا.
"سأهزمك."
حقًا، إن كانت تلك القدرة على فهم كل الوجود.
—إن لم تكن تلك قوة الطاغوت، فما عساها تكون؟
"…حقًا؟ أظن أنك محق، بأنك إذا عرفت عدوك ونفسك، فلن تخسر أبدًا."
تمتم كواي وأشار إلى كتاب ديكولين.
"كريتو سيُعجب به. سأعطيه له، ولن ألقي نظرة عليه حتى."
أومأ ديكولين.
"إذن، سأصعد إلى المنارة."
وبينما كان ديكولين يمرّ بجانبه، سأل كواي بصوت خبيث:
"أتراك ستنتظر سوفين هناك؟ أتراك ستنتظر موتك؟ أتراك ستصلّي أن تأتي سوفين لتقتلك؟"
توقف. وأضاف كواي:
"ألم تكن قادرًا على فهم سوفين؟"
انحنى فم ديكولين قليلًا.
"…ليس أنني لم أستطع. بل لم أفعل."
"لم تفعل؟"
"نعم. كخادم، كيف أجرؤ أن أفهم جلالتها كما يحلو لي؟ أنا فقط أثق وأنتظر."
حدّق كواي في ديكولين. كانت مشاعره مختلفة عن مشاعر المؤمنين الذين يخدمون طاغوتًا. كما أنه كان مختلفًا عن إنسان يحب آخر. كان هو…
"من أجل تلك اللحظة الأخيرة، حين يخترق النصل قلبي، حين يلقى الشرير المخلوق للموت نهايته."
الخادم الكامل. الشرير المسمّى ديكولين.
"…نعم."
في تلك اللحظة، تذكر كواي بخفّة شيئًا متعجرفًا قاله ديكولين ذات مرة. تصريح ديكولين أن «الطاغوت» أعدّ نفسه لكواي، وأنه أرسله له.
"أنا أيضًا فضولي بشأن تلك اللحظة الأخيرة."
بدأ يفكر ببطء أن ذلك قد يكون صحيحًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san