الفصل 338: الكلاب تنبح، والقافلة تسير (4)
كان المنارةُ بناءً صمّمه كواي، ووسّعه ديكولين بسحره.
ليّا كانت مبهورة وهي تنظر إلى أعلى، ترقب السماء والكون من عليائها.
"وأخيرًا، وصلتُ إلى هنا."
ذلك الشيء الذي لم يكن يجب أن يكتمل، كان قد اكتمل بالفعل، ولم يتبقَّ سوى انتظار اللحظة المناسبة.
لو كان الأمر داخل اللعبة، لكانت قد استسلمت منذ زمن.
"…هل يشاهد الجميع؟"
تمتمت ليّا. كانت عدسة سحرية مزروعة في قرنيتها تراقب المنارة، وهذه العدسة موصولة بالجزيرة العائمة، تنقل كل صورة تراها إليهم.
* نعم.
"هل تستطيعون تفسيرها؟"
* أجل. إن أعطيتِني وقتًا كافيًا، أستطيع تفكيك المنارة كاملة وتحليلها.
الجزيرة العائمة العظيمة كانت تتعاون مع الإمبراطورية، ناقضةً القاعدة غير المكتوبة بعدم التدخل في الشؤون الخاصة بالقارّة.
كلّ المعارف والمهارات السحرية للجزيرة العائمة كانت تعمل على هذه المهمّة: حجب المنارة ومحاولة إيقاف ديكولين والمذبح.
بعبارة أخرى، حتى الجزيرة العائمة المتعالية جعلها ديكولين تشارك في الحرب.
* ستُدان غطرسة ديكولين بشدة. الجزيرة العائمة ستقضي على الشرور العظمى التي تُفسد العالم.
"ليّا. سمعتُ أنهم يبيعون أسياخ دجاج في الطابق السفلي."
سمعت ذلك، فالتفتت ليّا عائدةً بعينيها نحو ديكولين. كان مع الكهنة العظام للمذبح، يرتدون أردية سوداء.
"ليّا؟ أسياخ دجاج-"
"اذهب وكُل مع كارلوس، ليو."
"حسنًا!"
"هل ترينها؟"
في تلك اللحظة، اقترب شخص من ليّا. كان ديكولين.
"…ماذا؟"
"المنارة."
أومأت ليّا دون أن تنبس بكلمة، فابتسم ديكولين.
"العقدة ستُعقد قريبًا."
العقدة؟ آخر مهمة في هذه اللعبة.
"…أعلم."
كظمت ليّا تنهيدة.
"في نهاية المطاف، ستكون أنت أسوأ الأشرار، أليس كذلك؟"
أسوأ شرير. رفع ديكولين حاجبيه قليلًا، ثم ضرب بعصاه الأرض. في تلك اللحظة، اهتزّت عدسة ليّا السحرية.
أمسكت ليّا برأسها.
"آه!"
"…الجزيرة العائمة حمقاء أيضًا. هل ظنّوا أن الأمر لن يعود إليّ؟"
التفت ديكولين نحو ليّا.
"بالمناسبة، ليّا."
انخفض صوته.
"أيّ نوعٍ من الأحاديث كانت بيننا في الماضي؟"
كان يسأل عن ماضي يولي وديكولين، وهو ماضٍ لم تكن ليّا تعلمه.
“…”
ارتفعت عينا ليّا نحو ديكولين برفق، ثم تحولت إلى المنارة مجددًا. أكان هذا اختبارًا؟ أم شيئًا آخر؟
"بائس."
قالت ليّا ما كانت قد قالته له سابقًا؛ هذا الرجل كان يريد أن يحمل كل شيء بمفرده.
كما أراد أن يشاركها السعادة، طلبتْ منه أن يشاركها حتى الحزن.
الهروب دون فعل ذلك لم يكن جميلًا؛ بل كان بائسًا.
"أنت بائس. لأنك الوحيد الذي يعرف نفسَه ومشاعره."
لم يُظهر ديكولين أي تعبير. وهذا طبيعي.
فهو ليس كيم ووجين؛ لم يكن كيم ووجين.
وبرغم كونه أسوأ شرير، إلا أنه لم يكن بائسًا قط.
…لكن.
"أهكذا ترين؟"
أومأ ديكولين. بل على العكس، بدا مقتنعًا حتى، وابتسم.
بالنسبة ليولي، كانت تلك الابتسامة غامضة، وجميلة كسرابٍ في صحراء. لكنّها لم تدم طويلًا.
"ثلاثة أسابيع، ليّا."
غدا وجه ديكولين جامدًا.
"بعد ثلاثة أسابيع-"
انفجرت كهرباء ساكنة عبر شبكية ليّا مجددًا، واستُعيدت عدسة الجزيرة العائمة السحرية.
"ستنتهي القارة."
…
في صحراء روهالاك، قطّبت بريمين، قائدة المعسكر، جبينها.
"هذا غريب."
كانت كل أنواع الصحف ممدودة على طاولتها، كلها أخبار عن ديكولين.
"إنه غريب."
كانت بريمين تجمع شؤون القارة في الصحراء، بعيدًا عن القارة، وتحقق فيها بشكل مستقل.
"…غريب."
لم يكن لديها سوى هذه الكلمة لتقولها. غريب، حقًا غريب.
"لماذا؟"
كانت بريمين تعرف ديكولين. لم يكن ليبغض ذوي الدماء الشيطانية كما تقول الصحف، ولم يكن ليخرج عن السيطرة إلى هذا الحد.
بل على العكس، ديكولين ساعد بريمين على الهرب كلما اقتربوا من اكتشاف أنها من ذوي الدماء الشيطانية.
“…”
ذلك الديكولين الذي صوّرته وسائل الإعلام تجاوز مجرّد كراهية ذوي الدماء الشيطانية.
لقد جُعِلَ وكأنه متعصّب للدماء الخالصة وللطبقات. وقد بدا ذلك جليًا في الكتب التي كتبها ونشرها مؤخرًا.
[مستقبل الإمبراطورية]
كان هذا كتابًا يُظهِر الطريق الذي يجب أن تسلكه الإمبراطورية.
عملٌ مثير للجدل، أثار حماس المؤيدين لخط ديكولين، وأثار المخاوف والرهبة في نفوس الباقين.
"مستقبل الإمبراطورية هو سياسة رجلٍ حديدي، تقوم على الطبقة والدماء الخالصة… همم."
لم تكن بريمين تشعر بانتماء كبير لذوي الدماء الشيطانية.
كانت من شمال فريدين، حيث نشأت وسط البرد والجوع، بخشونةٍ كأهل تلك البلاد.
لم تكن تريد سوى ألّا تموت، وأحبّت العيش الرغيد، فخفتت هويتها كواحدة من ذوي الدماء الشيطانية.
"هناك أمر غير صحيح."
ومهما أعادت التفكير، فإن سلوك ديكولين الحالي كان غريبًا.
كررت هذه الفكرة مرارًا، لكن…
* ماذا تعنين؟
انساب صوت من كرة البلور. لم يكن صوتًا بشريًّا، بل أقرب إلى الآلة. إيلسول.
"ديكولين. تصرّفاته لا معنى لها، ولا أراه عدوًا كاملًا."
* صديقٌ يذبح ذوي الدماء الشيطانية في روهالاك هكذا؟
"يذبح؟ أتعني السجن اللوحي؟ لا أراه سيئًا إلى هذا الحد."
* …
سجن اللوحات لِديكولين. كَثُرَ الحديث حوله.
قيل إن فيه جحيمًا، أو قيل إن لا شيء فيه. انتشرت شائعات كثيرة، لكن لا بد أنه أفضل مئة مرة من غرفة الغاز.
"إن دخلنا، هناك احتمال أن يكونوا أحياء. لا نعلم إن كانوا أحياء إلا إذا فتحناه. لكنك تموت فورًا حين تدخل غرفة الغاز."
* أأنتِ جادّة؟
"نعم. على أي حال، إيلسول. ماذا عن المنارة؟"
* الجزيرة العائمة قررت التدخل.
كان ذلك مفاجئًا.
* الوقت المتبقي عشرون يومًا.
كان وقتًا قصيرًا للغاية للحديث عن دمار القارة، أقل من ثلاثة أسابيع.
"…سأذهب بنفسي."
* هل المكان جاهز؟
كان هناك ذوو دماء شيطانية هنا في روهالاك. كاركسيل، بالطبع، كان من بينهم.
"يكفي."
* المعركة الحاسمة ستكون في "الإفناء"، عند المنارة. إن حُسِمَت هناك، فالسنوات التي عشناها تحت الاضطهاد ستُلقى في الماضي. وسننال جزاءً يليق بذلك. وسنستعيد أرضنا.
“…”
ومضة خاطرت ذهن بريمين. سنوات الاضطهاد، الجزاء المكافئ، والوطن المفقود. هذه الجمل الثلاث أثارت فكرةً في عقلها.
"…إيلسول."
كان فرضيّة، لكنها محتملة جدًا. بل قد تفسّر أفعال ديكولين الآن وسلوكه في الماضي.
"أين أنت الآن؟"
ارتجف صوت بريمين.
* ما الأمر؟
"أريد التحدث معك وجهًا لوجه، تحسّبًا."
* …
لم يُجب إيلسول. وبالفعل، بسبب الوضع الحالي، لم يكن راغبًا في مغادرة الصحراء.
* هل الأمر مهم؟
“…”
تردّدت بريمين، لكنها لم تحتج للتفكير طويلًا.
"إيلسول. لقد كان لدى ديكولين فرصة."
* …أيّ فرصة؟
كانت بريمين تعرف أن ديكولين حاز فرصة للقضاء على ذوي الدماء الشيطانية سابقًا.
فقد تلقى معلومات من مخبرٍ تابع لهم، وكان بإمكانه أن يقتلهم جميعًا.
"حسنًا."
…لكن، إيمان بريمين بديكولين لم يكن بسبب تلك الحادثة فقط.
"فرصة لقتل طفل من ذوي الدماء الشيطانية."
أخرجت بريمين دفتر يوميات من الدرج. كان قد صودر من طفل محتجز في روهالاك.
لكنه لفت انتباهها قبل أن يُحرَق في مكبّ النفايات.
لم يقرأه أحد، ولم يكن فيه شيء مميز.
لكن كان هناك مقطع يقول:
[اليوم، التقيتُ بالجنرال من حرس الإمبراطورية، وهو الأكثر رعبًا. كانت الأوسمة معلّقة على صدره. كان مذهلًا. في البداية، ظننت أنني رأيت خطأ. ظننت أنني سأُقبض عليّ فورًا وأُؤخذ إلى المعسكر، لكنه غادر دون أن يقول شيئًا. فقط طلب مني أن أكون حذرًا. لذلك اعتقدت أنني أخطأت. لكن لاحقًا، رأيت وجهه مجددًا في الصحيفة. كان حقيقيًّا.
اسمه هو…]
…ديكولين، قالت بريمين وهي تُغلق اليوميات.
"…لم يكن ليقتل حتى طفلًا من ذوي الدماء الشيطانية."
…
…الجزيرة العائمة، أعالي ميغيسيون، حيث جُمعت وحُفظت كل المعارف المتقدمة وسجلات السحرة العظام في العالم. هناك، اجتمع كل العقول الرفيعة للجزيرة العائمة يعملون بجد.
"هذه المنارة وسيط. المذبح يعتزم جذب المذنبات إليها، وسحر ديكولين يُضخّم أدائها."
كان من بينهم المدمن أستال، وسحرة الفئة الأثيرية الذين نالوا امتياز العيش في الجزيرة العائمة. كانوا يدرسون بتمعن أهداف المذبح وديكولين.
"لكن، مهما كان المذبح يخطط له، فغايتنا بسيطة."
لم يكونوا يتدخلون عادةً في شؤون العالم. لذلك، لم يكن دافعهم الآن سوى ضغينة شخصية.
بعبارة أخرى، الأمر كله كان ديكولين.
"سوف نفني ديكولين."
قال المدمن أستال.
وإذ استمعوا إليه، غاص سحرة الجزيرة العائمة في تطوير تقنية صُممت خصيصًا لإفناء ديكولين.
"سأكرر. سوف نقتل ديكولين."
قال أستال مجددًا.
"سوف نقتل ديكولين."
كررها ثانية.
"سوف نقتل ديكولين."
ومرة ثالثة.
عندها فقط بدأ السحرة يُدركون أن ثمة أمرًا غريبًا يحدث، فرفعوا رؤوسهم واحدًا تلو الآخر نحو أستال.
"سنـ… سنـ… سنـ…"
كان أستال يكرر نفسه.
"سنـ… سنـ… سنـ…"
سنفعل. كان يكررها، وحركاته بدأت تبطؤ.
"سنـ…"
ثم تجمّد كليًّا فيما صوته ما يزال يتردّد.
لا… لقد توقّف الزمن.
سقط صمت على ميغيسيون، ثقيلًا كثيفًا، ولم يُكسر إلا بإرادة واحدة.
* سأُجري بعض التصحيحات لما قاله للتو.
طَق— طَق—
رنّت كعوب عالية على الأرض، وظهرت هيئة من ظلال ميغيسيون.
"…نعم. إنّها أنا، إيفيرين."
تطلّعت إيفيرين إلى كل واحد منهم.
"من المستحيل تدمير ديكولين."
قالت باستهزاء، تُشبه معلمها السابق.
"لا، لن تستطيعوا. ما دمتُ أنا هنا."
"…همف."
طَق، طَق.
قهقهت إيفيرين وجلست إلى جوارهم. أدارت رأسها وحده، وتفحّصت سجلًا على الحائط.
[لوكرالن — كايديزايت]
سجل الجزيرة العائمة عن لوكرالن وكايديزايت.
وبينما كانت تحدّق فيه، عادت بها الذكريات إلى الأيام القديمة.
"أظن أنني سأراك مجددًا… قريبًا."
وبصراحة، ما زالت لا تعلم ما الذي حدث في ذلك اليوم.
لكن، كان لديها إحساس داخلي بأن ذلك اليوم سيعود قريبًا.
"حتى يحين ذلك، سأبذل قصارى جهدي، يا أستاذ."
تمتمت إيفيرين برفق، وأدارت بصرها حولها.
كَرَك—
بدأ شيءٌ يئنّ.
"…أوه."
بالفعل، كانوا أقوياء. ليس هناك كثير من السحرة القادرين على مقاومة سحرها.
لكن، حسنًا…
"هذا أفضل."
كانت إيفيرين، وقد صمدت أمام زمن لا متناهٍ، وشحذت مهاراتها بحدة، واثقة كفاية لتواجههم جميعًا.
"هيا أيها الجميع. سأتولّى أمركم بنفسي."
الآن، باتت تؤمن بنفسها أكثر من أيّ أحد آخر.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san