الفصل 321: المعلّم والتلميذة (1)
كانت ليا تفكّر في نهايةٍ عليها أن تقتل فيها ديكولين، أو تُسقِط المنارة، أو تهزم كواي، أو أيًّا كان ما يتطلّبه الأمر لحلّ هذه المهمّة الرئيسيّة.
“…”
استلقت على السرير، وحدّقت في سقف الغرفة الفاخرة. وبينما تنظر إلى ورق الجدران الداكن، طفا وجه ديكولين في خاطرها. لقد كان شريرًا بطبيعته. جُعِل خصيصًا ليكون شريرًا، فلم يكن ثمة مجال للتقمّص من جديد.
—الاستراتيجية الرئيسيّة هي قتله في أسرع وقت ممكن منذ بداية اللعبة.
…هكذا خلص تقريبًا كل الموظفين الذين كانوا يختبرون اللعبة. ولكن، هل ولّد هذا الشرط الواحد متغيّرات لا حصر لها؟ هل غيّر ذلك التردّد الطفيف ديكولين إلى ما هو عليه الآن؟
“الإقناع.”
وهكذا، كانت ليا تفكّر في الوصول إلى نهاية أفضل دون قتل ديكولين.
“هل عليّ أن أبوح بأنني يولي؟”
بالطبع، لم تكن هي ذات يولي التي يعرفها، لكنهما كانتا متشابهتين على الأرجح. الهوايات والتخصّصات متماثلة، وكذلك الاهتمامات والمهارات. غير أن إقناع ذلك الرجل الصارم سيكون أصعب من قتله.
“هل من الأسهل فقط أن أقتله؟”
بإمكانها قتل ديكولين، لأنه لم يكن كيم ووجين.
طَرق، طَرق—
اهتزّت النافذة.
طَرق، طَرق—
خارجًا، كانت امرأة تحدّق من خلالها وتلوّح بإصبعها. كانت إيلي.
“هاه؟”
اتّسعت عينا ليا، فيما ابتسمت إيلي ابتسامة عريضة ودخلت. لم تحتج حتى إلى فتح النافذة. خطت خطوة واحدة، فكان ذلك كافيًا.
“كيف حالكِ؟”
كانت إيلي، من حيث القوّة، تُعَدّ الأقوى بين الدماء الشيطانية، غير أنها في الوقت نفسه مختلّة لا تعرف المشاعر. وبينما كانت ليا تتردّد ذهابًا وإيابًا من الصحراء، نقلت لها بعض المعلومات، وانتهى الأمر بأن صارت أقرب إليها.
“…إيلي. ما الأمر؟”
“الشيخ أمرني أن أمرّ.”
بمعنى آخر، إيليزول هو من أمرها. أومأت ليا برأسها.
“هل بسبب قضية ديكولين؟”
“نعم. وأيضًا هوية تنكّري….”
أخرجت إيلي بطاقة هويّة من رداءها.
[إلين من وزارة الزراعة والغابات الإمبراطوريّة]
“…وزارة الزراعة؟”
“إنها هوية مزيّفة. أنا عميلة لوكالة الاستخبارات الإمبراطوريّة.”
“هاه؟!”
تظاهرت ليا بالدهشة مرّة أخرى، لكنها كانت تعلم ذلك أصلًا. إيلي كانت من المصنَّفين.
“إذن… جئتُ لأسأل ما الذي ستفعلينه.”
“لقد قبلتُ المهمّة بالفعل.”
“هممم.”
أومأت إيلي وهي تتابع.
“إذن، هل ستقتلين الأستاذ؟”
بالنسبة لإيلي، هل ما يزال ديكولين أستاذًا؟ قبضت ليا على بطانيتها.
“لا أعلم بعد.”
“حسنًا. فهمت.”
“…نعم.”
“لكن سواء أردتِ قتله أم لا، فما زالت لدينا فرصة.”
قالت إيلي. لم يكن في صوتها أي أثر للعاطفة.
“…فرصة؟”
عندما سألتها ليا، ناولتها إيلي خريطة دون كلمة. كانت هناك ساعة ومكان محدّدان عليها.
“ما هذا؟”
“هذه خريطة تركتها إيفيرين خلفها. إنّها تنادينا. وربّما تناديكِ أنتِ تحديدًا.”
“…”
إيفيرين. ذلك الاسم أعاد ليا إلى ديكولين مجددًا. وقد كان مقتنعًا أن اللوحة تعود لإيفيرين، فتوجّه نحو الجزيرة العائمة.
—…سأقتلها.
فهل كان هذا طلب نجدة من إيفيرين؟ لا، بل كان كذلك بكل تأكيد.
“أجل. أعلم ما يعنيه هذا.”
أخذت ليا الخريطة.
—
…لمدّة يومين.
اشتريتُ كل أشجار القنّب التي استطعت، دفعت مئات الآلاف من الإيلنس. استخرجت أنقى طاقة مظلمة من لحاء الشجرة، وركّبتها مع مواد سحريّة أخرى لإعداد سائل روحي. كانت العمليّة وفق 「سحر الأدوات」 لديكالان.
“يجب أن يكون هذا….”
مئة ملليلتر من الطاقة المظلمة النقيّة الخالية من الشوائب تعزّز القدرات الجسديّة وحدها. إكسير، إن حُقِن في الوريد، سيجعل المرء قويًّا بما يكفي ليُقارَن بزيت.
“كافٍ.”
أومأتُ برضى وأنا أنظر إلى السائل. بالطبع، لقد حسّنت أداءه بجهالة، فلو استعمله أيّ فارس لذابت أجسادهم وانهرست. لكنني لم أكن فارسًا عاديًّا. أنا الرجل الحديدي المولود من يوكلاين.
“…”
وضعت السائل في قارورة كيميائيّة وأدخلته في بذلتي مع حقنة. علّقت المعطف على كتفي وأمسكت عصاي.
لكن، قبل أن أغادر الملحق—
دوووم—!
انفتح الباب أوّلًا، وظهرت شخصيّة بوجه ممتعض. نظرت إليّ وصاحت.
“هيي—!”
امرأة جريئة تجرؤ أن تناديني بـ“هيي”. يرييل.
“ما خطبك؟! لماذا اشتريت كل هذا؟!”
كانت تبدو لطيفة وهي تلقي على الطاولة كومة من الإيصالات. ظلّت توبّخ، غير أنّ ابتسامة أخذت تتسلّل إلى شفتيّ وأنا أرقبها.
“ما الذي تبتسم حياله؟! لماذا اشتريت كل هذا؟!”
لم تكن تصرخ غضبًا، بل قلقًا. كانت تتفحّص الملحق بعينين حادّتين.
“يرييل.”
“…ماذا؟”
سألت يرييل بوجه عابس.
“اليوم الموعود سيأتي قريبًا.”
“…اليوم الموعود؟”
تجهمت يرييل. هل نسيت، أم تتظاهر بعدم العلم؟ قلتُ وأنا أحدّق في ساعتي.
“اليوم الذي ستصبحين فيه رأس العائلة.”
“!”
سواء لم تكن تعرف أو محته من ذهنها… تلوّن وجه يرييل بالذهول. تمتمت متلعثمة.
“ماذا، ماذا، لا، عمّ تتحدّث؟”
“لقد وعدت. سأهبكِ مقعد رأس العائلة.”
“…لا، هذا… ذاك…”
“ماذا؟”
سألتها.
ابتلعت ريقها بصعوبة. ثم نظرت خلف الملحق، ودخلت مسرعة وأغلقت الباب.
“كان ذلك قبل أن أعلم بشأن دمي—”
“قلت لكِ ذلك وأنا أعلم أصلًا. بل أقسمت لكِ.”
“…”
حينها، فرغ وجه يرييل للحظة. حتى ذلك الوجه الخالي بدا جميلاً، لكنه ذكّرني بمشاعر كيم ووجين القديمة. لسوء الحظ، لم يكن الفراق بعيدًا.
“النبيل المتكبّر الذي يعتمد على نفسه وحده لا يستحقّ ذلك المقام.”
وضعت يدي فوق رأسها.
“رأس العائلة لا بدّ أن يُحسِن الاستماع، وأن يُجيد التعامل مع الناس، وأن يحترم الاختلافات، وأن يكون باردًا أحيانًا.”
رفعت نظرها إليّ.
“القدرة والخُلق. ما دام الاثنان في انسجام، فلا شأن للمقام أو للدماء. بل إنهما عقبة في النهاية.”
مرّرت يدي على رأسها الصغير برفق. كان هذا السلوك غريبًا عن ديكولين وكيم ووجين.
“فوق كل شيء، لديكِ ضمير، أليس كذلك؟”
عند التفكير، لم أكن يومًا لطيفًا مع أختي. كان وجودها بجانبي أمرًا بديهيًّا، ولشدّة اعتيادي عليه شعرت أنّه عبء.
…ندمٌ واحد كهذا يكفي.
“لديكِ وعي يوكلاين.”
ابتسمت قليلًا. عندها لان تعبير يرييل. عيناها الرطبتان اتسعتا بالعاطفة، وشفتاها انفصلتا بدهشة.
“إذن، يرييل. يوكلاين تليق بكِ أكثر من أي أحد.”
قلت مبتسمًا.
“ثقي بي. ليس كذبًا.”
في المستقبل، بعد موت ديكولين، ستكون يوكلاين تحت حكم يرييل.
“يوكلاين قدركِ.”
—
مرتفعات مجهولة في الإمبراطوريّة.
عدتُ إلى هناك. ما زالت ثلاث ساعات متبقيّة، لكن العديد من سحرة الجزيرة العائمة اجتمعوا بالفعل. سبعة عشر إجمالًا، كلّهم من رتبة الأثيريّ.
“الأثيري ديكولين.”
تقدّم كيلر مايف أوّلًا. أومأت إليه، فألقى نظرة على السحرة المصطفّين بجانبه.
—باريوس غرايند كاركيرشيوس.
أنشدوا ترنيمة. ارتجّ المانا المهيب من أصواتهم، وتطايرت جسيماته متآلفة تملأ الأجواء. كان الوسيط لتجسيد السحر هو قاعدة الجبل بأكملها. مشهد يستحق أن يُدعى سحرًا عملاقًا.
“لا توجد نقطة ضعف.”
قلت صراحة. لم يكن ثمة شيء. معرفة الجزيرة العائمة وقوّتها السحرية كانتا راسختين وكاملتين. في الحقيقة، لم أشكّ يومًا بقدراتهم.
“أجل. الفخّ محكم. سنحبس إيفيرين في الزمن، ثم نقتلها.”
قال مايف. تردّدتُ لوهلة. هل أقتلهم جميعًا قبل أن يكتمل هذا السحر العظيم؟
“…”
لا، لم أحتج لذلك، حتى من أجل إيفيرين. فأنا أستاذها، ولي عليّها كلمات أيضًا.
“متى تبدأون؟”
“قريبًا. ثم ستنزل الساحرة العظمى أيضًا.”
الساحرة العظمى. اسم سيّئ للغاية في هذا التوقيت.
“…ساحرة عظمى؟”
“من رتبة الأبد، الساحرة العظمى أدريان. بما أنّ الأمر ضخم بما يكفي ليدفع ساحرة عظمى للتدخّل، فقد طلبنا تعاون الجزيرة العائمة، وقد قبلوا.”
“…”
الساحرة العظمى أدريان. هكذا، لم تكن دائمًا توقعاتي السيّئة خاطئة.
“أين هي؟ لا أراها.”
“إنها تراقب من مكان آخر. ما رأيك؟ لا سبيل لإيفيرين للهرب.”
قال مايف بازدراء. كانت أدريان متغيّرًا مقلقًا، لكنني شعرت أنني أدركت لمَ قبلت المشاركة.
“لأنها رأت أن الأمر ممتع!”
كنت أكاد أسمع صوتها وأنا أفرك رأسي.
ووووووونغ—!
ارتفع الغبار عند سفح التل برفق، واهتزّ الجبل كله، وتساقطت أوراق الأشجار القريبة.
“…سنبدأ الآن.”
أشار مايف. أخرجت أنا أيضًا القارورة من جيبي.
رمقني مايف.
“ما هذا؟”
أجبته بلا انفعال.
“دواء. به سنفوز.”
“…حقًّا؟”
ابتعد مايف دون كلمة أخرى وصعد إلى مصدر سحرهم. ربما لم يكن لديه ما يقلقه بما أنّ أدريان وعدت بالمساعدة.
“الأثيري ديكولين، أخبرني إن كان في النظرية خطأ. بالطبع، هي كاملة حتى دون مساعدتك. واحد من كل عشرة ملايين—”
“لا تقلق، فلنبدأ.”
المهام التي عهدوا بها إليّ كانت التفتيش والتنسيق. إن شِئتَ التشبيه، كنت كالمايسترو في الأوركسترا. لكنه عنى أيضًا أنّ بصيرتي السحرية كانت معترفًا بها حتى في الجزيرة العائمة.
“…استعدّوا.”
رفع مايف يده.
ووششش—
هبّت الرياح. الآن، كان هناك سبعة عشر مقعدًا في الدوائر المتّحدة لمركز تعويذتهم. وقف كل قاتل في مكانه وأغمض عينيه بصمت.
بوووم—!
ذلك كان بدء تشغيل الدائرة. ارتفع المانا الصافي من أجسادهم، وسرى الهواء الخارج منهم سريعًا في أرجاء سفوح الجبل. مثل جمر حريق غابة، حملته الرياح بعيدًا.
───باريوس غراشيوس.
أنشدوا. لم يكن هناك معنى خاص. بل كان الهدف توحيد نيّاتهم وماناهم بترديد نفس الأصوات. ثم…
────غرايند كاركيرشيوس.
هذا السحر العظيم لم يتجلَّ بصخب. بل كان هادئًا. كأن كل شيء قد توقّف، حتى الريح.
──…كروسيوس.
ذلك كان الترنيم الأخير. ومعه، ثُبّت الزمن عند سفح الجبل.
“سنتحرّك الآن.”
قال مايف. غير أنّني لم أرَ حاجة للعجلة.
“الأثيري ديكولين؟”
“…”
التفتُ متّبعًا عبير تلك الفتاة.
“…اتبعوني.”
سرتُ نحو ذاك الاتجاه. تبعني القتلة.
خطوة—
تحرّكتُ، لكن العالم كان ساكنًا. الأرض التي حفرتها قدمي بقيت جامدة في تلك الحالة، ولم ينبعث من أي شيء طاقة حركيّة. عند سفح الجبل حيث تجمّد الزمن، على حافّة منحدر، وجدتها.
“…أأنتِ هي؟”
ناديت الفتاة.
…لا. بدا أنها كبرت كثيرًا لتُدعى فتاة الآن. كان شعرها دائمًا أشعثًا إذ تقصّه بالسحر لتقتصد المال، أما الآن فصار بطول معتدل. وفي عينيها، اللتين طالما بدتا فارغتين، انبثق بريق. لولا قولها بأنها إيفيرين، لما تعرّف عليها معظم الناس.
أوقد القتلة ماناهم، فقالت:
“…نعم. أنا هي. أستاذ.”
حتى صوتها قد تغيّر كثيرًا عمّا مضى. لكن، أكان السبب أنّها نضجت بسرعة بالغة؟ لقد بدت كوريقة توشك أن تنهار، كبذرةٍ ضائعة في الرياح، وأوجع قلبي المشهد.
لهذا فكّرت—
“…لقد مضى زمن طويل.”
كانت لا تزال بحاجة إلى درسٍ آخر.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san