الفصل 311: زهرة الزجاج (3)
هاديكن، قلعة يوكلاين.
كانت يرييل تحدّق في القمر المرتفع في سماء الليل، قبل أن تطلق تنهيدة طويلة.
ـ "أأنتِ قلقة بشأن أخيك؟"
“…”
عند كلمات بريمين، ضاقت عينا يرييل بحدّة، ثم التفتت لتنظر إليها.
ـ "لا. كنتُ أفكّر في المستقبل."
في القارّة، في الكارثة التي ينشرها المذبح، وفي الأُمم التي ستتزعزع. كانت يرييل تفكّر في الطريق الذي ستسلكه يوكلاين.
ـ "هذه المرّة، جاء أمرُ القمع في حقّ الدِّين."
الإمبراطورة سوفين حرّمت نشر كتاب الرؤيا دون إذن، وكذلك التحريض الديني.
وفوق ذلك، ظاهرة نزوح السكان، إذ يغادر المقيمون المفتونون بالمذبح نحو الفناء، تُرك التعامل معها لاستقلاليات الأقاليم.
ـ "لن يكون من الحكمة أن يُفرَض الحظر بالقوّة."
مرسوم قمع المذبح، الصادر عن البابا نفسه، أعلن نهجاً متشدّداً بأن من لا يتعاون سيُحكم عليه بالحرمان الكنسي. ومعظم الدول، مثل الإمبراطورية، وريوك، ويورين، سَتُساق قريباً بعنف. وبالطبع، عِرق الدماء الشيطانية سيُجَرّ إلى قلب تلك الزوبعة.
ـ "ستكون مطاردة ساحرات."
نظرت يرييل إلى بريمين. فاكتفت بريمين برفع كتفيها.
ـ "يبدو أنّ غرفة الغاز في ريوك قد أُعيد تشغيلها."
بعد أن أنهت حملة سوفين الصحراوية الأمور، برز خطرٌ جديد أمامهم.
ـ "بالمناسبة، هل أنتِ بخير؟ هناك شائعات تنتشر في عالم السياسة أنّكِ قد تكونين من الدماء الشيطانية."
لقد تشاركت بريمين مع يرييل منذ زمن سرّهما، كونهما من الدماء الشيطانية.
ـ "نعم. لا بأس."
ـ "وكيف الوضع هناك الآن؟"
ـ "روهالاك ومحيطها مترابطة بإحكام. فريق القتل الذي تحدّثتِ عنه يستعدّ للتحرك."
ـ "…ممتاز."
أومأت يرييل. هذا كان المشروع الضخم الذي ظلّت تُحضّره طوال الوقت. تعمل في الظلّ، تُحرّك الدماء الشيطانية داخل معسكر روهالاك نحو الخارج، ليتمكّنوا من مساعدة ديكولين.
هدفهم لم يكن القضاء على العناصر الأساسية للمذبح فحسب، بل أيضاً اغتيال نبلاء الإمبراطورية المتعاونين معه. لن يُترك أيّ دليل. لا، حتى لو بقي الدليل، فلن يوجد مشتبه بهم لملاحقتهم. وبعد انتهاء كلّ شيء، سيعودون جميعاً إلى المعسكر.
عقدت يرييل ذراعيها.
ـ "فلنبدأ."
—
ـ "آهغ!"
كانت جولي تؤدّي تمرينات العقلة. واحد، اثنان، ثلاثة… حتى مئة. وفور أن أفلتت من القضيب، هوت إلى الأرض لتشرع في تمرينات الضغط. متدرب آخر تقدّم نحو القضيب الحديدي وقد خلا.
—"بطيئة! هل أنتِ حلزون؟!"
تدفقت صيحات المدرب عليهم. أكملت جولي مئة ضغطة بسرعة، ثم رمت بجسدها في الوحل. كانت التربة السوداء الممزوجة بالمانا تعضّ باطن قدميها، فيما كانت تزحف رافعةً ركبتيها.
—"بطيئة جداً!"
ومع ذلك، المدرب ما زال يصفها بالبطيئة. أدارت جولي رأسها تتفحّص من حولها. وجوه رفاقها لا تُطاق، بعيون خاوية وتقاسيم تتلوّى من الألم. في نظرهم، هذا التدريب الجحيمي يبدأ حالما ينتهي تدريبهم السابق.
—"تحرّكوا!"
تحرّكت جولي. زاحفة عبر الوحل، بلغت جداراً خشبياً شاهقاً. ارتفاعه يتجاوز العشرة أمتار. لكن المانا لم يكن مسموحاً باستخدامها في هذا النوع من التدريب البدني. أمسكت الحبل المتهدّل وبدأت في الصعود. وما إن شارفت على القمة—
ـ "آهغ!"
حتى قذفت بنفسها فوق الحافة وهوت. وبمجرد أن هبطت، هرولت نحو المدرّب دون أن تُظهر أي أثرٍ للصّدمة أو الألم.
ـ "…المتدرّبة رقم 273. المركز الأوّل."
لم يكن المدربون ينادون المتدرّبين بأسمائهم، بل كانوا أرقاماً وحسب.
ـ "أرى أنّكِ لستِ حالة محسوبية بائسة."
صرخت جولي بصوتٍ جهوري.
ـ "شكرًا—!"
…
في المطعم بعد التدريب مباشرة، كانت جولي تأكل وحدها. والحقّ أنّ الطّعام كان أطيب من وجبات فريدين.
ـ "هيه."
متدرب ما وضع صحنه بجانبها وهي تلتهم الطعام.
"…؟"
رفعت جولي بصرها. كان ذا جمال محايد. لا، أهو رجل أم امرأة؟
سأل:
ـ "سمعتُ أنّكِ من فريدين؟"
ـ "…نعم."
ـ "آه. وأنا من الشمال أيضاً. تشرفتُ بلقائك."
مدّ يده. صافحته جولي.
ـ "أنا كواي."
كان اسماً غريباً.
ـ "كوين، كوان، كواي. كواي؟"
كان صعب النطق.
ـ "نعم. كواي. ما اسمكِ؟"
حين سُئلت عن اسمها، تردّدت جولي قليلاً. من الأفضل أن تُخفي اسمها الحقيقي.
ـ "…يوري."
كان مكتوباً "يوري" في بطاقتها. جوزيفين لم تغيّر سوى بعض الحروف مراعاةً لجولي، التي لم تكن تجيد الكذب.
ـ "أجل، يوري. لكن يا له من ورط! كلّه بسبب ديكولين."
ـ "ديكولين… تعنين رئيس البرج؟"
ـ "نعم. أنتنّ تتدرّبن في جحيم، لأنّ ديكولين يراقب."
وبينما تتنهد وهي تغرف ملعقة أرزّ، نظرت كواي إلى جولي.
ـ "لكن الأهم. أنتِ. إن كنتِ من فريدين، فلا بد أنّكِ لا تعرفين الكثير عن الإمبراطورية، أليس كذلك؟"
ـ "…نعم؟ آه، صحيح. لا أعرف."
ـ "جيّد إذن."
مدّت كواي يدها نحو جولي.
ـ "فلنكن صديقتين. سأعرّفكِ إلى كلّ الإمبراطورية."
“…”
تردّدت جولي لحظة، لكن لم يكن عليها أن تتردّد. كان هناك الكثير مما تجهله.
ـ "نعم. شكراً لك."
صافحت جولي يد زميلتها المتدرّبة كواي.
—
…انتهى التقييم لاختبار التصفية الإمبراطوري. كان هناك ثمانية أشخاص فقط أجابوا إجابة صحيحة. أقلّ مما توقعت. لكن أحدهم استُبعِد، فلم يبقَ سوى سبعة. غير أنّ بين الأسماء بعض الأسماء العجيبة. يمكن أن أتفهّم لويْنا، وآيلهم، وسوفين، وإيفيرين. أمّا الأربعة أساتذة من برج السحر الإمبراطوري، ومن بينهم ريلين وسياريه، فكان قبولهم عسيراً.
ـ "…هل ساعدتَهم؟"
سألتُ الطاغوت المزعوم الجالس الآن على مقعد الضيافة في مكتبي، وهو يتثاءب. كواي.
ـ "ماذا؟ لا. لقد أيقظتُ إمكاناتهم وأظهرتُ المزيد منها فقط. إنها قوّة الأساتذة التي أوصلتهم إلى هذا الحد."
قهقه كواي بخفوت. هززتُ رأسي.
ـ "لكن، أيمكنك أن تتحرك بهذه السهولة؟"
ـ "وما الضرر؟ في النهاية سنلتقي على أية حال. من الجيد أن نتبادل الحديث كثيراً."
“…”
حدّقتُ في كواي. كان هادئاً على نحو مريب.
ـ "وماذا تفعل هذه الأيام؟"
لم أكن أنوي الردّ في البداية. لو عاملتُه كأنه غير موجود، لظلّ يثرثر ثم يتركني في النهاية.
ـ "أتيتُ إلى هنا بعد أن التقيتُ بجولي."
عند تلك الكلمات، انتفخت عروقي على جبيني.
“…”
وضعتُ أوراق الاختبار المصحّحة في ظرف، وأجبتُ وأنا أختمه بسحر.
ـ "أنا أبحث عن الطاغوت."
ـ "…الطاغوت؟ تقصدني؟"
أشار كواي إلى نفسه، لكن ذلك كان مثيراً للسخرية. ابتسمتُ بمرارة.
ـ "لستَ أنت."
ـ "…إذن من؟"
في تلك اللحظة، تجمّد وجهه قليلاً. طاغوت، لكن ليس كواي؟ لم يكن هناك سوى واحد.
ـ "الطاغوت البدائي الذي بجلتَه."
“…”
عضّ كواي على أسنانه. أترى أنه ظنّ أنني أهينه؟
ـ "ليست سُخفاً ولا ازدراء. حتى الآن، ما زلتُ أفكّر فيك وأدرس."
رفعتُ كتاب المذبح وكتاب الدماء الشيطانية في الهواء بـ「التحريك الذهني」. امتلاكهما وحده يستوجب العقاب، لكن "اعرف عدوك تصبح لا تُقهر". فسّرتُ كلّ ما فيهما بـ「الفهم」.
ـ "أنت والكتاب المخصّص للدماء الشيطانية تنبّأتُما معاً بعودة الطاغوت. غير أنّ الموضوع مختلف."
ـ "لا. إنهما الشيء نفسه."
ـ "لو كانا الشيء نفسه، لما انقسمت الدماء الشيطانية عنكم."
الدماء الشيطانية الآن ممزّقة. بعضهم يبجل المذبح، لكن أكثر من نصفهم يرونهم أعداء.
ـ "كواي. قد يأتي الطاغوت الذي بجلتَه لرؤيتك."
“…”
اندفع هالة من جسد كواي.
ـ "الطاغوت قد مات. أنتم البشر قتلتموه."
ـ "لا. الطاغوت مات بيده هو. لأجل أن يتطور البشر."
أغمض كواي عينيه، وانبثق هواء قرمزي يلتف حول جسده. متغيّر موت.
ـ "كواي. أظن أنني عرفت."
لكن ذلك لم يردعني. حتى لو أراد كواي قتلي، كان هناك سبب يمنعه.
ـ "الاسم الحقيقي للطاغوت."
“…”
هوووش—!
اندفع متغيّر الموت كالبرق، لكنه لم يتحرك. بل على العكس، انطفأ سريعاً.
أهداني كواي ابتسامة هادئة على مضض.
ـ "أنت جادّ إلى حدّ السخرية."
ـ "إنها الحقيقة."
ـ "…سأرحل الآن."
هززتُ رأسي وهو يهمّ بالمغادرة.
ـ "كان عليك أن تُدرك هذا منذ زمن."
قبض قبضتيه.
ـ "إن كان صانع هذا العالم هو الطاغوت…"
الطاغوت الذي ابتكر هذا العالم. أي بعبارة أخرى، من صنع هذه اللعبة.
ـ "فأنا أعرفه منذ زمن بعيد."
أنا.
كيم ووجين كان يعرف مسبقاً.
…هوووش.
في تلك اللحظة، اجتاحني برد الخريف من الخلف. ستائر مكتب الرئيس رفرفت بعنف.
والنافذة لم تكن مفتوحة.
ـ "…لقد هربت."
ولم يعد كواي موجوداً.
ـ "إن لم يكن قادراً على الاحتمال، فما كان عليه أن يستفزّني."
غير أنني ابتسمت.
—
حديقة الجامعة الإمبراطورية.
بينما كانت سيلفيا تسير في الحرم وتأكل قطعة وافل، تقدّم منها مغامر. أجل، لقد حان الوقت أخيراً.
كتمت سيلفيا ضحكتها بسعال، وانتظرت أن يقترب.
ـ "هل أنتِ السيدة سوفين؟"
ـ "نعم."
أبرزت سيلفيا هويتها. أومأ المغامر وسلّمها طرداً.
ـ "تفضّلي. هذا من القصر الإمبراطوري. رجاءً افتحيه وحدك، في مكان لا يراك فيه أحد."
ـ "نعم."
ـ "علاوةً على الجداول المفصّلة، سيزورك أحد من القصر ليشرح لك."
غادر المغامر على عجل، ففتحت سيلفيا الطرد.
[إحدى الأشخاص الذين أجابوا إجابة صحيحة في اختبار اختيار سحرة الإمبراطورية: سوفين]
اكتفت بالنظر إلى العنوان. ثم أعادت البقية إلى الطرد، وتابعت سيرها في الحديقة. فجأة، خطرت لها فكرة، فأخرجت كرة البلّور.
ـ "أين أنتِ؟"
—"مقعد الحديقة."
استدعت تلميذتها الأولى.
ـ "حسناً. سأصل حالاً."
—"نعم."
سارت سيلفيا نحوها، ثم تنحنحت وسألت ثانية:
ـ "بالمناسبة. هل سبق أن ذهبتِ إلى القصر الإمبراطوري؟"
—"…ا-ا-االقصر الإ-الإ-إمبراطوري؟"
ما إن ذكرت القصر الإمبراطوري حتى ارتجف صوت تلميذتها. إذ إن زيارة القصر ولو مرّة واحدة حلمٌ عظيم لكل الفرسان.
ـ "نعم. أظن أن عليّ الذهاب إلى القصر الإمبراطوري قريباً."
—"واو. أأهذا صحيح؟"
ـ "لذلك أعتقد أنني سأحتاج إلى مرافق واحد، وبإمكاني اصطحاب شخص واحد غيري."
انقطع صوتها فجأة. لوهلة، ظنّت سيلفيا أن كرة البلّور تعطّلت. لكن التلميذة أجابت أخيراً بجدّية.
ـ "أين أنتِ الآن؟ سألقاكِ حالاً. يا أستاذتي سوفين."
ـ "أنا أراكِ أصلاً. هنا، الوافل."
رفعت سيلفيا قطعة الوافل. في تلك اللحظة، قفزت يوري من المقعد.
ومهما حاولت أن تُقنع نفسها، فقد كان اسمها وهيئتها تُشبهان جولي. حتى المانا التي تشعّ منها بدت مماثلة.
ـ "…هناك أمر ما."
لم تكن تحاول أن تجعلها تلميذتها بلا سبب. كان ثمة شيء غير مألوف ومثير للريبة في يوري—
ـ "ماذا تعنين؟ يا أستاذتي سوفين!"
ـ "…لا شيء. هيا بنا. لديّ الكثير لأعلّمك."
أولاً، سلّمت سيلفيا الطرد لتلميذتها.
ـ "احملي هذا."
ـ "نعم!"
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san