لَم تكن جُوِل متأكدةً تماماً متى عاد التنفس للعمل فعلياً. غير أن رئتيها اضطربتا بغتةً وانطويتا ثم جذبتا بألم ذلك الحطام العشوائي الذي صار إليه قفصها الصدري عبثاً، لتشهقا بقوة في حلقها المترضض. وفي اللحظة التالية احتدم صدرها ببرودة ريح الخريف القارسة الصافية، دافعةً بالصقيع والألم عبر حلقها إلى جوفها في هبوب عاصف جارف. والأهم من ذلك أنه ملأ رئتيها بالهواء. هواءً منتعشاً بشكل مجيد قُبيْل الشتاء يبدو في غير موعده في مطلع الصيف، لكن جُوِل لم تكن لتتذمر من تلك الهدية المتدفقة في رئتيها.
بصراحة لكانت جُوِل سعيدةً بتنفس الطين إن احتّم الأمر، وربما كان حثالة البِرك أو ماء الاستحمام ميزةً إضافية. أما الحصول على هواء حقيقي بأي صفة كانت فهي نعمة أكبر من أن يُتذمر منها. كان الأمر أشبه بنوع مختلف تماماً من النيران يسري في جسدها. فقد كانت العروق تشتعل بشراسة تكاد تخنق نار التنين خاصتها. اختلجت عيناها، وتورّمت منخراها، وارتجف جسدها دون حاجة لأن يُجرّ قهراً بالإرادة ونار التنين وحدها.
بل كانت الأمور تحدث ببساطة لأنها فعلتها. لا بوصفها وسيطاً يُمسك بجسدها المترهل ويجبره على التحرك كأداة لا كجسد يسكنه المرء. كانت مبتلةً، وكانت العاصفة والطين من حولها يغنيان طرباً لذلك. وهي بدورها غمرها الفرح حين استيقظ لحمها بدهشة واهنة لكونه لا يزال موجوداً وحاضراً فعلاً في جوفها. كان كل شيء مؤلماً لكنه ألم حيّ يبعث على الشجاعة رغم عمقه المروع الغامر. وبمرور الوقت، نجحت حتى في فعل أمور سوى التنفس.
السمع والرصرة كانتا اثنتين منها!
"أخبرتك أن العنق هي المشكلة الأكثر حرجاً!".
كانت مخارج الحروف المستديرة بإفراط لـ تسولوغوثيران والتي تبدو عاديةً بشكل لا يصدق في تلك اللحظة وليمةً للحواس. لكن بصراحة، كان أي شيء مهما يكن مبعث سرور ليُسمع عوضاً عن دوي الدم الراكد المستمر في رأسها.
"فاتن، بأي مقياس طبيعي ينبغي أن تكون ميتةً تماماً تماماً. فأي مخلوق آخر تعني له عدة ساعات من محاولة العيش بلا تنفس الموتَ وحده. أتساءل عما يختلف بالنسبة للتنانين".
حتى تحليل اللورد فيزبانتش الجاف لمعاناتها الخاصة كان مبعث سرور. رمشت جُوِل طردًا للمطر من عينيها وأدارت رأسها ببطء، مستغربةً (ومتألمةً) كيف كان فكها السفلي متجهاً بالفعل صوب السحرة.
"غزليا؟".
إن التحدث بفك مخلوع إلى حد يجعله مرتبطاً بشكل واهٍ عبر اللحم والوتر بمكانه السليم جعل حتى ذلك القدر اليسير من الكلام فظيعاً بما يحمله من ألم نابض وأيضاً، بطبيعة الحال، غير مفهوم البتة. حدث صوت المطر في الأغصان بجودة أبرد وأبعد عن موسمها معلناً أن ساحر الخريف كان حاضراً بطريقة ما لكنه غير مرئي من هذه الزاوية. مع ذلك استطاعت جُوِل رؤية اثنين من السحرة. فيزبانتش الجاف بشكل لا يُعاب، الجالس على صكرة حيث لا يسقط المطر لأسباب تفوق إدراكها.
كانت البلل تعجز عن مسه بطريقة تبدو وكأنها قانون أساسي للعالم لا مجرد حالة عابرة، حتى في خضم هذا الهطول المريع. تساءلت إن كان ذلك يصعب عليه الشرب ولذا كان يحتسي الكثير من الجعة الخفيفة أثناء الوجبات. في المقابل، بدا تسولوغوثيران مرحباً به لدرجة الشغف من قِبل الطين الرطب والوحل وهطول المطر الغزير لدرجة بدت معها ثيابه أكثر صلابةً وأقرب ما تكون إلى ومضة تبعد خطوة عن إنبات القصب الطويل بنهم وفورات الضفادع والأسماك ومالك الحزين.
إن بشرية وقفتهم قد ضاعت بأكملها الآن، وكل شيء فيهما بدا واجباً كأنه منحوتة لطير طويل ذي قصب أو شجرة ملتفة الطحالب انحنت بفعل الرطوبة أكثر من أي شيء على هيئة رجل أو امرأة. كان مضحكاً أن تفكر جُوِل قط في أن غريب المستنقع كان بشرياً إلى هذا الحد.
"أهكذا أنت مستيقظة أيتها الليدي جُوِل؟ أُوصي بألا تتحركي كثيراً، أو حتى تحاولي التحدث بصراحة. تنفسي ببطء وحذر فحسب. فهذا يبدو أنه يجلب لكِ النفع الأكبر من كل ما حاولناه. استريحي فقط وسنرى ما يمكننا فعله بشأن بقية جسدك".
وافقت جُوِل على ذلك. فالاستلقاء ببساطة في الطين البارد المرح والمطر الودي والتحرك بالقدر اللازم فقط لملء رئتيها في ذلك الحطام الذي آلت إليه ضلوعها بدا أمراً جيداً للغاية. رغم أنها فكرت بأنه ربما يجدر بها التخفيف قليلاً عما كانت تفعله بالتنفس. ببطء شديد الآن في الواقع إن كان قلبها سيستقر فقط ويکف عن الذعر بوفرة المواد القابلة للتنفس المفاجئة. لقد تفهمت قلقه حقاً من ألا يحظى بالمزيد أبداً، حقاً.
لكن تلك العضلة اليائسة لم تكن بحاجة لإفراغ دمها من كل ذرة شعور طيب وجعلها تتأوه لشهق أعمق وأثقل قدر الإمكان. لقد جعل ذلك ألمها أسوأ بكثير مما تتطلبه مجرد الإقامة في الحياة. في هذه النقطة كانت جُوِل متأكدةً تماماً من أنه بالكاد يوجد مفصل أو جزء من جسدها مركب تماماً بالطريقة المفترضة، عدا سلامة عظامها المفردة وقشور جلدها غير المكسورة. وهو ما شكل لغزاً صغيراً عندما تعلق الأمر بكيفية إصلاح أي شيء أصلاً.
لغز أوقع ثلاثي السحرة في حيرة أيضاً. انزلق ساحر المستنقع عبر الطين، وهو في عنفوانه تماماً. ليظهر في رشقات مبللة كبرى عند أحد جانبي جُوِل ثم ينسكب عائدًا في الطين قبل أن ينبت في جانب آخر ليُحدّق بطريقة طيرية بحق في الفوضى التي خلفها الخنزير فيها بتلك العين المفردة.
"يجب أن أُقر بأنني لست متأكداً أين أتوجه بعد هذا، فيزبانتش، كان العنق محتاجاً بوضوح للفتح القسري كي يتدفق الهواء. لكن البقية؟ إنها كارثة نكراء. كيف تشعرين، أيتها الليدي جُوِل؟".
"إااهيغ! إغهاه!".
بألم مروع أيتها الليدي الساحرة! شكراً لسؤالك! لكنها كانت ما تزال طافحةً ببهجة وجود أي شيء يدخل ويخرج من رئتيها فحسب لدرجة جعلت ذلك أمراً تافهاً. حتى تحريك لسانها كان يؤلمها ويوجعها تعاطفاً مع الكميات المذهلة حقاً من الألم الصارخ القادم من كل ما يتعلق بفكها. قفز فيزبانتش من صخرته ليحط على ضلوعها المتهالكة. ألم يكن ذلك شكلاً جديداً من الألم، لكنه لم يكن ألماً ساحقاً بجنون.
كانت جُوِل تكتشف أن هناك فروقاً دقيقة وخصائص للألم لم تتخيل قط وجودها من قبل.
"بما أن التنفس يجدي نفعاً كبيراً معها، فأنا أقول لنشرع في قفصها الصدري تالياً. أويوين، أريدك أن تدفعي أكبر قدر تستطيعين من ريح الشمال في حلقها. تسولوغوثيران؟ معي بينما أجذب هذه الضلوع إلى مكانها السليم وأضبطها لتلتئم".
أه، لم يبدو ذلك جيداً. وجدت جُوِل توبيخها السابق لقلبها منافقاً بعض الشيء. امضي قدماً أيتها الكرة اللحميّة الصغيرة المرتجفة من الخفقان! انبضي بكل حيويتك المؤلمة بشدة لأن كلتينا على وشك أن نكون-!!! كانت جُوِل متأكدةً تماماً من أن السبب الوحيد لعدم تلوّيها خارج وضعيتها الغارقة في الطين هو أنه لا شيء في جسدها استطاع فعل أكثر من ارتعاشات طفيفة بالنظر إلى حالتها. صار الكثير من جوف صدرها وجعاً ممضاً مروعاً الآن.
لم يكن هذا سوى تحسن مقارنة بمدى فظاعة انقلاب معظم ضلوعها، والتفافها فوق بعضها وبعضها الآخر المتبادل الترتيب. وجعل ذلك استنشاق الهواء برئتين ممتلئتين أمراً أقل مشقة. بالكاد. كانت كل العضلات في الداخل ترتجف وتجهد حتى صارت هلاماً منهكاً تقريباً بعد أن كفت عن كونها ممدودة بإفراط ومُمزقة بسوء ترابط عظام تثبيتها في صدرها. لم تكن جُوِل تعلم حتى أنها امتلكت عضلات للتنفس هناك حتى اليوم.
لكن حضورها المُعتدى عليه وشكواها جعلا الأمر واضحاً بأنها تمتلكها قطعا، ووعدت بأنها ستجد شيئاً لطيفاً ومهدئاً لتفعله لها بمجرد أن تكتشف كيف. ربما غطس جيد في حوض استحمام؟ حتى ذلك الحين... كان رحيباً بأويوين الاستمرار في إرسال تلك الريح اللاذعة قليلاً إلى حلقها، أرجوك. بالكاد استطاعت حشد القوة لملء صدرها حتى بنصف كفاءة ساحر الخريف. لكن جُوِل أُجبرت في النهاية على فعل ذلك بمفردها بينما عاد السحرة إلى التفكير مطولاً في كيفية إعادة تركيب اللغز المبعثر الذي صار إليه هيكلها العظمي وبأي ترتيب.
أدارت جُوِل عينيها (الشيء الوحيد الذي كان يؤلم قليلاً فحسب، لا يؤلم تماماً) لتجد موريال جالسةً في كومة تتنفس بقوة في المطر، جالسةً وحسب في الطين لتترك ستراتها الجلدية ملوثة بوحالة مريعة، تاركةً سيفها يصدأ! أرادت لفت الانتباه إلى ذلك، فقد كانت موريال صارمةً جداً مع ألكسندر بشأن العناية السليمة بالسيوف. لكن لا، بعد رؤية الصدمة والتعاسة والارتجاف على ذلك الوجه بالكامل.
والطريقة التي بدا بها أن ما جعل وجهها يبدو مبتلاً يتجاوز المطر؟ كانت موريال تنهار بطريقة لم ترها جُوِل قط من قبل. أمن أجل جُوِل؟ أمن أجل ألكسندر؟ ألكسندر؟!
"أليلاه لها!".
محاولتها التحرك قوبلت بالتوبيخ فوراً. وليس كأنها حشدت حتى الحركة لتزحزح فيزبانتش حيث كان يروح ويجيء مشياً على جانبيها مُحدقاً في حال عمودها الفقري ثم وركيها.
"ليدي جُوِل! مع يقيني من أنه لن يزيد الأمر سوءاً بالنسبة لكِ، فتوقفي عن التحرك من فضلك، سيستغرق هذا وقتاً طويلاً كما هو بالفعل!".
توقفت عن التخبط بقوة طحالب واهنة للغاية، لكنها حاولت التحدث ثانيةً.
"أليلاه لها!".
صفع لسانها في فكيها المفتوحين ونصف الوقت التقى بمذاق الطين التربي والعشب الممزق، والنصف الآخر غرق في فكاهة المطر والعاصفة المهدئة. استطاعت رؤية موريال وهي تحاول جمع نفسها وانتشال مؤخرتها من حيث غاصت في الطين. لولا جدية الأمر لقبلت جُوِل الألم الذي ينطوي عليه الضحك.
"أليلاه لها! إه آه أليلاه لها!".
وهو ما بدا أنه ذهب أدراج الرياح بلا سماع، أو ما يعادل ذلك بين السحرة وموريال.
"حسن جداً إذا أصررتِ فأظن أننا سنعمل على الفك تالياً. والآن توقفي عن محاولة التحدث كي نتمكن من فعل هذا بالشكل الصحيح من المرة الأولى. تسولوغوثيران!".
وهذه المرة استطاعت جُوِل البقاء واعيةً بالكاد وسط الألم الأعمى الشامل لترى ما حدث. وجب عليها الإعتراف أنه لو قيل لها إنها ستُشفى بالسحر، لتوقعت أن يتضمن ذلك طيساً أقل بكثير من الطين في فمها وأقداماً على وجهها ومزيداً من الضوء الساطع والمشاعر الدافئة والغبشة. أو ربما نوعاً من الأعشاب؟ لكن الأرض الرطبة الكثيفة فجأة كانت بارعة حقاً في دفع والتواء وإمساك فكها المخلوع من كل صوب.
واستطاع فيزبانتش الضغط بقوة تقارب ما فعله الخنزير وتلك الوسائد الصغيرة الرقيقة على كفيه. وهو ما جعل رأسها يرن بفرقعة شاملة بينما أُجبر فكها رغماً عن احتجاجاته على العودة إلى حيث يفترض له أن يكون. كان الأمر أقل سحرية بكثير مما كانت تتوقع. رغم أنه رغم امتلاء فمها بالكامل وأنفها وكل ما يقع تحت عينيها بالمطر والطين، فقد زال عن كليهما وعن كفّي القط تماماً مخلفاً وراءه شعوراً بغيضاً بوخز طفيف في لسانها لخلوِّه التام من أي نكهة.
"أوغنكلغ بلكغ!".
يا للهول، لقد آلمها فمها كله للاستخدام تقريباً بقدر ما آلمتها ضلوعها للتنفس!
"أهوه أوهوو! ألاحس- أحم".
بصقت جُوِل وصارعت، لتجد فمها ولسانها فجأة، وبشكل مضحك، مقيدين قليلاً وشعرتا بالصغر بعد فترة طويلة من تركهما مرخيين وممدودين بإفراط. بضع صفعات رطبة وجرعة من طين منقوع كانت لطيفة مع ذلك. حسناً، ثانيةً!
"ألاكساندور! وور ألاكساندور!".
وهو ما جلب مواء فيزبانتش المزعج وخطواته ببدلاته الرقيقة الصغيرة على عُنقها لفحص الفوضى المريعة التي أصابت كتفيها الكثيرين. غير أن تسولوغوثيران التفت نحو موريال التي وجدت طريقها أخيْراً (ما زالت بلا سيفها! لا تتركيه في الطين! ماذا لو رأى ألكسندر؟!). قبل أن ينطق بالكلمات التي جعلت جُوِل ترتخي لدرجة نسيت معها التنفس فوُبّخت وملئت رئتاها بمزيد من ريح الخريف القارسة الحادة.
"إنه بخير، ليدي جُوِل. لقد ركب مطارداً العاصفة شبه هَرولة لجلب المساعدة".
هَرولة؟! في المطر؟! أخيها الأبله محظوظ لعدم كسر عنقه! ولو كان أي شيء سوى كونه بخير لكانت- لم تكن جُوِل تعلم ماذا ستفعل. لكنه سيكون أمراً غير نسائي ولا لائق البتة!