التفتت جول بعيداً عن منظر أبو الهول وهي تُهمس برفق لتمثال معدنيّ برأس ماثياس. صنعه إيرهارد ليحيط بكرة الفضة الروحيّة، حرصاً منه على ألا يلحق أيّ ضرر بالروح أو تؤدي لإطلاقها ربما. تردّد صدى صوت الملك الأعلى الراحل المعدنيّ همساً خفيفاً يداعب المخلوق الحنون. انحنت أبو الهول حوله حمايةً، وجعلت من ساقها الخلفيّة جداراً يحتمي به التمثال الضئيل. حشرت نفسها واضحة بين المعدن صغير الحجم نسبياً وساحر البلاط.
شَمَّتْ رائحة الغضب تفوح من أبو الهول حين أعاد إيرهارد للملك الأعلى قدرته على الكلام ولم يسفر عن ذلك سوى صرخات استغاثة شبه صامتة.
هدأت أبو الهول من روعه، فحتى من دون بصر، ومن دون لمس، ومن دون أي شيء سوى الكلمات استطاعت أبو الهول بطريقة ما أن تُسكّن «ابنها».
أعادته من جنون مرعب غرقت فيه أياماً وسط الظلام والصمت.
حين استبان أن أبو الهول ستظل مشغولة بتهدئة «طفلها»
من رعبه، قادت جول الساحر بعيداً عن مقصورة أبو الهول، لكن ليس بالقدر الكافي الذي يجعلها تعد ذلك «مغادرة».
«لقد تركته في الظلام».
ردّ الساحر بنبرة مستوية كعادته.
«سهو، لكن يبدو أن سبيكة الروح الأخيرة لا تستطيع النوم أو الراحة، حتى حين تُحرم من الكلام أو الصوت أو البصر. لم أكن أتوقع هذا».
لم يظهر إيرهارد أي ندم حتى أمام بصيرة التنانين التي تمتلكها، بل بدا مستغرقاً في تأمل صارم، بتركيز شديد ثم نطق بالبرود ذاته وبصوت عالٍ بما يكفي لتلاحظ جول كيف تسببت الكلمات بتوتر مرتعش ورائحة غضب تنبعث من أبو الهول. كانت مخالبها تنبسط وتنقبض مع نبضات تنفسها. أخذت جول نفساً بطيئا لتثبت نارها، وزفرت بعناية شديدة لتتجنب إطلاق أي سحر تنانين في حديثها.
«لن تستطيع استعادة ماثياس من أبو الهول. بعد رحيلنا أخمّن أنك لن تقدر حتى على الاقتراب من أبو الهول دون أن تهاجمك. ماثياس ابنها فيما يبدو، وأنت عذّبته».
تغيّر وجه ساحر البلاط فعلاً، واهتز معدن يئن ليصنع تكشيحة طفيفة. توهجت عيناه المحرق توهجاً أشد ثم خفتتا.
«هذا مؤسف، سأضطر لتأمين المزيد من الزنجبيل والشبة، واستخلاص وتعدين المعادن الحيويّة من كليهما، وصياغة إكسير جديد، ثم تأمين روح حيّة لتتجرّعه. سؤخر هذا العمل الذي أمر به الملك الأعلى، أيتها السيدة جول».
لم تكن جول متأكدة من أنها ستطلق لفظ «تجرّع»
على ما تتطلبه جرعة الإكسير، كما أنها لم تعرف المكونات التي ذكرها، لكن نبرة إيرهارد جعلتها متأكدة من أنها باهظة الثمن للغاية. أومأ برأسه عند ذلك، كأن جول لم تحذره من أن المخلوق خلفه يسعى على الأرجح لحتفه.
«سأحتاج أيضاً إلى عمل سحري آخر منك لتنشيط الإكسير بالشكل الصحيح، ويفضل أن يكون بكمية أكبر بكثير من ذي قبل، ثلاث جرعات على الأقل، ولكن إن سمحت الخامات فأكثر من اثنتي عشرة جرعة سيكون أفضل».
حدقت فيه جول قبل أن تأخذ نفساً عميقاً لتتحصن ضد إتيان أي سحر طائش ومتهور، ولم يَر ساحر البلاط أي خطأ فيما ارتكبه. أكان يغرق أعمق فأعمق في حقيقته؟ أكان يتحول إلى مسخ حقيقي؟ أم أن إيرهارد كان هكذا دوماً؟ لم تكن تعرفه حق المعرفة حتى الآن، وعلى أي حال فهو يستحق تحذيراً تحسباً لكونه قد أُعمي بحقيقته.
«كم سيستغرق هذا؟ لم يبتّ الناخبون بعد في أمر الملك الأعلى الجديد، ودون شبح الموت المعلق بكل أطرافه فقد يعمد من يختارونه إلغاء هذا المشروع برُمّته لكل الأهوال التي صاحَبَتْه».
فكر إيرهارد، وصدح أنين آخر من وجهه بينما تحولت العبوس السابقة إلى تكشيرة حائرة.
«أمر الملك الأعلى ماثياس لم يُستكمل، والطريقة الوحيدة التي قد يحاول بها خليفته إيقاف جهودي هي عزلي من منصب ساحر البلاط في المملكة، وثمن فعلة كهذه لا يجترئ على طلبه إلا أحمق».
تأملت الساحر، فبدا وجهه أشبه بالحديد بكثير مما كان عليه في لقائهما الأول، وهو بالكاد ينحني عند مفاصله الآن، وكان هناك إجهاد خفيّ لمعدن أُزيح من مكانه مع كل حركة يأتيه. لم يكن بطيئاً في أي من حركاته، لكنه كان يتحرك بتأنٍّ شديد، حتى إن تنفسه بدا كمنفاخ ثابت يئن عوضاً عن رئتين من لحم ودم. لم يعد شعره خصلات متميزة بل أشبه بحديد منسوج على هيئة شفرات عشب تلتف كما كانت لحيتُه من قبل.
«أي ثمن سيكون هذا؟ يمكنني إثارة المخاوف مع الناخبين. إن كان أمراً بهذه الخطورة فيجب تحذيرهم من مرشح يتصف بمثل هذا الحماقة».
نظر إيرهارد إليها، واشتعلت نار عينيه بوهج خافت ثم استعاد وجهه هدوءه الرصين وسط أنين مزعج، وخلف نبرته المستوية ووجهه الجامد احترقت امتنانات مرتاحة ببهجة.
«سيكون ذلك مفيداً للغاية، إن سعى الملك الأعلى الجديد لعزلي فسأضطر لأخذ تسعمائة وثلاثة وسبعين درعاً من دروع الهيلبرديّ. وكل الأسلحة والأدوات التي أبقيتها وكل الأعمال المعدنية التي بنيتها في فورد الأعماق المحترقة. إن طُرِدت فسأرحل بها عن هذا المكان لأبحث عن إتمام مشروع ليوهتا دون تدخل. لقد عُقدت صفقة ودُفع ثمنها وستُؤدى خدماتي».
شعرت جول بحقيقة كلامه تتردد في العالم، في همس السحر الذي يحيطه. ثم نظر إلى جول بإيماءة أخرى.
«أشكرك مجدداً على مساعدتك في هذا الأمر أيتها الكونتيسة المتألقة في فيزنوف، جول أوف روتفورد، وحين أحصل على الخامات الخام وأستخلص معادنها بالنقاوة والعزل اللازمين للإكسير فسأتواصل معكِ مجدداً. سواء أقره الملك الأعلى الجديد أم لا فالعمل سيستمر».
وبكل ما احتاج لقوله ومضى، وسط صليل حديد ضرب بقوة كافية لتتطاير الشارات، اختفى إيرهارد اليد الحديدية. نظرت جول باتجاه أبو الهول والتقت نظراتهما، ولم تشأ مقاطععة وقتها مع ماثياس، فتبادل الطرفان إيماءة بطيئة بينما كانت شفتا الوحش تتحركان برفق حول كلمات تهدئة رقيقة لتمثال الحديد الجامد الذي بات يضم روح سيّد جول السابق. بدا هذا الأمر منتهياً، وبطريقة بدت مستقرة إن لم تكن مرضية، التدت جول لتغادر، فسيكون هناك اجتماع آخر للناخبين غداً، وإن صدق التاريخ فسيكون هناك اجتماع آخر بعده، لمدة خمسة أيام على الأقل.
هذا إن حالفها الحظ وكان مطابقاً لواحدة من أسرع القرارات التي اتخذها الناخبون في تاريخ كانتور المبعوث. إن لم تبرك جول بأخبار طيبة فقد يدخل الناخبون في طريق مسدود لأعوام قادمة. ارتعشت من الفكرة، ثم شرعت تسقط في طريقها عبر حدائق الميناجيري، وكانت الشمس تغيب نحو المساء وسيُتوقع منها هي وحاشيتها الانضمام إلى وفود الناخبين الأخرى في قاعة الولائم لتناول العشاء.