16.9 هيم سميثسون في غياهب الليل ขณะما بدت الشمس تتسلل مطلعاً. وخلّف وراءه محرقة الجثث منذ أمد، وقد خبا أجيجها قبل ساعات، لكنه ظل مرابطاً هناك طويلاً. ثم حين تلاشت الجمرات حتى تعذر تبينها، أخذ يمضي في طريقه ببساطة، وكان آخر من تبقى، وقد انحفر وهج الجمر في عينيه، ولم يكن لسعة برد خريف الليل تعني له شيئاً.لم يكن هناك ما هو أبسط من ريح جليدية تبلغ من الأذى مبلغاً يضاهي تمزق قلبه في جوف صدره.
وكلما رمق قدميه تبدت له الدهشة لعدم تلطخهما بالدماء المنبعثة من جرح ما. وكان يشعر بأنه ينزف حتى يضمحل ويغدو جثة تمشي على قدميها. أين تسللت السنين ومضت؟ وكأنها كانت قد توارت قبل أن تستهل بدايتها. كانت القيل والقال والأحاديث تتخذ من جيم هزأة، وتزعم أنه قد أنجبها من جول قبل زواجها، وتلك الأقاصيص برمتها محض افتراء. غير أن الحقيقة كانت جلية صادقة من وجوه عديدة أخرى. وقلبه كان يوقن تمام اليقين بأنه أبوها.
كان ذلك مسطوراً في صدره الموجع، يجلد كيانه بوحشية مع كل نفس مرجف. وتتصاعد لوعة وتتخافى على امتداد ذراعيه، لتستقر في كفّيه. وغدا صوتاً حبيساً محشوراً في حلقه من شدة إطباقه، ومع ذلك ظل يسمع صدى صرخة لم يجسر على إطلاقها. كان الذهب والبرتقال لضوء الشروق يذويان، منسحبين خلف الغيوم إثر ومضة عابرة فوق وادي روتشفورد. واستشعر نذير مطر أو ثلج في الأجواء، لكن سميثسون واصل السير، ومضى هائماً على وجهه دون وعي أو تبصر بما يفعله أو شطر أي وجهة ينوي قصدها.
لقد قضت جيم، وكانت تكاد تكون طفلة، ضئيلة البنية كالصغار، وهو من تولى تربيتها، على غرار ما يبدو غريباً في طباع جول وكل تلك الخعفعات التنينية. وعلى الرغم من هذا كله، عجز عن الإنكار بعد الآن بأنها ابنته، وها هي قد لقيت حتفها. حاول استحضار عينيها، فلم تكونا حالكتين تماماً كما بدا عليهما، بل كان ثمة وميض يتوارى في أعماقهما لمن يتأمل عن كثب، زرقة مائلة للخضرة بلون داكن لا يُستشف إلا إن سمحت له جيم بالاقتراب قدر أن يلامس جبينه جبينها.
كبير بئر تلمع مياهه في دياجي الليل. وقد ولّت الآن. رحلت جيم، وفي الوقت ذاته لم ترحل، وتلك كانت أشد النواكب إيلاماً، وهي التي ساقتـه للوقوف حتى انصراف الجميع والتفرس في جمرات جثتها المحترقة إلى أن خبا ألقها عن ناظريه. وتلك كانت المدية في أحشائه والسم في عروقه الممسكة به في الظلمات، وهي التي دفعته بعدئذ للمسير، والمضي، والهيام في القرية التي قضى فيها صباه. خارجاً في برد ما كان لرجل أو امرأة سويين أن يقتحماه، غير أنه لم يطيق مغادرة المكان.
الطفلة التي رباها، ورأى بفخر كيف تفتحت لتغدو امرأة ضئيلة، والتي أطعمها وتنظف خلفها وتعهّدها بالرعاية؟لقد ماتت، ومع ذلك كانت تحيا كما اعتادت دوماً في أمها. بأكثر من العينين، بأكثر من الكلمات أو الملامح أو أي ذكرى، بل بعمق وتام كما تمناه المرء. ظن أنه أدرك كنه ما يعنيه احتفاء النفوس بالفناء. وما يمثله ذلك، بيد أن الأمر بدا مع جول حقيقياً أعمق بكثير من صوت مهموس حول نيران، أو نبرات سلوان لعملاء في أطول ليالي العام.
لم تكن جيم روحاً نائية قد يسمع نبضها في حفل ليل إن استدعاها كاهن، بل كانت ماثلة هناك في صميم جول. ولقد قضت نحبها. سبق أن تحدث هو وگون عن الأمر، وظن حينئذ أن ذلك سيخفف الوطأة، لكن الحقيقة الماثلة بدت الآن أسوأ بكثير مما لو أنها توارت كلياً! لقد رقب جثتها تحترق، واستمع إلى الكاهن وهو يتحدث عن روحها التي تُبجل وتغادر ويحتفظ بها العملاء، وفي الآن ذاته كان عليه أن يشاهد عينيها ترمقانه من وجوه أمها وأختها!
ذات العينين، ليس فقط في حندسيهما وعمقهما، بل فيما كان يرمقه بنظراته. لفحت حرارة هواء الاسطبل المكنون وجهه حين ألفى نفسه في مكان يألفه ويستوحشه في آن.
"أـ أوه! أيها القائد! أمم، أـ أحتاج إلى مطهم؟ إنه وقت مبكر بعض الشيء لهن ولكني أـ"
"لا"
نطق بها فما بالك تكاد تبدو بشرية، بل خشخشة متحشرجة لجسم ما. وتنحنح، وكان ثقل الشهقة مؤلماً قبل أن يجبر نفسه على استهلال كلمات لا تشبه هدير الغريفون.
"لا، بني، لا تجهد الخيول، فالجو ليس ملائماً لها."
رمقه الصبي بتوجس، وكانت إحدى ذراعيه تحيط بحزمة من علف الخريف.
"أوه، أمم، حسناً ما الذي يمكنني فعله إذن يا سيادي، إنه لوقت باكر حقاً اليس كذلك؟"
ما الذي كان سميثسون يفعله هنا؟ في الإسطبل الذي بدأ فيه، مروعاً هذا الصبي المسكين. وقبل أن يعي تماماً كنه ما يصدر عنه، شقت الكلمات طريقها إلى الهواء البارد.
"في الواقع جئت لأعتني بالخيول معك."
شخص الصبي ناظريه إليه فاغراً فاه، وهو ما عده سميثسون مفهوماً إلى حد ما، لو أنه شهد القائد العجوز لرجالة مشاة روتشفورد يهيم بالاسطبلات مع بزوغ الفجر ولم يكن قد مضى على تقلده مهامه سوى أقل من عام؟ربما أسقط علف الحيوان في الوحل حقاً.إنه لصبي شجاع هذا.
"جـ ـجئت للعمل معي؟"
أومأ برأسه، وتجاوز الصبي، متخذاً منعطفاً مألوفاً ودون حاجة حتى للتطلع وجد أصابعه تطبق على الشكل المألوف للمشط.
لم يكن أياً من تلك التي نحتها في طفولته، لكن الهيئة بدت مألوفة على أي حال."تول أنت إِطعامها وسأقوم أنا بتنظيفها، ثم أعينك على كسح روث الاسطبلات، فالوقت أبكر من أن يستيقظ مسؤول الاسطبلات أليس كذلك؟ ترك الأمر لك ولصبي آخر ربما؟"
أبلى الغلام دهشة فلم يملك سوى أن يومئ ويتبع خطاه طائعاً أمرَه، ولم يدرك سميثسون حين كان يمرر الخشب بلطف جيئة وذهاباً خلال فرو الشتاء لإحدى الكديشات أنه كان لا يزال مرتدياً لأفخر دروع زينته. وكانت البوتات قد اكتست ببقع بنية إثر مسيره طوال الليل، وتناثر المزيد منها حتى ركبتيه حين انحنى ليعمل برفق على جانب الفرس العجوز. لم تكن فرساً يعرفها لكن الدروس السالفة أسعفته ليتبين ما يريحها.
وليحترس من القوائم تحسباً لأن تشعر الفرس برغبة في الإبانة عن سخطها بحوافرها الحادة.
"أتعلم يا بني؟ لقد حتم علي ذات مرة أن أؤدي عين ما تفعله كل صباح."
أعقب شهقة الذهول هزة خفيفة من التكذيب مشوبة بخفض الصوت."بلا مزاح! أنت فارس كامل! قائد الكونتيسة اللامعة نفسها! مستحيل أنك كسحت الاسطبلات مع الفجر!"ولم يملك سميثسون سوى الضحك وهو يمرر أصابعه برفق عبر عرف الفرس التي كانا يعتنيان بها."حقاً كما أقول، ثم أتى اللورد روتشفورد الراحل ذات يوم ووقف حيالي وقال لي، ابنتي بحاجة لمن يخبر أمر الجلود والعدة، أترغب بأن تكون حاملاً لدرعها؟ وبعد ذلك بات لدي ضعف عمل أي منكم، مضاعفة الأعمال!"
أثار صوت شهقة الفزع من أمر فظيع كذاك ابتسامة على شفتي سميثسون. ووغزه الألم في وجهه، وجعل عينيه تذرفان، وزاد المأوى الشحيح للاسطبل من حرقة وجنتيه. لكنه ألفى نفسه يقهقه خلال الألم.
"أجل لم أظن ذلك منصفاً حقاً، ولكن لاحقاً، قامت حرب، وكانت الكونتيسة، لا تزال هزيلة كابن عرس وطولها لا يعدو نصف طولها الحالي؟ احتاجت إليّ لأرافقها في المسيرة ـ آه أظن أن هذه الفتاة انتهت، فمن التالية."
شخص الغلام ناظريه إليه ثم طفق يسارع لجلب المزيد من العلف."من هنا! من هنا! إذن فقد ذهبت إلى الحرب وقاتلت عشرة رجال ونلت شرف أن تصير فارساً؟!"ضحك سميثسون وهو ينهض متوجهاً لمعاونة الصبي في صنيعه."ليس بعد! كلا، بل تركازي في المعسكر طوال أمد الحرب! ولم ألمح بصيص حديد ولا أكثر من صدى معركة طيلة الحملة! وكان عليّ مع ذلك أن أجرف قذارة الخيول والغريفونات!"
أجلب هذا المقرف المستهجن قهقهة أخرى من سميثسون. وظن صدره لا يزال يتشقق شقين، ولم يغمض له جفن طوال الليل وأخذ يساوره الظن بأنه ربما مسه الجنون حقاً في حضرة الظلام والنجوم. ولكنه في الوقت ذاته كان هنا، في دفء وضياء الاسطبل الذي قضى فيه صباه يتمنع ويزاود على غلام قد يكون هو نفسه قبل عقود.
"هذا فظيع حقاً! يدعونك للحرب ثم يكلفونك بذات العمل هنا؟! والأنكى أنهم يرغمونك على تنظيف حظيرة الغريفونات؟! روث الغريفونات أسوأ ما يكون!"
ولم يستطع سميثسون سوى أن يطلق ضحكة مجلجلة."أوه، لا فكرة لديك البتة! فاللورد روتشفورد لا يملك سوى غريفون واحد على أي حال! والجيش ضم أكثر من عشرين!"لم يدر كيف يشعر حيال جول، وحيال ابنته التي تطارده من وراء عيني التنين، لكن في هذا الصباح؟
أمكنه على الأقل أن يرسم الضحك والسخط على محيا صبي جراء حيف ومسيرة حياة الفارس الممرض. وأن يجلب البهجة والروعة لطفل ويتعهد الخيول بالرعاية.