٧.ي أخطّ هذه الكلمات على الورقة مرة أخرى، لأؤكد أنني ما زلت أتنفّس، وأنني حاضر داخل هذه المدينة الملعونة، حيّاً، وإن كان ذلك بالكاد. إنه الفجر الثالث لهذا الحصار الضروس، حيث تطاردنا وحوش والاكيا تحت جنح الليل. لا أستطيع أن أقول كم ليلة أخرى قد نتحملها قبل أن ننكسر كليّاً. لقد تراجع حُماة الغريفات إلى نصف عدد مهاجميهم المدرّبين، وخسائرهم باردة وصامتة خارج الأسوار.
مما أحصيه، ربما بقي نحو مئة من تلك الوحوش المباركة بالنجوم، وأغلبها من الأشدّ هرمًا وقوة، التي أكل الدهر عليها وشرب، وتحمل ندوب معارك تبدو أكبر من طاقتها. مع ذلك، فإن قوتها ذاتها ليست درعاً تقينا الظلام الذي يسعى لابتلاعنا بالكامل. تتبدّى الخسارة في لوعة صامتة، ونوح بين المعلمين والمتدربين، والكائنات الفتية التي سُلبت حياتها القصيرة بقسوة. يخاطر البعض بضوء النهار، مجازفين بآمالهم الواهية، لاستعادة الموتى ليجدوا بصيص كرامة لمن فقدوهم.
لكن الظلام الذي يحيط بنا لا ينتظر الليل ليُفيض أهواله، بل يأتي بالمزيد من الأعداد والرعب. نرى الوحوش في ضوء النهار، وتلمع أعيُنها بقسوة في ضوء الشمس الواهن، وهي تأتي بأعداد في الظلام، لكن النهار لا يكفل أي أمان. أولئك الذين يحالفهم الحظ في لمّاحها في الوقت المناسب ينجحون في التراجع خلف الأسوار أو الفرار قبل أن تُؤخذ أجسادهم. ولكن البقية؟ تُلقى أجسادهم خلف التحصينات، وتخترق صرخاتهم ساعات النهار، توقظنا نحن الذين ما زلنا نجد قوة لننام تحت نظرات الشمس المراقبة.
كلمات أبي الأخيرة، قبل سنوات طويلة، تلتصق بعقلي مع كل صباح جديد كطيف. توسّله بالفرار غرباً، جنوباً، نحو أوراد، كما قال. لطلب اللجوء من الوحوش ذاتها التي تحاصرنا بلا هوادة هنا. كان يعتقد أن ذلك سينقذني. أنا ممتنّ لهذه الأسوار، ولِساعات التأمل الهادئ التي تمنحها إياي. أن أتنفّس مرة أخرى، ليوم واحد فقط، وتلك منّة من النجوم تبدو الآن ثمينة بعد ليالٍ مليئة بصرخات الجوع.
ظلال تتحرك بينما تنقضّ مصاصات الدماء، وقوتها التي يستحيل تصديقها، تخمش وتتسلّق الدفاعات. تلك الأصوات، الرطبة والممزقة، حين تصرخ، وتتمزق حناجرها تحت وطأة جوعها، يكفي لتقشعر لها الأبدان. حين تصل إلى التحصينات أخيراً، متجاوزة جهود غريفات الحرب الشرسة، يتوقف قلبي دائماً. أثبت رمحي، متضرعاً إلى نجوم عائلتي، راجياً ألا تكون هذه هي الليلة التي أفشل فيها، وألا أخطئ الضربة القاتلة فأُنتزع من أمان الأسوار كغيري كثيرين قبلي.
ليلة بعد ليلة، تسخر منا هذه المسوخ، وتعاملنا كألعاب. كان بإمكانها تسلّق الأسوار في تلك الليلة الأولى، وتحطيمنا كالفخار الهش. عوضاً عن ذلك، تأتي في جماعات صغيرة—بالقدر الكافي لانتزاع روح تعيسة، وطرحها أرضاً، ثم القفز بطمع لتولّي الوليمة أو الاقتتال على الغنائم الملطخة بالدماء. الأسوار مكان مرعب، نعم، ولكنها أفضل من الظلام في الخارج، وأفضل من القرفصاء في البلدة، بانتظار أن يتردّى والحارس، وبانتظار أن ينحدر مصاصو الدماء لتمزيقنا أثناء نومنا.
سأحاول الراحة الآن في دفء الشمس. لعلّي أنجو للييلة أخرى! - آخر تدوينة، يومية سارولت كاراوجلو.