6.4 تأهّب مئتا مقاتل على جانبي ممرّها المؤدي إلى باحة حامية جزيرة كاكيتيه، وظنّت جول أنهم حاشية الساحر لا غير. كان حريّاً بجول أن تتوقّع هذا. تدرّعت جحافلهم بالحديد الكامل، وتناهى إليها وهج السحر ينبض فيهم. ترتجف كل حلقة درع وكل صفيحة مصقولة طمعاً في الوثب إلى الفعل قبل أن يتحرّك الرجل الواقف بينهم. بدت حواف الدروع حادّة لاذعة بوجود ساحر بلاط الملك العالي الخفيّ.
حتى من دون الأسلحة التي أمسكوا بها، بدت الدروع نفسها مهيّأة لقطع رقاب الخصوم. ثم أمسك كل منهم بمزيج رهيب يجمع بين فأس القتال والرمح. صُفحت كل قطعة بالكامل من فولاذ ساطع، وتخذت المقابض تشبيكة متصالبة لتثبيت القبضة داخل القفازات. وارتفع رأس الفأس في السلاح قدماً كاملاً فوق خوذة المحارب الذي يحمله! صاحت حواف تلك الفؤوس ورؤوس الرماح بوعود تقطر رغبة في الطعن والتخقيب.
بدا الرجال داخل تلك الدروع ثانويين أمام العنف المتلهّف الشائق للانفلات من عقاله في كل ذرة معدن حولهم. وكان في انتظارها إيرهارد آيرونهاند، مرتدياً مئزره الجلدي الشبيه بمئزر الحداد، بوجة صارم بلون الفحم وعينين متقدتين تفوران سروراً. يقف إلى جواره أادلين التي بدت هادئة ظاهرياً. هذا إن لم تمتلك أنف جول أو جيم بطبيعة الحال. عرق سيّدة نقابة المتسوّلين والأيتام وشى بمدى توتّرها.
لكنها كظمت ذلك عن صوتها وهيئتها وهي تحني رأسها بالقدر الكافي لتجنّب الإهانة وحدها.
"أيتها الكونتيسة! يسعدني حقاً وصولك! لقد كان سيّد السحرة إيرهارد آيرونهاند في انتظارك منذ وصوله قبل خمسة أيام".
حنت جول رأسها إقراراً، ثم توقفت لتسترجع خبرتها السابقة مع السحرة. الوهن في صوت أادلين... يا للهول.
"في الانتظار منذ وصوله؟"
التقت عينا أادلين بعيني جول بلمحة خافتة من التوسّل اليائس.
"تماماً كما يقف أمامك الآن أيتها السيدة روشفورد. طوال خمسة أيام".
قطبت جول جبينها والتفتت إلى الجنود.
"ومعه حاشيته؟"
هزت أادلين رأسها بأقل حركة ممكنة.
"لا، لقد سمح لهم بـ (تفقد شؤون عدتهم). ولكن إن شئتِ أيتها الكونتيسة".
أشارت أادلين نحو تمثال إيرهارد الشامخ. التفتت جول إلى وجهه الجامد ظاهرياً. شفاه دقيقة، ووجه صارم بقطبة خفيفة بين الحاجبين. لكن في هاتين العينين المتوهّجتين؟ كان يغمرهما الفخر. تنهّدت جول. كانت الرحلة بالقارب النهري من كلياتباترن مزعجة. شعرت جيم بغثيان في معدتها، وتعثرت جول مرة وهي تحاول حفظ توازنها وكادت تتدحرج فوق إحدى بيضاتها! لو لم تكن تلك أسرع طريقة للسفر جنوباً لفريقها لأمرتهم بقطع ما تبقى من الطريق مشياً.
"إيرهارد، ساحر بلاط الملك العالي ماثياس، أهلاً بك. أهناك أمر من الملك العالي؟"
نظر ساحر بلاط كانتور المُعاد إلى جول. ظل وجهه مشدوداً، لكن عينيه توهّجتا ببهجة طفولية وهي يهمهم إعجاباً بها قبل أن يتكلم. جاء صوت خشناً كأنه أتون فرن.
"لقد كبرتِ منذ آخر لقاء بينا".
أومأت جول إقراراً بالمديح مهما بدا صوته فظّاً. ثم حدث تحوّل، فبدت عيناه أبعد مغزى، وأقلّ صفاءً بالضجر والملل، قبل أن ينطق.
"بأمر من الملك العالي ماثياس حاكم مملكة كانتور المُعاد، أنا إيرهارد آيرونهاند مكلّف باصطحابك مع وحدتي سنتوري من أبطال المملكة لضمان راحتك وسلامتك".
وقع الكلام كالمطرقة على الحديد المحمى.
"لأعمل بأمرك بصفتي تابعاً وممثلاً مفوضاً أصولاً من الملك العالي ماثياس".
هدر كصوت أتون يشتعل.
"الذي يأمرك ويفوّضك، جول أوف باثوري روشفورد، التنين اللامع وسيّدَة أرضه وكونتيسة فيزنوف..."
شدّت جول عضلاتها بحزم لتتجنب الارتجاف. لم ترد هذه العبارة في رسائل ماثياس حين طلبت وحصلت على دعم سيّدها لتتولى مفاوضات تدريب الأمير الذئب الشاب.
"للتصرف بكامل صلاحيات الملك العالي لمملكة كانتور المُعاد وحكمه الشرعي في التعامل مع سلطان وسيّد ماجارسكا، الملك العالي مراد الأول باسمه، فاتح أوريستياس".
أجهدت تلك الكلمات أطراف جول بالتوتر. لقد للتو تركت ذلك القارب النهري المتمايل الرهيب وهو يتحرك بسرعة. كانت تمني نفسها بألا تضطر للتعامل مع إيرهارد لأيام. بل لم تكن ستتقبل قسم الولاء من اللورد الشاب كلياتباترن إلا بعد ظهر الغد! تبّاً لحظك يا ماثياس! أما كان بإمكانه إرسال تحذير بخصوص تفويضه إياها في رسالة؟! لهذا وُضعت الرسائل أصلاً! وكأنما استدعته أفكارها، مدّ إيرهارد يده إلى جيب مئزره، وأخرج حمامة أشعث ريشها تماماً، وقد رُبط برسالة على ساقها.
"حما هو مقرّر في هذه الرسالة، التي أرسلها الملك العالي لتدركك هنا في كاكيتيه بأقصى سرعة ممكنة".
حدقت جول في الطائر المسكين. بدا أشبه بطائر حالفه الحوء السيء فالتقطه رجل يستطيع تشكيل الحديد المحمى بيديه العاريتين ثم حشره في جيبه دون أدنى اكتراث لراحته. لم تكن جول قد رأت طائراً كهذا قط، ولو طُلب منها تخيّله لكان هذا هو شكله تماماً. لم تستطع كتم تنهيدة السخط في حنجرتيها بالكامل. لكن صوت جيم كان أخفض على الأقل.
"سيّد السحرة إيرهارد..."
لم تشترك جول في نظرة اعتذار ساخطة مع أادلين. ليس بكلتا مجموعتي عينيها على الأقل. فقد نالت جيم رؤية كاملة لانقلاب عيني مديرة النقابة بحدة بالغة.
"أأفهم من هذا أنك انطلقت إلى كاكيتيه حثيثاً مع مئتي رجل مسلّحين ومدرّعين بالكامل؟"
أومأ الساحر بحزم نحوها، ولم يرتجف له شفت لكن جول أحسّت بالابتسامة المسرورة تختفي خلف شفتيه.
"بأقصى سرعة ممكنة أيتها السيدة جول أوف روشفورد".
ألقت نظرة على الفولاذ المدجّج الذي يغلف الرجال على جانبيها.
"أكلّكم ركبتم هنا أسرع من طيران حمامة؟"
ظل وجه إيرهارد جامداً بالمثل، لكن الفحر في عينيه المتوقدتين كان صارخاً لدرجة أذهلتها إذ لم تشم عبيره يتصاعد منه.
"لم نركب الخيل، فقد ركض السنتوري في دروعي أسرع وأطول مما يتحمله أي حصان بلا مساعدة".
رفعت جول حاجبها، وبدا صوتها أشبه بالمتذمر.
"أسرع من حمامة يا سيّد السحرة؟"
حدق فيها وشفتاه مشدودتان بخط دقيق، وعيناه مفعمتان بالمرح حتى كادت تذهل لأنه لا يقهقه.
"الحمام بحاجة للنوم، أما برجاحتي ودروعي فلا يحتاج الرجال لذلك".
حدقت جول في الساحر. بادلها النظرة.
"أنت ومئتا رجل في دروع كاملة، مع العتاد، ركضتم من العاصمة إلى كاكيتيه بلا توقف؟"
أمعنت جول النظر في الساحر الذي أومأ برأس بطيء. ثم أضاف بعبوس حقيقي هذه المرة.
"لم يكن أسرع تماماً مما تفعله الحمامة. بضعة أيام إضافية فحسب".
لا، لقد جاوز هذا الحد، فقد كانت تسافر بالقارب طوال النصف الأفضل من اليوم بينما تعاني إحدى شخصيتيها من الغثيان طوال الوقت. أخذت جول الحمامة المسكينة الأشعث من إيرهارد، وناولت إياها برفق إلى بول ليعتني بها ويهدئها، ثم التفتت إلى مديرة نقابتها ومضيفتها المفترضة لإقامتهم القصيرة في عاصمة فيزنوف.
"أادلين، سيستقر فريقي ويفغض الحقائب. سيتولى داريوش أمر العشاء الليلة، وسأتوجه فوراً إلى الحمّام. إن لم أجد متسعاً كافياً لأغمر جسدي بالكامل في الماء الساخن فسأفرض الأمر فرضاً. أيمكنك ضمان ألا نصل إلى ذلك يا عزيزتي؟"
أومأت أادلين بحدة.
"بالتأكيد، أيتها الكونتيسة".
التفتت جول مجدداً إلى الساحر وكتمت التنهيدة الصاعدة في صدرها. وراء وجهه الصارم ظهر ضعف جرو ارتبك فجأة لأنه أدرك لتوّه أنه ربما فعل ما لم يكن عليه فعله.
"شكراً لجهودك الصادقة لضمان وصول أوامر الملك العالي لشخصي. أنت معفى من الخدمة حتى الغد".
مما أثار بالطبع ومضة مفاجئة من النار وصوت مطرقة ضخمة تضرب فولاذًا. لكن جول لم تكن مصدومة حتى. لا، بل مضت بكلا شخصيتيها مستقيمتين نحو قلعة كاكيتيه حيث يمكنها تأمين بيضاتها. حينئذٍ؟ ستحظى جول بحمام دافئ!