اتخذت جيم وضعيّة القتال مجدداً. ما كانت قادرة على مجاراة تحمّل أخخيها. ولا حتى منذ السنّ التي تبلغها هي الآن نظرياً. وما كان ذلك لقصور في محاولاتها. بل لأنها كانت تحتدم سخونة لدرجة تغشى عليها من محاولة جسدها طبخ نفسه. ظنّوا إصابتها بالحمى أول مرة حدث فيها ذلك. لكنها بمجرد أن تتوقف عن الحركة أو تبحث عن قليل من الظل تصبح بخير. تطلب الأمر ساعات لتغلبها الحرارة في الهواء الراكد، ونصف ذلك تحت شمس الصيف.
لم تلاحظ ذلك قط عندما كانت اصغر، إذ كانت تكتفي بالتقاط أنفاسها في ظل شجرة أو حقل قبل ذلك بكثير. لكن أثناء التدريب القسري تحت شمس الهجير وجدت جيم انها لا تستطيع حتى الوقوف طويلاً. لا سيما في التدريبات التي تذكر أن ألكسندر كان يستطيع تجاوزها فيها مرتين بسهولة. ليس في يوم صيفي حارق. لكنها كانت تتحسن. وتتعلم أكثر. إن اضطرت لدفع نفسها استطاعت استخدام رئتيها وحلقها لامتصاص الهواء البارد كي تبرد نوعاً ما.
تشد الهواء بقوة في شهيق قصير متقطع. لا لقصور في النفس بل لمحاولة تبريد الفرن المتأجج داخل جسدها. حدث حين تناهى لها اللاهث الشديد أن وجدت جيم فارقاً آخر بينها وبين المحيطين بها ممن ليسوا من نسل التنانين. كان على تسولوغوثولان التعليق على الأمر قبل أن تدرك هي أنه غير طبيعي. بدا أنها تستطيع كمالك الحزين الإحساس ببرودة الهواء في أبعد من صدرها وحلقها بكثير. كان هواء أنفاسها يصفير عبر عمودها الفقري ووركيها وركتيها وكتفيها.
جعلها الصوت تشعر كأن عظامها صيغت من مزامير. لم يبدُ أن أحداً غير الغريب قادر على سماع صوت جسدها حين تدفع جيم نفسها إلى حافة الإرهاق الحراري. لكن مع اندفاع الانتعاش البارد لأنفاسها عبر جسدها كله جذب ذلك انتباهها. كما ساعدها في انتزاع مزيد من الوقت تدريباتها تحت حرارة الشمس. وذلك القدر الأطول من الوقت الذي تستطيع فيه صقل عضلاتها بقوة لا تنبع من لهب التنانين. أن تؤدي الحركات بسيف تمرنها (الذي بالكاد يكفي خنجراً لرجل كامل).
أن تخطو خطواتها في فناء التراب الخاص بالفاستريغين. أن تحاول دفع الاحتراق في عضلاتها خطوات أخرى للأمام. أن تلتمس ذلك الشعور الذي يعني أنها تكتسب قوة إن لم تكن هامة.
"هذا يكفيك يا جيم. اذهبي وخذي بعض الماء والظل".
كان صوت ميوريال حاداً. وعرفت جيم أنه لا مبرر لتراد قائدتها. ليس حين تفتقر لجسدها الكامل للحكم على الفعل. وليس أمام رجال أحد التابعين. بلعت نفساً عميقاً مصصفراً، مسحوبة بالهواء الذي يتدفق عميقاً في جوفها ثم يخرج دفعة واحدة عبر ظهرها وصولاً إلى عنقها وكتفيها وعذابتها وفخذيها ومرفقيها. مسحبة بعض الحرارة التي لم تكن عضلاتها الموجوعة. قبل أن يخرج من منخريها في تيار شبه متواصل حتى وهي لا تزال تستنشق من فمها، وقد كان ذلك أمراً صعباً تعلم فعله.
لكنها حظيت بالكثير من الممارسة. استطاعت جيم الذهاب إلى حيث لا تستطيع نفسها الكبرى بلوغه. لذا تدربت لحماية نفسها حين تعجز عن سحق كل القادمين بمجرد قوتها.
كان التنفس المتواصل أبسط بصراحة من أداء النزر اليسير من التعاويذ التي تمكنت تسولوغوثولان من "تعليمها"
لجيم. لم تستطع استشعار الطلاسم العالقة برؤوس أصابعها وذيلها وشفتيها الآن. ليس بدون حواس نفسها الكبرى. لكنها علمت أن كل رقية تعلمتها قد علقت بجسدها ولسانها بطرق شتى. مستعدة ومنتظرة لتنبض بالحياة إن أدت الكلمات والحركات الصحيحة. مع ذلك استطاعت جيم استشعار خيوط لهب التنانين، العالقة والممسوكة في جلدها وعظامها وأنسجتها. شيئاً منسوجاً من الدفء المريح الذي لم تكن بحاجة ماسة إليه حرفياً اليوم.
لكنه يظل مرحباً به. منتظراً دعوته للتعزيز والحماية والتجسيد والتعبير. لكنه محدود بشكل مرعب أيضاً. محبوساً داخلها ومقيداً بإحكام ليدوم مواسم عديدة من دون أن يتسرب مطلقاً. لكن لدعوته واستخدامه للضرب بقوة أكبر؟ الجري لمسافات أبعد؟ الهبوط بخفة أكبر؟ استطاعت جيم استهلاك كل اللهب الذي يسعه جسدها الصغير في يوم واحد إن ضغطت عليه. هدأت تنفسها الآن مستريحة في الظل. لم تقلق ميوريال بشأنها.
منصبة التركيز فوراً على تدريبات جنود المشاة القادمين من حاشية جويل وهؤلاء الخاضعين لأمر اللورد القائد دومينيك. كان تغييراً مرحباً به عبر السنين، ليس كما كانت عليه الأمور سابقاً حين اعتادت جيم الإغماء تحت الشمس. بطء تنفسها، لكن الحرارة ستستغرق وقتاً أطول لتتلاشى عن هذه اللحظة. مكثت في الظل وتشرب ماء بارداً وانتبهت. كانت ميوريال ماهرة كعهدها، وأبدى المشاة عرضاً جيداً.
لكن كان هناك صلابة لدى رجال الفاستريغين تفتقر إليها جنود جيم. ثقة في حركاتهم واستقرار فيها. كانوا أكثر ارتياحاً في الدروع الثقيلة ذات القياس الفضفاض. أقل اكتراثاً بكيفية تحركها عند التخبط. فضلت حرس فيزنوف الذين تقودهم ميوريال حماية محكمة الضييق. قطع منفوخة ضئيلة وأجزاء متداخلة أقل قد تنقلب أثناء التدحرجات والخطوات الأعنف. ترك ذلك لهم ثغرات أوسع للاستغلال واكتسب بعضهم في البداية سخرية لكونهم راقصين رقيقين، لكن التدريب مع نفس جيم الكبرى جعل رجال دومينيك يقدرون سبب حذر حراسها من تركهم عاجزين عن التدحرج أو المراوغة بلا إعاقة.
مع ذلك بقي فارق بين حرس فيزنوف المنحدرين بالأساس من فالاسيك وكايكيتيه الأصليين وبين هؤلاء الرجال الذين يتخذون من أراضي الفاستريغين موطناً. ضربوا بثقة في ضرباتهم. كظموا قوة ضرباتهم بالكاد. تحركوا بعناية واقتصاد في الحركة يختلف عن حرسها الخاص. تتبعت عيون جيم طريقة انخراطهم في الهيئات والتكوينات. وكيف تحرصوا حول هدف واحد في التدريبات التي تطلبت ذلك. تحركت ميوريال وقائد اللورد القائد بالطريقة ذاتها.
كمن قاتلوا من أجل حياتهم لا لمجرد الشرف أو الممارسة.
قرأت جويل رسائل تفيد بوجود مشكلة متفشية نوعاً ما من "قطع الطرق"
في الأراضي الواقعة بين الفاستريغين ونظيرتها استروغرانيوم.
لم تكن هناك مستوطنات "رسمية"
وسط التلال المتموجة للممر الذي يربط مخزن ريدجتايل بمخزن داسيان. لكن منذ الوصول هنا ظهرت عدة مواقع متسقة بشكل مريب تتصاعد منها أدخنة نيران الطهي.
وكان عدد غير قليل من مشاة اللورد القائد يغيب لأيام "لدوريا الحدود".
حين تعود هذه المفارز سمعت جيم بآذانها الأربعة الكثير من الحديث حول إظهار مكانة "اولئك الأوغاد الجنوبيين".
وغالباً ما كانت تُلفظ في ذات الأنفاس التي يستنكرون فيها لصوص الجنوب المتسللين خلف الجدار لملامسة "امرأة حقيقية".
هي، أعني نفسها الكبرى، وبخت اللورد القائد. لكنها لم تحصل على إجابة ترضيها.
"مع كامل الاحترام يا كونتيسة، يمكنك تجريدي من لقبي وأرضي لأجل هذا. لكن جلّ ما سيفعله ذلك هو دفع المشكلة إلى حيث لا يمكنك رؤيتها حتى".
راقبت جيم أحد حراس الفاستريغين وهو يخفف بالكاد من ضربته التي أسقطت أحد جنود المشاة الأحدث عهداً من أبناء فالاسيك.
"كانت هذه هي الحال دائماً. يبتز المغارسكانيون أي تجار ومسافرين يمكن ترويعهم من جانبنا أو جانبهم ونفعل المثل بدورنا".
أعلنت كل من ميوريال والقائد المحلي وقف الاشتباك، وتخللت فترة صمت قبل أن ينحني الرجل الذي أسقط الجندي الشافي ليقدم ساعده لرفعه. تبادلا كلمات لكن جيم افتقرت لسماع نفسها الكبرى.
"يتسللون عبر جدراننا وتعاني قرية أو قريتان جراء ذلك، وينضم الرجال وحتى بعض النساء إلى الحرس وفي قلوبهم نار ليشقوا طريقهم جنوباً ذات يوم ويفعلوا المثل".
مع ذلك لم تكن التعابير على وجوههم توحي بوجود ضغائن دفينة.
"إنه قطع طرق بطبيعة الحال يا كونتيسة، لا شيء رسمي بأمر منك أو مني. يناسبنا ومغارسكا أن يكون الأمر مجرد لصوص طوال الوقت. وأحياناً ينال صبي أو فتاة محظوظة فرصة شق بطن من أساء لعائلتهم في جانبنا أو جانبهم".
راقبت جيم مشاةها وهم يتفاعلون مع المخضرمين، والنصال الحادة والمصقولة لحرس الفاستريغين.
"هذا ما يخص السلام يا كونتيسة، فبقية فيزنوف، والمملكة، وحتى تلك الحيوانات في مغارسكا قد ينعمون بالبدانة على "سلام ما". وهي تمعن النظر في الكلمات التي سمعتها بزوج آخر من الآذان. "لكن أستطيع إخبارك حقاً هنا في الفاستريغين؟"
كلمات تركت شعوراً بالبرودة في كلا قلبيها.
"لم نعهد "سلامك" قط".