5.1 بدأ الضيوف يتوافدون قبل سبعة أيام. أقبل أولاً نبلاء ڤيزنو، تلاهم الكونتات المجاورون وزوجاتهم. حضر تورزو بالطبع مع ابنه وزوجته، بينما مكثت ابناته في البيت. لم تستطع جيويل الادعاء بأنها افتقدت أحداً منهم. كان إمري فخوراً وشجاعاً كألكسندر في مثل سنّه. واثقاً من سلامته بعيداً عن التنين، فما عساه يخشى أيضاً؟ كان من المبهج رؤية الصبي الذي غلب عليه الخعر سابقاً وقد تحلى بالبسالة، مرجعاً ذلك جزئياً إليها.
أكدت رسائل تورزو أن ولي عهده صار أجرأ وأكثر ثقة من أي وقت مضى بفضل تعويذته الزعفرانية. حضر الكونت فيبرون من زيكهيد أيضاً، برفقة امرأة شكت جيويل في أنها إما عروس حديثة أو ابنة. ظنتها ابنة للوهلة الأولى من ملامحها، غير أن رائحتها كانت مميزة للغاية. بدا غريباً رؤية الكونت بغير لباسه الجلدي الخاص بالطيران. بدت الثياب المزركشة أقل ملائمة للرجل، حتى بالمقارنة بأبي وقامته الفارهة.
علاوة على ذلك، ولولا حاسة الشم لديها، لربما ظنته شخصاً آخر؛ فشعره الأبيض ولحيته المعتادان على التمرد بديا ممشطين ومضفرين بإحكام. بعد أولئك الذين تعرفهم جيويل شخصياً، جاء الكونتات الأقل شهرة. لم تكن تعرف أوسترويك من مقاطعة غروترو الشرقية، فلم يسبق أن قُدِّم لها في الإيري، لكنها حين رأت الرجل وتأكدت هويته تذكرت وجهه بين الحشد المتزاحم من لُوردات الغريفون. كان لشعره تجاعيد سوداء كثيفة.
وقد قُصَّت لحيته ورفه قصيراً، كما يميل العديد من فرسان الغريفون البحتة. وحفرت التجاعيد وجهه بعمق كأنه شاخ وخشُن بفعل الشمس والرياح القاسية. رأت جيويل بعض الباعة المتجولين يمرّون عبر روتشفورد بوجوه مماثلة، لكنها لم تدرك مغزاها. كانت غروترو، بحسب ما قرأته وما رأته من الجو، أكثر تضاريس جبلية وتلالاً من روتشفورد أو أي أرض في زيكهيد؛ إذ تحاضن جبال ريدتايل شمالاً وجنوباً، بدل أن تحيط بوديان المقاطعات الأخرى وغاباتها.
وماذا بعد؟ لم تكن جيويل قد سمعت حتى بأسماء كثير من الأماكن التي بدأ الضيوف يتقاطرون منها. كانت مطالبة بصفتها وليَّة عهد ڤيزنو بالحضور والترحيب بهم إلى جانب الكونتيسة باتوري، لكنها طالما اضطرت لاستشارة والديها لاحقاً لمعرفة من التقت بهم للتو. كانت المملكة مترامية الأطراف، ومع ذلك لم تكن بعض الشخصيات الوافدة لحضور الزفاف حتى من أتباع الملك الأعلى! وصل قهّاس من أراضي كانتور القديمة نفسها بالأمس.
لكن الصدمة الكبرى تمثلت فيمن وقف أمامهم الآن. لقد وصل برفقة اثني عشر حارساً مُدجَّجاً بالسلاح والدرع بالكامل. مع أن جيويل لم تشهد مثيلاً لزيّهم أو نصولهم قط. سمعت جيويل همسات تعتلّي البلاط وحوله بأن هؤلاء لم يكونوا سوى الحرس المسموح له بدخول كاكيتيه نفسها. وهناك ثلاثون آخرون في الباحات الخارجية! وخارج أسوار المدينة ذاتها، أُقيم معسكر على الأطراف القصيّة للمنازل والبيوت!
لقد سافر بصحبة حاشية تقارب الألف من الرجالة المُسجّفين والفرسان المُرافقين والخدم. وقد استقر معسكرهم على الحقول البور. وماذا عن الرجل نفسه؟ كان لونه بنيّاً غنيّاً بمسحة تنطق بلسع الشمس الطويلة. وكان شعره داكناً ولامعاً. كانت تفوح منه رائحة زيوت فاخرة وعطور رفيعة تغلب على عرق طال أمده على صهوة الخيول. وكان يرسل لحيته شارباً. لكن ما اعتمر رأسه كان لفة دائرية بالغة الغرابة من الكتان الأبيض الشاحب.
وزينت تلك اللفة حلقات سلاسل وميداليات ذهبية. وتوسطتها جواهر حمراء وخضراء وزرقاء تشهد بمرور الزمن على صياغتها، وبما هو أقدم في أعماق الأرض والحجارة المتباعدة. ولم تكن ثيابه الأخرى أقل ثراءً وتعقيداً وغرابة بأشكال لم تراها جيويل من قبل. كانت فاخرة بوضوح من حيث الصنعة، غير أنها لمعت في مواضع أوحت لها بأنها تطريز ذهبي حقيقي، بينما بلغ رقة بعض القماش حداً مكّن جيويل من الرؤية من خلاله بوضوح حين يواتيها الضوء المناسب.
وماذا عن نقوش ثيابه؟ حتى الملك الأعلى أو باتوري لم يرتديا نسجاً بمثل هذا التعقيد. لكانت بالغة الفضول لمعرفة هويته لولا إعلانه.
فقد أعلن المنادي: "الملك الأعلى مراد الأول باسمه، سيّد ماغارسكا، فاتح أوريستياس".
ماغارسكا. لم تكن جيويل وحدها من ذهلت لهذا النبأ. على أن الكونتيسة وبعض أهل بلاطها لم يفاجأوا البتة. يبدو إذن أن هذا الأمر دُبِّر في الخفاء من قِبَل البعض. لكن رغم ذلك؟! عدو جبال ريدتايل عبر القرون! المملكة ذاتها التي أجبرت ڤيزنو وجيرانها قبل قرون على قبول التبعية لمملكة كانتور المبعوثة لقاء العون في صد عدوانهم. المملكة ذاتها التي يُقال إنها أثخنت زوج الكونتيسة بجراح بالغة في الحرب حتى قضى نحبه بعدها بأربع سنوات.
رمق الملك الأعلى، المنتمي للعدو المزعوم والمعلن لعائلتها، جيويل بالنظرات عينها التي طالما وجهها الملك الأعلى ماتياس لذلك الكائن الرهيب القابع في قبو الكونتيسة. بيد أن حقوق الضيافة جميعها كانت مُصانة، وقد دخل بصحبته من الرجالة المسجفين وربما الفرسان -الغرائب بأشكالها والمسلحين بوضوح؟ لم تكن جيويل متأكدة من كيفية تقييم تلك الدروع الغريبة. ابتسم للكونتيسة باتوري ابتسامة مهذبة، غير أن جيويل تبينت أنها لم تصل إلى عينيه.
كانت كلماته واضحة وإن انحرفت بنبرة غريبة، تتدحرج بأسلوب وافد.
"أقبل حاملاً الهدايا والأماني الطيبة وبشائر السلام إلى أعدائنا القدامى والشرفاء في ڤيزنو ومملكة كانتور المبعوثة. ألا فلنتشارك الشراب والخبز والكلام في هذا اليوم السعيد والمبارك وفي مهرجاناته التالية؟"
ابتسمت إليزابيث باتوري، كونتيسة ڤيزنو، للرجل الذي لربما قتل زوجها. وحين بدت ابتسامته متكلفة، جاءت ابتسامتها مفعمة بالبهجة وحدها.
"بالطبع! بمناسبة هذا الزفاف العظيم ولموسم تالٍ، أمنحك وقومك حق المرور بسلام. ليكن هذا فرصة لنا لنتشارك الكلمات والطعام والأغاني بدل النصول!"
لم تكن جيويل وحدها من تحدّق في حاكم تلك الأرض، وهو يرحب بعدوهم اللدود ترحيب الأخ بأخيه. من جهته، بالكاد أمال مراد رأسه استجابة لترحيب باتوري الجريء. ثم التفت نحو جيويل والتقى عيناها بحدّة ألفتها تماماً.
"لتبرك نجوم الجنوب الدافئة زفافك أيتها العظيمة جيويل، ورمح ڤيزنو اللامع."
ثم حنى رأسه أمامها! ولم تكن إيماءة طفيفة أيضاً! بل انحنى من خصره ليتابع هبوط رأسه. تحرك ذهب قبعته الغريبة، وتيقنت جيويل أن حتى أهل البلاط استطاعوا سماع صوت المعدن في الصمت الذي طبق على المكان. رجل في مرتبة تؤهله لتولّي السيادة. ينحني لجيويل! تطلّب الأمر كل درس درّبها عليه والداها وشحذاه فيها طوال سنين عمرها كي لا تفرش جناحيها رعباً. وكي تحافظ على رقة السيدة واتزانها.
لكنها كانت تصرخ في دواخلها. ما الذي يفعله الملك الأعلى لعدو أجدادهم في حفل زفافها بحق الجحيم؟!