4.9 كان جول سعيدة لأن والديها هما من توليا في الغالب التعامل مع الكونتيسة باتوري بشأن ترتيبات الزفاف. قد تكون سيدة إقطاعية، لكن والد جول ظل سيدها المباشر وسيّد أسرتها. لم يترك ذلك على عاتقها إلا مسؤولية ضئيلة، تمثلت في التشاور مع الطهاة والتأكد من خلو طعام احتفالات زفافها من الزعفران تماما، وتذكيرهم عند الحاجة بأن الملك الأعلى نفسه لم يعد يستسيغ ذلك التابل. وقد أتاح لها خلوها من الواجبات وقتا للبحث عن مساعدة جكسا الأحمر في أمر بيثيكا وأطفالها البكم.
غير أن الرجل، كعادته، بدا في غاية الملل من المسألة.
قال: "نعم، نعم. إنها على الأرجح مسألة ترقق في الدم الذي حمل المواهب اللازمة من سلالة المينويين القديمة. لقد ورثت كانتور كثيرا من سلالات الدم القديمة تلك في قطعانها."
رمشت جول قليلا. بدا الأمر أبسط من اللازم. وفوق ذلك، لم يتفق مع ما قيل لها.
قالت: "لكن، إذا كان الأمر كذلك، أفلا يفترض أن تكون الزيجات التي عقدوها بين الإخوة والأخوات، وبين الأمهات والأبناء، قد أعادت النقاء؟"
وللمرة الأولى منذ عرفته، بدا جكسا الأحمر مشمئزا حقا. لم يكن غاضبا لأنها تشكك فيه. ولم يكن ساخطا لأن مكانته تعرضت للطعن. كان مشمئزا تماما. حتى إن رائحته كانت تفوح بذلك الاشمئزاز. كانت رائحة مجزر متعفن تتخثر حوله، قوية إلى حد جعل جول واثقة من أنها كانت ستنتزع الغثيان من أي شخص عدا دباغ جلود.
قال: "بل على العكس، من المرجح أن تقييد سلالات الدم جعل المشكلة كلها أسوأ بكثير. قد يمنح المبعوث من النجوم حكمة عظيمة، لكن حتى الكلاب الوضيعة تعرف أن عليها ألا تتزاوج مع أقرب أقربائها إلى هذا الحد. حقا، من العجيب أن تضيع من الوحش والإنسان بعض الحواس الأساسية حين تمنحهما السماوات ما يكفي من الكلمات والفكر."
تحول استياؤه وهو يتكلم إلى ذلك النفور الأبعد والأقل حدة الذي سبق لجول أن رأته فيه.
وبعد أن أخذ نفسا عميقا ليهدئ مزاجه أكثر، هز رأسه لجول وقال: "لا، إن أبسط حل وأسهل حل لمشكلة بيثيكا مع الأطفال بليدي العقول هو أن ينضم إليها ثور ناطق بعيد كل البعد عن سلالات عائلتها."
حسنا، لقد أجاب ذلك عن السؤال، لكن أين ستجد جول ثورا يتكلم جيدا ولا تربطه ببيثيكا قرابة قريبة؟ ليس وكأن الثيران التي تتكلم كانت شائعة تماما... أليس كذلك؟ وقبل أن تتمكن حتى من طرح السؤال، كان جكسا قد بدأ الكلام.
قال: "سأوصي الكونتيسة بأن يجلبوا إليك من مراعي إبيروس ثورا فصيحا حسن النسب. ومع احتساب الوقت اللازم لوصول الحمام وتأخر الشتاء، يفترض أن يصل إلى فالاسكت بحلول منتصف بيردبين. والآن، هل من شيء آخر؟"
شعرت جول بشيء من اختلال التوازن. فقد استسلمت الكونتيسة أولا لمحاولتها تقويض سلطتها، والآن حلت لعنة عائلة صديقتها الجديدة في غضون ساعات قليلة على ما يبدو.
قالت: "أعترف يا جكسا أنني ظننت أنك ستضطر، على الأقل، إلى زيارة بيثيكا للتأكد من العلاج. لم أسمع بها إلا هذا العام، لكنك واثق إلى هذا الحد من علاج علل سلالتها العائلية بأكملها؟"
شخر جكسا باستخفاف. وعاد إلى تلك الإهانة المألوفة التي كانت تلوح عليه كلما شكك أحد في تأكيداته.
قال: "لست من الغرباء، وإن كان الأمر بيدي فلن أبتلى أبدا بلعنة التحول إلى واحد منهم. لكن سلالات الدم جزء من حقيقتي. وأعرف هذا باليقين نفسه الذي يعرف به تسولوغوثولان أمر تزاوج الضفادع أو أيا كان."
رمشت جول، وهي تتأمل جكسا بحذر.
قالت: "لم ير أي من السحرة الذين تحدثت إليهم الغرباء بسوء. بل إنهم جميعا يتطلعون إلى فهم أعمق لحقائقهم."
فضحك جكسا. ضحك فعلا. كان ذلك مخالفا لطبيعته إلى حد كادت معه تفوتها كلماته.
قال: "بالطبع سيفعلون. كل الذين تحدثت إليهم ذهبوا أبعد مما ينبغي، فلم يعودوا يكترثون."
عاد تعبيره إلى سكونه الهادئ، لكنه صار أشد حدة. وأخذ يتأملها بطريقة لم تلحظها منه قط.
قال: "هل سألت يوما عما تخلوا عنه في سبيل اقترابهم من الحقيقة؟"
ظلت جول حائرة من اكتشافها هذه الأعماق الجديدة المفاجئة في رجل كانت تعده، حتى ذلك الحين، أقل السحرة شبها بالسحرة ممن عرفتهم. واستدر صمتها منه مزيدا من الكلام، وهو يعقد حاجبيه.
قال: "ظل فيزبنشز قطا زمنا طويلا إلى حد لا يستطيع معه أي سجل أن يقول إن كان قد كان شيئا آخر، وذلك الأحمق لا يستطيع التفكير في خط مستقيم لينقذ حياته. أما أورول، فسيفتح رأسه بسرور ويدعك تقرئين أفكاره نفسها، ما دمت لن تلطخي الصفحات. وتسولوغوثولان لا يستطيع أن يفهم لماذا قد ينزعج أحد من رائحة البيض الفاسد أو طعم الوحل، ولم يكن له جسد سليم منذ قرن على الأقل."
أدار ظهره لجول ونظر إلى يديه. كان الدم تحت جلده ينبض ويتدفق بوضوح، حتى إن أذني جول التقطتا صوته. لم يكن قلبا هو الذي يدفع الدم خلاله. كان دم جكسا الأحمر هو الذي يحرك قلبه. لا العكس.
قال: "لقد تخلى كل غريب عن أجزاء كثيرة مما يعنيه أن يكون المرء رجلا فانيا في سبيل حقيقته. وبحلول الوقت الذي يتعمقون فيه إلى هذا الحد، لا يعودون يرون سببا للتوقف."
حدقت جول في جكسا. كانت تظن أن كل تلك الأمور التي قالها ليست إلا الطريقة التي يكون بها الساحر ساحرا. وأنها مجرد طبيعة أصدقائها ومعارفها من السحرة. لكن، أيمكن أن يكون شيء في داخلهم قد تغير مع مرور الوقت؟ أكانت تلك صفقة من أجل القوة، كما في الحكايات؟
قالت: "أعتذر عن أي إساءة، يا سيدي الساحر جكسا الأحمر. لم أكن أعرف أنك تنظر إلى الأمر على هذا النحو."
هز كتفيه، ثم ابتسم. كانت تلك ثاني ابتسامة حقيقية تراه يبتسمها، لكنه عقد حاجبيه فورا، وقد لمعت في عينيه ريبة.
قال: "أنت مخلوق يسهل الحديث إليه على نحو يثير الريبة، أيتها السيدة جول من فالاسكت. إنه لأمر غريب أن يجد المرء من يفهمه بهذا القدر."
وحان دور جول لتهز كتفيها. فعلت ذلك بجناحيها وقائمتيها الأماميتين معا، في تدحرج صغير من الحركة عبر أكتافها الأربعة.
قالت: "لا أستطيع أن أقول. تبدو واضحا جدا بالنسبة إلي. لست مثل يويين. لقد استغرقني الأمر وقتا طويلا جدا لأدرك ما الذي كان يفترض أن يعنيه صوت استقرار الضباب على لحاء البتولا المتجمد."
نفخ جكسا ضاحكا، وهز رأسه. والتوت ابتسامة ثالثة على وجهه.
قال: "حسنا، هل من شيء آخر تريدينه مني، أيتها السيدة جول؟ لقد تعهدت الكونتيسة بأن أهبك يوما كاملا من خدمتي هدية مبكرة للزفاف."
فتنهدت جول بعمق، وقد امتلأت بالضيق. وكانت واثقة من أن ذلك ألهمه ابتسامة ساخرة رابعة، قدمها لها تضامنا في المعاناة.
قالت: "لا يا جكسا، لن أمنعك من واجباتك. اذهب واقض يومك في أي شيء تفضل أن تمضيه فيه. لقد حسمت في هذه الكلمات القليلة أمورا أكثر مما ظننت أنه يمكن حسمه في يوم كامل."
انحنى لها، ثم استدار الساحر الأحمر وخرج من الباب مثل أي رجل فان، في أمر حاولت جول الآن ألا تحكم عليه بسببه. ومضى في ردهات قلعة كايكيته حتى تجاوز بزمن بعيد مدى سمع جول.