11.9 قلق أبُوه عندما طلبتْ جويل مقابلة الكونت ثورزو. لكنها حين شرحتْ له مبرراتها لان بالتنازل مشترطاً أن يحضر المقابلة معها. وهو ما وافقتْ عليه جويل طبعاً! فهو أبوها في نهاية المطاف. ممّا قادها إلى الخيمة التي تؤوي الكونت وحرسه. كانتْ أريحَ بصدقٍ من خيمتي جويل وأبيها. وباعتباره كونتًا مرافقاً لا أسير حرب كاملًا، فقد سُمح له بطاقم، وحرس شخصيّ، بل وبتسلّح. سار مع ما لا يقلّ عن مئتي جنديّ راجل وعشرة فرسان من فيزنوف لمزيد من المرافقة حول ذلك الطاقم أثناء المسيرة.
وقد حُدِّد موقع خيمته وأُبقيتْ محاطةً ببقية معسكر الجيش بينما كانا لا يزالان يتجمّلان خارج أراضي فيزنوف. لكنه مُنح رفاهية، وطعاماً كما يتناوله القادة والأسياد، ومرافقات وأمتعةً من شقته. بل امتلك مكتبةً صغيرة تضمّ اثني عشر كتاباً معه! وطيور رسائله، لإرسال المراسلات إلى الخارج (رغم أن جميعها كانت تُفتح وتُقرأ قبل أن يضع خاتمه). كانت كتابة إحدى تلك الرسائل هي الطريقة التي وجدته بها جويل.
حدث ارتعاش طفيف حين تبعتْ أباها إلى داخل الخيمة، إذ دغدغتْ أرفافها حرائشفها وهي تعبر. لتنزل إلى منتصف عنقها فقط قبل أن تتعدى المسافة اللائقة بكونت. على الرغم من فخامتها لم تكن الخيمة واسعة جداً. حمل صلابة مألوفة في ظهره ونتن الخوف المعتاد لمن لم يعتادوا حضور جويل المفاجئ. لكن عينيه احتفظتا بذلك الفضول الساطع المتألق الذي تتذكره من لقائهما الأول. علامة شجاعة في كيفية إشراق تعابير وجهه رغم أنها استطاعت تذوّق خوفه تحت روائح الدهشة بل وحتى الفرح الخالص.
كانت جويل خطراً لكنه خطر بدا مرحباً به. علامة شجاعة تتعارض مع ما قالته الكونتيسة عن الرجل.
"الكونت ثورزو من أرفا، أنا الليدي جويل من روتشفورد، ولديّ طلب لمساعدتك في مسألة شرف وسلام لأحد رفاقك السلاح الساقطين".
كانت المفاجأة خافتة لكنها قائمة، فلم يكن ينتظر كلماتها أو ربما لم يكن ينتظر بلاغتها ونبرتها المحفوظة بعناية لشابة مهذبة.
"طلبٌ؟ ليس مطالباً ولا مساومةً؟ أيمكنني الرفض؟"
التفت لينظر إلى أب، الذي كان يراقب ببساطة. أمّا جويل فقد أومأت برأسها رغم ذلك. مما جذب نظرةً أخرى تعود في اتجاهها. وكما يليق، كان يجب أن يواجهها طوال الوقت. لكنه كان خطأً مألوفاً ومحبطاً للغرباء الذين يتحدثون إليها.
"نعم، يمكنك الرفض، رغم أنني آمل ألا تفعل. إنه ليس فعلاً أو مهمةً أو آمل حتي فرضاً منك. أنا أبحث فحسب عن معرفة أشياء قليلة".
وجّه الكونت كامل انتباهه إليها، نظر إلى شفتيها، وأمرَّ عينيه على شفتيها، وتتبع خصلات عرفها، وتجاوز وجنتيها وخطمها. ثم، بعد أن اكتمل تقييمه ظاهرياً، ثبّت نظره إلى نظرتها وقطب حاجبيه.
"قد أرفض مع ذلك، رغم أن الأفعال تُكتب بوصفها محرّكات هذا العالم، إلا أن المعرفة هي التي تحمل الخطر الأعظم والثمن الأقسى".
أومأت جويل برأسها.
"يمكنني أن أكون في سلام مع هذا، الكونت ثورزو. لن يحمل رفضك أيّ عواقب لك أو لتعاملاتنا من أجل السلام. أنا لستُ سوى ابنة أبي في هذه الأمور".
أومأت برأسها لأب، ممّا أثار حاجبين مرفوعين من ثورزو ممّا لم يكن متوقعاً بصورة مجهدة أيضاً.
"حسنٌ إذن، الليدي جويل من روتشفورد، اطرحي سؤالك. نظراً لكلّ مجاملتك، سيكون أمراً سيئاً رفضك حتى ذلك".
أومأت جويل برأسها ثم تحدثت بهدوء. باحترام على أمل تهدئة بعض العالم الذي ما زال يئنّ من حولها. حاولت أن تجعل كلماتها تبدو كما تتذكر الأم تفعل في خطاب لطيف إلى الثكالى.
"أتدرين من أين انحدر سيّد السحرة عراف القلاع فيول؟ ألا يزال لديه عائلة تهتم لأمره؟ وما هي الطقوس التي تُتوقع لتهدئة روحه؟ لقد قاتل جيداً وكان خصماً شريفاً ويستحق أيّ ترتيبات مستحقة له".
بدا أن ذلك أدهش الكونت. تقطّب حاجباه في تفكير ونبرة ناعمة في حيرة.
"سيّد السحرة؟ عائلة؟"
أومأت جويل مرة أخرى بالسؤال وراقبته بينما رتب ثورزو أفكاره بوضوح تامّ أمامها. شدَّ شفتيه لشيء بدا وكأنه يستذكره لكن كلّ رهبة وخوف كانا يتخثران من حوله. بدا أن السؤال قد أخذ كلّ انتباهه عنها. أخيراً اغمض عينيه وأومأ برأسها. ثم فتحهما ليقابل نظرتها.
"لا عائلة، لكنه انحدر من مقاطعات الأحرار جنوب غرب الحساب الشمسيّ. لقد امتلك حوزةً هناك مع قلعة وقصر صغير حولها. كانت أراضيه صغيرة لكنها معفاة من كلّ ضريبة من قِبل المملكة. تُدفع بدلاً من ذلك بخدمة حملة واحدة كلّ عشر سنوات حيث يحضر بناءً على طلب الملك العالي. أو يمركز نفسه لتعزيز وإصلاح حصن من اختيار المملكة ثلاث مرات في نفس الوقت".
أومأت جويل برأسها لكنها لم تقرأ أبداً عن هؤلاء الأحرار أو طرقهم. لم تكن تعلم حتى أنهم موجودون حتى اليوم.
"وكيف يكرمون موتاهم في تلك الحوزة؟ أتدرين ذلك؟"
تقطيب وتفكير آخر قبل أن ينهض من مكتبه ويمشي نحو الطاولة الصغيرة التي تضمّ كتبه ومرر أصابعه على الكعوب الجلدية قبل أن يميل واحداً حراً ثم يرفعه إلى الأعلى وإلى مكتبه. بالكاد استطاعت جويل كتم نفسها ومدّت عنقها قليلاً لتنظر إلى الصفحات لكنها أصيبت بخيبة أمل لعدم وجود كتابةألفاتها مألوفة. كانت الحروف صحيحة لكن ترتيبها كان خاطئاً تماماً. مخيب للآمال، شيء آخر سيتعين عليها دراسته.
"مممم، طقوس الجنازة، طقوس الموت.... آه هُنا!"
تمتم بشيء غير مفهوم بالمثل بدا وكأنه يتدفق ويطير تقريباً مثل ريح صوت إيويين. لكن بحنجرة ولسان حقيقيين بدلاً من أوراق وأغصان حفيف. نظر ثورزو إليها للحظة، وسأل بشيء لم تستطع جويل فهمه، ثم ابتسم بعيون متألقّة وتحدث بكلمات مقروءة.
"كتابي عنهم قديم جداً، ولكنه في الواقع ليس أقدم من ساحر الحرب. ولكن بكلماته فإن شعب أراضى الأحرار يمارسون طقوساً من الزهور حول الجسد ثم الدفن في تراب أجدادهم. غناءً لحياتهم ثم سكب النبيذ على الأرض كوداع أخير".
أومأت جويل عند ذلك وحنت رأسها للكونت. بصوت ناعم ولطيف.
"شكراً لك، إذا كنت ترغب في الحضور فسأقيم مثل هذا الاحتفال لعراف القلاع الراحل صباح غد قبل أن نكسر المعسكر. ليس لدينا جسد لكن البقية تبدو بسيطة بما فيه الكفاية. سيحضر سحرنا نظراً لأنه كان معروفاً لديهم وباعتباره سيّده في المعركة فمن الصواب أن نعرض عليك نفس الشيء".
بدا ذلك مرة أخرى يدهش الكونت تماماً. لكنه أومأ برأسها متردداً.
"سيكون مثل هذا شرفاً. و-وإنه لمن الجيد أن تبحثي عني لفعل هذا".
خفضت جويل رأسها مرة أخرى ثم سحبتها من الخيمة، يتبعها أب. وبينما كانت تستدير لمغادرة وعمل الترتيبات المتعجلة التي تستطيعها، حمل صوت ثورزو جيداً بما يكفي للوصول إلى أذنيها.
"أه ذلك الأحمق المطلق من الساحرة، هل لديها أيّ فكرة عمّا عثرت عليه؟"
كان هناك ضحكة جافة ثم الصوت المألوف لشخص يطبق رمل تجفيف على الرقّ للاستعداد لجلسة أخرى من فن الخط. تلاشت خدشة خافتة لقلم محبّر بينما ابتعدت جويل. قريباً ربما يمكنها جلب بعض السلام لألم العالم الموجع في كلّ مكان من حولها.