التنين اللامع الفصل 112

اقرأ التنين اللامع الفصل 112 باللغة العربية على مانجا تايم.

11.3 حدّق جوناثان في ساحر الكونتيسة باتوري. وقف جاكسا الأحمر بوجه يفيض هدوءاً وتأمّلاً في مواجهة أسير حربهم. لم تظهر أيّ بادر تدلّ على أن الساحر منزعج البتّة من التهمة التي وُجِّهت إليه علناً قبل قليل. لا في العراء، ولا الآن وقد اجتمع الجنرالات وجوناثان والساحر خلف الأبواب المغلقة لمناقشة تفاصيل الاستسلام الرسمي. أزعج وجه الساحر جوناثان. كانت ملامحه تشبه تلك التي يرتسم بها وجه ألكسندر حين يتعثّر في تهجئة غير معتادة لكلمة مألوفة.

أو ربما حين يحاول المرء تذكّر ما تناوله على الغداء قبل أسبوعين. لم تكن تلك الملامح التي ينبغي أن تظهر على شخص يُتَّهم بمواطأة والدٍ في قتل ابنته ذات الخمسة عشر ربيعاً.

قال: "يجب أن أعترف لك يا سيّد ثورزو، بأنني لا أستطيع التذكّر في الوقت الرّاهن إن كانت ابنتك بينهنّ".

عجز جوناثان عن كبح شهقته. رمق بنظرة حارقة رفيقه وكاتم أسراره في ذلك العشّ المليء بالأفاعي الذي كان بلاط كاكيتيه. انقبض فك كلياتباترن بعنف ثم أدار الرجل وجهه عنه. كان ذلك اعترافاً يفيض عن الحدّ بوجود علمٍ ما بالأمر. التفت إلى فيبرون الذي تحرّك وثنل أصابعه ويديه وذراعيه بلغة فرسان الغريفون المألوفة والمبتورة في الأماكن الضيقة. سؤال للتحقّق. ثنى جوناثان جسده وتحرّك نافياً بحركة خفية لا تُرى.

هزّ ثورزو رأسه وضحك.

وقال: "بينهنّ؟"

رمق جوناثان بنظرة حادة ثم أدى بيديه ثلاث إشارات واسعة ومكشوفة. كانت لتكون واضحة كلّ الوضوح من مسافة مئة خطوة أو يزيد. تلك إشارة بلغة الغريفون للتحقّق من رصد طائر. حدّق فيبرون وجوناثان في الرجل الذي كان يبتسم بينما استقرت عيناه نحو الأرض. انبعث نفَس ثقيل وساخن من بين أسنانه كأنه تنهيدة راحة وإرهاق.

"إذن فاثنان منكم على الأقل لم يعلما. ولعلّ أغلب من هم هناك في الساحة لا يعلمون؟ بأنّ كونتيستهم وحشٌ يغتسل بدماء الأبرياء؟"

تنهّد جاكسا الأحمر وهزّ رأسه بنبرة تشبه نبرة أب يوبخ ابناً ارتكب حماقة بالغة الغباء.

قال: "هي ليست وحشاً ولا تغتسل بالدماء. وفي الغالب فإن أولئك الذين يسهمون بما لديهم ليسوا ممّن أستطيع وصفهم بالأبرياء. نساء الليل، ساحرات يبعن علاجات زائفة، زناة، صعاليك، فتيات قرويات، وشباب شوارع منبوذون".

أطلق نفساً حاداً وثقيلاً.

وتابع: "إن القصص والشائعات حول حالة كونتيستي ومعاملتها في المملكة قد بولغ فيها حدّ السخافة. ولو أن نصفها كان حقيقياً لأفرغتْ كُلّ فيزنوف من سكانها قبل عقد من الزمان".

حدّق فيه ثورزو بغضب.

وقال: "ومع ذلك فأنت لست واثقاً من أن ابنتي، وهي سيّدة ذات نسب رفيع وفضيلة لا تشوبها شائبة، ليست بينهنّ؟"

شعر جوناثان بحفرة في جوفه تزداد عمقاً وهو يتفرّس في وجه مارسلاف كلياتباترن. لم يكن هناك أيّ إنكار، ولا أيّ دهشة، بل قبول مؤلم لا غير. لقد كان يعلم. تحدث الساحر بسلاسة وهدوء.

قال: "لا يمكنني القول إنني حضرت التنفيذ الفعلي لكل طقس، فقد كانت الطريقة الصحيحة مهارة أتقنتها الكونتيسة باتوري ووصيفاتها لما يزيد على عشرين عاماً حتى الآن".

عشرون عاماً؟! تساءل جوناثان لفترة قصيرة عن سبب إمعان الجميع في غرز أنظارهم فيه. ثم أدرك أنه نطق بذلك بصوت عالٍ.

قال الساحر: "نجل, يا سيّد روشفورد، لقد كانت الكونتيسة باتوري سيّئة المزاج منذ ولادتها. فقد كان بصرها وجسدها يُعانان بانتظام من رؤى ملعونة بعثتها النجوم فأنهكت حواسّها".

واكتسبت نبرة الساحر حرارة غابت عنه من قبل.

وقال: "وصفتْ حالتها بأنها ابتلاء بنور يعمي الآذان وأصوات تُصمّ الآذان. وقد كان يصيبها وهن يتجاوز بكثير ما يمكن أن تتوقعه حتى سيّدة من بيت حصين كبيتها. لقد كنتُ أخدمها بناءً على طلب عائلتها منذ ما قبل نيل عباءة الساحر".

ثم ابتسم حينها وكأنه يستغرق في حلم سعيد من الماضي.

وتابع: "لقد كان ابتكاري للطقس ذاته الذي يضمن لها صحتها وحيويتها هو ما مهد لي الطريق نحو منصبي".

رمق فيبرون جاكسا بنظرة غاضبة بدت وكأنها تنزلق عن الساحر تماماً.

وسأل: "وما هو هذا الطقس السحريّ يا ترى؟"

وهنا بدا أن ابتسامته المبهجة قد ازدادت إشراقاً. وبدا شعر الساحر الداكن والأجعد بشكل مزعج وكأنه يتموّج أمام عيني جوناثان.

فقال: "تلك هي الطريقة، مقايضة الحياة والحيوية بدماء الجميع في مقابل سقم المحتاج".

هزّ ثورزو رأسه عند ذلك وأشار بإصبعه نحو جاكسا.

وقال: "لقد مُدّت حياتها الملعونة وقتاً أطول ممّا يحقّ لها، كان حتّى على الساحرة أن تهلك قبل أن تزهور! لقد ألهمت ساحر دم وهي طفلة! أهناك أيّ دليل آخَر تحتاجون إليه لتتيقّنوا أنها وحش؟ إنها تقتل لتمديد حياتها الخاصة!"

أطلق جاكسا مرة أخرى ذلك التنهّد المتعالي الذي لو وُجّه إلى جوناثان لربما دفعه إلى تسديد لكمة لذلك الرجل. ساحراً كان أم لا.

قال: "من بين كل حكايات العوام الحمقاء وكلمات الساحرات، يا لك من رجل أبله! فما من أحد من مادة التغذية يهلك بسبب الطقس".

أصاب ذلك الكلام ثورزو بالجمود. فاتسعت عيناه فجأة. وبدا ومق مجنون خفيف يتألق بغتة.

فقال: "إنهم أحياء؟"

عَبَس جاكسا الأحمر في وجه أسيرهم من الطرف المقابل.

وقال: "بافتراض أنها أُخذت بطريقة ما عن طريق الخطأ في السنوات الأربع الماضية؟ نعم، بكل تأكيد. يجب أن تكون مصابة بدوار طفيف وربما بشيء من التشويش جرّاء قضائها عاماً أو نحوه في رعاية الكونتيسة نائمة".

حلّ ارتخاء مشبع بالراحة وكأن القوة كلها قد تسرّبت من جسدهم الأسر. بدا شاحباً ومجوفاً ومع ذلك كان سعيداً بلا مبرر.

وتابع: "ولكن بافتراض أنها من بين أولئك الذين تستمدّ الكونتيسة باتوري حيويتها منهم لأجل صحتها؟ إذن فهي بخير. ويمكن إعادتها إليك بسهولة. وأفترض أن إحضار ابنتك المفقودة وتسليمها لك سيكون كافياً لتسحب كل الاتهامات الموجهة ضد الكونتيسة كما عرضنا مسبقاً؟ بما أنه لم يقع أيّ قتل في الواقع؟"

لم يبقَ في ذلك الرجل الذي بدا شبه محطم، جيورغي ثورزو، سوى ابتسامة ارتياح وإيماءة رأس. ثم أومأ جاكسا برأسه ورتل الساحر بصوت هزّ الهواء والحجر وغاص عميقاً في العظم وخرج عبر اللحم.

وقال: "أقسم بدماء عهدي أنني سأردّ إليك ابنتك التي فقدتَها".

وفي ذلك الإعلان لم يستطع أحد إنكار الحقيقة. تحركوا خارجين من الغرفة، وبقي جوناثان في الخلف بينما غادر جيورغي وفيبرون، ثم تبعهما جاكسا. وانتظر حتى صار رفيقه في البلاط، الذي بدا وكأنه خان ابنته ونفسه لفترة وجيزة، آخر المغادرين. ثم مال نحوه مقترباً وطرح السؤال الذي كان أشدّ ما يخشى إجابته.

قال: "ماذا سيحلّ الفتاة إن مرّت خمس سنوات منذ أن أخذتها الكونتيسة؟"

استدار مارسلاف كلياتباترن وحدّق فيه ولم يكن في تلك النظرات سوى رعب غائر. فهمس بصوت خفيض رداً عليه.

وقال: "ستكون أسوأ من ميتة".