11.2 حين تخيّلت سبباً لهذه الحرب، لم تدرِ جويل ما تنتظره. لكنّه لم يكن هذا. بعد كلّ ما فعله لقلب عالمها رأساً على عقب، كان هناك الكثير ممّا يثير خيبة الأمل والحيرة في واقع جيورجي ثورزو. فرغم كلّ الادّعاءات البهرجيّة بحقّه في لقب ملك سفليّ سخيف، بالكاد كان أطول من حامل سلاحها سميثسون. علاوة على ذلك، لم يكن مهيباً البتّة حتّى إذا حُسب أنّه مجرّد من الأسلحة والدروع كما يليق بأسير.
كان نحيل البنية كأنّ خيوطاً من القنب لُفّت فوق العظم، لا كعضلات فارس مرنة. إجمالاً، لم يبدو أو يفوح منه ما يجعله سييداً جديراً بحكم الأبي أو الكونت والكونتيسة، ولا حتّى صوته كان يوحي بذلك. لقد نتن خوفاً وإرهاقاً متغلغلاً في العظام. ذلك النوع من الإعهاق الذي يبقى عبقه عالقاً حتّى لو نام المرء أيّاماً بعد أن يفبض قبضته عن اللحم. لولا ثيابه الأرقى، لما بدا غريباً البتّة بوصفه رئيس قرية شابّاً من قرى روتشفورد.
ربّما أثقلته المسؤوليّات الجديدة، لكنّها لم تحنِ ظهره تماماً. شعر داكن، لحية كثّة، وجه مخطّط بالأغوار. نظرة فاحصة ذكية أضاءت عند رؤيتها رغم الظروف القاتمة. حين دخلا عبر البوابة الأماميّة، استطاعت جويل تقدير كيف أنّه وقف منتصب الظّهر على الأقلّ كما ينبغي لكونت. حتّى في الهزيمة، مُنح شرف الحرس هنا في فناء القلعة التي سيطر عليها حتى البارحة وحدها. كانوا هم أيضاً عزل السلاح لكن سُمح لهم بالدروع وحمل رايته ورااية المملكة.
كانت رايته غريبة، مساحة من الأزرق والأصفر وفي مركزها طائر أبيض كبير. ذكّر الشكل جويل بإتاوزة. لكنّه أبيض بالكامل مع خطوط سوداء عند عينيه. حين زحف موكبهم إلى داخل القلعة، استقرّ رأس جماعتهم أمام الرجل الذي ادّعى أنّه ملك عليهم جميعاً. الكونت فيبرون في المقدمة، واقفاً كندا لجيورجي ثورزو. على يمين الكونت، تراءى الأبي شامخاً فوق الجميع باستثناء جويل نفسها، رغم تراجعه ليكون حرساً مرافقاً نظيراً لما مُنح لثورزو.
على اليسار وقف البارون كلياتباترن. استقرت جويل في التفاف مرتخٍ خلفهم جميعاً، بعد أن طلب منها الأبي صراحةً أن ترفع رأسها أعلى حتّى من رأسه أو رأس الكونت لغرض الترهيب. زحف باقي السُّيَّاد أو ممثّلوهم المختصرون ليطوقوا ويعرضوا راياتهم بفخر إلى يسار جويل ويميناها. وكما نوقش (وجادلوا بشراسة) مسبقاً في اجتماع الصباح (المُوسَّع بشكل ملحوظ)، اتّخذ كلّ منهم موضعاً محددّاً يليق بأدائه في المعركة.
ممّا لفت الانتباه غيابه عن الموكب أيّ ساحر باستثناء ياكسا الأحمر، الذي وقف قرب جويل على يمينها، رافعاً راية فيزنوف عالياً لتلتقط شمس الظهيرة القريبة. بصفته أوّل القادة، افتتح فيبرون المراسم.
قال فيبرون: "جيورجي ثورزو، القائد والسّيّد في ميدان مملكة كانتور المباركة المبعثة، والسلالة الشمسيّة الظاهرة، وجيوشها نيابة عن الكونتيسة باتوري وحلفائها، أنا، الكونت فيبرون من زهخدج، هنا لأتقبل استسلامك في معركة شريفة وسحب كلّ الاتّهامات والأكاذيب الموجهة لشخصها ولأستنكر وأدحض أيّ ادّعاءات تطرحها على أراضيها أو أيّ أرض أخرى بناءً عليها".
عبس ثورزو ونظر حوله إليهم جميعاً. مسدّداً نظرة حاقدة بشكل خاصّ نحو ياكسا الأحمر.
قال ثورزو: "أقرّ بأنّكم منتصرون، ومن أجل رجالي ومن آويتهم هنا في هذه القلعة حمايةً من الكونتيسة باتوري وشهوتها البغيضة لدماء الأبرياء، فقد استسلمت في هذه الحرب. لكنّكم ستضطرّون لانتزاع مثل هذه الأكاذيب والأيمان الباطلة من جثتي بسحر الشريكة المُفضلة لمستبيحتكم".
أومأ بخشونة نحو ياكسا الأحمر ثم بصق على الأرض. حدث تصلّب بين السُّيَّاد الحاضرين. لكنّ فيبرون لم يتحرّك استجابةً لذلك، ثابتاً في مكانه قبل أن يهزّ رأسه فحسب، لتتأرجح تلك الخصلة المنفوشة من الشعر الأبيض التي بدت كأنّها تعصف بها كلّ رياح العالم مع تلك الحركة.
قال فيبرون: "كفّ عن هذا الهراء، يا جيورجي! لقد لعبت لعبتك، وهي واضحة كوضوح الأيام والنجوم لكلّ كونت آخر عبر وديان الحافة ما كنت أنت والملك تحاولانه".
لاحظت جويل بشيء من الحيرة أنّه صُعق تماماً بهذا الكلام، لكنّ الصَّعقة تحولت إلى نظرة لامعة العينين بينما استمرّ الكونت.
قال فيبرون: "لقد التففت حول رايتها لأنّ هذا كان تجاوزاً هائلاً! استردّ أكاذيبك ويمكننا إعادتك إلى بناتك وابنك. يمكن أن تنتهي الحرب".
اكتفى جيورجي ثورزو بهزّ رأسه عند ذلك واستدار لينظر في عينيّ فيبرون مباشرة، ثم التفت وواجه كلّ واحد من السُّيَّاد بالتناوب. الأبي وكلياتباترن في البداية لكنّه قابل كلّ عُين بعد ذلك. حتّى أقلّ ممثلي السُّيَّاد شأناً. كان بعضهم مجرّد فرسان، أو في إحدى الحالات جندياً مشاةً! ثم ضحك، وكان صوتاً غريباً. قبيحاً من نواحٍ، ومستريحاً من نواحٍ أخرى، ومرعباً في نواحٍ أكثر. كان ينتن الآن بعبق يتناسب مع ضحكته.
نظر إلى فيبرون ثم التقى بنظرة جويل أخيراً وتخلّل ضحكه قهقهة أخفّ قبل أن يتحنحن.
قال: "أكاذيب؟ أتظنون اتهامي لذلك الوحش المتخفي في زي كونتيسة أكاذيب؟!".
هزّ رأسه وضحك مجدداً. بدا صوته غير سليم بطريقة ما، كأن شيئاً في داخله ينكسر.
همس برفق: "أخذتم جميعاً كلمتي وعهدي ككذبة لتستولوا على أراضيكم؟".
"أتريدون إعادتي إلى بناتي؟ إلى ابني وعائلتي؟".
أحدق بغضب في ياكسا الأحمر. ارتفع صوتة بغضب لم تسمعه جويل سوى مرّة واحدة من قبل.
"إذن أخبروني أين هي! أخبروني ماذا فعلت تلك الساحرة بماروتشا!".
ثم تحول الصوت ليصبح أخفّ وبطريقة ما أقسى من أعلى صياغة. بطريقة مألوفة للغاية لأذن جويل.
"أخبروني أين ابنتي".
لم تسمع جويل مثل هذا الغضب قطّ إلّا مرّة واحدة. وكان ذلك في صوت أبيها.