عشرة واثنان. كان الحصن، وكان الحصن إياه. تردّدت تلك الكلمات في أعماقه يومئذٍ كدقّ ناقوس في معبد. واقفاً في التعبئة مع مئة رجل آخر من قريته، جداراً واحداً، والرماح مشدودة. هذا ما تمنّى لو كان حقّاً. هذا ما أدرك أخيراً أنّه واقع. كان لجسده اسمٌ آنذاك، ولكن شأنه شأن أيّ حصن آخر لم يكن له حقّاً. شيءٌ قيل عنه. ولكنْ منذ متى صار جسده عظماً ولحماً لا حجارةً وأخشاباً؟ منذ متى صارت له سيقان لا أساسات؟
وما السيقان إلا أساساتٌ دقيقة وأوهى وأضعف؟ منذ متى أمسك بترسٍ لا بجدار؟ منذ متى تحرّك بدل أن يناور وينهض؟ منذ متى وقف بدل أن يتحصّن؟ وما الالتفاف بالثياب إلا تعزيزٌ أوهى وأعزل؟ كان الحصن. وكان الحصن إياه. تمدّد تحت الأرض وحمل الجيوش إلى مواضعها. حماها من سهام الغازي ونيرانه. قلب الهجمات وطعنها. انتصب عالياً بجذور تشبه الجبل. حُفرت حجارته واستوفت صلابتها في جوفه. بصفته إياه.
تخلخلت أساساته، وتشابكت أبراجه، وتصدّعت معاقله. وحِيدت شرافاته. كان واقعاً تحت الحصار فجمع في نفسه الأسلحة للردّ. للتعزيز، والدعم، والحماية. كان الحصناً ولا حصنَ يكتمل بغير المحميّين. اندفعت مدينة في جوفه ككبش محاصرة يضرب خشباً نخراً. مبنى واحدٌ يفتّت حجارته بلبناته، ويشبك أساساته بحصى الطرقات. يجرّد أخشابه للأبواب والطاولات والألواح الرخيصة. ضرب مرتّداً، جدران العقل تطبق وتعصر ذلك الفرع من المدينة.
تحفر فوق الأساسات الواهية وتنهض من جديد، أقوى مما سلف. بُلع المستنقع، سدود صلبة تحوّله، وقنوات تجفّفه، وحجارته مسوّاة لردّ الماء. الخشب وصنيع البشر أقوى من التراب والحلز وحدها. إلا أن المستنقع طغى عندئذٍ بسيول جرفت حصوناً أضعف. أغرقتها. طمرتها في الطمي والزمن. بيد أنه لم يكن بناءً واهياً يصادف في مكان كهذا. كانت جذوره الجبال، وحجارته صلدة، متماسكة التراصّ وملاطها وثيق.
وكانت أخشابه من أشجار عريقة قوية وطابت مع العصر. وفي جوفه حراس وقرويون، والمحميّون يمنحونه قوّة تفوق حجارته وحدها. فما الحصن بلا من يحميهم؟ بلا جنود ومخازن وقرويين. شعر بارتجاف في جوفه. شعر بحجارته تتفكّك. كانت نار التنين الوحشي خطراً بذاتها. وليس شأن الحجارة أن تصمد بوجه اللعنة. نادى الفرسان في الداخل. نادى الجيوش، ونصفه الآخر. حاول تعزيز موطئ قدمهم، حاول تصليب فولاذهم وخشبهم وتروسهم.
غير أن اللحم والعظم ليسا حجارةً ولا خشباً. وما كان لتلك الأساسات أن تحتمل إلا وزناً محدوداً. كان حصناً غير أنه لا يبلغ من القوة إلا مبلغ الموضع الذي يقف فيه. أتاح اللحم تربة فقيرة لبناء جدار وإذ يرقب من نوافذه الضيقة العديدة، ناهضاً خلف خطوط القتال، رأى الفرسان ورجال السلاح يتعثرون بوجه التنين الوحشي ومستنقع الغازي. مضى في طريقه على أي حال، داعماً في كل مكان، على الخطوط كافة.
كان حصناً واليوم كان جداراً متعرّجاً، يرقص وينسج، ينهض ويغوص في خضم قتال صاخب مع خمسة من أمثاله. قد يغلب بناء أصغر من تراب محض، فحصنٌ غضّ غير مجرّب يعجز عن تغطية مساحة شاسعة كمساحته. لكن الحصنات الحجرية عتيقة، وهو كذلك. أتيح له أن يغوص عميقاً ويغدو كلاً واحداً. لامست أساساته صلب عمود الجبل هنا. وتراكمت لديه الحجارة عاليةً هناك ومدعّمة بلحم من تراب. وكان زاخراً بالفخاخ والشرك.
خشباً معدّاً، وأسنان حديد صلدة، وسكاكين منتظرة في عتمة قاعاته. أشياء خبيثة وأقذار تستعدّ للتقيؤ على كل من تجرأ على اختراق جدرانه. بطنٌ مفعم بالمؤن والغبوب ليدوم نصف عام ويصرع أولئك الذين تجرّبوا تطويقه بالمجاعة. صبره أمضى من أي سيف أو رمح. عوت الريح بلا جدوى بوجه حجارته. حلقت الغريفونات من حوله وضربت بعنف أبناء جنسها بعيداً عن متناوله. واحتضن أعشاشها بثقة مستعدّاً لاستقبالها عائدة، ولترميم لحمها وتحصينه على نحو ما أمكن.
كان الحصن وسيقف صامداً لأجلهم أجمعين. سواء أمام المستنقعات أو المدن أو الرياح أو الكلمات، كلها كانت زائلة أمام حجارته. حتى نارهم لم تكن شيئاً ما دام يحفظ أخشابه آمنة، قريبة خلف جلد الحجر. كان من يحميهم يفوقون الغزاة عدداً بأشواط. وكانت أساساته أقوى من العناصر العديدة المتجمّعة ضده. التنين الوحشي المنفلت الذي سيق ضده كان وحده موضع ريبة. لم يكن يتصرف على ما ينبغي. كان يضرب هو وحده ومن معه.
يحمي الغزاة من السهام مهما رفع الأبراج عالياً لنجدتهم. أفرغ أنفاسه المفترسة على حجارته فتركها ركاماً وتخلخلت الحجارة المرفوعة فوقها. لم يؤذِ غيره ومن معه. لم يكن ذلك فعل وحش. لقد كان الأمر مثيراً للريبة. لم يصادف قط جداراً صمد جيداً أمام تنين وحشي. والأجدى الاكتفاء بسماكة التراب والصبر على وحوش كهذه وانتظار رحيلها أو إقدام الفرسان على قتلها. لكن شيئاً ما كان معيباً.
كان الحصن وكان الحصن إياه. استطاع حماية من يحميهم من الريح والنار، من الرماح والسهام، من السيف والفولاذ. غير كيف يحمي من هذا؟ كان الحصن وكان الحصن إياه. وما الحصن إن عجز عن الحماية؟ أكان شيئاً يذكر أصلاً؟ شعر بانقلاب متحرك في أساساته أعمق من الجبال والحجر. كان التنين الوحشي ينهض. حلقت الغريفونات كما ينبغي وتحرّكت لاعتراض الكائن الأبله في الهواء. بيد أن رشاقة بدت عليه لم تكن معهودة من قبل.
سحب حجارته ليتدبّر، وليخطط ويدبر كالمدافعين. محشوراً ومحاطاً بالفكر إن لم يكن بالقوة. كان الغزاة أذكياء أحياناً. ينصبون الفخاخ، ويحفرون بصبر لتقويض حصون أقلّ يقظة منه. تذوّق شركاً في هذا. تذوّق مناورات ومكائد. تذوّق ماءً مسموماً في الآبار ولاجئين سيقوا إلى بواباته لاستنفاد قوته. ثمة فخ هنا. انقضت الغريفونات مجدداً ثم هوت أمام التنين الوحشي. انتهى الأمر قبل أن تكاد نوافذه تدرك ذلك.
شعر ببرودة تتسلل عبر أخشابه. بدت أساساته أشدّ اضطراباً. لأول مرة منذ عشرات الحصارات، وضعف حروب أخرى كان فيها معسكراً أزهى من جدران صلبة، شعر بشيء ما عجز عن التخلّص منه أبداً. فكل حصن كان قطعة من الخوف بمقدار ما هو من الحجر. لا يوقى أحد بلا ما يدافع ضده. وحتى أصلب الجدران لا تصمد دوماً بوجه أعمال الحصار. سواء بالجوع المستنفد لمن يحميهم أو بالقوة الرهيبة لكسر جدرانه، لم يصمد دوماً.
وشعر بالارتجاف في الأعماق عند عمود الجبل حيث تقوم أساساته. شعر بتداعٍ أعمق أيضاً. كان ثمة ما ينبغي عليه فعله، أمر برياح تعصف في قاعات خالية وتتردد أصواتها فوق الحجارة والأخشاب النائنة الصرارة. كان الأمر عسيراً. أصعب من ردّ لبنات المدينة، أو رصّ الصفوف بوجه مياه المستنقع. أصعب من إخفاء أخشابه عن نار الدماء المهراقة الحارقة. لكنه احتاج إلى فعله. احتاج إلى انتزاع نفسه من موقعه في نظام العالم وفعل ما كاد ينسى كيفية فعله.
لكن كانت له ذكريات سوى ذكرياته، ذكريات متكتّلة تلتمس المأوى من العواصف والجيوش. الوحوش والغيظ. قبض بقوة على ذكريات من آواهم وطحن ببطء من تلكم اللحظات لغزها الخفيّ. ناصباً إياه كبرج، مشعّاً المعنى فيه كشعلة إنذار. كان عليه إطلاق تحذيرات. بعث الخبر إلى أبراج أخيه البعيدة. لا إلى برج أو حصن آخر، بل إلى رجل. كائن من لحم واهٍ عن حمل عبء حجارته وثقل قوته. أطلق التنين الوحشي الذي لم يكن تنينًا وحشيًّا ستارة من الموت تحته.
حاصداً الآلاف ممن خُلق ليحميهم. محطماً جدرانه ومكسرّها. انتهى الجهد أخيرًا ونجح في جمع الأجزاء كافة بالترتيب السليم. لإطلاق التحذير. في الأوان المناسب.
"اللورد ثورزو، إنني أسقط".
وحينئذٍ ملأته اللعنة المدمرة للكل. وتفككت أخشابه، وصارت حجارته رماداً، وتفسخت إرادته. كان حصناً، غير أنه سقط حتماً.