«هكذا، هاتوها إلى هنا».
«حسناً!».
سُمع وقع الأقدام مع هتافات الرجال الأشداء. نحو عشرة عمال ينقلون مواد بناء متفرقة تتألف بمعظمها من الطوب الأحمر. وقف رولاند جانباً يتأمل أولئك الذين استأجرهم لبناء متجره الخاص. في البداية، كان يفكر في تشييد مبنى خشبي من جذوع وألواح بسيطة. ثم بعد نقاشه مع بيرنير اتجه نحو حل أكثر استقراراً. المبنى المصنوع من الطوب أكثر متانة بكثير ويمكن تعزيزه من الداخل ببعض سحر الرون.
مع أن الطوب لم يكن يقبل نقش الرون مباشرة، كانت هناك طرق أخرى تستخدمها المتاجر السحرية المختلفة. الطريقة الأسهل كالعادة هي تبطين المكان بمعدن رقيق ونقش الرونات عليه. كان يستطيع أيضاً استخدام لفائف الرون، وهناك طريقة ثالثة يستطيع المرء فيها استخدام طلاء سحري خاص. هذا الطلاء قادر على الاحتفاظ بشحنة رونية لفترة قصيرة لكنه أهول تكلفة بكثير من لفائف الرون العادية. قبل أن يتوصل إلى التدابير الدفاعية لهذا المتجر كانت هناك أمور أخرى ينبغي أن يلقي بالاً لها.
أولها بناؤه فعلاً ثم ملؤه ببضائعه. مع أن التكنولوجيا في هذا العالم أدنى بكثير من تكنولوجياه القديمة، فإن عملية البناء كانت سريعة جداً في الواقع. بمساعدة مهارات وسحر شتى لتعين الحرفيين، سار كل شيء بسلاسة. النجارون ذوو المستوى العالي لم يكونوا بحاجة إلى أشياء مثل أشرطة القياس ولا مؤشرات تخبرهم إن كانوا يقطعون في المكان الصحيح. بوسعهم تبين ما إذا كان ما يفعلونه متوازياً بنظرة واحدة فقط.
هكذا زادت عملية رصف الطوب وتقطيعه أضعافاً مضاعفة. نظيرات الأسمنت والجص الخيميائية كانت هنا أيضاً. الواقع أنها أفضل من مثيلاتها الحديثة إذ تجف أسرع ولا تتطلب أشياء مثل خلاطات الخرسانة الثقيلة للربط. كل هذا بفضل مجال سحر الأرض الذي سمح لهؤلاء البناؤون باستخدام تقنيات متخصصة. كانت لديهم أداة سحرية معينة تتسبب في تصلب مزيج الربط عند استخدامه. هذه الأداة تعمل بسائل المانا وتلك التي استعملها هؤلاء الرجال حملت نقوشاً رونية.
سارع رولاند إلى خربشة الأنماط والمكونات الرونية لاستخدامها مستقبلاً. لقد دأب على سرقة أسرار شركة مكلفة بفعلته هذه لكنها ستتيح له إصلاح الأمور هنا دون مساعدة شركة البناء إن تعطل أي شيء يوماً. كان لا يزال بحاجة إلى المزيج الخيميائي ليتوافق معها، لذا قد لا تكون الأداة المكتسبة حديثاً قابلة للاستخدام حتى.
«السيد وايلند».
بينما كان يفكر في المتجر الجديد لاحظ وجهاً مألوفاً يناديه. كان شاباً بشرياً في نحو الثامنة عشرة من عمره. امتلك الشاب شعراً أصفر مصففاً بقصة بوب وعينين زرقاوين للغاية.
«كلوس؟ أليست شحنة سلع الرون مستحقة بعد أسبوع؟».
«نجل، لم آت من أجل ذلك، أرسلني النقاي لأوصل هذه الرسالة إليك».
سُلِّم رسالة تحمل ختماً عليها. بنظرة واحدة أدرك أنه ختم خاص إن لم يُزَل بالشكل الصحيح سيتسبب في اشتعال الرسالة بالنيران. بعد تسليم الغرض أومأ كلوس لرولاند وشق طريقه مغادراً. كانت عيناه مثبتتين بوضوح على عمال البناء العضلات الذين كانوا يخرجون المواد من حقائبهم الظهرية المكانية.
«ألم يكن هذا كلوس، لكن المفترض أن يبقى لدينا أسبوع...».
«أعلم، أحضر رسالة، أيمكنك تفقد العمال؟».
«حاضر يا رئيس، سأحرص على مراقبتهم كالصقر، إن حاولوا سرقة شيء ما فسيقرض أغني أعضاءهم!».
التفت رولاند نحو أغني الذي أطلق نباحاً مسروراً.
«توقف عن تعليمه أموراً غريبة أرجوك...».
هز رولاند رأسه وعاد إلى غرفته. وهناك استخدم تقنية بسيطة على الرسالة لإذابة الختم. هذه الأواع من الرسائل يمكن ضبطها لتتلاءم مع بصمة مانا الشخص. مُنحت مثل هذه البصمة للنقابة حين كان يوقع العقد معها. ومن خلالها، بوسعهم التواصل عبر هذه الأنواع من الرسائل المختومة. سبب قراره التواصل معه بهذه الطريقة غريب بعض الشيء، فهذا يعني أن شيئاً ما قد حدث.
«تحياتي يا وايلند، نحتاج إلى الحديث عن أمر ما تعال إلى النقابة اليوم عند الغروب».
ضيق رولاند عينيه ناظراً إلى قصاصة الورق. تفحص الظهر ليرى إن كان هناك شيء آخر لكنه لم يستطع رصد أي شيء.
«أكان عليه استخدام أمر معقد كهذا للتواصل معي؟».
بدا غريباً أن يتكبد سيد النقابة عناء تقديم رسالة كهذه إليه. كان بإمكانه إخبار الفتى المرسل ببساطة ليبلغه. لأجل ماذا هذا التكتم؟ لم يكن يعلم لكن بعد قراءة الرسالة تحول الحبر السحري عليها إلى اللون الأحمر واشتعلت نيراناً أمامه.
«سيد النقابة هذا طاش عقله دائماً...».
مع أن رولاند لم يرغب في الذهاب، فقد أُجبر على زيارة النقابة والتحدث مع سيد النقابة. ما زال حائز فئة من الفئة الثالثة وشخصاً يسانده. بفضل وقوف النقابة وراءه حاز درعاً مريحة تحميه من القوى الخارجية. التفاعلات التي خاضها معه غريبة بعض الشيء. لم يستطع أبداً إدراك ما يبتغيه الرجل حقاً إذ تصرف أحياناً باسترخاء شديد لكنه أبدى في مناسبات أخرى نوبات غضب عارمة لجذب الجميع نحوه.
مع ذلك، فهو شخص في مركز أعلى في هذه المدينة وفي النقابة التي جني جل ماله من خلالها. هكذا انتظر رولاند حتى ينتهي عمال البناء من عملهم لهذا اليوم قبل التوجه إلى المدينة. بدا الجو قاتماً بعض الشيء وأشارت الغيوم إلى قرب هطول المطر. وقد حالفه الحظ بما يكفي ليصل إلى النقابة قبل بدء المطر. امتلأت النقابة عن آخرها برجال ونساء يهتفون كالمعتاد. مع أنه كره هذه المظهرات في البداية فقد اعتادها رولاند مع مرور الوقت.
لقد فضّل هؤلاء الأفراد الصاخبين على النبلاء بكثير. يطرح نوع المغامرين عواطفهم أمام أنفسهم بينما يبدو النبلاء أكثر تحفظاً ومكراً. الأخيرون يصعب سبر أغوارهم وعلى المرء القلق دائماً بشأن ما يقولون. إساءة نبيل قد تكون نهاية مسيرة طويلة للمرء، بينما يفضل المغامرون من جهتهم ترك قباضاتهم تفصح عما تريد. كان يرى أحياناً رجلين يتعاركان بسبب خلاف تفه ليصبحا صديقي كأس في اليوم التالي بعد أن يكسر أحدهما أسنان الآخر.
لحسن الحظ في هذا العالم امتد السحر الشافي إلى الأسنان وهكذا يستطيع الناس إطلاق العنان لعدوانيتهم المكبوتة دون عوائق تعرقلهم. حتى المغامرين الذين أفرغ غضبه فيهم، شُفيت عظامهم في غضون يوم واحد.
«مساء الخير يا سيد. وايلند، سيكون عليك الانتظار قليلاً لأن سيد النقابة مشغول بموعد سابق».
استقبلته إيلوديا التي بدت في غاية المهنية كالمعتاد. دون أرمان ولوبيليا هناك لم تجد أحداً لتفرغ غضبها فيه حقاً.
«لا بأس، سأنتظر في الداخل».
النقابة مألوفة له بالفعل وهو تحت طائلة عقد. وبفضل هذا استطاع استخدام بعض الغرف الداخلية دون طرده. هكذا ولج للداخل وترك أصوات المغامرين العالية وراءه إذ قرر الجلوس في الممر. وهناك يستطيع الانتظار حتى يخرج الأشخاص الذين يتحدثون مع سيد النقابة ليعلم متى يمكنه الدخول. لم يستغرق ذلك وقتاً طويلاً إذ استطاع سماع بعض الحركة عند الدرج. الأشخاص الذين خرجوا لم يكونوا ممن يعرفهم لكنه استطاع استشعار توقيع مانا واسع النطاق إلى حد ما من أحد أولئك الأشخاص.
هذا غريب تماماً إذ كان الشخص قزماً ولا يُعرف عن الأقزام امتلاكهم قدراً كبيراً من المانا. كانا اثنين، وحتى دون النظر إلى إحصائياتهما استطاع رولاند معرفة أنهما حرفيان كفؤان. لم يمنعه ذلك من استخدام مهارة التحليل لديه لمحاولة استكشاف هويتيهما. رؤية أقزام في النقابة بينما صراعهم معه جارٍ أمر مثير للقلق قليلاً.
الاسم:
بامور المستوى 122
الفصائل:
ساحر المستوى 25 من الطبقة 1
حدّاد المستوى 25 من الطبقة 1
كاتب مانا المستوى 25 من الطبقة 1
حدّاد تعاويذ المستوى 47 من الطبقة 2
الاسم:
دونان المستوى 131
الفصائل:
حدّاد المستوى 25 من الطبقة 1
عامل منجم المستوى 25 من الطبقة 1
صانع دروع المستوى 50 من الطبقة 2
صانع أسلحة المستوى 31 من الطبقة 2
لم تكن صفوف المدعو دونان تشذّ عن المألوف حقّاً، غير أنّ القزم الآخر كان مختلفاً. كانت هذه مرّته الأولى التي يقع بصره فيها على صانع تعاويذ حقيقيّ، وكان هذا الرجل في مرتبة عالية للغاية. كانت مهارة التحليل تقلّ فعاليّتها كلّما علَا الكائن عن مستواه، فكانت تلك أقصى معلومات يمكنه استخلاصها منه. لحسن الحظّ، لم يكونا مرتدبين أيّ أغراض سحرية تخفي صفوفهما عن الأعين. لم يكونا قادرين على تفحّصه ممّا سيجعل صفّ سيّد صانع الرون مستوراً.
كان تطور صانع التعاويذ شبيهاً للغاية بتطور صانع الرون. كان المرء يصبح ناسخ مانا أولاً إلى جانب اضطراره ليكون حدّاداً وساحراً. ثمّ كان عليه تعلّم مهارات محدّدة خلال مرحلة نسخ المانا وتعويذ الأشياء بصفته حدّاداً. وحينها سيغدو خيار المرتبة الثانية متاحاً. عادةً ما كان الأقزام يفضّلون اختيار مرتبة صانع الرون لكونها صفّاً أشمل وأفضل. كانت هنالك بعض المتطلبات في الخصائص الأساسيّة ممّا وضع جداراً يصعب اجتيازه.
مع تلك المتطلبات العالية، استطاع واحد فقط من كلّ أربعة أشخاص بلوغ صفّ صانع الرون فعليّاً. هذا ما جعل صانعي التعاويذ أكثر انتشاراً بكثير حول العالم. كما كان تعلّمهم أيسر والتقدّم فيهم أسهل من دون امتلاك معرفة خارجيّة تذكر. هكذا كان صانعو الرون موقارين نوعاً ما في الدوائر القزميّة. لكنّهم في الوقت الذي أحبّوا فيه صانعي الرون الخاصّ بهم، احتقروا أيّ سلالة أخرى تبلغ هذه المكانة من دون موافقتهم.
كانت هويّتهم برمّتها قائمة على الصناعة، وحين يظهر أحدهم ممّن بوسعه التأثير في هذا، فإنّهم غالباً ما كانوا يتفاعلون بالطريقة التي يتبعونها الآن. استطاع رولاند استشعار نظرات القزمين إليه. ظنّ في البداية أنهما سيبدأن العبوس وحدق بغضب، لكنّهما بدا عوضاً عن ذلك في مزاج جيّد. حين مرّا به كاد يقسم أن أحدهما أطلق ضحكة خفيّة. تبختر اثنان إلى الخارج بينما نهض هو متوجّهاً نحو السلالم صعوداً إلى مكتب سيّد النقابة.
كان جليّاً أنّ القزمين اللذين مرّ بهما يتبعان اتحاد المدينة. بدا أنّ هذه الزيارة الغريبة التي استُدعي إليها ستكون مثيرة للاهتمام نوعاً ما.
قال: "هذا أنا، وايلاند".
طرق الباب وسمع سريعاً صوت سيّد النقابة.
قال: "ادخل".
اتخذ مكانه المعتاد في الداخل ولاحظ أن ثمّة خطباً ما. وجدت على مكتب سيّد النقابة بعض الأوراق الممزقة. لم يكن متأكداً في البداية، لكنّه أدرك سريعاً أن ما كان ينظر إليه هو العقد الذي وقّعه مع النقابة. لم يفرض العقد عبئاً يذكر على النقابة، إذ كان بإمكانهما طرده دون خسارة الكثير. عُزى هذا برمّته إلى تلقيه المعرفة المطلوبة لصهر الرون الذي كان يستعمله الآن. كان عليهما دفع رسوم زهيدة لكنّه لم يبدُ أنّ سيّد النقابة يأبه لهذا الأمر.
سأل وايلاند بينما كان ينهض: "أرى أنك رضخت لمطالب الاتحاد؟".
بدا أنّ هذه المحادثة لن تستغرق وقتاً طويلاً، ولم يكن مهتماً حقّاً بالاستماع إلى أيّ نوع من الشروحات المطوّلة من هذا الرجل. في هذه المرحلة من حياته، شعَرَ بأنه سيكون بخير. استطاع الأقزام المحاولة، لكنّ مجموعة مهاراته كانت أندر من أن توقفها حيلهم الصغيرة. غير أنه، وفي الوقت الذي كان واثقاً نوعاً ما من قدرته على بيع بضائعه، برزت مشكلة الحصول على المواد المناسبة. قبل أن يتسنى له التفكير في تلك المعضلة، ناداه سيّد النقابة.
صاح أوردان سريعاً وهو يرمي العقد الممزق جانباً: "هذا مجرد ورق عديم المعنى، هكذا لا تُبنى العلاقات بين البشر. هذا الهراء مخصص فقط لمن يفتقرون إلى النزاهة، ولا أظنك شخصاً يفتقر إليها".
جلس رولاند مجدداً لكنّ الحيرة لم تزُل عن وجهه. مُزّق العقد وكانت النقابة تقطع روابطها معه بوضوح. ما قصة حديث النزاهة الغريب هذا؟
"أدركتَ على الأرجح أن الأقزام قوم عنيدون. لفضلوا الإفلاس على السماح لدخيل بالعبث بما يحسبونه جزءاً من تقاليدهم".
اكتفى رولاند بالهزّ رأسه، إذ بدا أن الأقزام قوم لا يفكرون في الأرباح وحدها. كان بالإمكان جني المزيد من الأموال لو تعاونوا معه. لو وُضعت بضائعه في متاجرهم لأقبل المزيد من الناس على شرائها، ولبعهما حتى تقاسم تكنولوجيتهما السحرية.
أجاب رولاند فيما كان سيّد النقابة يخرج عن الموضوع نوعاً ما: "لست متأكداً حقّاً إلى أين ترمي بهذا...".
كان الوقت مالاً ولذا لم يرغب رولاند حقّاً في الاستماع إلى أيّ شرح واهٍ من هذا الرجل يبرر به قراره بقطع الروابط فحسب.
"أراك متلهفاً للعودة إلى بيتك ومتابعة عملك، لكن أترون الأمر سيكون بهذه السهولة؟".
"ماذا تعني؟".
"أتعتقد أن بضائعك الرونية تكفي لتجاوز هذا؟ أسيقن الأمور بتلك السهولة؟".
"لماذا لا تكون كذلك؟ حتى إن لم تساعدني، فما زال بوسعي البيع في دار المزاد...".
"في دار المزاد؟ أأنت جربت حقّاً فعل ذلك مؤخراً؟ إنك تهون من شأن الاتحاد".
اضطر رولاند للتوقف والتفكير. مرّ بعض الوقت منذ آخر زيارة له لدار المزاد، وإن كان الاتحاد يملك نفوذاً كافياً هناك فسيكون بمقدوره على الأرجح منعه من البيع هناك. لن يبقي له ذلك سوى التجوال في الشوارع باعة متجولين أو استقطاب الناس إلى متجره الجديد.
"سأكون بخير، سأتدبر أمري بطريقة ما".
"أنا متأكد من أنك ستفعل، لكن ما أود قوله هو إنك لست مضطراً لذلك".
انتعش رولاند عند سماع الكلمات إذ أراد سيّد النقابة لسبب ما مواصلة علاقتهما.
"أتريد الاستمرار في مساعدتي من خلف ظهر الاتحاد؟".
"شيء من هذا القبيل، دعني أشرح، اجلس، قد يستغرق هذا وقتاً طويلاً...".
وفيما لم يكن متأكداً ممّا ينبغي عليه فعله حيال الأمر، قرر رولاند الاستماع إلى عرض سيّد النقابة. شرح أوردان سبب الإنهاء أولاً. كان الحرفيون الآخرون يجدون صعوبة في كسب عيشهم، وستكون معركة صعبة تلتهم الكثير من القطع النقدية إذا أرادوا معارضة خزائن الاتحاد الطائلة. لم يكن بوسعه لوم الحرفيين الآخرين حقّاً على ظنّهم بأنه المشكلة. قبل قدومه كان كلّ شيء على ما يرام. كان سينجو على الأرجح حتى وإن كان الاتحاد ضده، لكنّه كان سيضطر لبيع بضائعه بأقل علانية.
وهنا أيضاً بدا أن هذه المحادثة آلت إليه.
"تريد مني أن أفعل ماذا؟".
"سيتعين عليّ توقيع عقد، سيمنعني هذا من تقديم العون لك علانية، ولكن... توجد طرق أخرى لجني المال".
رسم أوردان ابتسامة خبيثة وهو يطرح على رولاند مقترحاً غير أخلاقيّ نوعاً ما.
"قبل أن أوقعه، بوسعي إيصالك ببعض معارفي، وعبرهم ستتمكن من شراء ما تحتاجه والأهم من ذلك البيع".
كان الحديث يدور عن السوق السوداء. كان كياناً مختلفاً تماماً عما كان يديره الاتحاد القزمي والتجار. كان شيئاً خفياً، وإن امتلكت شيئاً تقدمه، فسوف يأخذونه.
سأل إذ لم يكن واثقاً من قدرته على الثقة بهذا الرجل: "لماذا تفعل هذا؟ بإمكانك بكل سهولة نفض يديك من كل هذا والانتهاء منه، فلماذا تعارض الأقزام هكذا؟".
ماذا لو كانت هذه المعارف التي يتحدث عنها مجرد مؤامرة لتوريطه مع القانون. كانت السوق السوداء سوقاً سوداء لسبب ما. لو أوقكته السلطة الحاكمة في المنطقة، لوقع في خضم مشكلة عويصة.
"لماذا أعارضهم؟ لأنني طماع! "، تكلم أوردان باعتزاز كأنّ لا عيب في تلك العبارة.
"لا يعجبني أن تُؤخذ مني الأشياء، ولن أستمتع بشيء قدر استمتاعي برؤية هؤلاء الأقزام اللعناء يتجرعون الهوان. أعرف أيضاً استثماراً جيداً حين أراه، وأمامك مستقبل باهر لكن الأمر لن يكون سهلاً. لم يكن رولاند متأكداً حقّاً من مصدر هذه الثقة، لكنّ هذه الصفقة منحته مخرجاً من هذه الورطة. كان يعلم ما يرمي إليه أوردان هنا، فقد أراد إبقاءه على علاقة طيبة بينما يسترضي الاتحاد القزمي في الوقت ذاته. كان العجوز يحاول بوضوح اللعب على جبهتين، وما إن كان سيقف في صفه لو انكشف كلّ هذا فظلّ أمراً مشكوكاً فيه. "فما الرأي إذن؟
يا وايلاند، ليس لدينا وقت طويل، فما إن أوقع العقد حتى تغلّ أيدِينا". نظر رولاند إلى يد سيّد النقابة الكبيرة التي كان يمدها نحوه. كان جليّاً أنّ هذا لن يكون سوى اتفاق بين رجلين. سيعتمد الأمر على شخصيتيهما إن لم تكن هناك أيّ دوافع خفية. هكذا وجب اتخاذ قرار كبير. أسيقطع روابطه مع النقابة ويحاول فعل كلّ شيء بنفسه، أم سيحاول استخدام معارف أوردان لتخفيف وطأة فقدان مورديه.